HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٧٥٨

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قال: قرأت على مالك عن ابن شهاب، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله الْأَغَرّ. وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قَالَ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا. حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ. فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ! وَمَنْ يسألني فأعطيه! ومن يستغفرني فأغفر له!».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص175
ج ١ ص ٥٢١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٥ ص٦٢٤
(٢٦) - (بَابُ بَيَانِ نُزُولِ الرَّبّ ﷿ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ، وَالتَّرْغِيبِ فِي الدُّعَاءِ وَالاسْتِغْفَارِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٧٧٢] (٧٥٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْأَغَرَّ، وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبُ لَهُ؟، وَمَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟، وَمَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرُ لَهُ؟»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بُكير بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريّاء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحيّ، أبو عبد اللَّه، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٧٨. ٣ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم بن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن شهاب القرشيّ الزهريّ، أبوَ بكر المدنيّ، ثقة ثبت حافظ إمام مشهور، رأس [٤] (ت ١٢٥) أو قبلها (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٤٨. ٤ - (أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَغَرُّ) هو: سلمان الْجُهنيّ المدنيّ، أصبهانيّ الأصل، ثقةٌ، من كبار [٣] (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٣/ ٣١٩. ٥ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مكثرٌ [٣] (٩٤) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٢٣. ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فنيسابوريّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيين. ٥ - (ومنها): أن أبا هريرة -﵁- رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْأَغَرِّ، وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) وفي رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو عبد اللَّه الأغرّ، صاحب أبي هريرة، أن أبا هريرة أخبرهما، وفي رواية يحيى بن أبي كثير عند المصنّف، وهي التالية: «حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن» (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «يَنْزِلُ) وفي بعض النسخ:»يَتنزّل«(رَبُّنَا) أي: نُزولًا يليق بجلاله، فهو نزولٌ حقيقيّ على الكيفيّة التي يعلمها ﷾، فلا نكيّف، ولا نُعطّل، ولا نحرّف، بل نؤمن بذلك كما أخبر النبيّ -ﷺ- به في هذا الحديث الصحيح، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الرابعة -إن شاء اللَّه تعالى-. وقال في«الفتح»: استَدَلَّ به من أثبت الجهة، وقال: هي جهة العلوّ، وأنكر ذلك الجمهور؛ لأن القول بذلك يُفْضِي إلى التحيز تعالى اللَّه عن ذلك. قال الجامع عفا اللَّه عنه: إن أراد بالجمهور جمهور المتكلّمين، فمسلّم، وإلا فلا، فإن مذهب السلف في ذلك -وهو الحقّ- إثبات العلوّ للَّه تعالى على ما يليق بجلاله، كما سيأتي تحقيقه قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى-. قال: وقد اختُلِف في معنى النزول على أقوال: فمنهم: من حمله على ظاهره وحقيقته، وهم المشبِّهة، تعالى اللَّه عن قولهم. ومنهم: من أنكر صحة الأحاديث الواردة في ذلك جملةً، وهم الخوارج والمعتزله، وهو مكابرةٌ، والعجب أنهم أوَّلُوا ما في القرآن من نحو ذلك، وأنكروا ما في الحديث، إما جهلًا، وأما عنادًا. ومنهم: من أجراه على ما ورد، مؤمنًا به على طريق الإجمال، مُنَزِّهًا اللَّه تعالى عن الكيفية والتشبيه، وهم جمهور السلف، ونقله البيهقيّ وغيره عن الأئمة الأربعة، والسفيانين، والحمادين، والأوزاعيّ، والليث، وغيرهم. ومنهم: من أوّله على وجه يَلِيق، مستعملٍ في كلام العرب، ومنهم من أفرط في التأويل، حتى كاد أن يخرج إلى نوع من التحريف، ومنهم من فَصَّل بين ما يكون تأويله قريبًا مستعملًا في كلام العرب، وبين ما يكون بعيدًا مهجورًا، فأوَّل في بعض، وفَوَّض في بعض، وهو منقول عن مالك، وجزم به من المتأخرين ابن دقيق العيد، قال البيهقيّ: وأسلمها الإيمان بلا كيف، والسكوت عن المراد، إلا أن يرد ذلك عن الصادق، فيصار إليه، ومن الدليل على ذلك اتفاقُهم على أن التأويل المعيَّن غير واجب، فحينئذ التفويض أسلم . ثم ذكر عن ابن العربيّ تأويلًا تركت ذكره؛ لأنه مما لا ينبغي الاشتغال به؛ لمخالفته ظواهر النصوص، ولما ثبت عن السلف -﵃-، على ما سيأتي بيانه في المسألة الرابعة -إن شاء اللَّه تعالى-. ثم قال: وقد حَكَى أبو بكر بن فورك أن بعض المشايخ ضبطه بضم أوله، على حذف المفعول؛ أي: يُنْزِل ملكًا، ويقويه ما رواه النسائيّ من طريق الأغرّ، عن أبي هريرة، وأبي سعيد، بلفظ: «إن اللَّه يُمْهِل حتى يَمْضِي شطر الليل، ثم يأمر مناديًا يقول: هل من داعٍ، فيستجاب له. . .» الحديث. وفي حديث عثمان بن أبي العاص: «ينادي منادٍ: هل من داع يستجاب له. . .» الحديث. قال القرطبيّ -﵀-: وبهذا يرتفع الإشكال، ولا يعكُر عليه ما في رواية رفاعة الجهنيّ: «ينزل اللَّه إلى السماء الدنيا، فيقول: لا يسأل عن عبادي غيري»؛ لأنه ليس في ذلك ما يدفع التأويل المذكور. قال الجامع عفا اللَّه عنه: كيف لا يعكر عليه؟، فالأولى والأوجه الجمع بأنه ﷿ يأمر مناديًا ينادي، ثم ينادي هو، كما هو سنته في غير ذلك، فإنه إذا شاء كلّم من يشاء من عباده، كما وقع لموسى ﵇، وغيره، وإذا شاء أمر من يكلّمه من الملائكة، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. ثم نقل عن البيضاويّ تأويلًا من جنس ما ذكره ابن العربيّ، تركت ذكره؛ لما أسلفته هناك. والحاصل أن الحقّ هو ما ذهب إليه السلف -﵃-، قال الإمام ابن حبّان -﵀-: صفات اللَّه -جل وعلا- لا تُكَيّف، ولا تقاس إلى صفات المخلوقين، فكما أن اللَّه جل وعلا متكلمٌ من غير آلة، بأسنان ولَهَوَات ولسان وشفة، كالمخلوقين -جل ربنا وتعالى- عن مثل هذا وأشباهه، ولم يجز أن يقاس كلامه إلى كلامنا؛ لأن كلام المخلوقين لا يوجد إلا بآلات، واللَّه -جل وعلا- يتكلم كما شاء بلا آلة كذلك ينزل بلا آلة، ولا تحرُّك ولا انتقال من مكان إلى مكان، وكذلك السمع والبصر، فكما لم يجز أن يقال: اللَّه يبصر كبصرنا بالأشفار والحدق والبياض، بل يبصر كيف يشاء بلا آلة، ويسمع من غير أذنين وسماخين والتواء وغضاريف فيها، بل يسمع كيف يشاء بلا آلة، وكذلك ينزل كيف يشاء بلا آلة، من غير أن يقاس نزوله إلى نزول المخلوقين، كما يُكَيَّف نزولهم جل ربنا وتقدس من أن تُشَبَّه صفاته بشيء من صفات المخلوقين. انتهى كلام ابن حبّان -﵀-، وهو تحقيق حسنٌ. والحاصل أن مذهب السلف في هذه المسألة هو الحقّ الذي لا جدال فيه، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الرابعة -إن شاء اللَّه تعالى-. وقوله: (﵎) جملتان معترضتان بين الفعل وظرفه، وهو قوله: (كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا) أي: القريبة من الأرض (حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ) بضمّ اللام، وسكونها، وفيه لغة ثالثة، وهي الثَّلِيث بفتح، فكسر، وهكذا تأتي اللغات الثلاث إلى العُشُر، والْعُشْر، والْعَشِير (اللَّيْلِ الْآخِرُ) بالرفع صفة لـ «ثلثُ». قال في «الفتح»: ولم تَخْتَلِف الروايات عن الزهريّ في تعيين الوقت، واختَلَفت الروايات عن أبي هريرة وغيره، قال الترمذيّ: رواية أبي هريرة أصحّ الروايات في ذلك، ويُقَوِّي ذلك أن الروايات المخالفة اختُلِف فيها على رُواتها. انتهى. [تنبيه]: اختَلَفت الروايات في تعيين وقت النزول على ستّة: [إحداها]: هذه الرواية التي فيها: «حين يبقى ثلث الليل الآخر»، قال الإمام الترمذيُّ -﵀-: هذا أصحّ الروايات في ذلك، وقال الحافظ العراقيُّ -﵀-: أصحّها ما صحّحه الترمذيّ، وقال