HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٧١١

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ. حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ ابن بحينة؛ إن رسول الله ﷺ مَرَّ بِرَجُلٍ يُصَلِّي. وَقَدْ أُقِيمَتِ صَلَاةُ الصُّبْحِ. فَكَلَّمَهُ بِشَيْءٍ، لَا نَدْرِي مَا هُوَ. فَلَمَّا انْصَرَفْنَا أَحَطْنَا نَقُولُ: مَاذَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قَالَ: قَالَ لِي «يُوشِكُ أَنْ يُصَلِّيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ أَرْبَعًا». قَالَ الْقَعْنَبِيُّ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مالك بن بُحَيْنَةَ عَنْ أَبِيهِ. (قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ مُسْلِمٌ) وَقَوْلُهُ: عَنْ أَبِيهِ، فِي هَذَا الْحَدِيثِ، خَطَأٌ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص154
ج ١ ص ٤٩٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, سنن النسائي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٥ ص٢٥٦
والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (وَلَمْ يَرْفَعْهُ) قال النوويّ -﵀-: هذا الكلام لا يقدح في صحة الحديث ورفعه؛ لأن أكثر الرواة رفعوه، قال الترمذيّ: ورواية الرفع أصحّ، وقد قدمنا في الفصول السابقة في مقدمة الكتاب، أن الرفع مقدَّم على الوقف على المذهب الصحيح، وإن كان عدد الرفع أقلّ، فكيف إذا كان أكثر؟. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: كون الرفع هنا أرجح هو الحقّ كما قال، وقد أسلفنا تحقيقه، وأما مسألة تقديم الرفع على الوقف مطلقًا، فقد تقدّم مناقشة النوويّ فيها، وأن الصواب أنه ليس على إطلاقه، بل لا بدّ من الترجيح حسب القرائن، فإذا وُجدت رُجّح الرفع على الوقف، وكذا العكس، فتنبّه بهذه المسألة الدقيقة، وارجع إلى «شرح المقدّمة»، تجد ما يشفي غليلك، وباللَّه تعالى التوفيق. [تنبيه]: رواية أيوب، عن عمرو هذه ساقها ابن حبّان -﵀- في «صحيحه» (٦/ ٢٢٢) فقال: (٢٤٧٠) أخبرنا محمد بن سفيان الصفار بالْمِصِّيصة، قال: حدّثنا ابن عليه، عن أيوب، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة». انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٦٤٩] (٧١١) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- مَرَّ بِرَجُلٍ يُصَلِّي، وَقَدْ أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ، فَكَلَّمَهُ بِشَيْءٍ، لَا نَدْرِي مَا هُوَ، فَلَمَّا انْصَرَفْنَا أَحَطْنَا ، نَقُولُ: مَاذَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-؟، قَالَ: قَالَ لِي: «يُوشِكُ أَنْ يُصَلِّيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ أَرْبَعًا». قال الَقَعْنَبِيُّ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَالِكٍ ابنُ بُحَيْنَةَ، عَنْ أَبِيهِ. قال أبُو الحُسَيْنِ مُسْلِمٌ: وَقَوْلُهُ: «عَنْ أَبِيهِ» في هَذَا الحَدِيث خَطَأٌ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ) الحارثيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، مدنيّ الأصل، وقد سكنها مدّةً، ثقةٌ عابدٌ، من صغار [٩] (ت ٢٢١) بمكة (خ م د ت س) تقدم في «الطهارة» ١٧/ ٦١٧. ٢ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ) بن إبراهيم الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجةٌ [٨] (ت ١٨٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١. ٣ - (أَبُوهُ) سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ القاضي، ثقةٌ فاضلٌ عابدُ، [٥] (ت ١٢٥) أو بعدها (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣١. ٤ - (حَفْصُ بْنُ عَاصِمِ) بن عمر بن الخطّاب العمريّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٧. ٥ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَالِكٍ ابْنُ بُحَيْنَةَ) هو: عبد اللَّه بن مالك بن الْقِشْب الأزديّ، أبو محمد المعروف بابن بُحينة بموحّدة، مصغّرًا، وهي أمه، صحابيّ مشهور، مات -﵁- بعد الخمسين (ع) تقدم في «الصلاة» ٤٦/ ١١١٠. