HadithLab
RU

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن النسائي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٥ ص١٤٨
(٥) - (بَابُ جَوَازِ النَّافِلَةِ عَلَى الدَّابَةِ فِي السَّفَرِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ) وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٦١٠] (٧٠٠) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يُصَلِّي سُبْحَتَهُ حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ نَاقَتُهُ) . رجال هذا الإسناد: خمسة: وقد تقدّموا مع بيان اللطائف في الباب الماضي. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) -﵄- (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يُصَلِّي سُبْحَتَهُ) -بضمّ السين المهملة، وسكون الموحّدة-؛ أي: نافلته (حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ نَاقَتُهُ) وفي نسخة: «راحلته»، قال النوويّ -﵀-: يعني في جهة مقصده، قال أصحابنا: فلو توجّه إلى غير المقصد، فإن كان إلى القبلة جاز، وإلا فلا. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: «وإلا فلا» فيه نظرٌ؛ إذ هو مخالف لظاهر إطلاق قوله: «حيثما توجّهت به راحلته»، ولظاهر الآية التي نزلت في هذا الشأن، ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، فتأمل، واللَّه تعالى أعلم. وفي رواية سالم الآتية: «كان رسول اللَّه -ﷺ- يسبّح على الراحلة قِبَل أيّ وجه توجّه، ويوتر عليها، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة». قال في «الفتح»: وقد تكرر -يعني ذكر التسبيح- في الحديث كثيرًا، والتسبيح حقيقة في قول: سبحان اللَّه، فإذا أطلق على الصلاة فهو من باب إطلاق اسم البعض على الكلّ، أو لأن المصلي منزِّه للَّه -بإخلاص العبادة-، والتسبيح: التنزيه، فيكون من باب الملازمة، وأما اختصاص ذلك بالنافلة فهو عرف شرعي. انتهى . [تنبيه]: قال القاضي عياضٌ -﵀-: ولم يذكر في كتاب مسلم صفة صلاته على الدابّة، وقد وقع مفسّرًا في «الموطأ» من فعل أنس -﵁-، قال: إيماءً، وقال مالك: وتلك سنة الصلاة على الدابّة، قال: «ولا يسجد على الْقَرَبُوس» . انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ١٦١٠ و١٦١١ و١٦١٢ و١٦١٣ و١٦١٤ و١٦١٥ و١٦١٦ و١٦١٧ و١٦١٨] (٧٠٠)، و(البخاريّ) في «الوتر» (٩٩٩ و١٠٠٠)، وفي «تقصير الصلاة» (١٠٩٥)، و(أبو داود) في «الصلاة» (١٢٢٦)، و(الترمذيّ) في «الصلاة» (٤٧٢)، و(النسائيّ) في «الصلاة» (٤٩٠)، و(ابن ماجه) في «إقامة الصلاة» (١٢٠٠)، و«الكبرى» (٩٤٧)، و(مالك) في «الموطّأ» (١/ ١٢٤ و١٥٠ - ١٥١)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٤٥١٩)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٢/ ٣٠٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٤ و١٣ و٣٨ و٤٩ و٥٧ و٧٥ و٨٣ و١٢٤ و١٢٨ و٣/ ٧٣)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١٢٦٧ و١٢٦٨ و١٢٦٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٤١٣ و٢٥١٥)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (١/ ٤٢٩)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٣٤٢ - ٣٤٣)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٥٦٩ و١٥٧٠ و١٥٧١ و١٥٧٢ و١٥٧٣ و١٥٧٤ و١٥٧٥)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٢/ ٥)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده : ١ - (منها): بيان جواز التنفل على الراحلة في السفر، حيث توجهت، وهذا جائز بإجماع المسلمين، قال النوويّ -﵀-: وشرطه أن لا يكون سفر معصية، ولا يجوز الترخص بشيء من رُخَص السفر لعاص بسفره. