HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٧١٨

حدثنا يحيى بن يحيى. قال: قرأت على مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ. وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا. وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيَدَعُ الْعَمَلَ، وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ، خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ، فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص156
ج ١ ص ٤٩٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر سنن أبي داود, سنن الدارمي, صحيح البخاري, مسند أحمد وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٥ ص٣٢٥
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٦٦٢] (٧١٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ، وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا ، وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لَيَدَعُ الْعَمَلَ، وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ؛ خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ، فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم قبل باب. ٣ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (عُرْوَةُ) بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ الفقيه، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ٩٤) على الصحيح (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٠٧. والباقيان ذُكرا في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه أيضًا، فنيسابوريّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: ابن شهاب، عن عروة. ٥ - (ومنها): أن فيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وتقدّم الكلام على عائشة -﵂- في السند الماضي. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) -﵂- (أَنَّهَا قَالَتْ: مَا) نافية (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي سُبْحَةَ الضُّحَى) بضمّ السين المهملة، وسكون الموحّدة: النافلة، وأصلها من التسبيح، وخُصّت النافلة بذلك؛ لأن التسبيح الذي في الفريضة نافلة، فقيل لصلاة النافلة: سُبْحةٌ؛ لأنها كالتسبيح في الفريضة، قاله في «الفتح» . وقال ابن عبد البرّ -﵀-: معناه: ما صلى صلاة الضحى، قال اللَّه ﷿: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣)﴾ [الصافات: ١٤٣]، قال المفسرون: من المصلين، إلا أن أهل العلم لا يوقعون اسم سُبْحَة إلا على النافلة دون الفريضة؛ لقوله -ﷺ-: «واجعلوا صلاتكم معهم سبحةً»؛ أي: نافلة. انتهى . (قَطُّ) أي: في الزمان الماضي، قال في «القاموس»: وما رأيته قطّ، ويُضمّ، ويُخفّفان، وقطٍّ مشدّدةً مجرورة بمعنى الدهر مخصوص بالماضي؛ أي: فيما مضى من الزمان، أو فيما انقطع من عُمُري. انتهى ، وقد نظم شيخنا المناسيّ -﵀- ما ذُكر بقوله: وَخَمْسَةً جَعَلَ مَنْ قَطُّ ضَبَطْ … قَطُّ وَقُطُّ قَطِّ ثُمَّ قُطُ قَطْ قال الخطّابيّ -﵀-: وهذا من عائشة -﵂- إخبارٌ عما علمته، دون ما لم تعلم، وقد ثبت أنه -ﷺ- صلى صلاة الضحى يوم الفتح، وأوصى أبا ذرّ وأبا هريرة -﵁-، وقال ابن عبد البرّ -﵀-: أما قولها: ما سبّح سُبحة الضحى قطّ، فهو أن مِن عِلْمِ السنن علمًا خاصًّا يوجد عند بعض أهل العلم دون بعض، فليس أحد من الصحابة إلا وقد فاته من الحديث ما أحصاه غيره، والإحاطة ممتنعة، وهذا ما لا يجهله إلا من لا عناية له بالعلم، وإنما حَصَلَ المتأخرون على علم ذلك مذ صار العلم في الكتب، لكنهم بذلك دخلت حفظهم داخلة، فليسوا في الحفظ كالمتقدمين، وإن كان قد حصل في كتب المقل منهم علم جماعة من العلماء، واللَّه ينوّر بالعلم قلب من يشاء. انتهى . (وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا) من التسبيح؛ أي: أصلّيها، وفي بعض النسخ: «لأستحبّها»، من الاستحباب، وهو رواية «صحيح البخاريّ» في «باب تحريض النبيّ -ﷺ- على قيام الليل»، قال في «الفتح»: ولكلّ منهما وجهة، لكن الأول - يعني لأسبّحها- يقتضي الفعل، والثاني -يعني لأستحبّها- لا يستلزمه (وَإِنْ) بكسر الهمزة، مخفّفة من «إنّ» المشدّدة، واسمها ضمير شأن محذوف؛ أي: إنه، واللام في خبرها، وهو «ليدع