الحافظ -﵀-: ويُقوّي ذلك أن الروايات المخالفة له اختُلِف فيها على رُواتها. [الثانية]: «حين يمضي الثلث الأول»، وهي الرواية التالية للمصنّف. [الثالثة]: «حين يبقى نصف الليل الآخر»، وفي لفظ: «إذا كان شطر الليل»، وفي آخر: «إذا مضى شطر الليل». [الرابعة]: «ينزل اللَّه تعالى شطر الليل، أو ثلث الليل الآخر» على الشكّ، أو التنويع. [الخامسة]: «إذا مضى نصف الليل، أو ثلث الليل» أي: الأول، وفي لفظ: «إذا ذهب ثلث الليل، أو نصفه». [السادسة]: الإطلاق. فسَلَك بعضهم طريق الجمع، وذلك أن تُحمَل الروايات المطلقة على المقيدة، وأما التي بـ «أو»، فإن كانت «أو» للشك، فالمجزوم به مقدَّمٌ على المشكوك فيه، وإن كانت للتردد بين حالين، فيُجْمَع بذلك بين الروايات، بأن ذلك يقع بحسب اختلاف الأحوال؛ لكون أوقات الليل تختلف في الزمان، وفي الآفاق، باختلاف تقدم دخول الليل عند قوم، وتأخره عند قوم. وقال بعضهم: يَحْتَمِل أن يكون النزول يقع في الثلث الأول، والقول يقع في النصف، وفي الثلث الثاني. وقيل: يُحْمَل على أن ذلك يقع في جميع الأوقات التي وردت بها الأخبار، ويُحْمَل على أن النبيّ -ﷺ- أُعلِم بأحد الأمور في وقت، فأَخبَر به، ثم أُعلم به في وقت آخر، فأخبر به، فنَقَلَ الصحابة ذلك عنه، واللَّه أعلم. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: الأقرب عندي أن يُحْمَل على اختلاف الأوقات، قال الإمام ابن حبّان -﵀- في «صحيحه» (٣/ ٢٠١) ما نصّه: في خبر مالك، عن الزهريّ الذي ذكرناه أن اللَّه ينزل حتى يبقى ثلث الليل الآخر، وفي خبر أبي إسحاق، عن الأغرّ، أنه ينزل حتى يذهب ثلث الليل الأول، ويَحْتَمِلُ أن يكون نزوله في بعض الليالي حتى يبقى ثلث الليل الآخر، وفي بعضها حتى يذهب ثلث الليل الأول، حتى لا يكون بين الخبرين تهاترٌ ولا تضادٌ. انتهى ، وهو تحقيقٌ حسنٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم. (فَيَقُولُ: مَنْ) استفهاميّة مبتدأ، خبره جملة قوله: (يَدْعُونِي) وقوله: (فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟) بالنصب على جواب الاستفهام، كما قال في «الخلاصة»: وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ … مَحْضَيْنِ «أَنْ» وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ ويجوز رفعه على الاستئناف بتقدير مبتدأ؛ أي: فأنا أستجيب له، وكذا قوله: «فأعطيه»، و«أغفِر له»، وقد قرئ بهما في قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ الآية [الحديد: ١١]، وليست السين في قوله تعالى: «فأستجيب» للطلب، بل أستجيب بمعنى أُجيب، وذلك لتحوُّل الفاعل إلى أصل الفعل، نحو استحجرَ الطينُ. [فإن قلت]: ليس في وعد اللَّه خُلْفٌ، وكثيرٌ من الداعين لا يُستجاب لهم. [أجيب]: إنما ذاك لوقوع الخلل في شرط من شروط الدعاء، مثل الاحتراز في المطعم والمشرب والملبس، أو لاستعجال الداعي، أو يكون الدعاء بإثم، أو قطيعة رَحِمٍ، أو تحصل الإجابة ويتأخر حصول المطلوب إلى وقت آخر، يريد اللَّه وقوع الإجابة فيه، إما في الدنيا، وإما في الآخرة، أفاده في «العمدة» . (وَمَنْ يَسْأَلْنِي فَأُعْطِيَهُ؟) بالنصب، والرفع على ما سبق بيانه. (وَمَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ «) قال في»الفتح«: لم تختلف الروايات على الزهريّ في الاقتصار على الثلاثة المذكورة، وهي الدعاء، والسؤال، والاستغفار، والفرق بين الثلاثة أن المطلوب إما لدفع المضارّ، أو جلب المسارّ، وذلك إما دينيّ، وإما دنيويّ، ففي الاستغفار إشارة إلى الأول، وفي السؤال إشارة إلى الثاني، وفي الدعاء إشارة إلى الثالث. وقال الكرمانيُّ -﵀-: يَحْتَمِل أن يقال: الدعاء ما لا طلب فيه، نحو يا اللَّه، والسؤال: الطلب، وأن يقال: المقصود واحد، وإن اختلف اللفظ. انتهى. وقال الكرماني [فإن قلت]: ما الفرق بين الدعاء والسؤال؟. [قلت]: المطلوب إما لدفع غير الملائم، وإما لجلب الملائم، وذلك إما دنيويّ، وإما دينيّ، فالاستغفار، وهو طلب ستر الذنوب إشارة إلى الأول، والسؤال إلى الثاني، والدعاء إلى الثالث، والدعاء ما لا طلب فيه، نحو قولنا: يا اللَّه، يا رحمن، والسؤال هو الطلب، والمقصود واحد، واختلاف العبارات لتحقيق القضية وتأكيدها. انتهى . وزاد في رواية أحمد: «هل من تائب، فأتوبَ عليه»، وزاد في رواية له أيضًا: «من ذا الذي يسترزقني، فأرزقَهُ، من ذا الذي يستكشف الضرَّ، فأكشف عنه»، ومعانيها داخلة فيما تقدم. انتهى . وأخرج أحمد، والدارميّ من طريق عطاء مولى أم صُبَيّة، عن أبي هريرة -﵁-، قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: «لولا أن أشُقّ على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، ولأخّرت عشاء الآخرة إلى ثلث الليل الأول، فإنه إذا مضى ثلث الليل الأول، هَبَطَ اللَّه تعالى إلى السماء الدنيا، فلم يزل هناك حتى يطلع الفجر، فيقول قائل: ألا سائلٌ يُعطَى، ألا داعٍ يجابٍ، ألا سقيمٌ يَستَشْفِي فيشفى، ألا مذنبٌ يستغفر، فيغفر له»، وأخرجها أيضًا بسند صحيح، من حديث عليّ -﵁-، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦/ ١٢٧٧ و١٧٧٣ و١٧٧٤ و١٧٧٥ و١٧٧٦ و١٧٧٧ و١٧٧٨] (٧٥٨)، و(البخاريّ) في «التهجّد» (١١٤٥) و«الدعوات» (٦٣٢١) و«التوحيد» (٧٤٩٤)، و(أبو داود) في «الصلاة» (١٣١٥ و٤٣٣٣)، و(الترمذيّ) في «الصلاة» (٤٤٦) و«الدعوات» (٣٤٩٨)، و(النسائيّ) في «عمل اليوم والليلة» (٤٨٠)، و(ابن ماجه) في «إقامة الصلاة» (١٣٦٦)، و(مالك) في «الموطّأ» (١/ ٢١٤)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٦٧ و٢٨٢ و٤١٩ و٤٣٣ و٤٨٧)، و(ابن خزيمة) في «التوحيد» (١٢٧ و١٣٠)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٩٢٠)، و(اللالكائيّ) في «شرح السنّة» (٣/ ٤٣٥ و٤٣٦)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٣/ ٢) و«الأسماء والصفات» (٤٤٩)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضيلة ثلث الليل الآخر. ٢ - (ومنها): إثبات صفة النزول للَّه ﷾ على ما يليق بجلاله، من غير تكييف، ولا تشبيه، ولا تعطيل، ولا تحريف، بل على ما يليق بجلاله. ٣ - (ومنها): بيان سعة فضل اللَّه ﷿، وعظيم كرمه، حيث يُقبل عليهم، وينادي هل من سائل؟، هل من داع؟، هل من مستغفر؟، سبحانك ما أوسع فضلك، وأكثر جودك. ٤ - (ومنها): أن فيه التحريضَ على عمل الطاعة، والإشارةَ إلى جزيل الثواب عليها. ٥ - (ومنها): أن الحكمة في تخصيصه بالليل، وبالثلث الأخير منه؛ لكونه وقت التهجّد، وغفلة الناس عن التعرّض لنفحات رحمة اللَّه ﷾، فعند ذلك تكون النيّة خالصةً، والرغبة إلى اللَّه تعالى وافرةً، وذلك مظنّة القبول والإجابة. ٦ - (ومنها): أن فيه تفضيلَ صلاة آخر الليل على أوله، وتفضيل تأخير الوتر، لكن ذلك في حقّ من طَمِعَ أن ينتبه، كما سبق في حديث جابر -﵁- قبل بابين. ٧ - (ومنها): أن آخر الليل أفضل للدعاء، والاستغفار، ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧]، وأن الدعاء في ذلك الوقت مجاب، ويدلّ لها ما أخرجه الترمذيّ بسند صحيح، عن أبي أمامة -﵁- قال: قيل: يا رسول اللَّه أيُّ الدعاء أسمع؟ قال: «جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبات». ولا يُعْتَرض على ذلك بتخلفه عن بعض الداعين؛ لأن سبب التخلف وقوع الخلل في شرط من شروط الدعاء، كالاحتراز في المطعم والمشرب والملبس، أو تحصل الإجابة، ويتأخّر وجود المطلوب؛ لمصلحة العبد، أو لأمر يريده اللَّه. والحاصل أن الإجابة ليس معناها أن يُعطَى الداعي عين ما سأله، وإنما معناها أن يُعطيه اللَّه تعالى ما هو أصلح له في الدنيا والآخرة، سواء كان عين ما سأل، أو خيرًا من ذلك، من جلب نفع، أو دفع ضُرّ، ويدلّ على ذلك ما أخرجه الإمام أحمد، والترمذيّ، عن جُبير بن نُفير، أن عبادة بن الصامت حدثهم، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: «ما على الأرض مسلم، يدعو اللَّه بدعوة، إلا آتاه اللَّه إياها، أو صَرَف عنه من السوء مثلها، ما لم يدع بإثم، أو قطيعة رحم»، فقال رجل من القوم: إذًا نكثرُ، قال: «اللَّه أكثر»، قال الترمذيّ: حديث حسن صحيح غريب. وأخرج الإمام أحمد بسند صحيح، عن أبي سعيد الخدريّ -﵁- أن النبيّ -ﷺ- قال: «ما من مسلم يدعو بدعوة، ليس فيها إثم، ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه اللَّه بها إحدى ثلاث: إما أن تُعَجَّل له دعوته، وإما أن يَدَّخِرها له في الآخرة، وإما أن يَصْرِف عنه من السوء