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: تقدّم أن الراجح عموم الترخيص لكلّ مسافر، مطيعًا كان أو عاصيًا؛ لإطلاق النصوص، فتبصّر. ٢ - (ومنها): بيان جواز التنفل في السفر لغير القبلة، وهو يُخَصِّص قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، ويبيّن أن المراد بقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، في صلاة النافلة، كما سيأتي بيانه بعد حديث. ٣ - (ومنها): بيان كون الوتر غير فرض؛ لكونه -ﷺ- كان يُصَلِّيه على الراحلة؛ إذ لو كان فرضًا لَمَا جاز راكبًا بدليل نزوله -ﷺ- لأداء المكتوبة. ٤ - (ومنها): بيان جواز التنفّل على الراحلة، سواء كان السفر قصيرًا أو طويلًا عند الجمهور، ولا يجوز في البلد، وعن مالك أنه لا يجوز إلا في سفر تقصر فيه الصلاة، قال النوويّ: وهو قول غريبٌ محكيّ عن الشافعيّ -﵀-. ٥ - (ومنها): أن فيه دليلًا على أن المكتوبة لا تجوز إلى غير القبلة، ولا على الدابة، وهذا مجمع عليه، إلا في شدة الخوف، قال النوويّ: فلو أمكنه استقبال القبلة والقيام والركوع والسجود على الدابة واقفة عليها هَوْدَجٌ أو نحوه، جازت الفريضة على الصحيح من مذهبنا، فإن كانت سائرة لم تصحّ على الصحيح المنصوص للشافعيّ، وقيل: تصحّ كالسفينة، فإنها يصح فيها الفريضة بالإجماع، ولو كان في رَكْب، وخاف لو نزل للفريضة انقطع عنهم، ولَحِقه الضرر، قال أصحابنا: يصلي الفريضة على الدابة بحسب الإمكان، وتلزمه إعادتها؛ لأنه عذر نادر. انتهى كلام النوويّ -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: في لزوم الإعادة محلّ نظر؛ لأنه فعل ما في وُسعه، و﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فتبصّر. ٦ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ -ﷺ- من إكثار الطاعة مع كونه قد غُفِر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؛ شكرًا للَّه تعالى، كما قال في حديث عائشه -﵂-: «أفلا أكون عبدًا شكورًا». ٧ - (ومنها): في قول ابن عمر -﵄-: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ﴾ بيان أن القرآن نزل على النبيّ -ﷺ- شيئًا بعد شيء على حسب الحاجة إليه، حتى أكمل اللَّه دينه، كما قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٣]، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): أنه أخذ بمضمون حديث ابن عمر -﵄- فقهاء الأمصار، فقالوا: يجوز التنفل في السفر لغير القبلة، إلا أن أحمد وأبا ثور كانا يستحبان أن يستقبل القبلة بالتكبير حال ابتداء الصلاة، والحجة لهم في ذلك حديث الجارود بن أبي سَبْرَة، عن أنس -﵁- «أن النبيّ -ﷺ- كان إذا أراد أن يتطوع في السفر استقبل بناقته القبلة، ثم صَلَّى حيث وَجَّهَت رِكَابُهُ». أخرجه أبو داود، وأحمد، والدارقطني، وصححه ابن السكن . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أنّ ما قاله الإمام أحمد، وأبو ثور هو الأولى؛ لهذا الحديث، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): أجمع أهل العلم على جواز النافلة على الراحلة في السفر قِبَلَ مقصده كما قاله النوويّ، والعراقيّ، والحافظ، وغيرهم. واختلفوا في جوازه في الحضر، فَجَوَّزه أبو يوسف، وأبو سعيد الإصطخريّ من الشافعية، والظاهرية، وقال ابن حَزْم: وقد رَوَينا عن إبراهيم النخعيّ، قال: كانوا يصلون على رحالهم ودَوَابِّهم حيثما توجهت، قال: وهذه حكاية عن الصحابة، والتابعون عمومًا في الحضر والسفر. قال النووي: وهو محكيّ عن أنس بن مالك -﵁-. وقال العراقيّ: استدَلَّ من ذهب إلى ذلك بعموم الأحاديث التي لم تُصَرِّح بذكر السفر، وهو ماشٍ على قاعدتهم أنه لا يُحْمَل المطلق على المقيد، بل يُعْمَل بكل منهما، فأما من يحمل المطلق على المقيد، وهم الجمهور، فحملوا الروايات المطلقة على المقيدة. ثم إن الجمهور الذين يشترطون السفر قالوا بجواز التنفل على الراحلة سواء كان السفر طويلًا أو قصيرًا، وخالفهم في ذلك مالك، فخصّه بالسفر الذي تقصر فيه الصلاة، قال الطبريّ: لا أعلم أحدًا وافقه على ذلك، وقال الحافظ: ولم يُتَّفَق على ذلك عنه، وحجته أن هذه الأحاديث إنما وردت في أسفاره -ﷺ-، ولم ينقل عنه أنه سافر سفرًا قصيرًا، فصنع ذلك. وحجة الجمهور مطلق الأخبار في ذلك، وكأن السر في جواز التطوع على الراحلة تيسير تحصيل النوافل على العباد، وتكثيرها تعظيمًا لأجورهم رحمة من اللَّه بهم . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الذي يترجح عندي القول بعدم جواز التنفل في الحضر؛ لأن التوجه إلى القبلة فرض في الصلاة مطلقًا بنص الكتاب، فلا يُسْتَثْنَى منه إلا ما استثناه النصّ، وهو حالة السفر، كما يأتي نصًّا من حديث ابن عمر بأن آية ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] نزلت في ذلك، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في جواز الوتر على الراحلة: ذهب أكثرهم إلى جوازه، ومنهم: ابن عمر، ورُوي عن عليّ وابن عباس -﵃-، وهو قول سالم وعطاء والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور. وقال الثوري: لا بأس به، وبالأرض أحب إليّ، وكذا مذهب مالك في «تهذيب المدونة»: أن المسافر إذا كان له حزب، فليوتر على الأرض، ثم يتنفل في الْمَحْمِل بعد الوتر. وهذا يدل على أن تقديم الوتر على الأرض على قيام الليل أفضل من تأخيره على الراحلة. ومنع من الوتر على الراحلة من يرى أن الوتر واجب، وهو قول أبي حنيفة، وقال النخعي: كانوا يصلون الفريضة والوتر بالأرض. قال ابن رجب: وحَكَى ابن أبي موسى عن أحمد في جواز صلاة ركعتي الفجر على الراحلة روايتين، دون الوتر. وحُكِي عن بعض الحنفية، أنه لا يفعل الوتر ولا ركعتا الفجر على الراحلة. وروى الإمام أحمد: ثنا إسماعيل، ثنا أيوب، عن سعيد بن جبير، أن ابن عمر -﵄- كان يصلي على راحلته تطوّعًا، فإذا أراد أن يوتر نزل فأوتر على الأرض. قال ابن رجب: ولعله فعله استحبابًا، وإنما أنكر على من لا يراه جائزًا. ورَوَى محمد بن مصعب: ثنا الأوزاعيّ، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر -﵁-، قالَ: كان النبي -ﷺ- يصلي على راحلته حيث توجهت به تطوّعًا، فإذا أراد أن يصلي الفريضة أو يوتر أناخ فصلى بالأرض. قال ابن جوصا في «مسند الأوزاعي من جمعه»: لم يقل أحد من أصحاب الأوزاعي: «أو يوتر» غير محمد بن مصعب وحده، وخرّجه من طرق كثيرة عن الأوزاعيّ، ليس في شيء منها: ذكر الوتر. ومحمد بن مصعب، قال يحيى: ليس حديثه بشيء، وقال ابن حبان: ساء حفظه فكان يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل، لا يجوز الاحتجاج به. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما ذُكر في الباب من حديث ابن عمر -﵄- وغيره أن الصحيح قول الجمهور، وهو كون الوتر غير واجب، وجواز أدائه على الراحلة، وسيأتي البحث في هذا مُستوفًى في «باب صلاة الليل والوتر» -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في سبب نزول قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ١١٥] على أقوال: [أحدها]: هذا الذي ذكره ابن عمر -﵄- في حديث الباب أنها نزلت في صلاة النافلة على الراحلة، وهو الأرجح كما يأتي. [الثاني]: أنها نزلت فيمن صلى إلى غير القبلة في ليلة مظلمة، أخرج الترمذيّ -﵀- بسنده عن عبد اللَّه بن عامر بن ربيعة، عن أبيه -﵁-، قال: كنا مع النبيّ -ﷺ- في سفر في ليلة مظلمة، فلم ندر أين القبلة؟ فصلى كل رجل منا على حياله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبيّ -ﷺ-، فنزلت ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، لكن الحديث ضعيف؛ لأن في سنده الأشعث السمّان، وهو ضعيف، قال الترمذي: يضعف في الحديث، وشيخه عاصم بن عبيد اللَّه أيضًا ضعيف، قال البخاريّ: منكر الحديث، وقال ابن معين: ضعيف لا يحتج به، وقال ابن حبان: منكر الحديث. [الثالث]: أنها نزلت في النجاشيّ لما صلى عليه النبيّ -ﷺ- حين مات، أخرج ابن جرير بسنده عن قتادة: أن النبيّ -ﷺ- قال: «إن أخًا لكم قد مات فصلوا عليه»، قالوا: نصلي على رجل ليس بمسلم؟ قال: فنزلت ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ﴾ الآية [آل عمران: ١٩٩]، قال قتادة: فقالوا: إنه كان لا يصلي إلى القبلة، فأنزل اللَّه ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ١١٥]. قال الحافظ ابن كثير: وهذا غريب واللَّه تعالى أعلم. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: وهو أيضًا مرسل، فهو ضعيف، واللَّه تعالى أعلم. [الرابع]: أنها نزلت لما أنكرت اليهود تحويل القبلة إلى الكعبة بعدما كانت إلى بيت المقدس، فقالوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢] فردّ اللَّه عليهم بقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ﴾ يعني: أن له أن يتعبد عباده بما شاء، فإن شاء وجّههم إلى بيت المقدس، وإن شاء إلى الكعبة، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء: ٢٣]. [الخامس]: أن الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، ذكره ابن عباس -﵄-. [السادس]: أنها محكمة، والمعنى: أينما كنتم من شرق وغرب، فثمّ وجه اللَّه الذي أمركم باستقباله، وهو الكعبة، روي هذا عن مجاهد، والضحاك. [السابع]: ما رُوي عن مجاهد، وابن جبير: لما نزلت ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] قالوا: إلى أين؟ فنزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]. [الثامن]: ما رُوي عن ابن عمرو النخعي: أينما تولوا في أسفاركم، ومنصرفاتكم فثمّ وجه اللَّه. [التاسع]: قيل: هي متصلة بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ الآية [البقرة: ١١٤]، فالمعنى أن بلاد اللَّه أيها المؤمنون تَسَعُكم، فلا يمنعكم تخريب مَن خَرَّب مساجد اللَّه أن تولوا وجوهكم نحو قبلة اللَّه أينما كنتم من أرضه. [العاشر]: أنها نزلت حين صدّ النبيّ -ﷺ- عن البيت الحرام عام الحديبية، فاغتمّ المسلمون لذلك. فهذه عشرة أقوال في هذه الآية ملخصة من «تفسير القرطبيّ -﵀-»، وزيادة من «تفسير ابن كثير» . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: أرجح الأقوال عندي قولُ من قال: إنها نزلت في الصلاة النافلة في السفر؛ لحديث ابن عمر -﵄- المذكور في هذا الباب، فإنه نصّ صحيح قاطع للنزاع، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٦١١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ) سليمان بن حيّان الأزديّ الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ [٨] (ت ١٩٠) أو قبلها (ع) تقدم في «الإيمان» ٥/ ١٢٠. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (عَلَى رَاحِلَتِهِ) هي الْمَرْكب من الإبل، ذكرًا كان، أو أنثى، وبعضهم يقول: الراحلة: الناقة التي تصلح أن تُرَحَّلَ، وجمعها رَوَاحِل، قاله في «المصباح». والحديث متّفقٌ عليه، ومضى شرحه وبيان مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٦١٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي، وَهُوَ مُقْبِلٌ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ عَلَى رَاحِلَتِهِ، حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ، قَالَ: وَفِيهِ نَزَلَتْ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ) أبو سعيد البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٥) على الأصحّ، وله (٨٥) سنةً (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧٥. ٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم قبل باب. ٣ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ) ميسرة الْعَرْزميّ الكوفيّ، ثقةٌ [٥] (ت ١٤٥) (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ٨٣/ ٤٤٢. ٤ - (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) بن هشام الأسديّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٥) ولم يكمل الخمسين (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٧/ ٣٢٩. ٥ - و«ابن عمر» ذُكر قبله. وقوله: (وَهُوَ مُقْبِلٌ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ) هذا كناية عن استدباره القبلة؛ لأن المقبل من مكة إلى المدينة لا يكون وجهه مستقبل القبلة. وقوله: (حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ) أي: إلى الجهة التي فيها قصده، سواء كانت في جهة القبلة، أم لا. وقوله: (قَالَ: وَفِيهِ نَزَلَ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾) «أين» ظرف متعلِّق بـ «تُوَلُّوا»، و«ما» زائدة، وهو مضمّن