الوجه هو الأقرب، والأظهر فيما يظهر لي دون تكلّف، وتعسّف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٧٣] (٦٨٦) - (وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَزُهَيْرُ ابْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَمَّارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَيْهِ، عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، قَالَ: قُلْتُ لِعُمَر بْنِ الْخَطَّابِ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ؟ فَقَالَ: عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ»).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ، صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في «المقدمة» ١/ ١.
٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧.
٣ - (زهَيْرُ بْنُ حَرْبِ) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (خ م د س ق) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٢.
٤ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الْحَنْظليّ، أبو محمد المروزيّ، ثقةٌ حافظ مجتهدٌ [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٨.
٥ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ) بن يزيد بن عبد الرحمن الأوديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٨] (ت ١٩٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٤.
٦ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ
مولاهم، أبو خالد، وأبو الوليد المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، يدلّس، ويرسل [٦] (ت ١٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٩.
٧ - (ابْنُ أَبِي عَمَّارٍ) هو: عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن أبي عمار القرشيّ المكيّ، حَلِيف بني الْجُمَح، الملقب بـ «القَسّ» -بفتح القاف، وتشديد السين المهملة- لعبادته، ثقة عابد [٣].
روى عن أبي هريرة، وابن عمر، وابن الزبير، وجابر، وشدّاد بن الهاد، وعبد اللَّه بن بابيه.
ورَوَى عنه عبد الملك بن عبيد بن عُمير، وابن جريج، وعمرو بن دينار، ويوسف بن ماهك، وعكرمة بن خالد.
قال ابن سعد، وأبو زرعة، والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في «الثقات»، ونقل ابن خلفون توثيقه عن ابن المديني.
رَوَى له الجماعة سوى البخاريّ، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٨ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَابَيْهِ) ويقال: باباه، ويقال بحذف الهاء، مولى آل حُجير بن أبي إهاب، ويقال: مولى يعلى بن أمية، المكيّ، ثقة [٤].
رَوَى عن جبير بن مُطعِم، وابن مسعود، وابن عُمر، وابن عَمْرو، ويعلى بن أمية، وأبي هريرة.
وروى عنه أبو الزبير، وإبراهيم بن مهاجر البجليّ، وحبيب بن أبي ثابت، وعمرو بن دينار، وقتادة، وعبد الرحمن بن عبد اللَّه بن أبي عمار، وأبو حَصِين الأسديّ، وغيرهم.
قال علي ابن المدينيّ: عبد اللَّه بن بابيه من أهل مكة معروف، ويقال له أيضًا: ابن باباه، وقال البخاريّ: عبد اللَّه بن باباه، ويقال: ابن بابي، وقال ابن معين: هؤلاء ثلاثة مختلفون، وقال أبو القاسم الطبرانيّ: عبد اللَّه بن بابي بصريّ، وعبد اللَّه بن باباه مكيّ، وعبد اللَّه بن بابيه كوفيّ، قال أبو الحسين بن البراء: القول عندي ما قال ابن المدينيّ، والبخاريّ.
وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال النسائيّ: عبد اللَّه بن باباه ثقة، وثَّقه العجليّ، وابن المدينيّ، وذكره ابن حبان في «الثقات».
أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٩ - (يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ) بن أبي عبيدة، واسمه عبيد، ويقال: زيد بن هَمّام بن الحارث بن بكر بن زبد بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، أبو خلف، ويقال: أبو خالد، ويقال: أبو صفوان المكيّ، حَلِيف قريش، وهو يعلى ابن مُنْية -بضمّ الميم، وسكون النون، ثم تحتانيّة- وهي أُمّه، ويقال: جَدّته.
روى عن النبيّ -ﷺ-، وعن عمر، وعنبسة بن أبي سفيان، وروى عنه أولاده: صفوان، ومحمد، وعثمان، وعبد الرحمن، وبقال: إن عبد الرحمن أخوه، لا ابنه، وعبد اللَّه بن الديلميّ، وعبد اللَّه بن بابيه، وموسى بن باذان، وعطاء، ومجاهد، وغيرهم.