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، وشيخه وإن كان بصريًّا، إلا أنه مدنيّ الأصل، وقد سكنها مدّةً، كما أسلفناه آنفًا. ٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ الابن، عن أبيه: إبراهيم، عن سعد بن إبراهيم، وتابعيّ، عن تابعيّ؛ سعد بن إبراهيم، عن حفص بن عاصم، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ) ووقع عند البخاريّ من طريق شعبة، عن سعد بن إبراهيم، قال: سمعت حفص بن عاصم، قال: سمعت رجلًا من الأزد، يقال له: مالك ابن بحينة. قال في «الفتح»: هكذا يقول شعبة في الصحابيّ، وتابعه على ذلك أبو عوانة، وحماد بن سلمة، وحكم الحفاظ: يحيى بن معين، وأحمد، والبخاريّ، ومسلم، والنسائيّ، والإسماعيلي، وابن الشرقي، والدارقطني، وأبو مسعود، وآخرون عليهم بالوهم فيه في موضعين: [أحدهما]: أن بُحينة والدة عبد اللَّه، لا مالك. [وثانيهما]: أن الصحبة، والرواية لعبد اللَّه، لا لمالك، وهو: عبد اللَّه بن مالك بن القِشْب -بكسر القاف، وسكون المعجمة، بعدها موحدة- وهو لقب جندب بن نَضْلة بن عبد اللَّه. قال ابن سعد: قَدِمَ مالك بن القشب مكة -يعني في الجاهلية- فحالف بني المطلب بن عبد مناف، وتزوج بُحَينة بنت الحارث بن المطلب، واسمها عبدة، وبُحينة لقب، وأدركت بحينة الإسلام، فأسلمت، وصحبت، وأسلم ابنها عبد اللَّه قديمًا، ولم يذكر أحد مالكًا في الصحابة، إلا بعض من تلقاه من هذا الإسناد ممن لا تمييز له، وكذا أغرب الداوديّ الشارح، فقال: هذا الاختلاف لا يضرّ، فأي الرجلين كان فهو صحابيّ. وحَكَى ابن عبد البر اختلافًا في بُحينة، هل هي أمُّ عبد اللَّه، أو أمُّ مالك؟ والصواب أنها أم عبد اللَّه، كما تقدم، فينبغي أن يكتب ابن بحينة بزيادة ألف ، ويُعْرَب إعراب عبد اللَّه، كما في عبد اللَّه بن أُبَيٍّ ابن سَلُولَ، ومحمد بن عليّ ابن الحنفية. انتهى . (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- مَرَّ بِرَجُلٍ) هو عبد اللَّه الراوي، كما رواه أحمد من طريق محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عنه، أن النبيّ -ﷺ- مَرَّ به، وهو يصلي، وفي رواية أخرى له: «خَرَجَ، وابن القشب يصلي»، ووقع لبعض الرواة هنا «ابن أبي القشب»، وهو خطأ كما بيّنه في «الإصابة». ووقع نحو هذه القصة أيضًا لابن عباس -﵄-، قال: كنت أصلي، وأخذ المؤذّن في الإقامة، فجذبني النبيّ -ﷺ-، وقال: «أتصلي الصبح أربعًا؟!»، أخرجه ابن خزيمة، وابن حبّان، والبزار، والحاكم، وغيرهم، فَيُحْمَل على تعدد القصة. (يُصَلِّي) وقوله: (وَقَدْ أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، وفي رواية أبي عوانة التالية: «أقيمت صلاة الصبح، فرأى رسول اللَّه -ﷺ- رجلًا يصلّي، والمؤذن يقيم» (فَكَلَّمَهُ) أي: كلّم النبيّ -ﷺ- ذلك الرجل (بِشَيْءٍ، لَا نَدْرِي مَا هُوَ) أي: لم نعلم أيُّ في ذلك الشيء الذي كلّمه به (فَلَمَّا انْصَرَفْنَا) أي: سلّمنا من الصلاة (أَحَطْنَا) قال النوويّ -﵀-: هكذا هو في الأصول: «أحطنا نقول»، وهو صحيح، وفيه محذوفٌ، تقديره: «أحطنا به». انتهى. وأشار في هامش بعض النسخ أنه وقع في بعض النسخ بلفظ: «أحطنا به». وفي رواية البخاريّ من طريق شعبة، عن سعد بن إبراهيم: «أن رسول اللَّه -ﷺ- رأى رجلًا، وقد أقيمت الصلاة، يصلي ركعتين، فلما انصرف رسول اللَّه -ﷺ- لاث به الناس ، فقال له رسول اللَّه -ﷺ-:»آلصبح أربعًا؟ آلصبح أربعًا؟ «. وظاهر رواية شعبة هذه تقتضي أنه -ﷺ- كلم الرجل بعد الفراغ من الصلاة، بخلاف رواية إبراهيم بن سعد، فإنها تقتضي أنه كلمه، وهو يصلي. ويمكن الجمع بينهما بأنه كلّمه أوّلًا سرًّا، فلهذا احتاجوا أن يسألوه، ثم كلمه ثانيًا جهرًا، فسمعوه، قاله في«الفتح». وقوله: (نَقُولُ) جملة في محلّ نصب على الحال من فاعل«أحطنا»(مَاذَا) أي: أيَّ شيء (قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-؟، قَالَ) الرجل (قَالَ لِي) -ﷺ-: («يُوشِكُ) أي: يقرُب (أَنْ يُصَلِّيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ أَرْبَعًا») وفي رواية أبي عوانة، عن سعد بن إبراهيم التالية:«فقال: أتصلّي الصبح أربعًا»، بهمزة الاستفهام، وهو للإنكار والتوبيخ. وفي رواية البخاريّ من طريق شعبة المذكورة:«آلصبحَ أربعًا؟