HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٧٠٥

حَدَّثَنَا يحيى بن يحيى. قال: قرأت على مالك عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عن ابن عباس؛ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا. وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا. فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سفر.
ج ١ ص ٤٨٩

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٥ ص١٩١
العسال: عن جابر بن إسماعيل بغير خلاف على الصواب، وفي كتاب شيخنا أبي محمد الخشنيّ: حدّثنا ابن إسماعيل، دون اسم، فطرح الاسم لأجل الوهم، وأبقى النسب الصحيح؛ ليَسْلَم من الوهم في اسم ابن إسماعيل، والصواب جابر، كما حكى الشيخ، وكذا صوّبه الجيّانيّ، وأبو عليّ الحافظ، وكذا ذكره الدمشقيّ، وأبو داود، والنسائيّ في حديث ابن شهاب، وقال البخاريّ: جابر بن إسماعيل يُعدّ في المصريين عن عُقيل، رَوَى عنه ابن وهب. انتهى . وقوله: (إِذَا عَجِلَ عَلَيْهِ السَّفَرُ) هكذا هو الأصول: «عَجِلَ عليه»، وهو بمعنى عَجِل به في الروايات الباقية ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٧) - (بَابُ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي الْحَضَرِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٦٢٨] (٧٠٥) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا، فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفَرٍ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم في الباب الماضي أيضًا. ٣ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس، تقدّم قبل بابين. ٤ - (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) تقدّم قبل باب. ٥ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) -﵄-، تقدّم قبل بابين. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، والترمذيّ. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أبو الزبير، عن سعيد. ٤ - (ومنها): أن فيه ابن عبّاس -﵄- البحر الحبر، أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) -﵄- أنه (قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ) أي: صلاتهما (جَمِيعًا) أي: حال كونهما مجموعتين (وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ) أي: صلاتهما (جَمِيعًا، فِي غَيْرِ خَوْفٍ) أي: من غير أن يخاف عدوًّا (وَلَا سَفَرٍ) أي: من غير أن يكون مسافرًا، وفي رواية سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس -﵄- الآتية: «جمع رسول اللَّه -ﷺ- بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة، في غير خوف ولا مطر»، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧/ ١٦٢٨ و١٦٢٩ و١٦٣٠ و١٦٣٣ و١٦٣٤ و١٦٣٥ و١٦٣٦ و١٦٣٧] (٧٠٥)، و(البخاريّ) في «المواقيت» (٥٤٣ و٥٦٢) و«التهجّد» (١١٧٤)، و(أبو داود) في «الصلاة» (١٢١١)، و(الترمذيّ) في «الصلاة» (١٨٧)، و(النسائيّ) في «المواقيت» (٥٨٩ و٥٩٠ و٦٠١ و٦٠٢ و٦٠٣) و«الكبرى» (١٥٦٥ و١٥٧٣ و١٥٧٤)، و(مالك) في «الموطّأ» (١/ ١٤٤)، و(الشافعيّ) في «المسند» (١/ ١١٨)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٤٤٣٥)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١/ ١٣٧)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٤٧١)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٢/ ٤٥٦)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٢٢٣ و٣٤٦ و٣٥١)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (١/ ١٦٠)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢٣٩٧ و٢٣٩٨ و٢٣٩٩ و٢٤٠٠ و٢٤٠١ و٢٤٠٢ و٢٤٠٣)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٥٨٤ و١٥٨٥ و١٥٨٦ و١٥٨٧)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٩٧٢)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٥٩٦)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٣/ ١٦٦ و١٦٧)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (١٠٤٣ و١٠٤٤)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في الجمع بين الصلاتين في الحضر: قال الإمام أبو بكر بن المنذر -﵀-: اخْتَلَفوا في الجمع بين الصلاتين في الحضر، وفي الحالة التي يجوز أن يجمع