HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٧٢٨

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ (يَعْنِي سُلَيْمَانَ بْنَ حَيَّانَ) عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عن النعمان ابن سَالِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ. قَالَ: حَدَّثَنِي عَنْبَسَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، بِحَدِيثٍ يَتَسَارُّ إِلَيْهِ. قَالَ: سَمِعْتُ أُمَّ حَبِيبَةَ تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «مَنْ صَلَّى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، بُنِيَ لَهُ بِهِنَّ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ». قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ: فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وقال ابن عَنْبَسَةُ: فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ أُمِّ حَبِيبَةَ. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ أَوْسٍ: مَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ عَنْبَسَةَ. وَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ سَالِمٍ: مَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ عَمْرِو بن أوس.
ج ١ ص ٥٠٢

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٥ ص٤٠٧
(١٦) - (بَابُ فَضْلِ السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ قَبْلَ الْفَرَائِضِ، وَبَعْدَهَا، وَبَيَانِ عَدَدِهَا) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٦٩٤] (٧٢٨) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ، يَعْنِي سُلَيْمَانَ بْنَ حَيَّانَ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَنْبَسَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، بِحَدِيثٍ يَتَسَارُّ إِلَيْهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أُمَّ حَبِيبَةَ تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «مَنْ صَلَّى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، بُنِيَ لَهُ بِهِنَّ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ»، قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ: فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَقَالَ عَنْبَسَةُ: فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ أُمِّ حَبِيبَةَ، وَقَالَ عَمْرُو بْنُ أَوْسٍ: مَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ عَنْبَسَةَ، وَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ سَالِمٍ: مَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (أَبُو خَالِدٍ سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّانَ) تقدّم قبل حديث. ٣ - (دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ) القُشيريّ مولاهم، أبو بكر، أو أبو محمد البصريّ، ثقةٌ مُتقنٌ [٥] (ت ١٤٠) أو قبلها (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ٢٧/ ٢٢١. ٤ - (النُّعْمَانُ بْنُ سَالِمٍ) الطائفيّ، ثقةٌ [٤]. رَوَى عن جدّته، وَعثمان بن أبي العاص، وأوس بن أبي أوس، وعمرو بن أوس، وابن الزبير، وابن عمرو، ويعقوب بن عاصم. ورَوَى عنه داود بن أبي هند، وحاتم بن أبي صَغِيرة، وسِمَاك بن حرب، وشعبة، وعامر الأحول، والحكم بن عبد الملك. قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: ثقةٌ صالح الحديث، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال وكيع، عن شعبة: ثنا النعمان بن سالم، وكان ثقةً، وذكره ابن حبان في «الثقات». [تنبيه]: قال اللالكائيّ: جَعَل البخاريّ الذي رَوَى عن ابن عمر غير الذي رَوَى عن عمرو بن أوس، قال الحافظ: والأمر كذلك، في «تاريخ البخاريّ الكبير»، فكأنّ المزّيّ ما راجع «التاريخ»، وكذا يصنع ابن حبان في «الثقات»، فذكر صاحب الترجمة في أتباع التابعين، وذكر الذي رَوَى عن ابن عمر، وعنه شعبة، في طبقة التابعين. انتهى. أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٧٢٨) وأعاده بعده، وحديث (٢٩٤٠): «يخرج الدجال في أمتي. . .» الحديث. ٥ - (عَمْرُو بْنُ أَوْسِ) بن أبي أوس، واسمه حُذيفة الثقفيّ الطائفيّ، ثقةٌ [٢]. رَوَى عن أبيه، والمغيرة، وعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وأبي رَزِين الْعُقَيليّ، والحارث بن عبد اللَّه الثقفيّ، وعنبسة بن أبي سفيان، وعروة بن الزبير، وهو من أقرانه. ورَوَى عنه ابن أخيه عثمان بن عبد اللَّه الثقفيّ، والنعمان بن سالم، وغُضَيف بن أبي سفيان الثقفيّ، وأبو إسحاق السبيعيّ، وعمرو بن دينار المكيّ، ومحمد بن سيرين، وغيرهم. قال عبد الرحمن بن نافع بن لَبِيبة الطائفيّ: قال أبو هريرة: تسألوني، وفيكم عمرو بن أوس؟