HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٧٠٣

حدثنا يحيى بن يحيى. قال: قرأت على مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ قَالَ: كان رسول الله ﷺ إِذَا عَجِلَ بِهِ السَّيْرُ، جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ والعشاء.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص150
ج ١ ص ٤٨٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن الدارمي, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٥ ص١٧٣
«المساجد» (٧٤١)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١٢٦)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢٣٦٥)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٥٧٦)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما قيل: إن من صلى على موضع فيه نجاسة، لا يباشرها بشيء منه، أن صلاته صحيحة؛ لأن الدابة لا تخلو من نجاسة، ولو على منفذها. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا ذكر في «الفتح» هذه الفائدة، وهو مبنيّ على نجاسة البول ونحوه من جميع الحيوانات مأكول اللحم وغيره، وقد سبق تحقيق الخلاف في ذلك، وأن الراجح طهارة البول ونحوه مطلقًا، فارجع إلى ما حقّقته في «كتاب الطهارة»، وباللَّه تعالى التوفيق. ٢ - (ومنها): أنه يؤخذ منه طهارة عَرَق الحمار؛ لأن ملابسته مع التحرّز منه متعذَّرٌ، لا سيّما إذا طال الزمان في ركوبه، واحتَمَل العرَق، قاله ابن دقيق العيد -﵀- . ٣ - (ومنها): أن فيه الرجوعَ إلى أفعاله -ﷺ- كالرجوع إلى أقواله. ٤ - (ومنها): أن فيه تلقّي المسافر حيث قُدومه من السفر. ٥ - (ومنها): أن فيه سؤال التلميذ شيخه عن مستند فعله، والجواب بالدليل. ٦ - (ومنها): أن فيه التلطف في السؤال، والعمل بالإشارة؛ لقوله: «من ذا الجانب»، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٦) - (بَابُ جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٦٢١] (٧٠٣) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا عَجِلَ بِهِ السَّيْرُ، جَمَعَ بَيْنَ الْمَغرِبِ وَالْعِشَاءِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بُكير بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريّاء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس الأصبحيّ، أبو عبد اللَّه، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٧٨. ٣ - (نَافِعٌ) العدويّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، مولى ابن عمر، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهور [٣] (ت ١١٧) أو بعد ذلك (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٨/ ٢٢٢. ٤ - (ابْنُ عُمَرَ) هو عبد اللَّه بن عمر بن الخطّاب -﵄-، المتوفّى سنة (٧٣) (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، وهو (١٠٩) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه أيضًا، وقد دخل المدينة. ٤ - (ومنها): أنه أصح الأسانيد على ما نقل عن الإمام البخاريّ -﵀-. ٥ - (ومنها): أن ابن عمر -﵄- أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتوى من الصحابة -﵃-. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) -﵄- أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا عَجِلَ بِهِ السَّيْرُ) قال النوويّ -﵀-: هكذا هو في الأصول: «عَجِلَ عليه»، هو بمعنى عَجِلَ به، في الروايات الباقية. انتهى. ومعنى «عجِلَ عليه السير»، أو «به»: دعاه السير، أو السفر إلى العجلة والإسراع، ومثله «عَجِلَ به السير»، و«أعجله السير». قال في «المصباح»: عَجِلَ عَجَلًا -من باب تَعِبَ- وعَجَلَة: أسرع وحَضَرَ، فهو عاجلٌ، وتعجل، واستعجل في أمره كذلك، وأعجلته بالألف: حملته على أن يعجل. انتهى باختصار. واستَدَلّ به من قال: يَجْمَع من جدَّ به السير، وهو قول الليث، والمشهور عن مالك، وسيأتي الجواب عنه. (جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ) وفي رواية سالم الآتية: «يُؤَخِّرُ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ، حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ»، قال الحافظ -﵀-: لم يُعَيِّن غاية التأخير، وبيّنه مسلم من طريق عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر بأنه بعد أن يغيب الشفق، وفي رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، وموسى بن عقبة، عن نافع: «فأخَّر المغرب بعد ذهاب الشفق، حتى ذهب هوي من الليل»، وللبخاريّ في «الجهاد» من طريق أسلم مولى عمر، عن ابن عمر في هذه القصة: «حتى كان بعد غروب الشفق نزل، فصلى المغرب والعشاء جمعًا بينهما»، ولأبي داود من طريق ربيعة، عن عبد اللَّه بن دينار، عن ابن عمر في هذه القصة: «فصار حتى غاب الشفق، وتصوّبت النجوم نزل، فصلى الصلاتين جمعًا». وجاءت عن ابن عمر روايات أخرى: «أنه صلى المغرب في آخر الشفق، ثم أقام الصلاة، وقد توارى الشفقُ، فصلى العشاء»، أخرجه أبو داود من طريق عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن نافع، ولا تعارض بينه وبين ما سبق؛ لأنه كان في واقعة أخرى. انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦/ ١٦٢١ و١٦٢٢ و١٦٢٣ و١٦٢٤] (٧٠٣)، و(البخاريّ) في «تقصير الصلاة» (١٠٩١ و١١٠٦ و١١٠٩)، و(أبو داود) في «الصلاة» (١٢٠٧ و١٢١٣)، و(الترمذيّ) في «الصلاة» (٥٥٥)، و(النسائيّ) في «المواقيت» (٥٩٢ و٥٩٧ و٥٩٨ و٥٩٩ و٦٠٠)، و«الكبرى» (١٥٦٧)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٦١٦)، و(عبد بن حميد) في «مسنده» (٧٤٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٤ و٧ و٥١ و٥٤ و٦٣ و٧٧ و٨٠ و١٠٢ و١٠٦ و١٥٠)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢٣٨٥ و٢٣٨٦ و٢٣٨٨ و٢٣٨٩ و٢٣٩٠)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٥٧٧ و١٥٧٨ و١٥٧٩ و١٥٨٠)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان كون الشريعة سَمْحَةً سَهْلَةً، تُوسِّعُ على المكلفين في محل الحرج، فلذا شُرع الجمع في السفر ونحوه. ٢ - (ومنها): مشروعية الجمع بين المغرب والعشاء، كما في هذا الحديث، وبين الظهر والعصر كما في حديث أنس -﵁- الآتي، في وقت إحداهما تأخيرًا، أو تقديمًا؛ أما تأخيرًا، فللأحاديث المذكورة في هذا الباب، وأما تقديمًا فللأدلة الأخرى، كما يأتي تحقيقه قريبًا. ٣ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ -ﷺ- من مراعاة ما يَسْهُل على الناس، فإذا كان المحلّ مناسبًا لهم تأخّر، فجمع بين الصلاتين، وإذا كان غير ذلك عجل المسير، وواصل حتى يجمع في وقت الثانية، تخفيفًا على الصحابة -﵃-. فقد ورد: «أنه -ﷺ- كان إذا نزل منزلًا في السفر، فأعجبه أقام فيه حتى يجمع بين الظهر والعصر، ثم يرتحل، فإذا لم يتهيأ له المنزل مَدَّ في السير، فسار حتى ينزل، فيجمع بين الظهر