بينهما: فقالت طائفة: يجمع بين المغرب والعشاء في الليلة المطيرة، ولا يجمع بين الظهر والعصر في حال المطر، هذا قول مالك، قال مالك: ويجمع بينهما وإن لم يكن مطر، إذا كان طينًا وظلمة. وكان أحمد بن حنبل، وإسحاق ابن راهويه يريان الجمع بين المغرب والعشاء في الليلة المطيرة، وممن رأى أن يجمع بين المغرب والعشاء في حال المطر عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنهما، ثم أخرج بسنده عن نافع، قال: إذا كانت ليلة مطيرة كانت أمراؤهم يصلّون المغرب، ويصلّون العشاء قبل أن يغيب الشفق، ويصلي معهم ابن عمر، لا يَعِيبُ ذلك. وفعل ذلك أبان بن عثمان، وعروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، ومروان بن الحكم، وعمر بن عبد العزيز. وقالت طائفة: يجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء في حال المطر، إذا جمع بينهما، والمطر قائم، ولا يجمع بين الصلاتين إلا في حال المطر، هكذا قال الشافعي، وأبو ثور. وقال الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعي عمن جمع بين الصلاتين: المغربِ والعشاءِ في الليلة المطيرة؟ فقال: أهل المدينة يَجْمَعُون بينهما، ولم يزل مَنْ قَبْلَنَا يصلّون كل صلاة في وقتها، قال: وسألت الليث بن سعد، وسعيد بن عبد العزيز فقالا مثل ذلك، وكان عمر بن عبد العزيز يرى الجمع بين الصلاتين في حال الريح والظلمة، وكان مالك يرى أن يجمع بينهما في حال الطين والظلمة. وقالت طائفة: الجمع بين الصلاتين مباح، وإن لم تكن عِلّة، قال: لأن الأخبار قد ثبتت عن رسول اللَّه -ﷺ- أنه جمع بين الصلاتين بالمدينة، ولم يثبت عن النبيّ -ﷺ- أنه جمع بينهما في المطر، ولو كان ذلك في حال المطر لأُدِّي إلينا ذلك، كما أُدّي إلينا جمعه بين الصلاتين، بل قد ثبت عن ابن عباس -﵄- الراوي لحديث الجمع بين الصلاتين في الحضر، لَمَّا سئل لِمَ فَعَلَ ذلك؟ قال: أراد أن لا يُحْرِج أحدًا من أمته. ثم قد رَوَينا مع ذلك عن ابن عباس -﵄- في العلة التي توهمها بعض الناس، ثم أخرج بسنده عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: «جمع رسول اللَّه -ﷺ- بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، من غير خوف، ولا مطر، قلت لابن عباس: لم فعل ذلك؟ قال: لكي لا يحرج أمته». وأخرج بسنده أيضًا عن أبي الزبير، عن سعيد، عن ابن عباس، قال: «جمع رسول اللَّه -ﷺ- بين الظهر والعصر بالمدينة في غير سفر، ولا خوف، قال: قلت لابن عباس: ولم تراه فعل ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أحدًا من أمته». قال أبو بكر: فإن تَكَلَّم متكلِّم في حديث حبيب، وقال: لا يصح، يعني المطر، قيل: قد ثبت من حديث أبي الزبير عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قولُهُ لَمَّا قيل له: لم فعل ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أحدًا من أمته، ولو كان ثَمَّ مطر من أجله جمع بينهما رسول اللَّه -ﷺ- لذكره ابن عباس عن السبب الذي جمع بينهما، فلما لم يذكره، وأخبر بأنه أراد أن لا يحرج أمته، دلّ على أن جمعه كان في غير حال المطر، وغيرُ جائز دفع يقين ابن عباس -مع حضوره- بشكّ مالك. فإن قال قائل: فإن ابن عمر وغيره ممن ذكرنا قد جمعوا في حال المطر، قيل: إذا ثبتت الرخصة في الجمع بين الصلاتين، جمع بينهما للمطر، والريح، والظلمة، ولغير ذلك من الأمراض، وسائر العلل، وأحقّ الناس بأن يَقْبَلَ ما قاله ابن عباس بغير شك مَنْ جَعَلَ قولَ ابن عباس لَمَّا ذَكَرَ «أن النبيّ -ﷺ- نَهَى عن بيع الطعام حتى يُقْبَضَ»، فقال ابن عباس: وأحْسِبُ كلَّ شيء مثلَهُ، حجةً بَنَى عليها المسائل، فمن استعمل شكّ ابن عباس، وبنى عليه المسائل، وامتنع أن يقبل يقينه لَمَّا أخبر أن النبيّ -ﷺ- أراد أن لا يحرج أمته، بعيد من الإنصاف. انتهى كلام ابن المنذر بتغيير يسير . قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر -﵀- تحقيق نفيسٌ جدًّا لمن أنصف واعتدل، واستعمل الأدلة على وجهها، ولم يتجمّد على التقليد المحض، فإن الأحاديث المذكورة في الباب واضحة في ذلك، وتأويلها بما يُخرجها عن ظواهرها إجحاف بها، وتعسّف، فتبصّر. وقال النوويّ -﵀- في «شرحه»: هذه الروايات الثابتة في مسلم كما تراها، وللعلماء فيها تأويلات ومذاهب، وقد قال الترمذيّ في آخر كتابه: ليس في كتابي حديث أجمعت الأمة على