، آلصبحَ أربعًا؟ »، قال في«الفتح»: بهمزة ممدودة في أوله، ويجوز قصرها، وهو استفهام إنكاريّ، وأعاده تأكيدًا للإنكار، و«الصبحَ»بالنصب بإضمار فعل تقديره: أتصلي الصبح؟، و«أربعًا»منصوب على الحال، قاله ابن مالك، وقال الكرمانيّ: على البدلية، قال: ويجوز رفع«الصبح»؛ أي: الصبحُ تُصَلَّى أربعًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن مالك ابن بُحَينة هذا مُتَّفَقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٠/ ١٦٤٩ و١٦٥٠] (٧١١)، و(البخاريّ) في«الأذان»(٦٦٣)، و(النسائيّ) في«الإمامة»(٨٦٧)، وفى«الكبري»(٩٣٩)، و(ابن ماجه) في«إقامة الصلاة»(١١٥٣)، و(أحمد) في«مسنده»(٥/ ٣٤٥)، و(الدارميّ) في«سننه»(١٤٥)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): قال في«الفتح»: واختُلف في حكمة هذا الإنكار -يعني إنكار النبيّ -ﷺ- على من يصلي النافلة عند الإقامة للصلاة-، فقال القاضي عياض وغيره: لئلا يتطاول الزمان، فيُظَنّ وجوبها، ويؤيده قوله في رواية إبراهيم بن سعد:«يوشك أحدكم»، وعلى هذا، إذا حصل الأمن، لا يُكره ذلك. وتُعُقِّب بعموم قوله:«فلا صلاة إلا المكتوبة». وقيل: لئلا تلتبس صلاة الفرض بالنفل. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي هذا القول أقرب إلى الصواب، وذلك أن قوله -ﷺ-:«أتصلي الصبح أربعًا؟ » ظاهر في كون الإنكار لكون المتنفل جعل صلاة الصبح أربع ركعات، ويُفْهَم منه أيضًا أن النهي عامّ لمن يصلي عند الإقامة، سواء ابتدأ بالنافلة قبل الإقامة، أو عندها، أو بعدها، وسواء كان في المسجد، أو خارجها، واللَّه تعالى أعلم. وقال القاضي عياض -﵀-: والحكمة في النهي عن صلاة النافلة بعد الإقامة أن لا يتطاول عليها الزمان، فيُظَنّ وجوبها، قال النوويّ -﵀-: وهذا ضعيف، بل الصحيح أن الحكمة فيه أن يَتفرغ للفريضة من أولها، فيَشرَع فيها عقب شروع الإمام، وإذا اشتغل بنافلة فاته الإحرام مع الإمام، وفاته بعض مكملات الفريضة، فالفريضة أولى بالمحافظة على إكمالها. انتهى . وذهب بعضهم إلى أن سبب الإنكار، عدم الفصل بين الفرض والنفل؛ لئلا يلتبسا، وإلى هذا جنح الطحاويّ، واحتجّ له بالأحاديث الواردة بالأمر بذلك، ومقتضاه أنه لو كان في زاوية من المسجد لم يكره، وهو متعقَّب بما ذُكِر؛ إذ لو كان المراد مجرد الفصل بين الفرض والنفل، لم يحصل إنكار أصلًا؛ لأن ابن بحينة سَلَّم من صلاته قطعًا ، ثم دخل في الفرض. ويدلّ على ذلك أيضًا حديث قيس بن عمرو الذي أخرجه أبو داود وغيره: أنه صلى ركعتي الفجر بعد الفراغ من صلاة الصبح، فلما أخبر النبيّ -ﷺ- حين سأله، لم ينكر عليه قضاءهما بعد الفراغ من صلاة الصبح متصلًا بها، فدلّ على أن الإنكار على ابن بحينة إنما كان للتنفل حال صلاة الفرض، وهو موافق لعموم حديث: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة». وقد فهم ابن عمر -﵄- اختصاص المنع بمن يكون في المسجد، لا خارجًا عنه، فصح عنه أنه كان يحصب مَن يتنفل في المسجد بعد الشروع في الإقامة، وصحّ عنه أنه قصد المسجد، فسمع الإقامة، فصلى ركعتي الفجر في بيت حفصة -﵂-، ثم دخل المسجد، فصلى مع الإمام. قال ابن عبد البر وغيره: الحجة عند التنازع السنةُ، فمن أدلى بها، فقد أفلح، وتركُ التنفل عند إقامة الصلاة وتداركها بعد قضاء الفرض أقرب إلى اتباع السنة، ويتأيد ذلك من حيثُ المعنى بأن قوله في الإقامة: «حي على الصلاة» معناه هَلُمُّوا إلى الصلاة؛ أي: التي تقام لها، فأسعد الناس بامتثال هذا الأمر من لم يتشاغل عنه بغيره، واللَّه أعلم . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله الحافظ ابن عبد البر وغيره من أن الحجة عند التنازع هي السنة هو التحقيق الصواب نقلًا وعقلًا، فإن اللَّه تعالى قال في محكم كتابه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]. ولقد أجاد من قال، وأحسن في المقال [من الوافر]: إِذا جَالَتْ خُيُولُ النَّصِّ يَوْمًا … تُجَارِي فِي مَيَادِينِ الْكِفَاحِ غَدَتْ شُبَهُ الْقِيَاسِيِّينَ صَرْعَى … تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ والحاصل أن المذهب الصحيح الذي تؤيِّده النصوص الصحيحة الصريحة هو القول