، وذكره ابن حبان في «الثقات». قال الحافظ -﵀-: ذكره مسلم في الطبقة الأولى من التابعين، وذكره ابن منده وغيره في «معرفة الصحابة»، وأوردوا من حديثه حديثًا وقع في إسناده وَهْنٌ أوجب أن يكون لعمرو بن أوس صحبة، وهو من رواية الوليد بن مسلم، عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن الطائفيّ، عن عثمان بن عمرو بن أوس، عن أبيه، قال: قَدِمْتُ على رسول اللَّه -ﷺ- في وفد ثَقِيف، كذا رواه الوليد، ورواه جماعة من الثقات، عن الطائفيّ، عن عثمان، وهو ابن عبد اللَّه بن أوس، عن أبيه به، ورواه وكيع، وغير واحد عن الطائفيّ، عن عثمان بن عبد اللَّه بن أوس، عن جدِّه أوس بن أبي أوس به، وهو الصواب. انتهى . قال البخاريّ مات قبل سعيد بن جبير، وقال أبو نعيم: قبل سعيد بن جبير سنة (٩٥). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا برقم (٧٢٨) وأعاده بعده، وحديث (١١٥٩) وأعاده بعده، و(١٢١٢) و(١٨٢٧). ٦ - (عَنْبَسَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ) بن حرب بن أميّة القرشيّ الأمويّ، أخو معاوية -﵁-، يُكنى أبا الوليد، وقيل غير ذلك، ويقال: له رؤيةٌ، وقال أبو نُعيم: اتّفق الأئمة على أنه تابعيّ، وذكره ابن حبّان في ثقات التابعين، ومات قبل أخيه معاوية -﵁- (م ٤) ٦٥/ ٣٧٣. ٧ - (أُمُّ حَبِيبَةَ) رَمْلة بنت أبي سفيان بن حرب الأمويّة، أم المؤمنين، مشهورة بكنيتها، ماتت -﵂- سنة (٢ أو ٤ أو ٤٩)، وقيل: (٥٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦٥/ ٣٦٨. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن فيه أربعة من التابعين روى بعضهم، عن بعض: داود، عن النعمان، عن عمرو، عن عنبسة. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي، عن أخته. شرح الحديث: (عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ) الثقفيّ الطائفيّ، أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي عَنْبَسَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ) صخر بن حرب (فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، بِحَدِيثٍ يَتَسَارُّ إِلَيْهِ) هو بمثناة تحتُ مفتوحةٍ، ثم مثناة فوقُ، وتشديد الراء المرفوعة؛ أي: يُسَرُّ به، من السرور؛ لما فيه من البِشارة مع سهولته، وكان عنبسة محافظًا عليه، كما ذكره في آخر الحديث. ورواه بعضهم بضمّ أوله، على ما لم يُسَمّ فاعله، وهو صحيحٌ أيضًا، قاله النوويّ -﵀- . (قَالَ) عنبسة (سَمِعْتُ أُمَّ حَبِيبَةَ) -﵂- (تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «مَنْ صَلَّى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً) أجملها في رواية المصنّف -﵀-، وقد فسّرها في رواية غيره، فقد أخرج الحديث الترمذيّ من طريق سفيان الثوريّ، عن أبي إسحاق السبيعيّ، عن المسيَّب بن رافع، عن عنبسة بن أبي سفيان، عن أم حبيبة، قالت: قال رسول اللَّه -ﷺ-:«من صلى في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعةً، بُنِي له بيتٌ في الجنة: أربعًا قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة الفجر»، قال أبو عيسى: وحديث عنبسة، عن أم حبيبة في هذا الباب حديث حسن صحيح، وقد رُوي عن عنبة من غير وجه. انتهى. وكذا رواه النسائيّ إلا أنه قال:«ركعتين قبل العصر»، بدل«ركعتين بعد العشاء»، وقد أشار النسائيّ إلى ضعف هذه الرواية، والظاهر أن رواية الترمذيّ هي المحفوظة، واللَّه تعالى أعلم. (فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ) المراد في كل يوم وليلة، فهو عامّ، وإن كان نكرة مثبتةً؛ لما في رواية النسائيّ، وابن ماجه، من حديث عائشة -﵂- قالت: قال النبيّ -ﷺ-:«من ثابر على ثنتي عشرة ركعةً من السنّة، بُنِي له بيتٌ في الجنّة»، قاله في«المنهل». (بُنِيَ) بالبناء للمفعول (لَهُ بِهِنَّ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ») يعني: جعل اللَّه تعالى له بسبب هذه الركعات بيتًا في الجنّة، والظاهر أن محلّ هذا فيما إذا كانت فرائضه تامّة، أما إذا كانت ناقصةً، فتكمل من تطوّعه، فقد قال الإمام أحمد، وأصحاب السنن عن أبي هريرة -﵁- أن النبيّ -ﷺ- قال: «إن أول ما يُحاسب به العبد يوم القيامة صلاته، فإن وُجِدت تامّة، كُتبت تامّة، وإن كان انتقص منها شيءٌ، قال: انظروا هل تجدون له من تطوُّع، يكمل له ما ضيع من فريضة من تطوعه؟ ثم سائر الأعمال تجري على حسب ذلك»، حديث صحيحٌ. (قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ) -﵂- (فَمَا تَرَكْتُهُنَّ) ووقع في بعض النسخ: «ما تركتهنّ» بحذف الفاء في المواضع الأربعة، و«ما» نافيةٌ؛ أي: لم أترك صلاة اثنتي عشرة ركعة في كل يوم وليلة (مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَقَالَ عَنْبَسَةُ) -﵀- (فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ أُمِّ حَبِيبَةَ، وَقَالَ عَمْرُو بْنُ أَوْسٍ: مَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ عَنْبَسَةَ، وَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ سَالِمٍ: مَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ) هذا من النوع المسمّى في مصطلح أهل الحديث بالمسلسل؛ لأن كل واحد من الأربعة قال: «ما تركتهنّ منذ سمعت فلانًا»، وفائدته تقوية الحديث، قال السيوطيُّ في «ألفيّة الحديث»: هُوَ الَّذِي إِسْنَادُهُ رِجَالَهْ … قَدْ تَابَعُوا فِي صِفَةٍ أَوْ حَالَهْ فِعْلِيَّةٍ قَوْلِيَّةٍ كِلَيْهِمَا … لَهُمْ أَوْ لِلْحَدِيثِ فِيمَا قُسِّمَا وَخَيْرُهُ الدَّالُّ عَلَى الْوَصْفِ وَمِنْ … مُفَادِهِ زِيَادَةُ الضَّبْطِ زُكِنْ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أم حبيبة -﵂- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا [١٦/ ١٦٩٤ و١٦٩٥ و١٦٩٦ و١٦٩٧] (٧٢٨)، و(أبو داود) في «الصلاة» (١٢٥٠)، و(النسائيّ) في «قيام الليل» (١٧٩٦ و١٧٩٧ و١٧٩٨)، و(ابن ماجه) في «إقامة الصلاة» (١١٤١)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١٥٩١)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٢٢٦ - ٢٢٧ و٣٢٧ و٤٢٦)، و(الدارميّ) في «سننه» (١/ ٣٣٥)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١١٨٥ و١١٨٦ و١١٨٧ و١١٨٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٤٥١ و٢٤٥٢)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢١٠٥ و٢١٠٦)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٦٤٨ و١٦٤٩ و١٦٥٠)، و(الحاكم) في «مستدركه» (١/ ٣١١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٢/ ٤٧٣)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل السنن الرواتب، حيث إن من داوم عليها يُبنى له بيتٌ في الجنّة. ٢ - (ومنها): بيان أن عدد ركعات السنن الرواتب، وأنها اثنتا عشرة ركعة في كل يوم وليلة. ٣ - (ومنها): ما قاله النوويّ -﵀-: فيه أنه يحسن مِن العالم، ومَن يُقْتَدَى به أن يقول مثل هذا -يعني ما تركت هذه السنّة، أو هذا العمل منذ كذا وكذا- ولا يَقْصِد به تزكية نفسه، بل يريد حَثَّ السامعين على التخلُّق بخُلُقه في ذلك، وتحريضهم على المحافظة عليه، وتنشيطهم لفعله. ٤ - (ومنها): ما قال العلماء: الحكمة في شرعية النوافل الرواتب وغيرها رفع الدرجات، وتكفير السيّئات، وترغيم الشيطان، وقطع طماعيته في منع الإنسان من تأدية الفرائض على الوجه الأكمل، وتكميل الفرائض بها، إن عَرَض فيها نقصٌ، بترك شيء منها، أو من آدابها، كخشوع، وترك تدبّر في القراءة والأذكار، وغير ذلك، كما ثبت في الحديث في «سنن أبي داود» وغيره، كما أسلفناه آنفًا، ولترتاض نفسه بتقديم النافلة، ويتنشط بها، ويتفرغ قلبه أكمل فراغ للفريضة، ولهذا يُستَحَبّ أن تُفْتَح صلاةُ الليل بركعتين خفيفتين، كما سيأتي ذكره عن مسلم -﵀- بعد هذا قريبًا ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، واليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في السنن الرواتب: قال القرطبيّ -﵀-: اختَلَف العلماء هل للفرائض رواتب مسنونةٌ، أو ليس لها؟ فذهب الجمهور إلى الأخذ بحديث أم حبيبة -﵂- وبما روي عن النبيّ -ﷺ- لهذه النوافل، على ما ذُكر عن عائشة، وابن عمر -﵃- في هذا الباب، فقالوا: هي سنّة مع الفرائض. وذهب مالك في المشهور عنه إلى أنه لا راتب في ذلك، ولا توقيت عدا ركعتي الفجر، وقد تقدّم ذكرها؛ حماية للفرائض، ولا يُمنع من تطوّع بما يشاء إذا أمن ذلك، وذهب العراقيّون من أصحابنا إلى استحباب الركوع بعد الظهر، وقبل العصر، وبعد المغرب. انتهى كلام القرطبيّ . قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي نقله القرطبيّ عن مالك -﵀- عجيب، كيف يُنكر الرواتب غير ركعتي الفجر، مع صحة هذه الأحاديث؟ ويُمكن أن يُعتذر عنه أنها ما صحّت لديه، واللَّه تعالى أعلم. وقال النوويّ -﵀-: في حديث ابن عمر -﵄-: «قبل الظهر سجدتين، وكذا بعدها، وبعد المغرب، والعشاء، والجمعة»، وزاد في «صحيح البخاريّ» قبل الصبح ركعتين، قال: وهذه اثنتا عشرة، وفي حديث عائشة -﵂- هنا: «أربعًا قبل الظهر، وركعتين بعدها، وبعد المغرب، وبعد العشاء، وإذا طلع الفجر صلى ركعتين»، وهذه اثنتا عشرة أيضًا، وليس للعصر ذكر في «الصحيحين». وجاء في «سنن أبي داود» بإسناد صحيح، عن عليّ -﵁-: «أن النبيّ -ﷺ- كان يصلي قبل العصر ركعتين». وعن ابن عمر -﵄-، عن النبيّ -ﷺ- قال: «رَحِمَ اللَّه امرءًا صلى قبل العصر أربعًا»، رواه أبو داود، والترمذيّ، وقال: حديث حسنٌ. وجاء في أربع بعد الظهر حديثٌ صحيحٌ، عن أم حبيبة -﵂- قالت: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر، وأربع بعدها حرّمه اللَّه على النار»، رواه أبو داود، والترمذيّ، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وفي «صحيح البخاريّ» عن ابن مُغَفَّل -﵁-، أن النبيّ -ﷺ- قال: «صَلُّوا قبل المغرب، قال في الثالثة: لمن شاء». وفي «الصحيحين» عن ابن مغفل أيضًا، عن النبيّ -ﷺ-: «بين كل أذانين صلاة»، والمراد بين الأذان والإقامة. فهذه جملة من الأحاديث الصحيحة في السنن الراتبة مع الفرائض، قال أصحابنا، وجمهور العلماء بهذه الأحاديث كلِّها، واستحبوا جميع هذه النوافل المذكورة في الأحاديث السابقة، ولا خلاف في شيء منها عند أصحابنا، إلا في الركعتين قبل المغرب، ففيهما وجهان لأصحابنا: أشهرهما لا يستحب، والصحيح عند المحققين استحبابهما، بحديثي ابن مغفل -﵁-، وبحديث ابتدارهم السواري بها، وهو في «الصحيحين». قال أصحابنا وغيرهم: واختلاف الأحاديث في أعدادها محمول على توسعة الأمر فيها، وأن لها أقل وأكمل، فيحصل أصل السنة بالأقلّ، ولكن الاختيار فعل الأكثر الأكمل، وهذا كما سبق في اختلاف أحاديث الضحى، وكما في أحاديث الوتر، فجاءت فيها كلِّها أعدادها بالأقل والأكثر، وما بينهما؛ ليدلّ على أقل المجزئ في تحصيل أصل السنة، وعلى الأكمل والأوسط، واللَّه أعلم. انتهى كلام النوويّ -﵀- ، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٦٩٥] (. . .) - (حَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ: «مَنْ صَلَّى فِي يَوْمٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَجْدَةً تَطَوُّعًا، بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٠) (م د) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٧. ٢ - (بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ) بن لاحق الرَّقَاشيّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٤٥. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي: بإسناد النعمان بن سالم الماضي، وهو: عن عمرو بن أوس، عن عنبسة بن أبي سفيان، عن أم حبيبة -﵂-. وقوله: (فِي يَوْمٍ) أراد به ما يشمل الليل، وقد جاء الليل صريحًا في الرواية المتقدّمة، وهو المراد مع النهار في قوله: «كلّ يوم» في الرواية المتأخّرة، واليوم قد لا يختصّ بالنهار دون الليل، كما في «النهاية». وقوله: (سَجْدَةً) أي: ركعةً، كما في الرواية الماضية، قال القرطبيُّ -﵀-: أهل الحجاز يُسمّون الركعة سجدة. انتهى . والحديث من أفراد المصنّف -﵀-، وقد سبق تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٦٩٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ، عَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ، يُصَلِّي للَّهِ كُلَّ يَوْمٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً تَطَوُّعًا، غَيْرَ فَرِيضَةٍ ، إِلَّا بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» -أَوْ- «إِلَّا بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ»، قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ: فَمَا بَرِحْتُ أُصَلِّيهِنَّ بَعْدُ، وَقَالَ عَمْرٌو: مَا بَرِحْتُ أُصَلِّيهِنَّ بَعْدُ، وَقَالَ النُّعْمَانُ مِثْلَ ذَلِكَ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) المعروف ببندار، تقدّم قبل باب. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغُندَر، تقدّم قبل أيضًا. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام المشهور، تقدّم قبل باب أيضًا. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (تَطَوُّعًا، غَيْرَ فَرِيضَةٍ) وفي نسخة: «غير الفريضة»، وفي أخرى: «من غير الفريضة»، قال النوويُّ -﵀-: قوله: «غير فريضة» هو من باب التوكيد، ورفع احتمال لإرادة الاستعادة. انتهى. وقال الطيبيّ -﵀-: قوله: «غير فريضة» تأكيد للتطوّع، فإن التطوّع التبرّع من نفسه بفعل من الطاعة، وهي قسمان: راتبة، وهي التي داوم عليها رسول اللَّه -ﷺ-، وغير راتبة، وهذا من القسم الأول، والرتوب الدوام. انتهى . وقال ابن الملك: قوله: «غير فريضة» بدلٌ من «تطوّعًا» بدل الكلّ من الكلّ، وهو أوفى لتأيدية المقصود؛ لأن المراد من تلك الركعات السننُ المؤكّدة، والمؤكّدة في حكم الواجبة، والتطوّع مستعمل في النوافل التي يُخيّر المصلّي بين فعلها وتركها، فقوله: «غير فريضة» يكون أدلّ على المقصود. انتهى. وقوله: (أَوْ إِلَّا بُنِيَ لَهُ) هذا شكّ من الراوي. وقوله: (فَمَا بَرِحْتُ أُصَلِّيهِنَّ بَعْدُ) أي: ما زلت، يقال: بَرِحَ الشيءُ يَبْرَح، من باب تَعِبَ بَرَاحًا: زال من مكانه، ومنه قيل لليلة الماضية: البارحة، ويقال: ما بَرِحَ مكانه: لم يُفارقه، وما بَرِح يفعل كذا بمعنى: المواظبة والملازمة، أفاده في «المصباح» . والمعنى هنا: ما زلتُ أصلّي تلك الصلوات بعدما سمعت النبيّ -ﷺ- يذكر فضلهنّ. والحديث من أفراد المصنّف -﵀-، وقد سبق تمام شرحه، وبيان مسائله قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٦٩٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ الْعَبْدِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: النُّعْمَانُ بْنُ سَالِمٍ أَخْبَرَنِي، قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ أَوْسٍ، يُحَدِّثُ عَنْ عَنْبَسَةَ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ، تَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ صَلَّى لِلَّهِ كُلَّ يَوْمٍ»، فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرِ) بن الحكم الْعَبْديّ، أبو محمد النيسابوريّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٦٠) أو بعدها (خ م د ق) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٩٩. ٢ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ الْعَبْدِيُّ) أبو عبد الرحمن الطُّوسيّ، سكن نيسابور، ثقةٌ، صاحب حديث، من صغار [١٠] مات سنة بضع و(٢٥٠) (م) تقدم في «الإيمان» ٣/ ١١٢. ٣ - (بَهْزُ) بن أسد الْعَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد المائتين، أو قبلها (ع) تقدم في «الإيمان» ٣/ ١١٢. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (كُلَّ يَوْمٍ) أي: وليلة، كما أسلفت بيانه. وقوله: (فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ) الفاعل ضمير بهز؛ أي: ذكر الحديث بهز عن شعبة بمثل ما ذكره محمد بن جعفر عنه. [تنبيه]: رواية بهز، عن شعبة هذه ساقها الإمام أحمد -﵀- في «مسنده» مقرونًا بمحمد جعفر غُنْدَر، فقال: (٢٦٢٤١) حدّثنا بهز، وابن جعفر، قالا: حدثنا شعبة، عن النعمان بن سالم، قال: سمعت عمرو بن أوس، يحدث عن عنبسة، عن أم حبيبة، قالت: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «ما من عبد مسلم، توضأ فأسبغ الوضوء، ثم صلى للَّه ﷿ كل يوم ثنتي عشرة ركعة، إلا بُنِي له بيت في الجنة». قالت أم حبيبة: فما زلت أصليهن بعدُ، وقال عنبسة: فما زلت أصليهن بعدُ، وقال عمرو بن أوس: فما زلت أصليهنّ، قال النعمان: وأنا لا أكاد أَدَعُهُنّ. قال ابن جعفر: عن عنبسة بن أبي سفيان، عن أم حبيبة، زوج النبيّ -ﷺ-
مصادر المؤلف (١٦)