ترك العمل به إلا حديث ابن عباس في الجمع بالمدينة من غير خوف ولا مطر، وحديث قتل شارب الخمر في المرة الرابعة، وهذا الذي قاله الترمذيّ في حديث شارب الخمر هو كما قاله، فهو حديث منسوخٌ، دلَّ الإجماع على نسخه. وأما حديث ابن عباس فلم يُجمِعوا على ترك العمل به، بل لهم أقوال: منهم من تأوّله على أنه جَمَع بعذر المطر، وهذا مشهور عن جماعة من الكبار المتقدمين، وهو ضعيف بالرواية الأخرى: «من غير خوف ولا مطر». ومنهم من تأوّله على أنه كان في غيم، فصلى الظهر، ثم انكشف الغيم، وبان أن وقت العصر دخل فصلّاها، وهذا أيضًا باطل؛ لأنه وإن كان فيه أدنى احتمال في الظهر والعصر، لا احتمال فيه في المغرب والعشاء. ومنهم من تأوله على تأخير الأولى إلى آخر وقتها، فصلاها فيه، فلما فرغ منها دخلت الثانية فصلاها، فصارت صلاته صورة جمع، وهذا أيضًا ضعيف أو باطل؛ لأنه مخالف للظاهر مخالفةً لا تُحْتَمَلُ، وفِعْلُ ابن عباس الذي ذكرناه حين خَطَب، واستدلاله بالحديث لتصويب فعله، وتصديق أبي هريرة له، وعدم إنكاره صريح في ردّ هذا التأويل. ومنهم من قال: هو محمول على الجمع بعذر المرض، أو نحوه، مما هو في معناه من الأعذار، وهذا قول أحمد بن حنبل، والقاضي حسين من أصحابنا، واختاره الخطابيّ، والمتوليّ، والرويانيّ من أصحابنا، وهو المختار في تأويله؛ لظاهر الحديث، ولفعل ابن عباس، وموافقة أبي هريرة -﵃-، ولأن المشقة فيه أشدّ من المطر. وذهب جماعة من الأئمة إلى جواز الجمع في الحضر؛ للحاجة لمن لا يتخذه عادةً، وهو قول ابن سيرين، وأشهب من أصحاب مالك، وحكاه الخطابيّ عن القفال، والشاشيّ الكبير من أصحاب الشافعيّ عن أبي إسحاق المروزيّ، عن جماعة من أصحاب الحديث، واختاره ابن المنذر، ويؤيده ظاهر قول ابن عباس -﵄-: أراد أن لا يحرج أمته، فلم يعللَّه بمرض ولا غيره. انتهى كلام النووى -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: لقد أنصف النوويّ -﵀- وأجاد في هذا التحقيق، مع مخالفته لمذهبه، وهكذا ينبغي لكلّ مسلم أن يحرص على العمل بما اقتضاه الدليل، وإن خالف مذهبه، أو خالفه جلّ الناس؛ لأن الأدلة هي المرجع والمفزع عند الاختلاف، قال اللَّه ﷿: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية [النساء: ٥٩]، ولأن اللَّه تعالى قد ضمن الهداية والفلاح في اتّباع النصوص، فقال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقال: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ الآية [النور: ٥٤]، وقال: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. والحاصل أن الأرجح هو القول بجواز الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في الحضر للحاجة لمن لا يتخذه عادةً، كما هو حال النبيّ -ﷺ-، فإنه لم يتخذ ذلك عادةً؛ لوضوح حجتّه، وقد أشبعت البحث بأكثر مما هنا في «شرح النسائيّ» ، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: ثم رأيت شيخ الإسلام ابن تيميّة -﵀- قد حقّق هذا الموضوع تحقيقًا حسنًا جدًّا، أحببت إيراده هنا، وإن كان فيه طولٌ، إلا أن فوائده نافعةٌ جدًّا، وهذا الشرح ما وُضع إلا لاستيفاء المسائل المهمّة، ولو كان فيها طولٌ، قال -﵀-: وأما الجمع بالمدينة لأجل المطر أو غيره، فقد رَوَى مسلم وغيره من حديث أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه قال: صلى رسول اللَّه -ﷺ- الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا، من غير خوف ولا سفر. وممن رواه عن أبي الزبير مالك في «موطئِه»، وقال: أظنّ ذلك كان في مطر. قال البيهقيّ: وكذلك رواه زهير بن معاوية، وحماد بن سلمة، عن أبي الزبير: «في غير خوف، ولا سفر»، إلا أنهما لم يذكرا المغرب والعشاء، وقالا: «بالمدينة». ورواه أيضًا ابن عيينة، وهشام بن سعد، عن أبي الزبير، بمعنى رواية مالك، وساق البيهقيّ طرقها. وحديث زهير رواه مسلم في «صحيحه»: ثنا أبو الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: «صلى رسول اللَّه -ﷺ- الظهر والعصر جميعًا بالمدينة، في غير خوف ولا سفر»، قال أبو الزبير: فسألت سعيدًا لِمَ فَعَل ذلك؟ قال: سألت ابن عباس كما سألتني، فقال: أراد أن لا يُحرِج أحدًا من أمته، قال: وقد خالفهم قُرّة في الحديث، فقال: «في سفرة سافرها إلى تبوك»، وقد رواه مسلم من حديث قُرّة، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: جمع رسول اللَّه -ﷺ- في سفرة سافرها في غزوة تبوك، فجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، فقلت لابن عباس: ما حمله على ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته. قال البيهقيّ: وكان قرة أراد حديث أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ، فهذا لفظ حديثه، ورَوَى سعيد بن جبير الحديثين جميعًا، فسمع قرة أحدهما، ومن تقدم ذكره الآخرَ، قال: وهذا أشبه، فقد روى قرة حديث أبي الطفيل أيضًا. قلت: وكذا رواه مسلم، فروى هذا المتن من حديث معاذ، ومن حديث ابن عباس، فإن قرة ثقة حافظ، وقد رَوَى الطحاويّ حديث قرة، عن أبي الزبير، فجعله مثل حديث مالك عن أبي الزبير، حديث أبي الطفيل، وحديثه هذا عن سعيد، فدلَّ ذلك على أن أبا الزبير حدّث بهذا وبهذا. قال البيهقيّ: ورواه حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، فخالف أبا الزبير في متنه، وذكره من حديث الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: جمع رسول اللَّه -ﷺ- بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة، من غير خوف ولا مطر، قيل له: فما أراد بذلك؟ قال: أراد أن لا يُحرج أمته، وفى رواية وكيع: قال سعيد: قلت لابن عباس: لِمَ فعل ذلك رسول اللَّه -ﷺ-؟ قال: كيلا يحرج أمته، ورواه مسلم في «صحيحه». قال البيهقيّ: ولم يخرجه البخاريّ، مع كون حبيب بن أبي ثابت من شرطه، ولعله إنما أعرض عنه -واللَّه أعلم- لما فيه من الاختلاف على سعيد بن جبير، قال: ورواية الجماعة عن أبي الزبير أولى أن تكون محفوظةً، فقد رواه عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس بقريب من معنى رواية مالك، عن أبي الزبير. قلت : تقديم رواية أبي الزبير على رواية حبيب بن أبي ثابت لا وجه له، فإن حبيب بن أبي ثابت من رجال «الصحيحين»، فهو أحقّ بالتقديم من أبي الزبير، وأبو الزبير من أفراد مسلم، وأيضًا فأبو الزبير اختُلِف عنه عن سعيد بن جبير في المتن، تارةً يَجعل ذلك في السفر، كما رواه عنه قرة موافقةً لحديث أبي الزبير، عن أبي الطفيل، وتارة يجعل ذلك في المدينة، كما رواه الأكثرون عنه، عن سعيد. فهذا أبو الزبير قد رُوي عنه ثلاثة أحاديث: حديث أبي الطفيل، عن معاذ في جمع السفر، وحديث سعيد بن جبير، عن ابن عباس مثله، وحديث سعيد بن جبير، عن ابن عباس الذي فيه جمع المدينة، ثم قد جعلوا هذا كله صحيحًا؛ لأن أبا الزبير حافظ، فلم لا يكون حديث حبيب بن أبي ثابت أيضًا ثابتًا عن سعيد بن جبير؟ وحبيبٌ أوثق من أبي الزبير، وسائر أحاديث ابن عباس الصحيحة تدلُّ على ما رواه حبيب، فإن الجمع الذي ذكره ابن عباس لم يكن لأجل المطر، وأيضًا فقوله: «بالمدينة» يدل على أنه لم يكن في السفر، فقوله: «جمع بالمدينة في غير خوف ولا مطر»، أولى بأن يقال: «من غير خوف ولا سفر»، ومن قال: أظنه في المطر، فظَنٌّ ظَنَّهُ، ليس هو في الحديث، بل مع حفظ الرواة، فالجمع صحيح، قال: «من غير خوف ولا مطر»، وقال: «ولا سفر»، والجمع الذي ذكره ابن عباس لم يكن بهذا ولا بهذا. وبهذا استَدَلَّ أحمد به على الجمع لهذه الأمور بطريق الأولى، فإن هذا الكلام يدل على أن الجمع لهذه الأمور أولى، وهذا من باب التنبيه بالفعل، فإنه إذا جمع لِيَرْفَع الحرج الحاصل بدون الخوف والمطر والسفر، فالحرج الحاصل بهذه أولى أن يُرْفَعَ، والجمع لها أولى من الجمع لغيرها. ومما يبيّن أن ابن عباس لم يُرِد الجمع للمطر، وإن كان الجمع للمطر أولى بالجواز، بما رواه مسلم من حديث حماد بن زيد، عن الزُّبير بن الْخِرِّيت، عن عبد اللَّه بن شقيق، قال: خطبنا ابن عباس يومًا بعد العصر، حتى غربت الشمس، وبدت النجوم، فجعل الناس يقولون: الصلاة الصلاة، قال: فجاء رجل من بني تيم، لا يفتُر: الصلاة الصلاة، فقال: أتعلّمني بالسنة؟ لا أُمّ لك، ثم قال: رأيت رسول اللَّه -ﷺ- يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، قال عبد اللَّه بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء، فأتيت أبا هريرة، فسألته، فصدَّق مقالته. ورواه مسلم أيضًا من حديث عمران بن حُدَير، عن ابن شقيق، قال: قال رجل لابن عباس: الصلاة، فسكت، ثم قال: الصلاة، فسكت، ثم قال: لا أم لك، أتعلمنا بالصلاة؟ وكنا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول اللَّه -ﷺ-، فهذا ابن عباس لم يكن في سفر، ولا في مطر، وقد استَدَلّ بما رواه على ما فعله، فعُلِم أن الجمع الذي رواه لم يكن في مطر، ولكن كان ابن عباس في أمر مُهِمّ من أمور المسلمين، يخطبهم فيما يحتاجون إلى معرفته، ورأى أنه إن قطعه ونزل، فاتت مصلحته، فكان ذلك عنده من الحاجات التي يجوز فيها الجمع، فإن النبيّ -ﷺ- كان يجمع بالمدينة لغير خوف ولا مطر، بل للحاجة تَعْرِض له، كما قال: أراد أن لا يحرج أمته. ومعلوم أن جمع النبيّ -ﷺ- بعرفة ومزدلفة، لم يكن لخوف، ولا مطر، ولا لسفر أيضًا، فإنه لو كان جمعه للسفر لجمع في الطريق، ولجمع بمكة، كما كان يقصر بها، ولجمع لَمّا خرج من مكة إلى منى، وصلى بها الظهر والعصر، والمغرب والعشاء والفجر، ولم يجمع بمنى قبل التعريف، ولا جمع بها بعد التعريف أيام منى، بل صلى كل صلاة ركعتين، غير المغرب، ويصليها في وقتها، ولا جمعه أيضًا كان للنسك، فإنه لو كان كذلك لجمع من حين أحرم، فإنه من حينئذ صار محرمًا، فعُلم أن جمعه المتواتر بعرفة ومزدلفة، لم يكن لمطر، ولا خوف، ولا لخصوص النسك، ولا لمجرد السفر، فهكذا جمعه بالمدينة الذي رواه ابن عباس -﵄-، وإنما كان الجمع لرفع الحرج عن أمته، فإذا احتاجوا إلى الجمع جمعوا. قال البيهقيّ: ليس في رواية ابن شقيق، عن ابن عباس من هذين الوجهين الثابتين عنه نفي المطر، ولا نفي السفر، فهو محمول على أحدهما، أو على ما أوّله عمرو بن دينار، وليس في روايتهما ما يمنع ذلك التأويل. فيقال: يا سبحان اللَّه، ابن عباس كان يخطب بهم بالبصرة، فلم يكن مسافرًا، ولم يكن هناك مطر، وهو ذكر جمعًا يَحتَجّ به على مثل ما فعله، فلو كان ذلك لسفر أو مطر، كان ابن عباس أجلّ قدرًا من أن يَحتَجّ على جمعه بجمع المطر أو السفر. وأيضًا فقد ثبت في «الصحيحين» عنه أن هذا الجمع كان بالمدينة، فكيف يقال: لم ينف السفر، وحبيب بن أبي ثابت من أوثق الناس، وقد روى عن سعيد، أنه قال: من غير خوف ولا مطر. وأما قوله: إن البخاريّ لم يخرجه، فيقال: هذا من أضعف الحجج، فهو لم يخرج أحاديث أبي الزبير، وليس كل من كان من شرطه يخرجه. وأما قوله: ورواية عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء قريب من رواية أبي الزبير، فإنه ذكر ما أخرجاه في «الصحيحين»، من حديث حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس -﵄- أن رسول اللَّه -ﷺ- صلى بالمدينة سبعًا وثمانيًا: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، وفي رواية البخاريّ، عن حماد بن زيد، فقال لأيوب: لعله في ليلة مطيرة، فقال: عسى. فيقال: هذا الظن من أيوب وعمرو، فالظنّ ليس من مالك، وسبب ذلك أن اللفظ الذي سمعوه لا ينفي المطر، فجوّزوا أن يكون هو المراد، ولو سمعوا رواية حبيب بن أبي ثابت الثقة الثبت، لم يظنوا هذا الظن. ثم رواية ابن عباس هذه حكاية فعل مطلق، لم يذكر فيها نفي خوف ولا مطر، فهذا يدلّك على أن ابن عباس كان قصده بيان جواز الجمع بالمدينة في الجملة، ليس مقصوده تعيين سبب واحد، فمن قال: إنما أراد جمع المطر وحده، فقد غَلِطَ عليه. ثم عمرو بن دينار تارةً يُجَوِّز أن يكون للمطر موافقةً لأيوب، وتارةً يقول هو وأبو الشعثاء: إنه كان جمعًا في الوقتين، كما في «الصحيحين» عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار: سمعت جابر بن زيد يقول: سمعت ابن عباس يقول: صليت مع رسول اللَّه -ﷺ- ثمانيًا جميعًا، وسبعًا جميعًا، قال: قلت: يا أبا الشعثاء أُراه أخّر الظهر وعجّل العصر، وأخّر المغرب وعجّل العشاء، قال: وأنا أظن ذلك. فيقال: ليس الأمر كذلك؛ لأن ابن عباس كان أفقه وأعلم، من أن يحتاج إذا كان قد صلى كل صلاة في وقتها الذي تعرف العامة والخاصة جوازه، أن يذكر هذا الفعل المطلق دليلًا على ذلك، وأن يقول: أراد بذلك أن لا يحرج أمته، وقد عُلم أن الصلاة في الوقتين، قد شرعت بأحاديث المواقيت، وابن عباس هو ممن روى أحاديث المواقيت، وإمامة جبريل له عند البيت، وقد صلى الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله، وصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثليه، فإن كان النبيّ -ﷺ- إنما جمع على هذا الوجه، فأيّ غرابة في هذا المعنى؟ ومعلوم أنه كان قد صلى في اليوم الثاني كلا الصلاتين في آخر الوقت، وقال: «الوقت ما بين هذين»، فصلاته للأولى وحدها في آخر الوقت أولى بالجواز. وكيف يليق بابن عباس أن يقول: فَعَل ذلك كيلا يحرج أمته، والوقت المشهور هو أوسع، وأرفع للحرج من هذا الجمع الذي ذكروه، وكيف يَحتجّ على من أنكر عليه التأخير، لو كان النبيّ -ﷺ- إنما صلى في الوقت المختص بهذا الفعل، وكان له في تأخيره المغرب حين صلاها قبل مغيب الشفق وحدها، وتأخير العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه ما يُغنيه عن هذا. وإنما قصد ابن عباس بيان جواز تأخير المغرب إلى وقت العشاء؛ ليبيّن أن الأمر في حال الجمع أوسع منه في غيره، وبذلك يرتفع الحرج عن الأمة. ثم ابن عباس قد ثبت عنه في «الصحيح» أنه ذكر الجمع في السفر، وأن النبيّ -ﷺ- جمع بين الظهر والعصر في السفر، إذا كان على ظهر سيره، وقد تقدم ذلك مفصلًا، فعُلِم أن لفظ الجمع في عرفة وعادته إنما هو الجمع في وقت إحداهما، وأما الجمع في الوقتين، فلم يُعْرَف أنه تكلم به، فكيف يَعدل عن عادته التي يتكلم بها إلى ما ليس كذلك؟. وأيضًا فابن شقيق يقول: حاك في صدري من ذلك شيء، فأتيت أبا هريرة فسألته، فصدق مقالته، أَتُراه حاك في صدره أن الظهر لا يجوز تأخيرها إلى آخر الوقت، وأن العصر لا يجوز تقديمها إلى أول الوقت؟ وهل هذا مما يخفى على أقل الناس علمًا حتى يحيك في صدره منه؟ وهل هذا مما يحتاج أن ينقله إلى أبي هريرة أو غيره، حتى يسأله عنه؟ إن هذا مما تواتر عند المسلمين، وعَلِموا جوازه، وإنما وقعت شبهة لبعضهم في المغرب خاصّةً، وهؤلاء يجوّزون تأخيرها إلى آخر وقتها، فالحديث حجة عليهم كيفما كان، وجواز تأخيرها ليس معلقًا بالجمع، بل يجوز تأخيرها مطلقًا إلى آخر الوقت، حين يؤخر العشاء أيضًا، وهكذا فعل النبيّ -ﷺ- حين بَيَّن أحاديث المواقيت، وهكذا في الحديث الصحيح: «وقتُ المغرب ما لم يغب نور الشفق، ووقت العشاء إلى نصف الليل»، كما قال: «وقت الظهر ما لم يصر ظل كل شيء مثله، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس»، فهذا الوقت المختص الذي بيّنه بقوله وفعله، وقال: «الوقت ما بين هذين»، ليس له اختصاص بالجمع، ولا تعلّق به. ولو قال قائل: قوله: جمع بينهما بالمدينة من غير خوف ولا سفر، المراد به الجمع في الوقتين كما يقول ذلك من يقوله من الكوفيين، لم يكن بينه وبينهم فرقٌ، فلماذا يكون الإنسان من المطفِّفين، لا يحتج لغيره كما يحتج لنفسه، ولا يقبل لنفسه ما يقبله لغيره؟. وأيضًا فقد ثبت هذا من غير حديث ابن عباس، ورواه الطحاويّ: حدّثنا ابن خزيمة، وإبراهيم بن أبي داود، وعمران بن موسى، قال: أنا الربيع بن يحيى الأشنانيّ، حدّثنا سفيان الثوريّ، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد اللَّه، قال: جمع رسول اللَّه -ﷺ- بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة، للرخصة من غير خوف ولا علة، لكن يُنظَر حال هذا الأشنانيّ . وجمعُ المطر عن الصحابة، فما ذكره مالك، عن نافع، أن عبد اللَّه بن عمر كان إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء ليلة المطر، جمع معهم في ليلة وقال في «تهذيب التهذيب» -﵀- ٣/ ٢١٨: قال أبو حاتم: ثقةٌ ثبتٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال ابن قانع: إنه ضعيف، وقال الدارقطنيّ: ضعيفٌ ليس بالقويّ، يخطئ كثيرًا، حدّث عن الثوريّ، عن ابن المنكدر، عن جابر: «جمع النبيّ -ﷺ- بين الصلاتين»، وهذا حديث ليس لابن المنكدر فيه ناقة، ولا جمل، وهذا يُسقط مائة ألف حديث، وقال أبو حاتم في «العلل»: هذا باطل عن الثوريّ. انتهى. المطر، قال البيهقيّ: ورواه العمريّ، عن نافع، فقال: قبل الشفق، وروى الشافعيّ في القديم: أنبأنا بعض أصحابنا، عن أسامة بن زيد، عن معاذ بن عبد اللَّه بن حبيب، أن ابن عباس جمع بينهما في المطر قبل الشفق، وذكر ما رواه أبو الشيخ الأصبهانىّ بالإسناد الثابت، عن هشام بن عروة، وسعيد بن المسيّب، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: كانوا يجمعون بين المغرب والعشاء في الليلة المطيرة، إذا جمعوا بين الصلاتين، ولا ينكر ذلك، وبإسناده عن موسى بن عقبة أن عمر بن عبد العزيز، كان يجمع بين المغرب والعشاء الآخرة، إذا كان المطر، وأن سعيد بن المسيِّب، وعروة بن الزبير، وأبا بكر بن عبد الرحمن، ومَشْيَخَة ذلك الزمان، كانوا يصلّون معهم، ولا ينكرون ذلك. فهذه الآثار تدلّ على أن الجمع للمطر من الأمر القديم المعمول به بالمدينة، زمنَ الصحابة والتابعين، مع