قال ابن سعد: شَهِد الطائف، وحُنينًا، وتبوك مع النبيّ -ﷺ-، وقال أبو أحمد الحاكم: كان عامل عمر بن الخطاب على نَجْران، وقال الدارقطنيّ: مُنية بنت الحارث بن جابر أمّ العوّام بن خُويلد، والد الزبير، وهي جدة يعلى بن أمية التميميّ، حليف بني نوفل، أمّ أبيه دُنيا ، وبها يُعْرَف، قال ذلك الزبير بن بكار، وأصحاب الحديث يقولون في يعلى بن أمية: إن مُنية أمه، وقال زكريا بن إسحاق، عن عمرو بن دينار: كان أول من أَرَّخ الكتب يعلى بن أمية، وهو باليمن، وقال ابن عساكر: ذكره أبو حسان الزياديّ فيمن قُتِل بصفّين، قال الحافظ: وهذا لا أراه محفوظًا.
ورَوَى النسائيّ من حديث عطاء، عن يعلى بن أمية، قال: دخلت على عنبسة بن أبي سفيان، وهو في الموت. . . الحديث، وقد ذكر الليث، وخليفة أن عنبسة حَجّ بالناس سنة سبع وأربعين، فهذا يدلّ على أن يعلى تأخرت وفاته بعد صِفِّين.
وقال ابن عبد البرّ عن ابن المدينيّ: استعمله أبو بكر على حُلْوان، واستعمله عمر على بعض اليمن، فبلغ عمر أنه حَمَى لنفسه، فأمره أن يمشي على رجليه إلى المدينة، فمَشَى خمسة أيام أو ستة، فبلغه موت عمر، فركب،
واستعمله عثمان على الْجَنَد، فلما بلغه قتل عثمان أقبل لينصره، فصحب الزبير، وعائشة، ويقال: هو حَمَل عائشة على الجمل الذي كان تحته في وقعة الجمل.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث، برقم (٦٨٦) و(٨٧١) و(١١٨٠) وكرّره خمس مرّات، و(١٦٧٣) و(١٦٧٤) وأعاده بعده.
١٠ - (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) أمير المؤمنين الخليفة الراشد، استُشهد -﵁- في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمكيّين من ابن جُريج.
٣ - (ومنها): أن شيخه أبا كُريب من مشايخ الأئمة الستّة بلا واسطة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ، وتابعيّ، عن تابعيّ، وأن عمر -﵁- جَمّ المناقب، فهو أحد السابقين إلى الإسلام، وأحد الخلفاء الأربعة الراشدين، والعشرة المبشّرين بالجنّة، -﵃-.
شرح الحديث:
(عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ) -﵁- أنه (قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) -﵁-، ولفظ أبي داود: «قلت لعمر بن الخطاب: أرأيت إقصار الناس الصلاة، وإنما قال اللَّه ﷿: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فقد ذهب اليوم. . .» (﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾) أي: وِزْر وحَرَجٌ (﴿أَنْ تَقْصُرُوا﴾) -بضم الصاد- أي: في القصر، وهو خلاف المدّ، يقال: قَصَرتُ الشيء؛ أي: جعلته قصيرًا بحذف بعض أجزائه، فمتعلق القصر جملة الشيء، لا بعضه، فإن البعض متعلَّق الحذف دون القصر، فحينئذ قوله: (﴿مِنَ الصَّلَاةِ﴾) ينبغي أن يكون مفعولًا لـ «تقصُرُوا» على زيادة «من» حسب ما رآه الأخفش، وأما على رأي غيره من عدم زيادتها في الإثبات، فتُجعل تبعيضيةً، ويراد بالصلاة الجنس، ليكون المقصور بعضًا منها، وهم الرباعيات، قاله أبو السعود في «تفسيره». (﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾) أي: ينالوكم بمكروه (فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ؟) بكسر الميم، من باب عَلِمَ،
قال في «المصباح»: أَمِنَ زيدٌ الأسدَ أَمْنًا، وأَمِنَ منه، مثلُ: سَلِمَ منه وزنًا ومعنًى، والأصل أن يُستَعْمَلَ في سكون القلب، يتعدّى بنفسه، وبالحرف، ويُعدّى إلى ثان بالهمزة، فيقال: آمنتُهُ منه. انتهى.
والمعنى هنا: أنه ذهب خوفهم الذي كان سببًا لمشروعية قصر الصلاة، فما بالهم يقصرون؟، أو فما وجه القصر مع زوال السبب؟ (فَقَالَ) عمر -﵁- (عَجِبْتُ) بضمّ التاء، للمتكلّم، والفعل من باب تَعِبَ (مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ) بفتح التاء للمخاطب؛ أي: تعجّبتُ أنا مما تعجّبتَ منه أنت.