١. وفي نسخة: «وحدّثنا».

٢. زاد في نسخة: «الأحمر».

٣. وفي نسخة: «ما تركتهنّ» بدون الفاء في المواضع الأربعة.

٤. «تهذيب التهذيب» ٣/ ٢٥٧ - ٢٥٨.

٥. «شرح النووي»٦/ ٩.

٦. صححه الشيخ الألباني، وعندي أنه لا يصحّ من حديث عائشة -﵂-، وإنما الصحيح حديث أم حبيبة -﵂- المذكور في الباب، راجع:«شرح النسائيّ»١٨/ ١٨١ - ١٨٢.

٧. «المنهل العذب المورود»٧/ ١٣٤.

٨. راجع: «شرح النووي» ٦/ ١٠، و«المنهل العذب المورود» ٧/ ١٣٣.

٩. «المفهم» ٢/ ٣٦٥.

١٠. «شرح النوويّ» ٦/ ٧ - ٩.

١١. وفي نسخة: «وحدّثني».

١٢. «المفهم» ٢/ ٣٦٥.

١٣. وفي نسخة: «حدّثنا».

١٤. وفي نسخة: «غير الفريضة»، وفي أخرى: «من غير الفريضة».

١٥. راجع: «المرعاة» ٤/ ١٣٠.

١٦. راجع: «المصباح المنير» ١/ ٤٢.