HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٧١٥

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَوَّاسٍ الْحَنَفِيُّ أَبُو عَاصِمٍ. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ الأَشْجَعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ قَالَ: كَانَ لِي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ دَيْنٌ. فَقَضَانِي وَزَادَنِي. وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ الْمَسْجِدَ. فَقَالَ لِي «صَلِّ رَكْعَتَيْنِ». بَاب اسْتِحْبَابِ الرَّكْعَتَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ لِمَنْ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ أَوَّلَ قُدُومِهِ
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص155
ج ١ ص ٤٩٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٢٩١
[٢٥٠] حديث جابر ﵁: (قَالَ: فَهَلَّا بِكْرًا) ، هلَّا: كلمة تحضيض، بكرا: نصب بإضمار فعل، أي: فهلا تزوجت بكرًا، وقوله: (إِنَّ لِي أَخَوَاتٍ) نصب اسم إن، لأن جمع سلامة المؤنث يكون في حال النصب بالكسر، وقوله: (فَذَاكَ إِذَن) أي: إن كان الأمر كما قلت؛ فذاك صواب حينئذ. وقوله: (فَأَينَ أَنتَ مِنَ الْعَذَارَى) العذارى: جمع عذراء يعني: البكر، وقوله: (ولِعَابِهَا) بكسر اللام يعني: الملاعبة، وهو مصدر لاعب، والمصدر يضاف إلى الفاعل؛ ويضاف إلى المفعول، يجوز أن يريد: وملاعبتها إياك، ويجوز أن يريد وملاعبتك إياها، وقوله: (إِنِّي كَرِهْتُ أَن آتِيَهُنَّ أَوْ أَجِيئَهُنَّ بِمِثْلِهِنَّ)، يعني: بامرأة لم تمارس خدمة البيت، ولم تتعود القيام بمصلحة البيت، وفي الحديث إباحة ملاعبة العيال. وفيه: استحباب النظر في مصالح المعيشة، وفيه: النظر في أمر الأيتام والقيام بمصالحهم، وقوله: (عَلَى بَعِيرٍ لِي قَطُوفٍ) يقال: قَطَفَت الدابة، إذا كان بطيء السير، ودابَّة قَطوف، وقوله: (فَنَخَسَ بَعِيرِي) يقال: نخَسْت الدابة بعود أو غيره نخسًا، ومن ذلك سمِّي النخَّاس للذي يبيع الدواب، وقوله: (كَأَجوَدِ مَا أَنتَ رَاءٍ مِنَ الإِبِلِ) هو فاعل من رأيت الشيء أي: أبصرته. وقوله: (فَقَال: مَا يُعجِلُكَ) أي: ما يحملك على العجلة، و(الشَّعِثَةُ): التي طال عهدها بالدَّهن والمَشط، و(الاستِحدَاد): استعمال الحديد، و(الْمُغِيبَةُ): التي غاب زوجها، وقوله: (فَالكَيسَ الكَيسَ) نصب بإضمار فعل، أي: فالزم الكيس، والكَيْس: الجد في الأمر، يريد أمر الصحبة والجماع، وقوله: (فَحَجَنَهُ بِمِحْجَنهِ) أي: فضربه بعصا معوجة الرأس، وقوله: (أَكُفُّهُ) أي: أزجره، و(الأُوقِيَة): أربعون درهما، وقوله: (عَلَى نَاضِحٍ) أي: بعير يستقى عليه. ومن باب (خلقت المرأة من ضلع) [٣٣٥] حديث جابر ﵁: (فَأَرَادَ أَن يُسَيِّبَهُ) يعني: أن يخلِّيه، و(الوُقِيَّةُ): لغة في الأوقية، و(الحُملَانُ) الحَمل، قال صاحب المجمل : حملت الشيء أحمله حَمْلًا، وحملان الإبل: الركوب عليها، و(مَاكَسْتُكَ): من المِكاس، والمِكاس: انتقاص الثمن، والمماكسة: الاستنقاص، و(النَّاضِحُ): البعير يستقى عليه، و(العَرُوسُ): الحديث العهد بالبناء بالمرأة، وقوله: (عَلَى أَنَّ لِي فَقَارَ ظَهْرِهِ) أي: ركوبه، وقوله: (فَلَمَّا قَدِمَ صِرَارًا أَمَرَ بِبَقَرَةٍ فَذُبِحَتْ)، صرار بالصاد غير المعجمة