وقال النوويّ -﵀-: وقع في بعض الأصول بلفظ: «عَجِبتُ ما عَجبتَ منه»، وفي بعضها: «عجِبتُ مما عَجِبتَ»، وهو المشهور المعروف. انتهى .
(فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ ذَلِكَ؟) أي: عن قصر الصلاة مع زوال السبب، وهو الخوف من العدوّ، وحصول الأمن (فَقَالَ) -ﷺ- («صَدَقَةٌ) بالرفع خبر لمحذوف؛ أي: هذه صدقة، وجملة قوله: (تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ) في محلّ رفع صفة لـ»صدقةٌ«.
والمعنى: أن قصر الصلاة صدقةٌ؛ أي: فضل تفضل اللَّه تعالى بِهَا عَلَيْكُمْ، وأكرمكم بها (فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ») أي: سواء حصل الخوف أم لا، فقوله في الآية: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ قد خَرَج مخرج الأغلب، لكون أغلب أسفار النبيّ -ﷺ- وأصحابه لم تَخْلُ من خوف؛ لكثرة أهل الحرب إذ ذاك، فحينئذ لا تدلّ الآية على عدم القصر إن لم يكن خوف؛ لأنه بيان للواقع إذ ذاك، فلا مفهوم له.
وقال السنديّ -﵀-: أي: شَرَع لكم ذلك رحمةً بكم، وإزالةً للمشقّة عنكم، نظرًا إلى ضعفكم، وفقركم، وهذا المعنى يقتضي أن ما ذُكر فيه من القيد، فهو اتفاقيّ ذكرُهُ على مقتضى ذلك الوقت، وإلا فالحكم عامّ، والقيد لا مفهوم له، ولا يخفى ما في الحديث من الدلالة على اعتبار المفهوم في الأدلة الشرعية، وأنهم كانوا يفهمون ذلك، ويرون أنه الأصل، وأن النبيّ -ﷺ- قرّرهم على ذلك، ولكن بَيَّنَ أنه قد لا يكون معتبرًا أيضًا بسبب من الأسباب.
[فإن قلت]: يمكن التعجّب مع عدم اعتبار المفهوم أيضًا، بناءً على أن
الأصل هو الإتمام، والقصر رخصة، جاءت مقيَّدةً لضرورة، فعند انتفاء القيد مُقتَضَى الأدلّة هو الأخذ بالأصل.
[قلت]: هذا الأصل إنما يُعمَل به عند انتفاء الأدلّة، وأما مع وجود فعل النبيّ -ﷺ- بخلافه، فلا عبرة به، ولا يُتعجّب من خلافه، فليُتأمّل. انتهى كلام السنديّ -﵀-.
وقال الإمام ابن القيم -﵀-: قد أشكلت الآية على عمر وغيره، فسأل عنها رسول اللَّه -ﷺ-، فأجابه بالشفاء، وأن هذا صدقة من اللَّه، وشَرْعٌ شرعه للأمة، وكان هذا بيانَ أن حكم المفهوم غير مراد، وأن الْجُنَاح مرتفع في قصر الصلاة عن الآمن والخائف، وغايته أنه نوع تخصيص للمفهوم، أو رفع له. انتهى.
وقال السنديّ -﵀-: الأمر يقتضي وجوب القبول، وأيضًا العبد فقير، فإعراضه عن صدقة ربه يكون منه قبيحًا، ويكون من قبيل ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العلق: ٧]، وفي ردّ صدقة أحد عليه من التأذِّي عادةً ما لا يخفى، فهذه من أمارات الوجوب، فتأمل، واللَّه تعالى أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تقدّم أن القول بوجوب القصر على المسافر هو الأرجح؛ لقوّة أدلّته، ولكن لا يلزم منه بطلان صلاة من أتمّ للتأويل، أو نحوه؛ لما أسلفناه من الأدلّة على ذلك، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
وقال الإمام ابن كثير -﵀- في «تفسيره»: يقول تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النساء: ١٠١] أي: سافرتم في البلاد، كما قال تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ الآية [المزمل: ٢٠]، وقوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]؛ أي: تخففوا فيها إما من كميتها بأن تُجْعَل الرباعية ثنائية، كما فهمه الجمهور من هذه الآية، واستدلوا بها على قصر الصلاة في السفر على اختلافهم في ذلك.