معنى الشرط، ولذا جُزِمَ به الشرط، والجواب، و«ثَمَّ» ظرف مكان للبعيد في محل النصب متعلق بمحذوف خبر لقوله: «وَجْهُ»، والجملة في محل جزم جواب الشرط. وقد ذكر الإمام ابن جرير الطبريّ -﵀- في «تفسيره» اختلاف أهل العلم في معنى قوله: ﴿وَجْهُ اللَّهِ﴾، فأخرج بسنده عن النضر بن عربيّ، عن مجاهد، قال: قبلةُ اللَّه، وأخرج عن إبراهيم، عن مجاهد، قال: حيثما كنتم فلكم قبلة تستقبلونها. وقال آخرون: معناه: فثمّ اللَّه ﵎، وقال آخرون: معناه: فثمّ تُدركون بالتوجه إليه رضا اللَّه الذي له الوجه الكريم. وقال آخرون: عَنَى بالوجه: ذا الوجه، وقال قائلو هذه المقالة: وجه اللَّه صفة له. انتهى . وقال قبل ذلك: وقال آخرون: بل أنزل اللَّه هذه الآية قبل أن يفرض التوجه إلى الكعبة، وإنما أنزلها ليعلم نبيه -ﷺ- وأصحابه أن لهم التوجه بوجههم للصلاة حيث شاءوا من نواحي المشرق والمغرب؛ لأنهم لا يوجهون وجوههم وجهًا من ذلك وناحية إلا كان جَلَّ ثناؤه في ذلك الوجه، وتلك الناحية؛ لأن له تعالى المشارق والمغارب، وأنه لا يخلو منه مكان، كما قال تعالى: ﴿وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧] قالوا: ثم نسخ ذلك بالفرض الذي فرض عليهم في التوجه إلى المسجد الحرام. انتهى . وتعقبه الحافظ ابن كثير -﵀-، وأجاد في ذلك، فقال: وفي قوله: «وأنه تعالى لا يخلو منه مكان»، إن أراد علمه تعالى فصحيح، فإن علمه تعالى محيط بجميع المعلومات، وأما ذاته تعالى فلا تكون محصورة في شيء من خلقه، تعالى اللَّه عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا. انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٦١٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو كُرَيْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَابْنُ أَبِي زَائِدَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، كلُّهُمْ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مُبَارَكٍ ، وَابْنِ أَبِي زَائِدَةَ: ثُمَّ تَلَا ابْنُ عُمَرَ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، وَقَالَ: فِي هَذَا نَزَلَتْ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء المذكور قبل باب. ٢ - (ابْنُ الْمُبَارَكِ) هو: عبد اللَّه الحنظليّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المروزيّ، ثقة ثبت فقيهٌ جوادٌ، جُمعت فيه خصال الخير [٨] (ت ١٨١) وله (٦٣) سنة (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣٢. ٣ - (ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ) هو: يحيى بن زكريا بن أبي زائدة الْهَمْدانيّ، أبو سعيد الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ٣ أو ١٨٤) وله (٩٣) سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ٥/ ١٢١. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (كُلُّهُمْ) الضمير لابن المبارك، ويحيى بن أبي زائدة، وعبد اللَّه بن نُمير. وقوله: (عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ) هو ابن أبي سليمان المذكور في السند الماضي. وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ) أي: بإسناد عبد الملك الماضى، وهو: عن سعيد بن جُبير، عن ابن عمر -﵄- نحو الحديث الماضي. [تنبيه]: رواية ابن المبارك، عن عبد الملك، ساقها النسائيّ -﵀- في «السنن الكبرى» (٦/ ٢٨٩) فقال: (١٠٩٩٧) أخبرني محمد بن آدم بن سليمان، عن ابن المبارك، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر، أن النبيّ -ﷺ- كان يصلي على راحلته، حيث توجهت به، ثم تلا هذه الآية: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾. انتهى. وأما رواية ابن أبي زائدة، وابن نمير، فلم أجد من ساقهما، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٦١٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ، وَهُوَ مُوَجِّهٌ إِلَى خَيْبَرَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ الإمام، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم في الباب الماضي أيضًا. ٣ - (عَمْرُو بْنُ يَحْيَى الْمَازِنيُّ) هو: عمرو بن يحيى بن عُمارة بن أبي حسن المدنيّ، ثقةٌ [٦] مات بعد (١٣٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨٨/ ٤٦٤. ٤ - (سَعِيدُ بْنُ يَسَارٍ) أبو الْحُبَاب المدنيّ، مولى ميمونة، وقيل: مولى شُقْران، أو مولى الحسن بن عليّ، وقيل: مولى بني النجّار، والصحيح أنه غير سعيد بن مُرْجَانة، ثقةٌ متقنٌ [٣]. رَوَى عن أبي هريرة، وعائشة، وابن عباس، وابن عمر، وزيد بن خالد الجهنيّ. وروى عنه سعيد المقبريّ، وسُهيل بن أبي صالح، ويحيى بن سعيد، ومحمد بن عمرو بن عطاء، وابن عجلان، وابن إسحاق، وعثمان بن حكيم، وعمرو بن يحيى بن عُمارة، وغيرهم. قال عباس الدُّوريّ: قال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً، كثير الحديث، وقال العجليّ: مدنيّ ثقة، وقال ابن عبد البرّ: لا يَختلفون في توثيقه. قال الواقديّ: مات سنة (١١٦) وقيل: سبع عشرة ومائة، وهو ابن ثمانين سنةً، وقال ابن حبان في «الثقات»: مات بالمدينة سنة سبع عشرة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١١) حديثًا. و«ابن عمر» ذُكر قبله. وقوله: (يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ) قال الدارقطنيّ وغيره: هذا غلط من عمرو بن يحيى المازنيّ، قالوا: وإنما المعروف في صلاة النبيّ -ﷺ- على راحلته، أو على البعير، والصواب أن الصلاة على الحمار من فعل أنس -﵁-، كما ذكره مسلم بعد هذا، ولهذا لم يذكر البخاريّ حديث عمرو. انتهى. قال النوويّ -﵀- بعد ذكر كلام الدارقطنيّ ومتابعيه؛ ما نصّه: وفي الحكم بتغليط رواية عمرو نظرٌ؛ لأنه ثقةٌ نَقَل شيئًا مُحتَمِلًا، فلعله كان الحمار مرةً، والبعير مرةً، أو مرات، لكن قد يقال: إنه شاذٌّ فإنه مخالفٌ لرواية الجمهور في البعير والراحلة، والشاذّ مردود، وهو المخالف للجماعة. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن الحديث صحيحٌ، كما صحّحه المصنّف -﵀- حيث أخرجه هنا، ولم يُعلّه، فزيادة عمرو بن يحيى مقبولة؛ لعدم منافاتها لما رواه الجماعة؛ إذ أمكن الجمع بحمل روايته على وقت، ورواياتهم على أوقات أخرى. ويشهد لذلك ما أخرجه النسائيّ بإسناد حسن، عن يحيى بن سعيد، عن أنس -﵁- أنه رأى النبيّ -ﷺ- يصلّي على حمار، وهو راكب إلى خيبر، والقبلة خلفه ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. وقوله: (وَهُوَ مُوَجِّهٌ إِلَى خَيْبَرَ) بكسر الجيم: أي: متوجّهٌ، يقال: وَجّه ههنا: أي: توجّه، وقد يقال: إن معناه: قاصدٌ، يقال: هذا وجهي إليه؛ أي: قصدي، وقد يقال: معناه: مقابلٌ بوجهه إليها، قاله في «الإكمال» ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٦١٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أَسِيرُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، قَالَ سَعِيدٌ: فَلَمَّا خَشِيتُ الصُّبْحَ نَزَلْتُ، فَأَوْتَرْتُ، ثُمَّ أَدْرَكْتُهُ، فَقَالَ لِي ابْنُ عُمَرَ: أَيْنَ كُنْتَ؟ فَقُلْتُ لَهُ: خَشِيتُ الْفَجْرَ، فَنَزَلْتُ، فَأَوْتَرْتُ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَلَيْسَ لَكَ فِي رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أُسْوَةٌ؟ فَقُلْتُ: بَلَى وَاللَّهِ، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يُوتِرُ عَلَى الْبَعِيرِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) القُرشيّ الْعَدويّ المدنيّ، ثقةٌ، من كبار [٧]. أرسل عن جد أبيه، ورَوَى عن عمّ أبيه سالم، وأبي الحُباب سعيد بن يسار، ونافع مولى ابن عمر، وهشام بن عروة، وإسحاق بن عبد اللَّه بن جعفر، وعباد بن تميم، وجماعة. ورَوَى عنه مالك، وإبراهيم بن طَهْمان، وعبيد اللَّه بن عمر الْعُمَريّ، وسعيد بن سلمة بن أبي الْحُسَام، وإبراهيم بن أبي يحيى، وغيرهم. قال أبو حاتم: لا بأس به، لا يُسَمَّى، وقاله القاسم اللالكائيّ: ثقةٌ، وقال الخليليّ: لا يوقف له على اسمه، وهو مدنيّ، ثقةٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، له عندهم حديث واحد في الوتر على الدابة. قلت: روى له البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له عندهم إلا هذا الحديث. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (فَلَمَّا خَشِيتُ الصُّبْحَ) «خَشِي» بكسر الشين المعجمة، من باب رَضِي: خاف؛ أي: خِفْتُ طلوع الصبح، وفوات وقت صلاة الوتر. وقوله: (أَلَيْسَ لَكَ فِي رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أُسْوَةٌ؟) بضمّ الهمزة، وكسرها: أي: اقتداء، واتّباع لسنّته -ﷺ-، وفيه تعليم العالم لرفيقه ما قد يخفى عليه من السنن. وقوله: (فَقُلْتُ: بَلَى وَاللَّهِ) فيه الحلف على الأمر الذي يراد تأكيده. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٦١٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ، حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ) العدويّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، مولى ابن عمر، ثقةٌ [٤] (ت ١٢٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٤/ ١٦٠. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، وهو (١٠٨) من رباعيّات الكتاب. وقوله: (حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ) وفي نسخة: «حيث توجّهت به»، والباء للتعدية، أو المصاحبة؛ أي: إلى أيّ جِهَةٍ وَجَّهته، أو توجهت معه، والعائد إلى «حيث» محذوف؛ أي: إليه، و«حيث» متعلق بـ «يُصَلِّي». وقال ابن التين -﵀-: مفهومه: أنه يَجلس عليها على هيئته التي يركب عليها، ويَستقبل بوجهه ما استقبلته، فتقديره: يصلي على راحلته التي له حيث توجهت به، فعلى هذا يتعلق قوله: «توجهت به» بقوله: «يصلي». ويَحْتَمِل أن يتعلق بقوله: «على راحلته»، لكن يؤيد الأول الرواية بلفظ: «وهو على الراحلة، يُسَبِّح قِبَلَ أيِّ وَجْهٍ توجهت» . قال في «الفتح»: واستُدِلّ به على أن جهة الطريق تكون بدلًا عن القبلة، حتى لا يجوز الانحراف عنها عامدًا قاصدًا لغير حاجة المسير، إلا إذا كان في غير جهة القبلة، فانحرف إليها، فإنه لا يضرّه على الصحيح. واستُنبِط من دليل التنفل للراكب جواز التنفل للماشي، ومنعه مالك، مع أنه أجازه لراكب السفينة. انتهى . والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٦١٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ الْمِصْرِيُّ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَادِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ الْمِصْرِيُّ) أبو موسى، لقبه زُغْبَةُ، وهو أيضًا لقب أبيه، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٨) (م د س ق) تقدم في «الإيمان» ٨٧/ ٤٦٢. ٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الْفَهْميّ مولاهم، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ فقيهٌ مشهورٌ [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤١٢. ٣ - (ابْنُ الْهَادِ) هو: يزيد بن عبد اللَّه بن أسامة بن الهاد الليثيّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ مكثرٌ [٥] (ت ١٣٩) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٣/ ١٥٩. والباقيان ذُكرا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٦١٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُسَبِّحُ عَلَى الرَّاحِلَةِ قِبَلَ أَيِّ وَجْهٍ تَوَجَّهَ، ويُوتِرُ عَلَيْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلّهم تقدّموا في أول الباب الماضي، غير: ١ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٤. وقوله: (يُسَبِّحُ) أي: يصلي النافلة. وقوله: (قِبَلَ أَيِّ وَجْهٍ) -بكسر ففتح- وزان عِنَبٍ: أي: جِهَةَ، وهو منصوب على الظرفيّة، متعلق بـ «يُسَبِّح». وقوله: (تَوَجَّهَ) بتاء واحدة بصيغة الماضي، والفعل ضمير النبيّ -ﷺ-، وفي رواية النسائيّ: «تتوجّه» بتاءين، والضمير على هذا للراحلة. وقوله: (ويُوتِرُ عَلَيهَا) أي: يصلّي صلاة الوتر على الراحلة.
مصادر المؤلف (٢٨)