والعصر»، أخرجه البيهقيّ من حديث ابن عباس -﵄-، ورجاله ثقات، إلا أنه مشكوك في رفعه، والمحفوظ أنه موقوف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الجمع بين الصلاتين في السفر: (اعلم): أنهم اختلفوا في هذه المسألة على سبعة أقوال: [أحدها]: أنه يجوز الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، في السفر في وقت أحدهما جمعًا حقيقيًّا تقديمًا وتأخيرًا مطلقًا؛ أي: سواء كان سائرًا، أم لا، وسواء كان سيرًا مُجِدًّا، أم لا. وبه قال كثير من الصحابة -﵃-، وكثير من التابعين، ومن الفقهاء: الثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر، وأشهب، وحكاه ابن قُدامة عن مالك أيضًا. وقال الزرقانيّ: وإليه ذهب مالك في رواية مشهورة، قال صاحب «المرعاة»: وهو مختار المالكية كما في فروعهم. واختاره الشاه وليّ اللَّه الدهلويّ، حيث قال في «حجة اللَّه البالغة»: مِنْ رخص السفر الجمعُ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، والأصل فيه ما أشرنا أن الأوقات الأصلية ثلاثة: الفجر، والظهر، والمغرب، وإنما اشتُقّ العصر من الظهر، والمغرب من العشاء، ولئلا تكون المدة الطويلة فاصلة بين الذكرين، ولئلا يكون النوم على صفة الغفلة، فشُرع لهم جمع التقديم والتأخير، لكنه لم يواظب عليه، ولم يَعِزم عليه، مثل ما فعل في القصر. انتهى . [الثاني]: أنه يَختص الجمع بمن يَجِدّ في السير؛ أي: يُسْرع، قاله الليث، وهو قول مالك في «مدونة مالك»، واستُدِلَّ لهما بما رُوي في «الصحيحين» عن ابن عمر -﵄-، قال: كان النبيّ -ﷺ- يجمع بين المغرب والعشاء إذا جدَّ به السير، وسيأتي الجواب عنه. [والثالث]: أنه يختص بما إذا كان سائرًا، لا نازلًا، قاله ابن حبيب من المالكية، واستُدِلّ لذلك بقوله: «إذا كان على ظهر سير». وأجيب عن ذلك بما وقع من التصريح في حديث معاذ بن جبل -﵁- بلفظ: «فأخّر الصلاة يومًا، ثم خرج، فصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل، ثم خرج، فصلى المغرب والعشاء». قال الشافعيّ -﵀- في «الأم»: قوله: «ثم دخل، ثم خرج» لا يكون إلا وهو نازل، فللمسافر أن يجمع نازلًا ومسافرًا. وقال ابن عبد البرّ -﵀-: هذا أوضح دليل في الردّ على من قال: لا يَجمع إلا من جَدّ به السير، وهو قاطع للالتباس. وقال الباجيّ -﵀-: مقتضى قوله: «ثم دخل، ثم خرج» أنه مقيم غير سائر؛ لأنه إنما يُسْتَعْمَل في الدخول في المنزل والخِبَاء، والخروج منهما، وهو غالب الاستعمال، إلا أن يريد أنه خرج من الطريق إلى الصلاة، ثم دخله للسير، وفيه بُعْدٌ، وكذا حَكَى عياض هذا التأويل عن بعضهم، ثم استبعده، ولا شك في بعده، وكأنه -ﷺ- فعل ذلك لبيان الجواز، وكان أكثر عادته التفرقة في حال الجمع بين ما إذا كان سائرًا، أو نازلًا، ومن ثم قالت الشافعية: ترك الجمع أفضل. [والرابع]: أن الجمع مكروه، قال ابن العربيّ: إنها رواية المصريين عن مالك. [والخامس]: أنه مختص بمن له عذر، حُكي ذلك عن الأوزاعيّ. [والسادس]: أنه يجوز جمع التأخير دون التقديم، وهو اختيار ابن حزم، وسيأتي الكلام فيه. [والسابع]: أنه لا يجوز الجمع مطلقًا، إلا بعرفة والمزدلفة، وهو قول الحسن، والنخعيّ، وأبي حنيفة، وصاحبيه. ووقع عند النوويّ أن الصاحبين خالفا شيخهما، وَرَدَّ عليه السَّرُوجيّ في «شرح الهداية»، وهو أعرف بمذهبه. وأجاب هؤلاء عما ورد من الأخبار في ذلك بأن الذي وقع جَمْعٌ صوري، وهو أنه أخّر المغرب مثلًا إلى