مثلها»، قالوا: إذًا نكثرُ، قال: «اللَّه أكثر». وخلاصة القول: أن الأدب للعبد أن يسأل ربّه، موقنًا بالإجابة، ثم يرضى بما يختار له من نوع الإجابة؛ لأنه ﷿ أعلم بمصالح عباده، فقد يكون ما سأله مما يعود ضرره عليه، إما في دينه، أو دنياه؛ لأنه لا يعلم شيئًا من مصالح الدنيا والآخرة، وإنما عِلم ذلك إلى اللَّه تعالى وحده، قال اللَّه تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في إتمام ما سبق من البحث في مسألة النزول، ولنذكر ما حقّقه الإمام الحافظ المحقّق أبو عمر بن عبد البرُّ في كتابه «التمهيد»، فإن فيه الكفاية: قال -﵀-: وأما قوله -ﷺ- في هذا الحديث: «ينزل ﵎ إلى سماء الدنيا»، فقد أكثر الثاس التنازع فيه، والذي عليه جمهور أئمة أهل السنة، أنهم يقولون: ينزل كما قال رسول اللَّه -ﷺ-، ويُصَدِّقون بهذا الحديث، ولا يُكَيِّفون، والقول في كيفية النزول، كالقول في كيفية الاستواء، والمجيء، والحجةُ في ذلك واحدة. وقد قال قوم من أهل الأثر أيضًا: إنه ينزل أمره، وتنزل رحمته، ورُوي ذلك عن حبيب، كاتب مالك وغيره، وأنكره منهم آخرون، وقالوا: هذا ليس بشيء؛ لأن أمره ورحمته لا يزالان ينزلان أبدًا، في الليل والنهار، وتعالى الملك الجبار الذي إذا أراد أمرًا قال له: كن فيكون، في أيّ وقت شاء، ويختص برحمته من يشاء متى شاء، لا إله إلا هو الكبير المتعال. وقد رَوَى محمد بن علي الجبليّ، وكان من ثقات المسلمين بالقيروان، قال: حدّثنا جامع بن سوادة بمصر، قال: حدّثنا مطرِّف، عن مالك بن أنس، أنه سئل عن الحديث: «إن اللَّه ينزل في الليل إلى سماء الدنيا»، فقال مالك: يتنزل أمره، وقد يَحْتَمِل أن يكون كما قال مالك، على معنى أنه تتنزل رحمته، وقضاؤه بالعفو والاستجابة، وذلك من أمره؛ أي: أكثر ما يكون ذلك في ذلك الوقت، واللَّه أعلم، ولذلك ما جاء فيه الترغيب في الدعاء. وقد رُوي من حديث أبي ذرّ -﵁- أنه قال: يا رسول اللَّه؛ أي الليل أسمع؟ قال: «جوف الليل الغابر»، يعني الآخر، وهذا على معنى ما ذكرنا، ويكون ذلك الوقت مندوبًا فيه إلى الدعاء، كما نُدِب إلى الدعاء عند الزوال، وعند النداء، وعند نزول غيث السماء، وما كان مثله من الساعات المستجاب فيها الدعاء، واللَّه أعلم. وقال آخرون: ينزل بذاته، ثم أخرج بسنده عن نعيم بن حماد قال: حديث النزول يردّ على الجهمية قولهم، قال: وقال نعيم: ينزل بذاته، وهو على كرسيه، قال أبو عمر: ليس هذا بشيء عند أهل الفهم، من أهل السنة؛ لأن هذا كيفية، وهم يفزعون منها؛ لأنها لا تصلح إلا فيما يُحاط به عيانًا، وقد جلّ اللَّه وتعالى عن ذلك، وما غاب عن العيون فلا يصفه ذوو العقول إلا بخبر، ولا خبر في صفات اللَّه إلا ما وصف نفسه به في كتابه، أو على لسان رسوله -ﷺ-، فلا نتعدى ذلك إلى تشبيه، أو قياس، أو تمثيل، أو تنظير، فإنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. قال أبو عمر: أهل السنة مُجمِعون على الإقرار بالصفات الواردة كلِّها في القرآن والسنة، والإيمانِ بها، وحملها على الحقيقة، لا على المجاز، إلا أنهم لا يُكَيَّفون شيئًا من ذلك، ولا يَحُدُّون فيه صفةً محصورةً، وأما أهل البدع، والجهمية، والمعتزلة كلُّها، والخوارج، فكلهم ينكرها، ولا يَحْمِل شيئًا منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقر بها مُشَبِّهٌ، وهم عند من أثبتها نافون للمعبود، والحقُّ فيما قاله القائلون بما نَطَقَ به كتاب اللَّه تعالى، وسنة رسوله -ﷺ-، وهم أئمة الجماعة، والحمد للَّه. رَوَى حرملة بن يحيى، قال: سمعت عبد اللَّه بن وهب يقول: سمعت مالك بن أنس يقول: مَن وصف شيئًا من ذات اللَّه مثل قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤]، وأشار بيده إلى عنقه، ومثل قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فأشار إلى عينيه، أو أذنه، أو شيئًا من بدنه قُطِعَ ذلك منه؛ لأنه شَبَّهَ اللَّه تعالى بنفسه، ثم قال مالك: أما سمعت قول البراء -﵁- حين حَدَّث أن النبيّ -ﷺ- قال: «لا يُضَحَّى بأربع من الضحايا»، وأشار البراء -﵁- بيده، كما أشار النبيّ -ﷺ- بيده، قال البراء: ويدي أقصر من يد رسول اللَّه -ﷺ-، فكره البراء -﵁- أن يصف رسول اللَّه -ﷺ- إجلالًا له، وهو مخلوق، فكيف الخالق الذي ليس كمثله شيء؟. قال: وقال سحنون: من العلم باللَّه الجهل بما لم يُخْبِر به عن نفسه، قال: وهذا الكلام أخذه سحنون، عن ابن الماجشون، قال: أخبرني الثقة، عن الثقة، عن الحسن بن أبي الحسن، قال: لقد تكلم مُطَرِّف بن عبد اللَّه بن الشِّخِّير على هذه الأعواد بكلام ما قيل قبله، ولا يقال بعده، قالوا: وما هو يا أبا سعيد؟ قال: قال: الحمد للَّه الذي من الإيمان به الجهل بغير ما وَصَفَ من نفسه. وأخرج أيضًا عن سحنون بن منصور ، قال: قلت لأحمد بن حنبل: «ينزل ربنا ﵎ كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر إلى السماء الدنيا»، أليس تقول بهذه الأحاديث؟ ويَرَى أهل الجنة ربهم، وبحديث: «لا تقبحوا الوجوه، فإن اللَّه خلق آدم على صورته»، و«اشتكت النار إلى ربها حتى يضع اللَّه فيها قَدَمه»، وأن موسى ﵇ لَطَمَ ملك الموت -صلوات اللَّه عليه-؟ قال أحمد: كلُّ هذا صحيح، وقال إسحاق: كلُّ هذا صحيح ولا يَدَعُه إلا مبتدع، أو ضعيف الرأي. قال أبو عمر -﵀-: الذي عليه أهل السنة، وأئمة الفقه والأثر، في هذه المسألة، وما أشبهها الإيمان بما جاء عن النبيّ -ﷺ- فيها، والتصديق بذلك، وترك التحديد والكيفية في شيء منه. ثم أخرج بسنده عن أحمد بن نصر، أنه سأل سفيان بن عيينة، قال: حديث عبد اللَّه: «إن اللَّه ﷿ يجعل السماء على إصبع»، وحديث: «إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن»، و«إن اللَّه يَعْجَب، أو يضحك ممن يذكره في الأسواق»، وأنه ﷿ ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة، ونحو هذه الأحاديث؟ فقال: هذه الأحاديث نَرْوِيها، ونُقِرّ بها كما جاءت، بلا كيف. وأخرج أيضًا عن الوليد بن مسلم، قال: سألت الأوزاعيّ، وسفيان الثوريّ، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، عن هذه الأحاديث التي جاءت في الصفات، فقالوا: أَمِرُّوها كما جاءت بلا كيف. قال: وذكر عباس الدُّوريّ، قال: سمعت يحيى بن معين يقول: شهدت زكريا بن عديّ سأل وكيع بن الجراح، فقال: يا أبا سفيان، هذه الأحاديث، يعني مثل الكرسي موضع القدمين، ونحو هذا؟ فقال: أدركت إسماعيل بن أبي خالد، وسفيان، ومِسْعَرًا، يحدثون بهذه الأحاديث، ولا يفسرون شيئًا، قال عباس بن محمد الدُّوريّ: وسمعت أبا عبيد القاسم بن سلام، وذُكِر له عن رجل من أهل السنة، أنه كان يقول: هذه الأحاديث التي تُرْوَى في الرؤية، والكرسي موضع القدمين، وضحك ربنا من قنوط عباده، وأن جهنم لتمتلئ، وأشباه هذه الأحاديث، وقالوا: إن فلانًا يقول: يقع في قلوبنا أن هذه الأحاديث حقّ، فقال: ضَعَّفتم عندي أمره، هذه الأحاديث حقّ لا شك فيها، رواها الثقات، بعضهم عن بعض، إلا أنا إذا سئلنا عن تفسير هذه الأحاديث لم نفسرها، ولم نذكر أحدًا يفسرها. قال الجامع عفا اللَّه عنه: المراد بالتفسير الذي نفوه هو التفسير الذي يؤدّي إلى التشبيه بالمخلوق، لا تفسير معناها اللغويّ على المعنى الذي يليق بجلاله ﷾، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. قال: وقد كان مالك ينكر على من حدّث بمثل هذه الأحاديث، ذكره أصبغ، وعيسى، عن ابن القاسم، قال: سألت مالكًا عمن يحدِّث الحديث: «إن اللَّه خلق آدم على صورته»، والحديث: «إن اللَّه يكشف عن ساقه يوم القيامة»، و«أنه يدخل في النار يده حتى يخرج من أراد»، فأنكر ذلك إنكارًا شديدًا، ونَهَى أن يحدِّث به أحدًا، وإنما كَرِه ذلك مالك خشيةَ الخوض في التشبيه بكيف ها هنا. وأخرج عن ابن وضاح، قال: سألت يحيى بن معين عن التنزل، فقال: أَقِرّ به، ولا تَحُدّ فيه، يقول: كلُّ من لقيت من أهل السنة يُصَدِّق بحديث التنزل، قال: وقال لي ابن معين: صَدِّق به، ولا تَصِفْه. وأخرج أيضًا عن أيوب بن صلاح المخزوميّ، قال: كنا عند مالك، إذ جاءه عراقيّ، فقال له: يا أبا عبد اللَّه، مسألة أريد أن أسألك عنها، فطأطأ مالك رأسه، فقال له: يا أبا عبد اللَّه ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]، كيف استوى؟ قال: سألت عن غير مجهول، وتكلمت في غير معقول، إنك امرؤ سوء، أخرجوه فأخذوا بضَبْعَيه فأخرجوه. وقال يحيى بن إبراهيم بن مزين: إنما كَرِهَ مالك أن يتحدث بتلك الأحاديث؛ لأن فيها حدًّا وصفةً وتشبيهًا، والنجاة في هذا الانتهاء إلى ما قال اللَّه ﷿، ووصف به نفسه، بوجه، ويدين، وبسط، واستواء، وكلام، فقال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، وقال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، وقال: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، وقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]. فليقل قائل بما قال اللَّه، ولينته إليه، ولا يَعْدُوه، ولا يُفَسّره، ولا يقل: كيف، فإن في ذلك الهلاك؛ لأن اللَّه كَلَّف عبيده الإيمان بالتنزيل، ولم يكلفهم الخوض في التأويل، الذي لا يعلمه غيره. وقد بلغني عن ابن القاسم أنه لم ير بأسًا برواية الحديث: «إن اللَّه ضحك»، وذلك لأن الضحك من اللَّه، والتنزل، والملالة، والتعجب منه ليس على جهة ما يكون من عباده. قال أبو عمر -﵀-: الذي أقول: إنه من نظر إلى إسلام أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وطلحة، وسعد، وعبد الرحمن، وسائر المهاجرين والأنصار، وجميع الوفود الذين دخلوا في دين اللَّه أفواجًا، عَلِمَ أن اللَّه ﷿ لم يَعْرِفه واحد منهم إلا بتصديق النبيين بأعلام النبوة، ودلائل الرسالة، لا من قِبَل حركة، ولا من باب الكل والبعض، ولا من باب كان ويكون، ولو كان النظر في الحركة والسكون عليهم واجبًا، وفي الجسم ونفيه، والتشبيه ونفيه، لازمًا ما أضاعوه، ولو أضاعوا الواجب ما نطق القرآن بتزكيتهم وتقديمهم، ولا أطنب في مدحهم وتعظيمهم، ولو كان ذلك مِن عَمَلهم مشهورًا، أو من أخلاقهم معروفًا، لاستفاض عنهم، ولشُهِروا به، كما شهروا بالقرآن والروايات، وقول رسول اللَّه -ﷺ-: «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا» عندهم مثل قول اللَّه ﷿: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، ومثل قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢٢]، كلهم يقول: ينزل، ويتجلى، ويجيء بلا كيف، لا يقولون: كيف يجيء؟، وكيف يتجلى؟، وكيف ينزل؟، ولا من أين جاء؟، ولا من أين تجلى؟، ولا من أين ينزل؟؛ لأنه ليس كشيء من خلقه، وتعالى عن الأشياء، ولا شريك له. انتهى المقصود من كلام الحافظ ابن عبد البرُّ -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: لقد أجاد الحافظ أبو عمر -﵀- في هذا التحقيق، وأفاد، فقد بيّن في هذا التحقيق أن مذهب جمهور العلماء من السلف والمحقّقين من الخلف أنه يجب الإيمان بما ورد في الكتاب والسنّة الصحيحة، مما وصف اللَّه تعالى به نفسه، أو وصفه به رسوله -ﷺ-، كالنزول، والاستواء، والمجيء، والقبض والبسط، وكالوجه واليد، والقدم، والساق، وكالتعجب، والضحك، والغضب، إلى غير ذلك، مما صحّ في نصوص الكتاب والسنّة الصحيحة، على حقيقته، لا على وجه المجاز، بل نؤمن بها كما وردت، من غير تشبيه ولا تمثيل، ومن غير تعطيل ولا تأويل. وقد أسلفت أن مراد من قال من السلف: ولا تفسّروها أراد التفسير المؤدّي إلى تكييفها. قال الإمام الترمذيُّ في كتاب الزكاة من «جامعه» بعد إخراج حديث: «إن اللَّه يقبل الصدقة، ويأخذها بيمينه. . .» الحديث، ما نصّه: وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث، وما يشبه هذا من الروايات، من الصفات، ونزول الرب ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا، قالوا: قد تثبت الروايات في هذا، ويُؤْمَن بها، ولا يتوهم، ولا يقال: كيف، هكذا روي عن مالك، وسفيان بن عيينة، وعبد اللَّه بن المبارك، أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أَمِرُّوها بلا كيف، وهكذا قول أهل العلم، من أهل السنة والجماعة. وأما الجهمية، فأنكرت هذه الروايات، وقالوا: هذا تشبيه، وقد ذكر اللَّه ﷿ في غير موضع من كتابه اليد، والسمع، والبصر، فتأولت الجهمية هذه الآيات، ففسَّروها على غير ما فَسَّر أهل العلم، وقالوا: إن اللَّه لم يخلق آدم بيده، وقالوا: إن معنى اليد ها هنا القوّة. وقال إسحاق بن إبراهيم: إنما يكون التشبيه إذا قال: يد كيد، أو مثل يد، أو سمع كسمع، أو مثل سمع، فإذا قال: سمع كسمع، أو مثل سمع، فهذا التشبيه، وأما إذا قال كما قال اللَّه تعالى: يدٌ، وسمعٌ، وبصرٌ، ولا يقول: كيف، ولا يقول: مثل سمع، ولا كسمع، فهذا لا يكون تشبيهًا، وهو كما قال اللَّه تعالى في كتابه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. انتهى كلام الترمذيُّ -﵀- ، وهو تحقيقٌ مفيدٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم. وقال الإمام البغويُّ -﵀- في «شرح السنّة» بعد إخراجه حديث: «تحاجّت الجنة النار. . .» وفيه: «حتى يضع ربّ العزّة فيها قدمه»، وفي لفظ: «رجله» ما نصّه: القدم، والرجل المذكوران في هذا الحديث من صفات اللَّه ﷾ المنزّه عن التكييف والتشبيه، وكذلك كلُّ ما جاء من هذا القبيل في الكتاب أو السنّة، كاليد، والإصبع، والعين، والمجيء، والإتيان، فالإيمان بها فرضٌ، والامتناع عن الخوض فيها واجبٌ، فالمهتدي من سلك فيها طريق التسليم، والخائض فيها زائغٌ، والمنكر معطّلٌ، والمكيِّف مشبّه، تعالى اللَّه عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. انتهى كلام البغويُّ -﵀- ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٧٧٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا كُلَّ لَيْلَةٍ، حِينَ يَمْضِي ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ، فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْمَلِكُ، مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟، مَنْ ذَا الَّذِي يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟، مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟، فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُضِيءَ الْفَجْرُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بن جَمِيل بن طَرِيف الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) عن (٩٠) سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ) هو: يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد اللَّه بن عبد القاريّ المدنيّ، نزيل الإسكندريّة، حليف بني زُهْرة، ثقةٌ [٨] (١٨١) (خ م د ت س) تقدم في «الإيمان» ٣٥/ ٢٤٥. ٣ - (سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ) أبو يزيد المدنيّ، ثقةٌ [٦] (ت ١٣٨) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٤/ ١٦١. ٤ - (أَبُوهُ) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤. والصحابيّ ذُكر قبله. وقوله: (أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْمَلِكُ) قال النوويّ -﵀-: هكذا هو في الأصول مكرّرٌ للتوكيد والتعظيم. انتهى . وقوله: (حَتَّى يُضِيءَ الْفَجْرُ) وفي رواية يحيى بن أبي كثير الآتية: «حتى ينفجر الصبح»، وفي رواية الأغرّ الآتية أيضًا: «حتى ينفجر الفجر». قال في «الفتح»: وفي رواية محمد بن عمرو، عن أبي سلمة: «حتى يطلع الفجر»، وكذا اتَّفَق معظم الرواة على ذلك، إلا أن في رواية نافع بن جبير، عن أبي هريرة عند النسائيّ: «حتى ترجل الشمس»، وهي شاذةٌ، وزاد يونس في روايته عن الزهريّ في آخره أيضًا: «ولذلك كانوا يُفَضِّلون صلاة آخر الليل على أوله»، أخرجها الدارقطنيّ أيضًا، وله من رواية ابن سمعان، عن الزهريّ ما يُشير إلى أن قائل ذلك هو الزهريّ. انتهى . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٧٧٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِذَا مَضَى شَطْرُ اللَّيْلِ، أَوْ ثُلُثَاهُ، يَنْزِلُ اللَّهُ ﵎ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ سَائِلٍ يُعْطَى؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ يُسْتَجَابُ لَهُ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ يُغْفَرُ لَهُ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الصُّبْحُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الْكَوسَج، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٦. ٢ - (أَبُو الْمُغِيرَةِ) عبد القدّوس بن الحجاج الْخَوْلانيّ الْحِمصيّ، ثقة [٩]. رَوَى عن حَرِيز بن عثمان، وصفوان بن عمرو، والمسعوديّ، وأبي بكر بن أبي مريم، وسعيد بن عبد العزيز، وعُفير بن مَعْبد، والأوزاعيّ، وغيرهم. ورَوى عنه البخاريّ، وروى هو والباقون له بواسطة إسحاق بن منصور الكَوْسَج، وأحمد بن حنبل، ومحمد بن مُصَفَّى، وعبد الوهاب بن نَجْدة، وسلمة بن شبيب، والدارميّ، ويحيى بن معين، وأبو بكر بن زنجويه، وأحمد بن أبي الحواريّ، وغيرهم. قال أبو حاتم: كان صدوقًا. وقال العجليّ، والدارقطني: ثقة. وقال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في «الثقات». قال البخاريّ: مات سنة اثنتي عشرة ومائتين، وصلى عليه أحمد بن حنبل. وفي «الزهرة»: رَوَى عنه البخاري ثلاثة أحاديث. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا برقم (٧٥٨)، وحديث (١٠٥٧): «أمشي مع رسول اللَّه -ﷺ-، وعليه بُرْد نَجْرَانِيّ. . .»، و(١١٦٧): «إني أُريت ليلة القدر. . .»، و(١١٧٣): «آلبرّ تردن. . .». ٣ - (الْأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو الفقيه، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٧] (ت ١٥٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٨. ٤ - (يَحْيَى) بن أبي كثير، صالح بن المتوكّل الطائيّ مولاهم، أبو نصر البصريّ، سكن اليمامة، ثقةٌ ثبتٌ، يدلّس ويُرسل [٥] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٢٤. والباقيان ذُكرا قبل حديث. وقوله: («إِذَا مَضَى شَطْرُ اللَّيْلِ، أَوْ ثُلُثَاهُ) قال القاضي عياض -﵀-: الصحيح رواية:»حين يبقى ثلث الليل الآخر«، قال شيوخ الحديث: وهو الذي تظاهرت عليه الأخبار بلفظه ومعناه، قال: وقد يَحْتَمِل الجمع بين الحديثين بكون النزول الذي أراده النبيّ -ﷺ- وعَنَاه -واللَّه أعلم بحقيقته- عند مضيّ الثلث الأول، وقوله:»من يدعوني. . . إلخ« في الثلث الأخير، هذا كلام القاضي -﵀- . قال النوويُّ -﵀- بعد نقل كلام القاضي المذكور: ويَحْتَمِل أن يكون النبيّ -ﷺ- أُعلِم بأحد الأمرين في وقت، فأَخْبَر به، ثم أُعلم بالآخر في وقت آخر، فأَعلَم به، وسمع أبو هريرة الخبرين، فنقلهما جميعًا، وسمع أبو سعيد الخدريّ خبر الثلث الأول فقط، فأخبر به مع أبي هريرة، كما ذكره مسلم في الرواية الأخيرة، وهذا ظاهر، وفيه ردٌّ لما أشار إليه القاضي من تضعيف رواية الثلث الأول، وكيف يُضَعِّفها، وقد رواها مسلم في صحيحه بإسناد لا مَطْعَن فيه عن الصحابيين: أبي سعيد، وأبي هريرة -﵄-؟، واللَّه أعلم. انتهى كلام النوويُّ -﵀- . وقوله: (حَتَّى يَنْفَجِرَ الصُّبْحُ) هو بمعنى الرواية السابقة: «حتى يُضيء الفجر»، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٧٧٥] (. . .) - (حَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا مُحَاضِرٌ، أَبُو الْمُوَرِّعِ، حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ مَرْجَانَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «يَنْزِلُ اللَّهُ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا لِشَطْرِ اللَّيْلِ، أَوْ لِثُلُثِ اللَّيْلِ الْآخِرِ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟، أَوْ يَسْأَلْنِي فَأُعْطِيَهُ؟، ثُمَّ يَقُولُ: مَنْ يُقْرِضُ غَيْرَ عَدِيمٍ وَلَا ظَلُومٍ؟». قَالَ مُسْلِم: ابْنُ مَرْجَانَةَ هُوَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَمَرْجَانَةُ أُمُّهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجاج الثقفيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٥٩) (م د) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٤٠. ٢ - (مُحَاضِرٌ، أَبُو الْمُوَرِّعِ) هو: محاضر -بضاد معجمة- ابن المورع -بضمّ الميم، وفتح الواو المشدّدة المكسورة، بعدها مهملة- الْهَمْدانيّ الياميّ، ويقال: السَّلُوليّ، ويقال: السَّكُونيّ، الكوفيّ، صدوقٌ له أوهامٌ [٩]. رَوَى عن عاصم الأحول، والأعمش، وهشام بن عروة، وهشام بن حسان، وسعد بن سعيد الأنصاريّ، وأجلح الكِنْديّ، ومُجالِد بن سعيد، وغيرهم. ورَوى عنه أحمد بن حنبل، وأبو بكر، وعثمان ابنا أبي شيبة، وحجاج بن الشاعر، ومحمد بن عبد اللَّه بن نمير، ومحمد بن إسحاق الصغانيّ، ومحمد بن يحيى الذُّهْلي، وغيرهم. قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: سمعت منه أحاديث، لم يكن من أصحاب الحديث، كان مُغَفَّلًا جدًّا، وقال أبو زرعة: صدوقٌ صدوقٌ، وقال أبو حاتم: ليس بالمتين، يُكْتَب حديثه، وقال الآجريّ، عن أبي داود: قال ابن المبارك: أعرفه قديمًا، قال: وكان شريك إذا لم يحضر صلى مُحاضرٌ، وقال في موضع آخر، عن أبي داود: قال أبو سعيد الحداد: محاضر لا يُحسن أن يصدُق، فكيف يُحسن أن يكذب، كنا نُوَقِّفه على الخطأ في كتابه، فإذا بلغ ذلك الموضع أخطأ، قال الآجريّ: وكان إمام الحيّ، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وقال ابن عديّ: رَوَى عن الأعمش أحاديث صالحةً مستقيمةً، ولم أر في حديثه حديثًا منكرًا، فأذكرَه، إذا رَوَى عنه ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقةً صدوقًا ممتنعًا عن التحديث، ثم حَدَّث بعدُ، وقال ابن قانع: ثقةٌ، وقال مسلمة بن قاسم: ثقةٌ مشهورٌ، وكان على رأي أهل الكوفة في النبيذ، وذكره ابن حبان في «الثقات». قال ابن سعد: مات سنة ست ومائتين. روى له البخاريّ في التعليق ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، متابعةً. ٣ - (سَعْدُ بْنُ سَعِيدِ) بن قيس بن عمرو الأنصاريّ، أخو يحيى، صدوقٌ، سىّء الحفظ [٤]. رَوَى عن أنس، والسائب بن يزيد، وعمرة بنت عبد الرحمن، والقاسم بن محمد، وسعيد بن مُرْجانة، ومحمد بن إبراهيم التيميّ، وعُمَر بن كثير بن أفلح، وغيرهم. ورَوى عنه أخوه يحيى بن سعيد، وشعبة، والثوريّ، وسليمان بن بلال، وابن جريج، وعمرو بن الحارث، ومحمد بن عمرو بن علقمة، وابن المبارك، ومحاضر بن الموَرِّع، وغيرهم. قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: ضعيفٌ، وكذا قال ابن معين في رواية، وقال في رواية أخرى: صالحٌ، وقال النسائيّ: ليس بالقويّ، وقال ابن سعد: كان ثقةً، قليل الحديث، وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: سعد بن سعيد الأنصاريّ مؤدي، يعني أنه كان لا يحفظ، ويؤدي ما سمع، وقال ابن عديّ: له أحاديث صالحةٌ تقرُب من الاستقامة، ولا أرى بحديثه بأسًا بمقدار ما يرويه، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: كان يخطئ، ولم يَفْحُش خطؤه، فلذلك سلكناه مسلك العدول، وقال العجليّ، وابن عمار: ثقةٌ، وقال ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل»: ذكر أبي عن إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين، أنه قال: سعد بن سعيد الأنصاريّ مؤدي، قال أبو الحسن بن القطان الفاسيّ: اختُلِف في ضبط هذه اللفظة، فمنهم من يُخفِّفها؛ أي: هالك، ومنهم من يُشَدِّدها؛ أي: حَسَنُ الأداء، وقال الترمذيّ: تكلموا فيه من قبل حفظه. قال ابن سعد وخليفة بن خياط: توفي سنة ١٤١. قلت: وكذا أرّخه ابن حبان. أخرج له البخاري في التعاليق ومسلم والأربعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، هذا برقم (٧٥٨)، وحديث رقم (٧٨٣) و(٩١٨) وأعاده بعده، و(١١٤٠) و(١١٦٤) و(٢٠٤٠). ٤ - (ابْنُ مَرْجَانَةَ) هو: سعيد بن مرجانة، وهو سعيد بن عبد اللَّه القرشيّ العامريّ مولاهم، أبو عثمان الحجازيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٣]. رَوَى عن أبي هريرة، وابن عباس، وابن عمر. وروى عنه عليّ بن الحسين، وابناه عُمر بن عليّ، وأبو جعفر بن عليّ، وسعد بن سعيد الأنصاريّ، وواقد بن محمد بن زيد العُمريّ، وإسماعيل بن أبي حكيم، والزهريّ، وغيرهم. قال النسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن حبان في «الثقات»: كان من أفاضل أهل المدينة. قال يحيى بن بكير: مات سنة سبع وتسعين، وله (٧٧) سنةً، وكذا أرّخه ابن سعد، وقال: كان ثقةً، وله أحاديث. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود في «الناسخ والمنسوخ»، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٧٥٨)، وحديث رقم (١٥٠٩): «من أعتق رقبة مؤمنة. . .» الحديث، كرّره أربع مرّات. [تنبيه]: قال الحافظ -﵀- في «تهذيب التهذيب»: قال ابن حبان لَمّا ذكره في ثقات التابعين: يروي عن أبي هريرة -﵁-، مات سنة (٩٦)، وقال: مُرْجانة أمه، وأبوه عبد اللَّه، ثم غَفَل عن ذلك، وقال في أتباع التابعين: سعيد بن مُرجانة، يروي عن عليّ بن حسين، وعنه إسماعيل بن أبي حكيم، وأهل المدينة، مات سنة (١٣٠)، ومُرجانة أمه، وعبد اللَّه أبوه، ولم يسمع من أبي هريرة شيئًا، ويكفي من بيان تناقض هذا الكلام حكايته، ولولا أن بعض الناس اغتَرَّ بهذا ما حكيته، والذي في «الصحيحين» عكس ما قال، فإن فيهما من طريق عليّ بن الحسين، عن سعيد بن مُرجانة، عن أبي هريرة، وفيهما التصريح بسماعه من أبي هريرة، أما في البخاريّ فبلفظ: قال لي أبو هريرة، وأما في مسلم فبلفظ: سمعت هذا الحديث، فانطلقت به إلى عليّ بن الحسين، وفي «المسند»، و«مستخرج أبي نعيم» من طريق إسماعيل بن أبي حكيم، عن سعيد بن مُرجانة: سمعت أبا هريرة، وقال أبو مسعود في «الأطراف»: سعيد بن عبد اللَّه ابن مُرجانة، مَن قال: سعيد بن يسار، فقد أخطأ، ومُرجانة هي أمه. انتهى، وعلى هذا فيكتب ابن مُرجانة بالألف. انتهى كلام الحافظ -﵀- . و«أبو هريرة» -﵁- ذُكر قبله. وقوله: («يَنْزِلُ اللَّهُ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا) قال النوويُّ -﵀-: هكذا هو في جميع الأصول:»في السماء«، وهو صحيحٌ. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: الظاهر أن«في»هنا بمعنى«إلى»؛ لأن نزل يتعدّى بـ«إلى»، فتأمّل. وقوله: (لِشَطْرِ اللَّيْلِ، أَوْ لِثُلُثِ اللَّيْلِ الْآخِرِ) اللام بمعنى«في»، و«أو» للشكّ من الراوي؛ أي: في نصف الليل، أو ثلثه، وقد تقدّم وجه الجمع بين رواية ثلث الليل الماضية، ونصف الليل بالحمل على اختلاف الأوقات، فراجع ما تقدّم، وباللَّه تعالى التوفيق. وقوله: (مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟) قال القرطبيُّ -﵀-: أي: فأُجيبه، وهذا من اللَّه تعالى وعدٌ حقٌّ، وقولٌ صدقٌ: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١١١]، وإذا وقعت هذه الشروط من العبد على حقيقتها وكمالها، فلا بُدّ من المشروط، فإن تخلّف شيء من ذلك، فذلك لخلَلٍ في الشروط. انتهى . وقوله: (مَنْ يُقْرِضُ) بضمّ الياء، من الإقراض، والمراد به هنا عملُ الطاعة، سواءٌ فيه الصدقة، والصلاة، والصوم، والذكر، وغيرها من الطاعات، وسمّاه ﷾ قرضًا؛ ملاطفةً للعباد، وتحريضًا لهم على المبادرة إلى الطاعة، فإن القرض إنما يكون ممن يَعْرِفه المقترض، وبينه وبينه مُؤانسة ومحبة، فحين يتعرض للقرض يبادر المطلوب منه بإجابته؛ لفَرَحه بتأهيله للاقتراض منه، وإدلاله عليه، وذكره له. والمعنى: من يُعطي العبادة البدنيّة والماليّة على سبيل القرض، وأخذ العوض ، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: (غَيْرَ عَدِيمٍ) وفي الرواية التالية: «غير عَدُوم»، قال النوويُّ -﵀-: هكذا هو في الأصول في الرواية الأولى: «عَدِيم»، والثانية: «عَدُوم»، وقال أهل اللغة: يقال: أَعْدَم الرجلُ: إذا افتقر، فهو مُعْدِمٌ، وعَدِيمٌ، وعَدُومٌ. ومعنى «غير عديم»: أي: ربًّا غنيًّا، غير فقير عاجز عن العطاء. وقوله: (وَلَا ظَلُومٍ؟) بوزن فَعُول، بفتح أوله، وضمّ ثانيه، وهو من صيغ المبالغة، كما قال في «الخلاصة»: فَعَّالٌ أَوْ مِفْعَالٌ أَوْ فَعُولُ … فِي كَثْرَةٍ عَنْ فَاعِلٍ بَدِيلُ ولكن المبالغة ليست مرادة هنا، وإنما المراد أصل المعنى، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، يعني أنه لا يظلم من أقرضه بعدم وفاء دينه، أو بنقصه، أو بتأخير أدائه عن وقته، وإنما خصّ نفي هاتين الصفتين؛ لأنهما المانعان غالبًا عن الإقراض، فوصف اللَّه تعالى نفسه بنفي هذا المانع. وحاصل المعنى أن من يعمل خيرًا في الدنيا، يجد جزاءه كاملًا في الآخرة، فشبّه هذا المعنى بالإقراض. وفيه تحريض على عمل الطاعة، وإشارة إلى جزيل الثواب عليها . وقوله: (قَالَ مُسْلِم) يعني صاحب الكتاب (ابْنُ مَرْجَانَةَ. . . إلخ) بفتح الميم، وسكون الراء، كما تفيده عبارة «القاموس». وغرض المصنّف -﵀- بهذا بيان اسم ابن مَرْجانة، واسم والده، حيث يغلط بعضهم في اسم والده، قال في «تهذيب التهذيب»: وقال الذُّهْليّ: سعيد بن مَرْجانة، هو سعيد بن يَسَار، أبو الحباب، أبوه يسار، وأمه مَرْجانة، وتعقّبه، فقال: كذا قال، والصحيح أنهما اثنان. انتهى. وقال في ترجمة أبي الْحُباب: سعيد بن يسار، أبو الْحُباب المدنيّ، مولى ميمونة، وقيل: مولى شُقْران، أو مولى الحسن بن عليّ، وقيل: مولى بني النّجّار، والصحيح أنه غير سعيد بن مَرْجانة. انتهى . والحاصل أن ابن مَرْجانة غير سعيد بن يسار أبي الْحُبَاب، فإنه سعيد بن عبداللَّه، كما بيّنه مسلم هنا، فتبصّر. ثم وجدت الحافظ أبا بكر الخطيب البغداديُّ قد أجاد الكلام في هذا الموضوع في كتاب الممتع «موضح أوهام الجمع والتفريق» (١/ ٢٦٦ - ٢٦٩)، أحببت إيراد كلامه، وإن كان فيه طولٌ، إلا أنه مهمّ جدًّا، وهذا الشرح موضوع لاستيفاء الفوائد المهمة بقدر المستطاع، قال -﵀-: ذكرُ وَهَم لأبي عبد اللَّه محمد بن يحيى بن فارس الذُّهْليّ. أخبرني أبو القاسم عبد العزيز بن محمد بن الحسين بن الفضل القطان، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن بن العباس الذهبيّ، قال: سمعت عبد اللَّه بن محمد بن زياد يقول: سمعت محمد بن يحيى يقول: سعيد بن مَرْجانة، هو سعيد بن يسار، أبو الحباب، أبوه يسار، وأمه مَرْجانة. أخبرنا هبة اللَّه بن الحسن بن منصور الطبريّ، قال: قال محمد بن يحيى الذُّهليّ فيما أخبرنا عبيد اللَّه بن أحمد، عن أبي بكر النيسابوريّ، عنه: إن أبا الحباب سعيد بن يسار أبوه يسار، وأمه مَرْجانة. قال لنا هبة اللَّه: وهذا خطأ ظاهرٌ، سعيد بن يسار يتميز عن سعيد بن مَرْجانة بالكنية؛ لأن كنية سعيد بن يسار أبو الْحُبَاب، وكنية سعيد بن مَرْجانة أبو عثمان، ويتميز بالولاء؛ لأن سعيد بن يسار مولى أبي مُزَرِّد، وسعيد بن مَرْجانة مولى بني عامر بن لؤيّ، ويتميز بالأب؛ لأنه هو ابن عبد اللَّه، وأمه مَرجانة. قال الخطيب: وهذا الكلام صحيح، إلا قوله: مولى أبي مُزَرِّد، فإنه أخو أبي مُزَرِّد، واختلفوا في ولائه، ومما يتميز به سعيد بن يسار عن سعيد بن مَرجانة، ولم يذكره لنا هبة اللَّه تباين وفاتيهما، ومبلغ عمريهما، فإن سعيد بن مرجانة تقدمت وفاته على وفاة سعيد بن يسار بعشرين سنة، كما أخبرنا عليّ بن محمد بن عبد اللَّه المعدّل، أخبرنا الحسين بن صفوان البرذعيّ، حدّثنا عبد اللَّه بن محمد بن أبي الدنيا، حدّثنا محمد بن سعد، قال: سعيد بن مَرجانة يكنى أبا عثمان، مولًى لقريش، كان له انقطاع إلى عليّ بن حسين، وكان له فضل. تُوُفّي سنة سبع وتسعين، وله سبع وسبعون. وأخبرنا عليّ بن أحمد الرزاز، أخبرنا أبو عليّ محمد بن أحمد بن الحسن الصوّاف، حدّثنا بشر بن موسى الأسديّ، حدّثنا عمرو بن عليّ، قال: وموت سعيد بن مَرجانة، ويكنى أبا عثمان سنة ست وتسعين، وهو ابن سبع وسبعين، مولى لقريش. وأخبرنا عليّ بن محمد بن الحسن السِّمْسار، أخبرنا عبد اللَّه بن عثمان الصفّار، حدّثنا عبد الباقي بن قانع، أن سعيد بن مَرجانة، أبو عثمان، مولى قريش، تُوُفّي سنة سبع وتسعين. أخبرنا ابن الفضل، أخبرنا عليّ بن إبراهيم، حدّثنا أبو أحمد بن فارس، حدثنا البخاريّ، قال: سعيد بن مرجانة، هو ابن عبد اللَّه، ومرجانة أمه، صاحب عليّ بن حسين، مدنيّ، سمع أبا هريرة، سمع منه سعد بن سعيد، وواقد، ومحمد بن إبراهيم، نسبه ابن المبارك، ويقال: مولى بني عامر بن لؤيّ القرشيّ الحجازيّ، رَوَى عنه إسماعيل بن أبي حكيم، وعُمر بن عليّ بن حسين، ويقال: عن محاضر، قال: حدّثنا سعد، قال: حدّثنا سعيد بن أبي سعيد ابن مَرْجانة. قال الخطيب: أما حديث محاضر هذا، فرواه عنه محمد بن إسحاق الصغاني وهو من الأثبات الْحُفّاظ، وقال فيه: سعيد ابن مَرجانة، كقول الجماعة. أخبرنا أبو سعيد، محمد بن موسى الصيرفيّ، حدّثنا أبو العباس، محمد بن يعقوب الأصمّ، حدّثنا محمد بن إسحاق الصغاني، أخبرنا محاضر، وهو ابن الْمُوَرِّع، حدّثنا سعد بن سعيد، أخبرني سعيد بن مَرجانة، قال: سمعت أبا هريرة، يقول: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «ينزل اللَّه تعالى في السماء الدنيا لشطر الليل، أو لثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، أو يسألني فأعطيه، ثم يقول: من يُقْرِض غير عديم ولا ظلوم». وهكذا رواه سليمان بن بلال، عن سعد بن سعيد. أخبرناه أبو بكر أحمد بن محمد بن الصقر المقرئ، أخبرنا فاروق بن عبد الكبير بن عمر الخطابيّ بالبصرة، حدّثنا العباس بن الفضل الأسفاطيّ، حدّثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: حدّثنا سليمان بن بلال، عن سعد بن سعيد، قال: حدّثني سعيد ابن مَرجانة، عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: «إن اللَّه تعالى يَنزل إلى سماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل، أو نصف الليل، فيقول: من