فمن قائل: لا بدّ أن يكون سفر طاعة، من جهاد، أو حجّ، أو عمرة، أو طلب علم، أو زيارة، أو غير ذلك، كما هو مرويّ عن ابن عمر، وعطاء، ويحيى، عن مالك، في رواية عنه نحوه، لظاهر قوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١].
ومن قائل: لا يشترط سفر القربة، بل لا بدّ أن يكون مباحًا، لقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ الآية [المائدة: ٣]، كما أباح له تناول الميتة مع الاضطرار، بشرط أن لا يكون عاصيًا بسفره، وهذا قول الشافعيّ، وأحمد، وغيرهما من الأئمة.
وقد قال أبو بكر بن أبي شيبة: حدّثنا وكيع عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: جاء رجل، فقال: يا رسول اللَّه إني رجل تاجرٌ، أختَلِف إلى البحرين، فأمره أن يصلي ركعتين، فهذا مرسل.
ومن قائل: يكفي مطلق السفر، سواءٌ كان مباحًا أو محظورًا حتى لو خرج لقطع الطريق، وإخافة السبيل تَرَخَّص؛ لوجود مطلق السفر، وهذا قول أبي حنيفة، والثوريّ، وداود، لعموم الآية، وخالفهم الجمهور.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تقدّم أن ما ذهب إليه أبو حنيفة، والثوريّ، وداود هو الأرجح؛ لقوّة أدلّته، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
وأما قوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، فقد يكون هذا خرج مخرج الغالب حال نزول هذه الآية، فإن في مبدأ الإسلام بعد الهجرة كان غالب أسفارهم مَخُوفةٌ، بل ما كانوا يَنهَضون إلا إلى غزو عامّ، أو في سريّة خاصة، وسائر الأحيان حَرْبٌ للإسلام وأهله، والمنطوق إذا خرج مخرج الغالب، أو على حادثة فلا مفهوم له، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣]، وكقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ الآية [النساء: ٢٣].
ثم ساق أحاديث القصر المذكورة في هذا الباب، ثم قال: فهذه الأحاديث دالةٌ صريحًا على أن القصر ليس من شرطه وجودُ الخوف، ولهذا قال من قال من العلماء: إن المراد من القصر ها هنا إنما هو قصر الكيفية لا الكمية، وهو قول مجاهد، والضحاك، والسُّدّيّ كما سيأتي بيانه، واعتَضَدُوا أيضًا بحديث عائشة -﵂- أنها قالت: «فُرِضت الصلاة ركعتين ركعتين في السفر والحضر، فأُقِرَت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر»، متّفقٌ عليه.
قالوا: فإذا كان أصل الصلاة في السفر هي الثنتين، فكيف يكون المراد
بالقصر ها هنا قصر الكمية؛ لأن ما هو الأصل لا يقال فيه: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١].
وأصرح من ذلك دلالةً على هذا ما رواه الإمام أحمد في «مسنده» من طريق زُبيد الياميّ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عمر -﵁- قال: «صلاة السفر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، تمامٌ غيرُ قصر على لسان محمد -ﷺ-»، وهكذا رواه النسائيّ، وابن ماجه، وابن حبان في «صحيحه»، من طُرُق عن زُبيد اليامي به، وهذا إسناد على شرط مسلم، وقد حَكَم مسلم في «مقدمة كتابه» بسماع ابن أبي ليلى عن عمر -﵁-، وقد جاء مُصَرَّحًا به في هذا الحديث وفي غيره، وهو الصواب -إن شاء اللَّه- وإن كان يحيى بن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ قد قالوا: إنه لم يسمع منه.
وقد روى مسلم في «صحيحه»، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، من حديث ابن عباس -﵄- قال: «فرض اللَّه الصلاة على لسان نبيكم محمد -ﷺ- في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة»، فهذا ثابت عن ابن عباس -﵄-، ولا ينافي ما تقدم عن عائشة -﵂-؛ لأنها أخبرت أن أصل الصلاة ركعتان، ولكن زيد في صلاة الحضر، فلما استقرّ ذلك صحّ أن يقال: إن فرض صلاة الحضر أربع، كما قاله ابن عباس، واللَّه أعلم.
لكن اتَّفَقَ حديث ابن عباس وعائشة على أن صلاة السفر ركعتان، وأنها تامة غير مقصورة، كما هو مصرَّحٌ به في حديث عمر -﵁-.