بالمنع عن التنفل عند الإقامة للصلاة مطلقًا، سواء كان بركعتي الفجر، أم بغيرهما، وسواءٌ شرع فيه حال الإقامة، أم لا، كان في الصف، أم بعيدًا عنه، في المسجد، أم لا، وأن السنة أن يتدارك ما فاته من النافلة بعد أداء المكتوبة جماعة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: قوله: (قَالَ الْقَعْنَبِيُّ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَالِكٍ ابْنُ بُحَيْنَةَ، عَنْ أَبِيهِ) أي: بزيادة «عن أبيه». وقوله: (قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ مُسْلِمٌ) صاحب الصحيح بيانًا للخطأ الواقع في السند: (وَقَوْلُهُ: «عَنْ أَبِيهِ» فِي هَذَا الْحَدِيثِ خَطَأٌ) أي: لأن الحديث لمالك بن عبد اللَّه، لا لأبيه مالك. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله المصنّف -﵀- من توهيم القعنبيّ في زيادة: «عن أبيه»، قاله أيضًا الإمام أحمد، وابن معين، وسليمان بن داود الهاشميّ، وغيرهم . وقال النوويّ -﵀-: وهذا الذي قاله مسلم هو الصواب عند الجمهور، وإنما هذا الحديث من رواية عبد اللَّه، عن النبيّ -ﷺ-، وهو عبد اللَّه بن مالك بن القِشْب -بكسر القاف، وبالشين المعجمة الساكنة- و«بُحينة»: أمُّ عبد اللَّه، والصواب في كتابته، وقراءته عبد اللَّه بن مالكٍ ابنُ بحينة، بتنوين «مالكٍ»، وكتابة «ابن» بالألف؛ لأنه صفة لعبد اللَّه، وقد سبق بيانه في «سجود السهو». انتهى . وأشار الحافظ المزي في «تحفة الأشراف»: إلى أن النسائيّ أخرجه عن محمود بن غيلان، عن وهب بن جرير، عن شعبة بإسناده نحوه، وقال: هذا خطأ، والصواب عبد اللَّه بن مالك ابن بحينة. انتهى. واللَّه تعالى أعلم. وقال أبو مسعود الدمشقيّ -﵀-: وهذا يخطئ فيه القعنبيّ بقوله: «عن أبيه»، وأسقط مسلم من أوله: «عن أبيه»، ثم قال في عقبه: وقال القعنبي: «عن أبيه». وأهل العراق، منهم شعبة، وحماد بن سلمة، وأبو عوانة يقولون: عن سعد، عن حفص، عن مالك ابن بحينة. وأهل الحجاز قالوا في نسبه: عبد اللَّه بن مالك ابن بحينة، وهو الأصحّ . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن مما سبق أن زيادة «عن أبيه» غلطٌ من القعنبيّ، والصواب: عن عبد اللَّه بن مالك نفسه، وليس عن أبيه، وأما بُحينة فاسم أم عبد اللَّه، ومن قال: إنها أم مالك والد عبد اللَّه، كما ظنّه ابن عبد البرّ فغلط، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٦٥٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ بُحَيْنَةَ، قَالَ: أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ، فَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- رَجُلًا يُصَلِّي، وَالْمُؤَذِّنُ يُقِيمُ، فَقَالَ: «أَتُصَلِّي الصُّبْحَ أَرْبَعًا؟»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب. ٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد اللَّه، تقدّم أيضًا قبل باب. والباقون ذُكروا في السند الماضي. شرح الحديث: وقوله: (فَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- رَجُلًا يُصَلِّي) تقدّم أن الرجل هو عبد اللَّه ابن بُحينة الراوي نفسه. وقوله: (وَالْمُؤَذَنُ يُقِيمُ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل. وقوله: (أَتُصَلِّي الصُّبْحَ أَرْبَعًا؟) هو استفهام إنكار، ومعناه أنه لا يُشرَع بعد الإقامة للصبح إلا الفريضة، فإذا صلى ركعتين نافلة بعد الإقامة، ثم صلى معهم الفريضة، صار في معنى من صلى الصبح أربعًا؛ لأنه صلى بعد الإقامة أربعًا، قاله النوويّ -﵀-. وقال القرطبيّ -﵀-: هذا إنكار على الرجل الذي فَعَل ذلك، وهذا الإنكارُ حجةٌ على من ذَهَب إلى جواز صلاة ركعتي الفجر في المسجد، والإمام يُصلي، كما ذكرنا آنفًا، وعلى سدّ الذريعة التي يُخاف منها توهُّم الزيادة في الفرائض، وقال في رواية أخرى ما ينُصّ على ذلك: «يوشك أن يصلّي أحدكم الصبح أربعًا»، وكذلك يُفهَم من قوله -ﷺ- في الحديث الآخر: «يا فلان بأي الصلاتين اعتددَتَ؟ بصلاتك وحدك، أو بصلاتك معنا؟»، ويزيد معنى آخر، وهو أن فيه منعَ ما يؤدّي إلى الاختلاف على الإمام. قال: ويُمكن أن يُستنبط من هذين الحديثين أن ركعتي الفجر إن وقعت
مصادر المؤلف (١٣)