يدعوني فأجيبه، من يسألني فأعطيه، ثم يبسط يده، فيقول: من يُقْرِض غير عدوم ولا ظلوم». وأما ذكر مبلغ سِنّ أبي الْحُبَاب، سعيد بن يسار، ووقت وفاته، فأخبرنا عليّ بن محمد بن عبد اللَّه المعدّل، أخبرنا الحسين بن صفوان، حدّثنا ابن أبي الدنيا، حدّثنا محمد بن سعد، قال: سعيد بن يسار، أبو الحباب، مولى الحسن بن عليّ بن أبي طالب، مات سنة سبع عشرة ومائة. وأخبرنا الحسن بن أبي بكر، قال: كتب إليّ أبو بكر محمد بن إبراهيم بن عمران الجوريّ من شيراز، أن أحمد بن حمدان بن الحضر أخبرهم، قال: حدّثنا أبو العباس، أحمد بن يونس الضبيّ، قال: حدّثني أبو حسان الزياديّ، قال: سنة سبع عشرة ومائة فيها مات سعيد بن يسار، يُكنى أبا الحباب، مولى الحسين بن عليّ، وهو ابن ثمانين سنة. أخبرنا عليّ بن أحمد الرزاز، أخبرنا محمد بن أحمد بن الحسن، حدّثنا بشر بن موسى، حدّثنا عمرو بن عليّ، قال: ومات أبو الحباب، سعيد بن يسار، مولى الحسن بن عليّ سنة سبع عشرة، يعني ومائة. أخبرنا السِّمْسار، أخبرنا الصفّار، حدّثنا ابن قانع، أن أبا الحباب، سعيد بن يسار، مولى الحسين بن عليّ، مات في سنة سبع عشرة ومائة. أخبرنا ابن الفضل، أخبرنا عليّ بن إبراهيم، حدّثنا أبو أحمد بن فارس، حدثنا البخاريّ، قال: سعيد بن يسار، أبو الحباب، أخو أبي مُزَرِّد، مولى شُقْران، مولى رسول اللَّه -ﷺ-، ويقال: مولى الحسن بن عليّ، قال لي ابن يوسف: حدّثنا الليث، حدّثنا المقبريّ، عن سعيد بن يسار، أخي أبي مَرْثَد، قال البخاريّ: والصحيح أبي مُزَرّد . انتهى كلام الخطيب -﵀-، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم. والحديث بزيادة «من يُقْرِض. . . إلخ» من أفراد المصنّف -﵀-، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٧٧٦] (. . .) - (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْإَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ: «ثُمَّ يَبْسُطُ يَدَيْهِ ﵎، يَقُولُ: مَنْ يُقْرِضُ غَيْرَ عَدُومٍ، وَلَا ظَلُومٍ؟»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) السعديّ مولاهم، أبو جعفر، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٣) وله (٨٣) سنةً (م د س ق) تقدم في «الإيمان» ٢٩/ ٢٢٥. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريًّ الفقيه، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) عن (٧٢) سنة (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٠. ٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٤/ ١٦٠. و«سَعْد بن سعيد» ذُكر قبله. وقوله: (وَزَادَ. . . إلخ) الفاعل ضمير سليمان بن بلال. وقوله: (ثُمَّ يَبْسُطُ يَدَيْهِ ﵎) فيه إثبات صفة البسط للَّه ﷾ على ما يليق بجلاله، وأما قول النوويّ في «شرحه»: فيه إشارة إلى نشر رحمته، وكثرة عطائه، وإجابته، وإسباغ نعمته. انتهى، ففيه نظر لا يخفى؛ لأنه تأويل لمعنى بسط اليدين باللازم، وهو غير مقبول، بل الحقّ أن اللَّه تعالى يبسط يديه على ظاهره، كما يليق بجلاله، فنشر رحمته، وكثرة عطائه. . . إلخ من أثر بسطه ﷾، فتبصّر بالإنصاف، ولا تنس مذهب السلف الذي مضى تحقيقه قريبًا في هذه الصفات، فالزمه، فإنه الصراط المستقيم، اللهم اهدنا فيمن هديت آمين. [تنبيه]: رواية سليمان بن بلال، عن سعد بن سعيد هذه ساقها الحافظ أبو نعيم -﵀- في «مستخرجه» (٢/ ٣٥٣) فقال: (١٧٢٧) حدّثنا محمد بن إبراهيم، ثنا عليّ بن أحمد بن سليمان علان، ثنا هارون بن سعيد الأيليّ، ثنا ابن وهب، حدّثني سليمان بن بلال، عن سعد بن سعيد، أخبرني سعيد بن مَرْجانة، عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: «إن اللَّه تعالى يَنزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل، أو نصف الليل، فيقول: من يستغفرني فأغفرُ له، من يدعوني فأستجيبُ له، من يسألني فأعطيه، ثم يبسط يديه، فيقول: من يُقْرِضُ غير عديم ، ولا ظلوم». انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٧٧٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، وَأَبُو بَكْرِ ابْنَا أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَاللَفْظُ لِابْنَيْ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْأَغَرِّ أَبِي مُسْلِمٍ، يَرْوِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ، نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ؟ هَلْ مِنْ سَائِلٍ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ»). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (عُثْمَانُ بْنَ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب. ٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنَ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل بابين. ٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) ابن راهويه المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ إمام [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٨. ٤ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم قبل باب. ٥ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر بن عبد اللَّه السَّلَميّ، أبو عَتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٢٩٦. ٦ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد اللَّه بن عُبيد السَّبيعيّ الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ مكثرٌ عابدٌ مدلّسٌ، اختلط بآخره [٣] (ت ١٢٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١١. ٧ - (الْأَغَرُّ أَبُو مُسْلِمٍ) المدنيّ، نزيل الكوفة، ثقة [٣]. رَوَى عن أبي هريرة، وأبي سعيد، وكانا اشتركا في عتقه. ورَوَى عنه عليّ بن الأقمر، وأبو إسحاق السَّبِيعيّ، وهلال بن يساف، وطلحة بن مُصَرِّف، وغيرهم. وزعم قوم أنه أبو عبد اللَّه سلمان الأغر، وهو وَهَمٌ، وممن زعم ذلك عبد الغنيّ بن سعيد، وسبقه الطبرانيّ، وزاد الوهم وَهَمًا، فزعم أن اسم الأغر مسلم، وكنيته أبو عبد اللَّه، فأخطأ؛ فإن الأغر الذي يُكنى أبا عبد اللَّه، اسمه سلمان، لا مسلم، وتفرد بالرواية عنه أهل المدينة، وأما هذا فإنما رَوَى عنه أهل الكوفة، وكأنه اشتبه على الطبراني بمسلم المدنيّ شيخٍ للشعبيّ، فإنه يروي أيضًا عن أبي هريرة، لكنه لا يلقب بالأغرّ، وأما أبو مسلم هذا فالأغرّ اسمه، لا لقبه. وقال العجليّ: تابعيّ ثقةٌ، وقال البزار: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وفي «تاريخ البخاري»: ويقال عن ابن أبجر، عن أبي إسحاق، عن أَغَرّ بن سُليك، عن أبي سعيد، وأبي هريرة، وكانا اشتركا في عتقه، وجزم عبد الغنيّ بوهم ابن أبجر في تسمية والد الأغرّ هذا، وقال: إن الأغرّ بن سُليك آخر. انتهى . أخرج له البخاريّ في «الأدب المفرد»، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا برقم (٧٥٨) وحديث (٢٦٢٠): «العزّ إزاره» والكبرياء رداؤه. . . «، و(٢٧٠٠):»لا يقعد قوم يذكرون اللَّه ﷿. . . «، و(٢٨٣٧):»ينادي مناد إن لكم أن تصحّوا. . . «. [تنبيه]: وقع في«شرح النوويّ» هنا غلط، وهو أنه قال: الأغرّ لقبٌ، واسمه سلمان. انتهى، فقد اشتبه عليه بسلمان الأغرّ الذي تقدّم في أول حديث هذا الباب، وهو أبو عبد اللَّه الأغرّ، فتنبّه، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ٨ - (أَبُو سَعِيدٍ) الخدريّ -﵁- تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٩ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- ذُكر في الحديث الماضي. وقوله: (إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ) أي: يؤخّر النزول إلى السماء الدنيا. وقوله: (يَنْفَجِرَ الْفَجْرَ) وفي نسخة: «حتى يتفجّر»؛ أي: حتى ينشقّ، ويطلع، ويظهر الصبح، وهو غاية للقول، يعني أنه لا يزال يقول: «هل من مستغفر إلخ» إلى أن يضيء الفجر. والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف -﵀-، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٧٧٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ مَنْصُورٍ أَتَمُّ وَأَكْثَرُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: كلّهم تقدّم قبل ثلاثة أبواب، غير أبي إسحاق، ففي السند الماضي. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي: بإسناد أبي إسحاق الماضي، وهو: عن الأغرّ أبي مسلم، عن أبي سعيد، وأبي هريرة -﵄-.
مصادر المؤلف (٢٩)