والكسر - : موضع قريب من المدينة، وإليه ينسب محمد بن عبد الله الصراري ؛ الذي يروي عن ابن أبي حسين، وقال بعض الأنصار: لَعَلَّ صِرَارًا أَن تَعِيشَ بِيَارُها … وَتَسْمَعَ بِالرَّيَّانِ تَعْوِي ثَعَالِبُهْ وفي الحديث: جواز استحثاث الدابة في المسير، وفيه سؤال من يصحبك عن حاله، وفيه: إباحة ضرب الدابة عند الحاجة إليه، وفيه دلالة النبوة، وفيه: فضيلة البِكر على الثيب في النكاح، وفيه إباحة التجارة بالبيع والشراء لتارك الدنيا، وفيه: فضيلة الجود والسخاء، وفيه: أن الشرط إذا تقدم عقد البيع أو تأخر لم يفسد البيع؛ وإن كان الشرط فاسدا، وفيه التبرك بالصلاة عند القدوم من السفر. وقوله: (فَنَخَسَهُ) يقال: نخست الدابة بعود أو غيره نخسًا، واختلاف ألفاظ الثمن يدل على أن معنى اشتري: استام، قيل: وقع العقد على عشرين دينارا، والدليل على أن البيع يكون بمعنى السوم قول الشاعر: فَوَافَى بِهَا أَهْلَ المَوَاسِمِ فَانْبَرَى … لَهَا بَيِّعٌ يُغْلِي لَهَا السَّوْمَ رَائِزُ ومن باب ما جاء في حسن التقاضي [٥١٧] وفي حديث: (لَا يَأْتِيَنَّ أَهْلَهُ طُرُوقًا) ؛ الطُّرُوقُ: المجيء بالليل خاصّةً، والاسْتِحْدَادُ: الاستحلاق، وقوله: (أَن يَتَخَوَّنَهُم)؛ أي: أن يتعهَّدَهم لطلب رِيبَةٍ. * * *
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٥ ص٣٠٥
فليركع بعد الطواف ركعتي الطواف، وقد حصل امتثال الأمر بأداء ركعتين، فتفطّن لهذا المهمّ، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف -﵀-، وقد أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» (١٨٢٩)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٢٤٠)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٦٠٩)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٦٥٦] (٧١٥) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَوَّاسٍ الْحَنَفِيُّ، أَبُو عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ الْأَشْجَعِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كَانَ لِي عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- دَيْنٌ، فَقَضَانِي، وَزَادَنِي، وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ الْمَسْجِدَ، فَقَالَ لِي: «صَلِّ رَكْعَتَيْنِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ جَوَّاسٍ الْحَنَفِيُّ، أَبُو عَاصِمٍ) الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (١٣٨) (م د) تقدم في «الإيمان» ٦٤/ ٣٦٥. ٢ - (عُبَيْدُ اللَّهِ الْأَشْجَعِيُّ) هو: ابن عُبيد الرحمن -بتصغير الاسمين- أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ مأمون، أثبت الناس كُتُبًا في الثوريّ، من كبار [٩] (ت ١٨٢) (خ م ت س ق) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٤٦. ٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ الإمام الحجة الثبت الحافظ الفقيه العابد، من رؤوس [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٤ - (مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ) السَّدُوسيّ الكوفيّ القاضي، ثقةٌ إمامٌ زاهدٌ [٤] (ت ١١٦) (ع) تقدم في «الصلاة» ٤٠/ ١٠٦٩. ٥ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵁-، مات بعد (٧٠) وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد به هو وأبو داود، وعبيد اللَّه الأشجعيّ، فما أخرج له أبو داود. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، والصحابيّ مدنيّ. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا، وهو من المعمّرين، كما أسلفناه آنفًا. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) -﵄- أنه (قَالَ: كَانَ لِي عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- دَيْنٌ) هذا الدين هو ثمن جمل جابر -﵁-، وسيأتي في الباب التالي من طريق شعبة، عن محارب، سمع جابر بن عبد اللَّه يقول: «اشترى مني رسول اللَّه -ﷺ- بعيرًا، فلما قدِم المدينة، أمرني أن آتي المسجد، فأُصلّي ركعتين». وقصّة جمله ستأتي للمصنّف في «كتاب المساقاة»: من طريق الشعبيّ، عن جابر بن عبد اللَّه، قال: غزوت مع رسول اللَّه -ﷺ-، فتلاحق بي، وتحتي ناضح لي قد أعيا، ولا يكاد يسير، قال: فقال لي: «ما لبعيرك؟»، قال: قلت: عَلِيلٌ، قال: فتخلف رسول اللَّه -ﷺ-، فزجره، ودعا له، فما زال بين يدي الإبل قُدّامها يسير، قال: فقال لي: «كيف ترى بعيرك؟» قال: قلت: بخير، قد أصابته بركتك، قال: «أفتبيعنيه؟»، فاستحييت، ولم يكن لنا ناضح غيره، قال: فقلت، نعم، فبعته إياه على أن لي فَقَار ظهره حتى أبلغ المدينة، قال: فقلت له: يا رسول اللَّه، إني عَرُوس، فاستأذنته، فأذن لي، فتقدّمت الناس إلى المدينة حتى انتهيت، فلقيني خالي، فسألني عن البعير، فأخبرته بما صنعت فيه، فلامني فيه، قال: وقد كان رسول اللَّه -ﷺ- قال لي حين استأذنته: «ما تزوجت، أبكرًا أم ثيبًا؟»، فقلت له: تزوجت ثيبًا، قال: «أفلا تزوجت بكرًا تلاعبك وتلاعبها؟»، فقلت له: يا رسول اللَّه، تُوُفِّي والدي، أو استشهد، ولي أخوات صغار، فكرهت أن أتزوج إليهنّ مثلهنّ، فلا تؤدبهنّ، ولا تقوم عليهنّ، فتزوجت ثيبًا لتقوم عليهنّ، وتؤدبهنّ، قال: فلما قدم رسول اللَّه -ﷺ- المدينة غدوت إليه بالبعير، فأعطاني ثمنه، وردّه عليّ. وفي رواية: قال: أقبلنا من مكة إلى المدينة مع رسول اللَّه -ﷺ-، فاعتَلَّ جملي، وساق الحديث بقصته، وفيه: ثم قال لي: «بعني جملك هذا»، قال: قلت: لا، بل هو لك، قال: «لا، بل بعنيه»، قال: قلت: لا، بل هو لك يا رسول اللَّه، قال: «لا، بل بعنيه»، قال: قلت: فإن لرجل عليّ أوقيةَ ذهب، فهو لك بها، قال قد أخذته، فتبلَّغ عليه إلى المدينة، قال: فلما قَدِمت المدينة قال رسول اللَّه -ﷺ- لبلال: «أعطه أوقيةً من ذهب، وزده»، قال: فأعطاني أوقية من ذهب، وزادني قيراطًا، قال: فقلت: لا تفارقني زيادة رسول اللَّه -ﷺ-، قال: فكان في كيس لي، فأخذه أهل الشام يوم الحرَّة. وفي رواية قال: كنا مع النبيّ -ﷺ- في سفر، فتخلّف ناضحي، وساق الحديث، وقال فيه: فنخسه رسول اللَّه -ﷺ-، ثم قال لي: «اركب باسم اللَّه»، وزاد أيضًا: قال: فما زال يزيدني، ويقول: واللَّه يغفر لك«. انتهى. وسيأتي شرح الحديث مستوفى في محلّه -إن شاء اللَّه تعالى-. (فَقَضَانِي) أي: أدّى إليّ ذلك الدين، وكان أُوقيّة من ذهب، كما بُيّن في الرواية المذكورة آنفًا (وَزَادَنِي) أي: قيرَاطًا، كما بيّن في الرواية أيضًا (وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ) أي: على النبيّ -ﷺ- (الْمَسْجِدَ) النبويّ (فَقَالَ لِي:«صَلِّ رَكْعَتَيْنِ»). قال الجامع عفا اللَّه عنه: ظاهر أن هذه الصلاة غير الصلاة التي تأتي في حديث جابر -﵁- الآتي في الباب التالي؛ لأنه في تلك وجد النبيّ -ﷺ- على باب المسجد، فقال له:«ادخل، فصلّ ركعتين»، وأما هذه فظاهرها أنه -ﷺ- كان داخل المسجد، فدخل عليه جابر، فأمره بصلاة ركعتين، ونحوها رواية البخاريّ من طريق مسعر، عن محارب بلفظ:«أتيت النبيّ -ﷺ-، وهو في المسجد»، فظاهره أنه وجده داخل المسجد، فعلى هذا يتم الاستدلال بهذا الحديث على الأمر بصلاة تحيّة المسجد. والحاصل أن الذي يظهر من هذه الرواية، حيث إن فيها:«أتيتُ النبيّ -ﷺ- وهو في المسجد»، أنه دخل عليه -ﷺ- وهو في المسجد، فأمره بصلاة ركعتين تحيّة للمسجد، والظاهر أن هذا في وقت آخر، غير ما في الرواية الآتية في الباب التالي، من طريق وهب بن كيسان، عن جابر -﵁- بلفظ:«فجئتُ المسجد، فوجدته على باب المسجد، قال: «الآن حين قدِمتَ؟»، قلت: نعم، قال: «دَعْ جملك، وادخل، فصلّ ركعتين»، قال: فدخلت، فصلّيت، ثم رجعت«، فهذه الرواية ظاهرة في أن ذلك كان أول ما قدِم من سفره، فوجده على باب المسجد، فأمره بأن يدخل، فيُصلي ركعتين، وهما سنّة القدوم من السفر، فتأمل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد اللَّه -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٢/ ١٦٥٦ و١٣/ ١٦٥٧ و١٦٥٨] (٧١٥)، و(البخاريّ) في «الصلاة» (٤٤٣) و«البيوع» (٢٠٩٧) و«الاستقراض» (٢٣٩٤) و«الهبة» (٢٦٠٤) و«الجهاد» (٣٠٨٧ و٣٠٨٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٣٠٢ - ٣٠٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٤٩٦)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٢٤١ و١٢٤٢ و١٢٤٣)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٦١٠ و١٦١١ و١٦١٢)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب تحيّة المسجد بصلاة ركعتين فيه. ٢ - (ومنها): بيان جواز الاستدانة من الناس. ٣ - (ومنها): وجوب قضاء الدين. ٤ - (ومنها): جواز البيع إلى أجل؛ لأن جابرًا -﵁- باع جمله بثمن مؤجّل. ٥ - (ومنها): استحباب الزيادة في قضاء الدين، ولا يكون ذلك من باب الربا؛ لأنه -ﷺ- قضى جابرًا دينه، وكان أوقيّةً، وزاده قيراطًا، وقد أخرج الشيخان عن أبي هريرة -﵁- قال: كان لرجل على النبيّ -ﷺ- سِنٌّ من الإبل، فجاءه يتقاضاه، فقال: «أعطوه»، فطلبوا سِنَّهُ، فلم يجدوا له إلا سنًّا فوقها، فقال: «أعطوه»، فقال: أوفيتني أوفى اللَّه بك، قال النبيّ -ﷺ-: «إن خيارَكم أحسنُكم قضاءً»، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٣) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ رَكْعَتَيْنِ لِمَنْ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ أَوَّلَ قُدُومِهِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٦٥٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَارِبٍ، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: اشْتَرَى مِنَي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَعِيرًا، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ، أَمَرَنِي أَنْ آتِيَ الْمَسْجِدَ، فَأُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنْبريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٧. ٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنبَريّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٧. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم قبل بابين. والباقيان تقدّما في الباب الماضي. والحديث متّفق عليه، وقد مضى شرحه، ومسائله في الحديث الماضي، وهو دليل واضح على استحباب الابتداء بالمسجد لمن قدِمَ من السفر، فيصلي فيه ركعتين، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٦٥٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، يَعْنِي الثَّقَفِيَّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- في غَزَاةٍ، فَأَبْطَأَ بِي جَمَلِي، وَأَعْيَا، ثُمَّ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَبْلِي، وَقَدِمْتُ بِالْغَدَاةِ، فَجِئْتُ الْمَسْجِدَ، فَوَجَدْتُهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، قَالَ : «الْآنَ حِينَ قَدِمْتَ؟» قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَدَعْ جَمَلَكَ، وَادْخُلْ، فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ، قَالَ: فَدَخَلْتُ، فَصَلَّيْتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) الْعَنَزيّ، أبو موسى البصريّ المعروف بالزَّمِن، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. ٢ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ) ابن عبد المجيد بن الصَّلْت، أبو محمد البصريّ، ثقة [٨] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٧/ ١٧٣. ٣ - (عُبَيْدُ اللَّهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب الْعُمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٥] مات سنة بضع و(١٤٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٨/ ٢٢٢. ٤ - (وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ) القُرَشيّ مولاهم، أبو نُعيم المدنيّ المعلّم، ثقةٌ، من كبار [٤] (ت ١٢٧) (ع) تقدم في «الحيض» ٢٣/ ٧٩٧. والصحابيّ ذُكر قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم أصحاب الكتب الستة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عبيد اللَّه، عن وهب، وتقدّم الكلام في جابر -﵁-. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) -﵄- أنه (قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي غَزَاةٍ) -بفتح الغين المعجمة، اسم من الغَزْو، قال ابن الأثير -﵀-: «الْغَزْوة»: المرّة من الغزو، والاسم: الْغَزَاةُ. انتهى . وقال في «المختار»: غَزَوت العدوَّ، من باب عَدَا، والاسم: الْغَزَاةُ، ورجلٌ غازٍ، وجمعه: غُزَاةٌ، كقاضٍ وقُضاة، وغُزًّى، كسابق وسُبَّق، وغَزِيّ، كحاجّ وحَجِيج، وقاطنٍ وقَطِينٍ، وغُزّاءٌ، كفاسق وفُسّاق. انتهى . وقال في «القاموس»: غزاه غَزْوًا: أراده، وطلبه، وقصده، كاغتزاه، وغزا العدوَّ: سار إلى قتالهم، وانتهابهم. انتهى . ويقال: إن الغزوة التي فيها هي غزوة ذات الرقاع، وقيل: هي غزوة تبوك، ورجّح الحافظ الأول؛ لأنه قول أهل المغازي، وهم أضبط لذلك من غيرهم، وأيضًا فإن النبيّ -ﷺ- قال له: «هل تزوّجت؟»