آخر وقتها، وعجّل العشاء في أول وقتها. وتعقبه الخطابيّ -﵀- بما حاصله: أن الجمع من الرخص العامة لجميع الناس عامهم وخاصهم، فلو كان على ما ذكروه لكان أعظم ضيقًا من الإتيان بكل صلاة في وقتها؛ لأن أوائل الأوقات وأواخرها مما لا يدركه أكثر الخاصة فضلًا عن العامة. وأما أمره -ﷺ- للمستحاضة بالجمع الصوري، فهو وارد في شيء يندُر وجوده، على أنه -ﷺ- قَيَّدَ ذلك بقوله: «إن قويت» كما تقدم في محلّه، فإن قَدَرت المستحاضة على معرفة أوائل الأوقات وأواخرها، وعلى الاغتسال ثلاث مرات جمعت بين الصلاتين فعلًا صورةً. ومن الدليل على أن الجمع رخصة قول ابن عباس: أراد أن لا يحرج أمته، أخرجه مسلم، وهذا يقدح في حمله على الجمع الصوريّ؛ لأن النزول للصلاتين، والخروج إليهما مرة واحدة -وإن كان أسهل من النزول مرتين- لكن لا يخلو ذلك عن حرج ومشقة بسبب عدم معرفة أكثر الناس أوائل أوقات الصلاة وأواخرها، بخلاف الجمع الوقتيّ فهو أيسر وأخفّ من الجمع الفعليّ، وهذا ظاهر. وأيضًا فإن الأخبار جاءت صريحة بالجمع في وقت إحدى الصلاتين، وهي نصوص صريحة، لا تحتمل تأويلًا. قال الشيخ عبد الحيّ اللكنويّ -﵀- : حَمَل أصحابنا -يعني الحنفية- الأحاديث الواردة في الجمع على الجمع الصوريّ، وقد بسط الطحاويّ الكلام فيه في «شرح معاني الآثار»، لكن لا أدري ماذا يفعل بالروايات التي وردت صريحًا بأن الجمع كان بعد ذهاب الوقت، وهي مروية في «الصحيحين»، و«سنن أبي داود»، وغيرها من الكتب المعتمدة على ما لا يخفى على من نظر فيها؟، فإن حُمل على أن الرواة لم يحصل لهم التمييز، فظنوا قرب خروج الوقت خروج الوقت، فهذا بعيد عن الصحابة الناصِّين على ذلك، وإن اختير ترك تلك الروايات بإبداء الخلل في الإسناد فهو أبعد، وأبعد، مع إخراج الأئمة لها، وشهادتهم بتصحيحها، وإن عورض بالأحاديث التي صرحت بأن الجمع كان بالتأخير إلى آخر الوقت، والتقديم في أول الوقت فهو أعجب، فإن الجمع بينها بحملها على اختلاف الأحوال ممكن، بل هو الظاهر. وبالجملة فالأمر مشكل، فتأمل لعل اللَّه يحدث بعد ذلك أمرًا. انتهى كلام اللكنويّ. قال الجامع عفا اللَّه عنه: أقول إنه لا إشكال -بحمد اللَّه تعالى- إلا على من يتعصب لبعض الآراء، فإن الأمر سهل لمن يتبع الدليل؛ فأدلة الجمع الحقيقي واضحة صريحة؛ كما اعترف بها اللكنوي نفسه سابقًا، فلا يسع إلا القول بها، وترك التعصب للمذهب؛ كما فعل الطحاويّ والعينىّ، وأمثالهما واللَّه المستعان على دفع ما خالف ظواهر النصوص بالتأويل الْمُهَان. وأيضًا المتبادر إلى الفهم من لفظ الجمع هو الجمع الوقتيّ، لا الفعلي. قال الخطابي في «معالم السنن»: ظاهر اسم الجمع عرفًا لا يقع على من أخَّر الظهر حتى صلاها في آخر وقتها، وعجّل العصر، فصلّاها في أول وقتها؛ لأن هذا قد صلى كل صلاة منهما في وقتها الخاص بها، وإنما الجمع المعروف بينهما أن تكون الصلاتان معًا في وقت أحدهما، ألا ترى أن الجمع بينهما بعرفة والمزدلفة كذلك؟!. انتهى. ولو سلم أن لفظ الجمع عامّ يشمل الوقتيّ والفعليّ كليهما، فالروايات الصريحة في جمع التقديم والتأخير معيِّنة للمراد من لفظ الجمع في الروايات المطلقة، وأن المقصود هو الجمع الوقتىّ؛ أي: الحقيقيّ، لا الصوريّ؛ أي: الفعليّ، قاله في «المرعاة» . قال الجامع عفا اللَّه عنه: وبالجملة فأدلة الجمع الحقيقيّ أوضح، وأقوى، فوجب القول بجواز جمع التقديم والتأخير جمعًا حقيقيًّا في وقت الأولى أو الثانية». وقد