وإذا كان كذلك فيكون المراد بقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١١]، قصر الكيفية كما في صلاة الخوف ولهذا قال: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [النساء: ١٠١]، ولهذا قال بعدها: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ الآية [النساء: ١٠٢]، فبيّن المقصود من القصر ها هنا وذكر صفته وكيفيته، ولهذا لَمّا عقد البخاري كتاب صلاة الخوف صدّره بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٠٢].
وهكذا قال جويبر، عن الضحاك في قوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا
مِنَ الصَّلَاةِ﴾، قال: ذاك عند القتال يصلي الرجل الراكب تكبيرتين حيث كان وجهه، وقال أسباط عن السديّ في قوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ الآية: إن الصلاة إذا صليت ركعتين في السفر فهي تمام التقصير، لا يحل إلا أن يخاف من الذين كفروا أن يفتنوه عن الصلاة، فالتقصير ركعة، وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ يوم كان النبيّ -ﷺ- وأصحابه بعسفان، والمشركون بضَجْنان، فتوافقوا، فصلى النبيّ -ﷺ- بأصحابه صلاة الظهر أربع ركعات بركوعهم وسجودهم وقيامهم معًا جميعًا، فَهَمَّ بهم المشركون أن يُغِيروا على أمتعتهم وأثقالهم، روى ذلك ابن أبي حاتم، ورواه ابن جرير عن مجاهد والسّدّيّ، وعن جابر، وابن عمر، واختار ذلك أيضًا، فإنه قال بعد ما حكاه من الأقوال في ذلك: وهو الصواب.
وقال ابن جرير: حدّثني محمد بن عبد اللَّه بن عبد الحكم، حدّثنا ابن أبي فُديك، حدّثنا ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن أُمية بن عبد اللَّه بن خالد بن أسيد، أنه قال لعبد اللَّه بن عمر: إنا نَجِد في كتاب اللَّه قصر صلاة الخوف، ولا نجد قصر صلاة المسافر؟، فقال عبد اللَّه: إنا وجدنا نبينا -ﷺ- يعمل عملًا عملنا به. فقد سَمَّى صلاة الخوف مقصورةً، وحَمَل الآية عليها، لا على قصر صلاة المسافر، وأقره ابن عمر على ذلك، واحتَجّ على قصر الصلاة في السفر بفعل الشارع، لا بنصّ القرآن.
وأصرح من هذا ما رواه ابن جرير أيضًا: حدّثنا أحمد بن الوليد القرشيّ، حدّثنا محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، عن سماك الحنفيّ، قال: سألت ابن عمر عن صلاة السفر؟ فقال: ركعتان تمام غير قصر، إنما القصر في صلاة المخافة، فقلت: وما صلاة المخافة؟ فقال: يصلي الإمام بطائفة ركعة، ثم يجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء، ويجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء، فيصلي بهم ركعةً، فيكون للإمام ركعتان، ولكل طائفة ركعة ركعة. انتهى كلام ابن كثير -﵀- .
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ظاهر تصرّف ابن كثير -﵀- يدلّ على أنه يرى ترجيح القول بأن المراد بالقصر في الآية المذكورة قصر كيفية الصلاة، وهو صفة صلاة الخوف، لا قصر كميّتها، وهو صفة صلاة السفر، وقد نقل تصحيح ابن جرير له، وأقرّه عليه، والذي يظهر لي أن الأرجح كون الآية شاملة للاثنتين؛ فأما قصر المسافر فحديث عمر -﵁- عنه المذكور في الباب نصّ فيه، حيث سأل النبيّ -ﷺ- عما أشكل عليه من معنى الآية، فقال له: «صدقة تصدّق اللَّه بها عليكم. . .» الحديث، فإن هذا هو قصر المسافر، وأما صلاة الخوف فسياق الآية اللاحقة ظاهر في ذلك.
وهذا هو الذي مال إليه أبو العبّاس القرطبيّ -﵀- حيث قال: قوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا﴾ الآية: يعني به القصر من عدد الركعات، والقصر بتغيير الهيئات، بدليل قوله -ﷺ-: «صدقةٌ تصدّق اللَّه بها عليكم» عندما سُئل عن قصرها مع الأمن، فكان قوله ذلك تيسيرًا وتوقيفًا على أن الآية متضمّنة لقصر الصلاة مع الخوف، ومع غير الخوف، فالقصر مع الخوف هو في الهيئات على ما يأتي، ومع الأمن في الركعات، والمتصدَّق به إنما إلغاء شرط الخوف في قصر عدد الركعات مع الأمن، وعلى هذا فيبقى اعتبار الخوف في قصر الهيئات على ما يأتي.