العمل» هي الفارقة بينها، وبين «إن» النافية، وإلى هذا أشار ابن مالك -﵀- في «الخلاصة» بقوله: وَخُفِّفَتْ «إِنَّ» فَقَلَّ الْعَمَلُ … وَتَلْزَمُ اللَّامُ إِذَا مَا تُهْمَلُ وَرُبَّمَا اسْتُغْنِيَ عَنْهَا إِنْ بَدَا … مَا نَاطِقٌ أَرَادَهُ مُعْتَمِدَا وَالْفِعْلُ إِنْ لَمْ يَكُ نَاسِخًا فَلَا … تُلْفِهِ غَالِبًا بِـ «إِنْ» ذِي مُوصَلَا (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لَيَدَعُ) بفتح اللام، وهي الفارقة، كما أسلفته آنفًا؛ أي: ليترك (الْعَمَلَ، وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ) جملة في محلّ نصب على الحال (خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ) بنصب «خشية» على أنه مفعول من أجله؛ أي: لأجل خشيته عمل الناس بما عَمِل؛ اقتداءً به (فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ) بالبناء للمفعول، ونصبه عطفًا على «يَعْمَلَ». قال ابن عبد البرّ -﵀-: في هذا الحديث من الفقه معرفة رأفة رسول اللَّه -ﷺ- بأمته، ورحمته بهم -صلوات اللَّه عليه وسلامه- كما قال اللَّه ﷿: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. انتهى . وقال ابن الجوزيّ -﵀-: «فيُفرَضَ عليهم» يَحْتَمِل وجهين: أحدهما: فيَفْرِضه اللَّه تعالى، والثاني: فيعملوا به اعتقادًا أنه مفروض. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: الاحتمال الثاني فيه نظرٌ، فتأمّله. وقال ابن بطال -﵀-: يَحْتَمِل حديث عائشة -﵂- معنيين: [أحدهما]: أنه يُمكن أن يكون هذا القول منه في وقتٍ فُرِض عليه قيام الليل دون أمته؛ لقوله في الحديث الآخر: «لم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تُفْرَض عليكم»، فدل على أنه كان فرضًا عليه وحده، فيكون معنى قول عائشة: «إن كان رسول اللَّه -ﷺ- لَيَدُع العمل»، أنه كان يدع عمله لأمته، ودعاءهم إلى فعلهم معه، لا أنها أرادت أنه كان يدع العمل أصلًا، وقد فرضه اللَّه عليه، أو ندبه إليه؛ لأنه كان أتقى أمته، وأشدهم اجتهادًا، ألا ترى أنه لما اجتمع الناس من الليلة الثالثة، أو الرابعة، لم يَخْرُج إليهم، ولا شك أنه صلى حِزْبه تلك الليلة في بيته، فخشي إن خرج إليهم، والتزموا معه صلاة الليل، أن يسوى اللَّه ﷿ بينه وبينهم في حكمها، فيفرضها عليهم من أجل أنها فَرْضٌ عليه؛ إذ المعهود في الشريعة مساواة حال الإمام والمأموم في الصلاة، فما كان منها فريضة، فالإمام والمأموم فيه سواء، وكذلك ما كان منها سنةً، أو نافلةً. [الثاني]: أن يكون خَشِي من مواظبتهم على صلاة الليل معه أن يضعُفُوا عنها، فيكون من تركها عاصيًا للَّه في مخالفته لنبيه -ﷺ-، وترك اتباعه، مُتَوَعَّدًا بالعقاب على ذلك؛ لأن اللَّه تعالى فرض اتباعه، فقال: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقال في من ترك اتّباعه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]، فخشي على تاركها أن يكون كتارك ما فرض اللَّه عليه؛ لأن طاعة الرسول -ﷺ- كطاعته ﷾، وكان -ﷺ- رفيقًا بالمؤمنين رحيمًا بهم. [فإن قيل]: كيف يجوز أن تُكْتَب عليهم صلاة الليل، وقد أُكملت الفرائض؟. [قيل له]: صلاة الليل كانت مكتوبةً على النبيّ -ﷺ-، وأفعاله التي تتصل بالشريعة واجب على أمته الاقتداء به فيها، وكان أصحابه إذا رأوه يواظب على فعل في وقت معلوم، يقتدون به، ويرونه واجبًا، فالزيادة إنما يتصل وجوبها عليهم من جهة وجوب الاقتداء بفعله، لا من جهة ابتداء فرض زائد على الخمس. أو يكون أن اللَّه تعالى لَمّا فَرَض الخمسين، وحَطّها بشفاعته -ﷺ-، فإذا عادت الأمة فيما استَوْهَبَت، والتَزَمت متبرعةً ما كانت استَعْفَت منه، لم يُستَنكَر ثبوته فرضًا عليهم، وقد ذكر اللَّه تعالى فريقًا من النصارى، وأنهم ابتدعوا رهبانيةً ما كتبها عليهم، ثم لامهم لَمّا قَصَّروا فيها، بقوله تعالى: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ الآية [الحديد: ٧٢]، فخشي -ﷺ- أن يكونوا مثلهم، فقَطَع العمل؛
مصادر المؤلف (٧)

١. وفي نسخة: «وإني لأستحبّها».

٢. «الفتح» ٣/ ٦٧ «كتاب التهجّد» رقم (١١٧٧).

٣. «التمهيد» لابن عبد البر ٨/ ١٣٤ - ١٣٥.

٤. «القاموس المحيط» ٢/ ٣٨٠.

٥. «التمهيد» لابن عبد البر ٨/ ١٣٦.

٦. «التمهيد» لابن عبد البر ٨/ ١٣٤.

٧. راجع: «عمدة القاري» ٧/ ٢٥٧.