أشبعت البحث بأكثر مما هنا في«شرح النسائيّ»، فراجعه تستفد، واللَّه -تعالى- أعلم، بالصواب، وإليه المرجع والمآبُ، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٦٢٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، بَعْدَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ، وَيَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ، جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) بن عُبيد الْعَنَزيّ، أبو موسى البصريّ المعروف بالزَّمِنِ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. ٢ - (يَحْيَى) بن سعيد القطّان، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمام الجرح والتعديل، من كبار [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨٥. ٣ - (عُبَيْدُ اللَّهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب العمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٥] مات سنة بضع (١٤٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٨/ ٢٢٢. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ) أي: اشتدّ، قاله صاحب «المحكم»، وقال عياض: جدّ به السير: أسرع، كذا قال، وكأنه نسب الإسراع إلى السير توسعًا . وقوله: (جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، بَعْدَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ) قال النوويّ -﵀-: هذا صريح في الجمع في وقت إحدى الصلاتين، وفيه إبطال تأويل الحنفية في قولهم: إن المراد بالجمع تأخير الأولى إلى آخر وقتها، وتقديم الثانية إلى أول وقتها. ومثله في حديث أنس -﵁-: «إذا ارتحل قبل أن تَزِيغ الشمس أخّر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما»، وهو صريح في الجمع في وقت الثانية، والرواية الأخرى أوضح دلالةً، وهي قوله: «إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر، أَخَّر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر، ثم يجمع بينهما»، وفي الرواية الأخرى: «ويؤخِّر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء، حين يغيب الشفق». وإنما اقتصر ابن عمر على ذكر الجمع بين المغرب والعشاء؛ لأنه ذَكَره جوابًا لقضيّة جَرَت له، فإنه استُصْرِخ على زوجته، فذَهَب مسرعًا، وجَمَع بين المغرب والعشاء، فذَكَر ذلك بيانًا لأنه فعله على وفق السنة، فلا دلالة فيه لعدم الجمع بين الظهر والعصر، فقد رواه أنس، وابن عباس، وغيرهما من الصحابة -﵃-. انتهى . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٦٢٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِب وَالْعِشَاءِ، إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل بابين. ٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم قبل بابين أيضًا. ٣ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير الناقد، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرَّقّة، ثقة حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٣.
مصادر المؤلف (١٠)

١. راجع: «الفتح» ٢/ ٦٧١.

٢. «الفتح» ٢/ ٦٧٧.

٣. «حجة اللَّه البالغة» ٢/ ١٨.

٤. راجع: «معالم السنن» ١/ ٢٦٤.

٥. «التعليق الممجد» ١/ ٥٧٠.

٦. «المرعاة»٤/ ٣٩٦ - ٣٩٨.

٧. راجع:«ذخيرة العقبى» ٧/ ٤٤٣ - ٤٤٨ رقم الحديث (٨٦).

٨. وفي نسخة: «أخبرنا».

٩. «الفتح» ٢/ ٦٧٦.

١٠. «شرح النوويّ» ٥/ ٢١٣ - ٢١٤.