١. «شرح النوويّ» ٥/ ٢٢٣.

٢. وفي نسخة: «حدّثنا».

٣. وفي نسخة: «أحطنا به».

٤. وكذا يثبت تنوين مالك؛ إذ ليس «ابن» صفة له؛ لأن القاعدة أنه إذا وقع «ابن» صفةً بين علمين، وكان الثاني أبًا للأول، حُذف من العَلم الأول التنوين، وحُذفت همزة الوصل من «ابن» خطًّا، وإن لم يكن كذلك بأن لم يقع صفة بين عَلمين، أو كان غير أب للأول، بأن كان جدًّا، أو أمًّا، كعيسى ابن مريم، فلا يُحذف التنوين من الأول، ولا همزة الوصل من «ابن»، راجع المسألة في: شروح «ألفية ابن مالك» في «باب النداء»، واللَّه تعالى أعلم.

٥. «الفتح»٢/ ٣٦٩.

٦. أي أحاطوا به.

٧. «شرح النوويّ» ٥/ ٢٢٣.

٨. قوله: «سلّم قطعًا» فيه نظر لا يخفى؛ لأنه يَحْتَمل أنه دخل بدون تسليم؛ إذ لم يُنقل إلينا ذلك، فلو قال: لأن ابن بُحينة سيُسلّم من صلاته قطعًا، ثم يدخل في الفرض لما أنكر عليه، لكان أولى، فتأمّله، واللَّه تعالى أعلم.

٩. راجع: «الفتح» ٢/ ٣٧٠ - ٣٧١.

١٠. راجع: «فتح الباري» لابن رجب -﵀- ٦/ ٥٩.

١١. «شرح النووي» ٥/ ٢٣.

١٢. راجع: «تحفة الأشراف» ٦/ ٤٧٦ - ٤٧٧.

١٣. راجع: «المفهم»، فإنه عزا ذلك لابن عبد البرّ.