وقد أكثر الناس في هذه الآية، وما ذكرناه أولى وأحسن؛ لأنه جمع بين الآية والحديث. انتهى كلام القرطبيّ -﵀-، وهو تحقيقٌ حسنٌ.
والحاصل أن الآية شاملة لقصر الكميّة، والكيفيّة، والصدقة التي تصدّق اللَّه بها علينا هي إلغاء شرط الخوف في قصر الكميّة، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمر -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ١٥٧٣ و١٥٧٤] (٦٨٦)، و(أبو داود) في
«الصلاة» (١١٩٩ و١٢٠٠)، و(الترمذيّ) في «التفسير» (٣٠٣٤)، و(النسائيّ) في «تقصير الصلاة» (١٤٣٣)، و«الكبرى» (١٨٩١)، وفي «التفسير» (١١١٢٠)، و(ابن ماجه) في «الصلاة» (١٠٦٥)، و(الشافعيّ) في «السنن المأثورة» (١٥)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٢٥ و٣٦)، و(الدارميّ) في «سننه» (١/ ٣٥٤)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٩٤٥)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٧٣٩ و٢٧٤٠ و٢٧٤١)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٥٤٣ و١٥٤٤)، و(الطبريّ) في «تفسيره» (١٠٣١٢)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (١/ ٤١٥)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٣/ ١٣٤ و١٤٠ و١٤١)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (١٠٢٤)، و(أبو جعفر النحّاس) في «الناسخ والمنسوخ» (ص ١١٦)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعية تقصير الصلاة في السفر.
٢ - (ومنها): بيان رحمة اللَّه تعالى، وكمال فضله على عباده حيث شَرَعَ لهم قصر الصلاة في حال السفر للمشقة اللاحقة بهم، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ الآية [الحج: ٧٨].
٣ - (ومنها): جواز القصر في السفر من غير الخوف.
٤ - (ومنها): جواز قول: «تصدّق اللَّه علينا»، و«اللهم تصدّق علينا»، وقد كرهه بعض السلف، قال النووي -﵀-: وهو غلط ظاهر؛ أي: لمخالفته لما صحّ عن رسول اللَّه -ﷺ- في هذا الحديث.
٥ - (ومنها): أن المفضول إذا رأى الفاضل يَعْمَل شيئًا يشكل عليه يسأله عنه.
٦ - (ومنها): أن المفاهيم معتبرة في الشرع، حيث إن عمر -﵁- فَهِمَ من قوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ أن مفهومه عدم جواز القصر عند عدم الخوف، وقرره النبيّ -ﷺ- على هذا الفهم، ولكن ذكر له مانعًا من اعتباره، وهو كونه صدقة من اللَّه تعالى مطلقةً غيرَ مقيدة بالخوف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٧٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَيْهِ، عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ إِدْرِيسَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ) أبو عبد اللَّه الثقفيّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [١٠] (٢٣٤) (خ م س) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٤٥.
٢ - (يَحْيَى) بن سعيد القطّان الإمام الحافظ المتقن الحجة الثبت الناقد البصير [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨٥.
والباقون ذُكروا في السند السابق.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد تصريح ابن جريج بالتحديث عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن أبي عمّار، فإنه مدلّس، فزالت عنه تهمة التدليس، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ إِدْرِيسَ) يعني أن يحيى بن سعيد حدّث عن ابن جُريج، بمثل ما حدّث به عبد اللَّه بن إدريس، عنه.
[تنبيه]: رواية يحيى بن سعيد هذه ساقها الإمام أحمد -﵀- في «مسنده» فقال:
(٢٤٦) حدّثنا يحيى، عن ابن جريج، حدّثني عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن أبي عَمّار، عن عبد اللَّه بن بابيه، عن يعلى بن أمية، قال: قلت لعمر بن الخطاب -﵁-: إقصار الناس الصلاة اليوم، وإنما قال اللَّه -﷿-: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، فقد ذهب ذاك اليومُ، فقال: عجبتُ مما عجبتَ منه، فذكرتُ ذلك لرسول اللَّه -ﷺ-، فقال: «صدقة تصدق اللَّه بها عليكم، فاقبلوا صدقته». انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.