أنه لم ينقل أن أحدًا من الصحابة والتابعين، أنكر ذلك، فعُلِم أنه منقول عندهم بالتواتر جواز ذلك، لكن لا يدلّ على أن النبيّ -ﷺ- لم يجمع إلا للمطر، بل إذا جَمَعَ لسبب هو دون المطر مع جمعه أيضًا للمطر، كان قد جَمَع من غير خوف ولا مطر، كما أنه إذا جَمع في السفر، وجمع في المدينة، كان قد جمع في المدينة من غير خوف ولا سفر، فقول ابن عباس: جمع من غير كذا ولا كذا، ليس نفيًا منه للجمع بتلك الأسباب، بل إثبات منه؛ لأنه جمع بدونها، وإن كان قد جَمَع بها أيضًا، ولو لم يُنقَل أنه جمع بها، فجمعه بما هو دونها دليل على الجمع بها بطريق الأولى، فيدلّ ذلك على الجمع للخوف والمطر، وقد جمع بعرفة ومزدلفة، من غير خوف ولا مطر. فالأحاديث كلها تدلّ على أنه جمع في الوقت الواحد لرفع الحرج عن أمته، فيباح الجمع إذا كان في تركه حرج، قد رفعه اللَّه عن الأمة، وذلك يدل على الجمع للمرض الذي يُحْرِج صاحبه بتفريق الصلاة بطريق الأولى والأحرى، ويَجْمَع من لا يمكنه إكمال الطهارة في الوقتين إلا بحرج، كالمستحاضة، وأمثال ذلك من الصور. وقد رُوي عن عمر بن الخطاب -﵁- أنه قال: الجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر، ورَوَى الثوريّ في «جامعه» عن سعيد، عن قتادة، عن أبي العالية، عن عمر، ورواه يحيى بن سعيد، عن يحيى بن صبح: حدّثني حميد بن هلال، عن أبي قتادة، يعني العدويّ، أن عمر بن الخطاب كَتَب إلى عامل له: «ثلاثٌ من الكبائر: الجمع بين صلاتين إلا من عذر، والفرار من الزَّحْف، والنَّهْبُ»، قال البيهقيّ: أبو قتادة أدرك عمر، فإن كان شَهِدَه كَتَب فهو موصول، وإلا فهو إذا انضم إلى الأَوَّل صار قويًّا، وهذا اللفظ يدلّ على إباحة الجمع للعذر، ولم يَخُصّ عمر عذرًا من عذر. قال البيهقيّ: وقد رُوي فيه حديثٌ موصولٌ عن النبيّ -ﷺ-، في إسناده مَن لا يُحتجّ به، وهو من رواية سلمان التيميّ، عن حَنَش الصنعائيّ، عن عكرمة، عن ابن عباس -﵄-. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد أجاد شيخ الإسلام -﵀- في هذا التحقيق، وأفاد، وحاصله ترجيح قول من قال بمشروعية الجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في الحضر بسبب عذر من الأعذار، مطرًا كان، أو مرضًا، أو ظلمةً، أو ريحًا شديدًا، أو غير ذلك من الأعذار يحتاج معها الإنسان إلى التيسير عليه بالجمع بين الصلاتين؛ لقوّة حجته، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٦٢٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، وَعَوْنُ بْنُ سَلَّامٍ، جَمِيعًا عَنْ زُهَيْرٍ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا بِالْمَدِينَةِ، فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفَرٍ»، قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ: فَسَأَلْتُ سَعِيدًا: لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ كَمَا سَأَلْتَنِي، فَقَالَ: أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أَحَدًا مِنْ أُمَّتِهِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) تقدّم قبل بابين. ٢ - (عَوْنُ بْنُ سَلَّامٍ) أبو جعفر الكوفيّ، مولى بني هاشم، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٠) تقدم في «الإيمان» ٣٠/ ٢٢٨. ٣ - (زُهَيْرُ) بن معاوية، تقدّم أيضًا قبل بابين. والباقون ذُكروا في السند الماضي. وقوله: (أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أَحَدًا مِنْ أُمَّتِهِ) أي: لا يوقعه في حَرَج، وهو بفتحتين: الضِّيق، والإثم، يقال: حَرِجَ صدرُه، من باب تَعِبَ: ضاق، وحَرِجَ الرجُلُ: أَثِمَ، وصدرٌ حَرِجٌ: ضَيِّقٌ، ورجُلٌ حَرِجٌ: آثم، قاله في «المصباح» ، والمناسب هنا معنى الضيق. والمعنى أنه -ﷺ- إنما فعل ذلك؛ لئلا يَشُقّ على أحد من أمته، ويُثقل عليه بإفراد كل صلاة في وقتها الأصليّ، فشرع لهم الجمع؛ تخفيفًا عنهم، وتيسيرًا عليهم. والحديث متّفقٌ عليه، ومضى تمام شرحه، ومسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٦٣٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاةِ فِي سَفْرَةٍ سَافَرَهَا، فِي غَزْوةِ تَبُوكَ، فَجَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ ، قَالَ سَعِيدٌ: فَقُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ).
مصادر المؤلف (١٦)