١. وفي نسخة: «يتنزّل».

٢. «الفتح» ٣/ ٥٤٨ - ٥٤٩.

٣. «الفتح» ٣/ ٣٨.

٤. «الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان» ٣/ ٢٠٢.

٥. «عمدة القاري» ٧/ ٢٠١.

٦. راجع: «عمدة القاري» ٧/ ٢٠١.

٧. «الفتح» ٣/ ٣٨.

٨. هكذا النسخة، والظاهر أنه مصحّف من «إسحاق بن منصور»، فليُحرّر.

٩. راجع: «التمهيد» ٧/ ١٤١ - ١٥٢.

١٠. «الجامع» (ص ١٦٦ - ١٦٧) نسخة تحقيق الشيخ مشهور حسن.

١١. «شرح السنّة» ١٥/ ٢٥٧ - ٢٥٨.

١٢. «شرح النوويّ» ٦/ ٣٧.

١٣. «الفتح» ٣/ ٣٨.

١٤. «إكمال المعلم» ٣/ ١١١.

١٥. «شرح النوويّ» ٦/ ٣٧.

١٦. وفي نسخة: «حدّثنا».

١٧. قال في «تهذيب التهذيب» (١٠/ ٤٧): وذكره البخاريّ في «الحجّ»، وفي حديث آخر في «البيوع».

١٨. «تهذيب التهذيب» ٤/ ٦٩.

١٩. «المفهم» ٢/ ٣٨٧.

٢٠. راجع: «المرعاة» ٤/ ٢٢١.

٢١. راجع: «المرعاة» ٤/ ٢٢١.

٢٢. «تهذيب التهذيب» ٢/ ٥١.

٢٣. «موضح أوهام الجمع والتفريق» ١/ ٢٦٦ - ٢٦٩.

٢٤. وفي نسخة: «وحدّثنا».

٢٥. وقع في النسخة «سعيد»، وهو غلط، فتنبّه.

٢٦. هكذا نسخة «المستخرج» بلفظ «عديم» بالياء، كالرواية الأولى، وقد نبّه المصنّف على أن رواية سليمان بلفظ «عدُوم»، وقد تقدّم عن الخطيب البغداديّ أنه ساق رواية سليمان بلفظ «عدوم»، كما قال المصنّف -﵀-، والظاهر أن نسخة «المستخرج» وقع فيها تصحيف، فإن النسخة التي عندي من أردإ النسخ، مملوءة بالأخطاء والتصحيفات، واللَّه تعالى أعلم.

٢٧. وفي نسخة: «يتفجّر».

٢٨. «تهذيب التهذيب» ١/ ١٨٥.

٢٩. وفي نسخة: «وحدّثنا محمد».