، قال: نعم إلى آخر القصّة، وفيه اعتذاره بتزوجه الثيّب بأن أباه استُشهد بأُحُد، وترك أخواته، فتزوّج ثيّبًا؛ لتمشّطهنّ، وتقوم عليهنّ، فأشعر بأن ذلك كان بالقرب من وفاة أبيه، فيكون وقوع القصّة في ذات الرقاع أظهر من وقوعها في تبوك؛ لأن ذات الرقاع كانت بعد أُحُد بسنة واحدة على الصحيح، وتبوك كانت بعدها بسبع سنين، أفاده في «الفتح» . (فَأَبْطَأَ بِي جَمَلِي) أي: تأخّر سيره، يقال: أبطأ الرجلُ: تأخّر مجيئه، وبَطُؤَ مجيئه بُطْئًا، من باب قَرُب، وبَطاءَةً بالفتح والمدّ، فهو بطيء، على فعيل . (وَأَعْيَا) أي: تَعِبَ، وعجز عن السير، يقال: عَيِيَ بالأمر، وعن حُجّته يَعْيَا، من باب تَعِبَ عِيًّا: عَجَزَ عنه، وقد يُدْغَم الماضي، فيقال: عَيَّ، فالرجل عَيٌّ، وعَيِيٌّ، على فَعْلٍ، وفَعِيلٍ، وعَيِيَ بالأمر: لم يَهتَد لوجهه، وأعياني كذا بالألف: أتعبني، فأعييتُ يُستعمل لازمًا ومتعدّيًا، وأعيا في مشيه، فهو مُعْيٍ، منقوصٌ . (ثُمَّ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَبْلِي، وَقَدِمْتُ بِالْغَدَاةِ) الظاهر أنه أراد غداة اليوم الذي يلي يوم قدومه -ﷺ-، وهذا يخالف ما تقدّم في الرواية الأخرى من أنه قال: «فقلت له: يا رسول اللَّه، إني عَرُوس، فاستأذنته، فأذن لي، فتقدّمت الناس إلى المدينة»، فإنه يدلّ على أنه سبق الناس. ويُمكن الجمع بأن يقال: إنه لا يلزم من قوله: فتقدّمت الناس أن يستمرّ سبقه لهم؛ لاحتمال أن يكونوا لَحِقوه بعد أن تقدّمهم، إما لنزوله لراحة، أو نوم، أو غير ذلك، واستمرّ النبيّ -ﷺ- على سيره حتى دخل المدينة قبله، ثم قدم بعده بالغداة، واللَّه تعالى أعلم. (فَجِئْتُ الْمَسْجِدَ، فَوَجَدْتُهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، قَالَ) وفي نسخة: «فقال» («الْآنَ) منصوب على الظرفيّة، متعلّق بخبر لـ»حين قدمت«، وهو على تقدير أداة الاستفهام؛ أي: آلآنَ، وهو ظرف للوقت الحاضر الذي أنت فيه، ولَزِمَ دخول الألف واللام، وليس ذلك للتعريف؛ لأن التعريف تمييز المشتركات، وليس لهذا ما يَشْرَكه في معناه . (حِينَ قَدِمْتَ؟») ببناء «حين» على الفتح؛ لإضافتها إلى الفعل الماضي، ويجوز إعرابها، فيُرفع على أنه مبتدأ، خبره الظرف قبله، وإلى هذا أشار ابن مالك في «الخلاصة» بقوله: وَابْنِ أَوَ اعْرِبْ مَا كَـ «إِذْ» قَدْ أُجْرِيَا … وَاخْتَرْ بِنَا مَتْلُوِّ فِعْلٍ بُنِيَا وَقَبْلَ فِعْلٍ مُعْرَبٍ أَوْ مُبْتَدَا … أَعْرِبْ وَمَنْ بَنَى فَلَنْ يُفَنَّدَا ومنه قول الشاعر: عَلَى حِينَ عَاتَبْتُ الْمَشِيبَ عَلَى الصِّبَا … فَقُلْتُ أَلَمَّا أَصْحُ وَالشَّيْبُ وَازِعُ رُوي بفتحِ «حين» على البناء، وكسرها على الإعراب. (قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ) -ﷺ- («فَدَعْ) أي: اترك (جَمَلَكَ، وَادْخُلْ) المسجد (فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ»، قَالَ) جابر -﵁- (فدَخَلْتُ) المسجد (فَصَلَّيْتُ) الركعتين، ففيه استحباب صلاة ركعتين عند القدوم من السفر، واستحباب البداءة بالمسجد قبل البيت (ثُمَّ رَجَعْتُ) أي: إلى جهة حاجته. والحديث تقدّم تخريجه، وبيان مسائله، وسيأتي أيضًا مطوّلًا في
مصادر المؤلف (١٠)

١. بفتح الجيم، وتشديد الواو، آخره سين مهملة.

٢. وفي نسخة: «وحدّثنا».

٣. وفي نسخة: «فقال».

٤. «النهاية» ٣/ ٣٦٦.

٥. «مختار الصحاح» (ص ٢٢٢).

٦. «القاموس المحيط» ٤/ ٣٦٩.

٧. «الفتح» ٤/ ٣٧٨ «كتاب الشروط» رقم (٢٧١٨).

٨. «المصباح المنير» ١/ ٥٢.

٩. «المصباح» ٢/ ٤٤١.

١٠. «المصباح المنير» ١/ ٣١.