١. «إكمال المعلم» ٣/ ٣٨ - ٣٩.

٢. «شرح النووي» ٥/ ٢١٥.

٣. وفي نسخة: «صلى لنا رسول اللَّه -ﷺ-».

٤. وفي نسخة: «صلى لنا رسول اللَّه -ﷺ-».

٥. «الأوسط» لابن المنذر ٢/ ٤٣٠ - ٤٣٤.

٦. «شرح النوويّ» ٥/ ٢١٨ - ٢١٩.

٧. راجع: «ذخيرة العقبى» ٧/ ٤٧٠ - ٤٧٨.

٨. القائل هو شيخ الإسلام ابن تيميّة -﵀-.

٩. هكذا نسخة «مجموع الفتاوى»، ولعلّ الصواب إسقاط الباء، فتأمل.

١٠. قال في «التقريب»: الربيع بن يحيى بن مِقسم الأشنانيّ، أبو الفضل البصريّ، صدوق له أوهام، من كبار العاشرة، مات سنة (٢٢٤) روى عنه البخاريّ، وأبو داود.

١١. «مجموع الفتاوى» ٢٤/ ٧٢ - ٨٤.

١٢. وفي نسخة: «أخبرنا».

١٣. «المصباح المنير» ١/ ١٢٧.

١٤. وفي نسخة: «حدّثنا».

١٥. وفي نسخة: «بين الصلاتين».

١٦. وفي نسخة: «وبين المغرب والعشاء».