١. وفي نسخة: «راحلته».

٢. «الفتح» ٢/ ٦٧٠.

٣. «الْقَرَبُوس»: حِنْوُ السرج، أي قسمه المقوّس المرتفع من قُدّام المقعد، ومن مؤخّره، والجمع: قَرَابيس.

٤. «إكمال المعلم» ٣/ ٢٨.

٥. المراد فوائد الحديث بطرقه وسياقاته المختلفة الواردة في أحاديث الباب، وليس المراد هذه الرواية فقط، فتنبّه.

٦. «شرح النوويّ» ٥/ ٢١٠.

٧. «شرح النوويّ» ٥/ ٢١١.

٨. راجع: «الفتح» ٢/ ٦٧٠، و«التلخيص الحبير» ١/ ٢١٤.

٩. «الفتح» ٢/ ٦٧٠.

١٠. «فتح الباري» لابن رجب -﵀٩/ ١٨٣ - ١٨٤.

١١. «تفسير ابن كثير» ١/ ١٦٢.

١٢. راجع: «تفسير القرطبيّ» ٢/ ٧٩ - ٨٣، و«تفسير ابن كثير» ١/ ٢٢٨ - ٢٣١.

١٣. وفي نسخة: «حدّثناه».

١٤. قال عنه في «التقريب»: صدوقٌ له أوهام، والظاهر أن ما قلته أولى، كما يظهر من «تهذيب التهذيب».

١٥. «تفسير ابن جرير» ١/ ٥٠.

١٦. «تفسير ابن جرير» ١/ ٥٠٢.

١٧. «تفسير ابن كثير» ١/ ١٦٣.

١٨. وفي نسخة: «ابن المبارك».

١٩. «شرح النوويّ» ٥/ ٢١١ - ٢١٢.

٢٠. صححه الشيخ الألبانيّ -﵀-، راجع: «صحيح النسائي».

٢١. «إكمال المعلم» ٣/ ٢٨.

٢٢. وفي نسخة: «حدّثنا».

٢٣. وفي نسخة: «حيث توجّهت».

٢٤. «الفتح» ١/ ٦٦٨.

٢٥. «الفتح» ٢/ ٦٧٠.

٢٦. وفي نسخة: «حدّثنا».

٢٧. وفي نسخة: «ابن الهادي».

٢٨. وفي نسخة: «حدّثني».