HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٧٥٩

حدثنا يحيى بن يحيى. قال: قرأت على مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عبد الرحمن، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: «من قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تقدم من ذنبه».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص176
ج ١ ص ٥٢٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٨ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٥ ص٦٥٥
[تنبيه]: رواية شعبة، عن أبي إسحاق هذه ساقها الإمام ابن خزيمة -﵀- في «صحيحه» (٢/ ١٨٢) فقال: (١١٤٦) نا محمد بن بشار، نا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن الأغرّ، قال: أشهد على أبي هريرة، وأبي سعيد الخدريّ، أنهما شهدا على رسول اللَّه -ﷺ- قال: «إن اللَّه يُمْهِل حتى يذهب ثلث الليل، فيَنْزِل، فيقول: هل من سائل، هل من تائب، هل من مستغفر من ذنب؟ فقال له رجل: حتى مطلع الفجر؟ قال: نعم». انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢٧) - (بَابُ التَّرْغِيبِ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ، ولَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَبَيَانِ دَلَيلِ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ) قال الجامع عفا اللَّه عنه: قيام رمضان يُسمّى بالتراويح، قال الإمام البخاريُّ في «صحيحه»: «كتاب صلاة التراويح». قال في «الفتح»: والتراويح: جمع ترويحة، وهي المرة الواحدة من الراحة، كتسليمة من السلام، سُمِّيت الصلاة في الجماعة في ليالي رمضان التراويح؛ لأنهم أَوّلَ ما اجتمعوا عليها، كانوا يستريحون بين كل تسليمتين، وقد عَقَدَ محمد بن نصر في «قيام الليل» بابين لمن استَحَبّ التطوع لنفسه بين كل ترويحتين، ولمن كره ذلك، وحَكَى فيه عن يحيى بن بكير، عن الليث، إنهم كانوا يستريحون قدر ما يصلي الرجل كذا كذا ركعة. انتهى . وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٧٧٩] (٧٥٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١٣. والباقون تقدّموا في الباب الماضي، وكذا لطائف الإسناد. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «مَنْ) شرطيّة مبتدأ (قَامَ رَمَضَانَ) أي: قام لياليه مُصَلِّيًا، والمراد من قيام الليل ما يَحصُل به مطلق القيام، وذكر النوويّ أن المراد بقيام رمضان صلاة التراويح، يعني أنه يحصل بها المطلوب من القيام، لا أن قيام رمضان لا يكون إلا بها، وأغرب الكرمانيّ، فقال: اتفقوا على أن المراد بقيام رمضان صلاة التراويح، قاله في»الفتح«. (إِيمَانًا) أي: تصديقًا بوعد اللَّه بالثواب عليه (وَاحْتِسَابًا) أي: طلبًا لوجه اللَّه تعالى وثوابه، لا لقصدٍ آخر، من رياء، أو نحوه، وهما منصوبان على أنهما هما حالان متداخلتان، أو مترادفتان على تأويل مؤمنًا ومحتسبًا، وقيل: إنهما منصوبان على التمييز، أو على المفعوليّة من أجله. وقال الحافظ وليّ الدين -﵀-: قوله:«إيمانًا»: أي: تصديقًا بأنه حقّ وطاعةٌ، وقوله:«واحتسابًا»: أي: طلبًا لمرضاة اللَّه تعالى وثوابه، لا بقصد رؤية الناس، ولا غير ذلك، مما يخالف الإخلاص، والاحتسابُ من الْحَسْب، وهو العدُّ، كالاعتداد من العدّ، وإنما قيل لمن ينوي بعمله وجه اللَّه تعالى: احتَسَبَهُ؛ لأن له حينئذ أن يَعْتَدَّ عمله، فجُعِل في حال مباشرة الفعل كأنه مُعتدّ به. انتهى . وقال ابن الأثير -﵀-: الاحتساب من الْحَسْبِ، كالاعتداد من العدّ، وإنما قيل لمن ينوي بعمله وجه اللَّه تعالى: احتسبه؛ لأن له حينئذ أن يعتدّ عمله، فجُعِل في حال مباشرة الفعل كأنه معتدّ به، والحِسْبة اسم من الاحتساب، كالعدّة من الاعتداد، والاحتسابُ في الأعمال الصالحة، وعند المكروهات هو الْبِدَار إلى طلب الأجر، وتحصيله بالتسليم والصبر، أو باستعمال أنواع البرّ، والقيام بها على الوجه المرسوم فيها؛ طلبًا للثواب المرجوّ منها. انتهى . (غُفِرَ لَهُ) بالبناء للمفعول، جواب «من»، وهو: من الغَفْر، وهو الستر، ومنه الْمِغْفر وهو الْخُوذة ، وفي «العباب»: الغَفْر: التغطية، والغَفْر، والغُفْران، والمغفرة واحد، ومغفرة اللَّه تعالى لعبده إلباسه إياه العفوَ، وستره ذنوبه . قال في «الفتح»: وظاهر الحديث يتناول الصغائر والكبائر، وبه جزم ابن المنذر، وقال النوويّ -﵀-: المعروف أنه يختص بالصغائر، وبه جزم إمام الحرمين، وعزاه عياض لأهل السنة، قال بعضهم: ويجوز أن يُخَفَّف من الكبائر إذا لم يصادف صغيرة. وقال الحافظ وليّ الدين -﵀-: قوله: «غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه» ظاهره يتناول الصغائر والكبائر، وإلى ذلك جنح ابن المنذر، فقال: هو قولٌ عامٌّ يُرْجَى لمن قامها إيمانًا واحتسابًا أن يغفر له جميع ذنوبه، صغيرُها وكبيرُها. وقال النوويّ في «شرح المهذَّب»: قال إمام الحرمين: كلُّ ما يَرِدُ في الأخبار من تكفير الذنوب، فهو عندي محمول على الصغائر، دون الموبقات، قال النوويّ -﵀-: وقد ثبت في «الصحيح» ما يؤيده. فمن ذلك حديث عثمان -﵁- قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: «ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبةٌ، فيُحْسِن وضوءها، وخشوعها، وركوعها، إلا كانت له كفّارةً لما قبلها، ما لم تؤت كبيرة، وذلك الدهرَ كله»، رواه مسلم. وعن أبي هريرة -﵁- أن النبيّ -ﷺ- قال: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، كفارةٌ لما بينها من الذنوب، إذا اجتُنِبت الكبائر»، رواه مسلم. قال النوويُّ -﵀-: وفي معنى هذه الأحاديث تأويلان: [أحدهما]: تكفّر الصغائر بشرط ألا يكون هناك كبائر، فإن كانت كبائر، لم يُكَفَّر شيء، لا الكبائر، ولا الصغائر. [والثاني]: وهو الأصح المختار أنه يُكَفَّر كل الذنوب الصغائر، وتقديره: تغفر ذنوبه كلُّها إلا الكبائر، قال القاضي عياض -﵀-: هذا المذكور في الأحاديث من غفران الصغائر دون الكبائر، هو مذهب أهل السنة، وأن الكبائر إنما تُكَفِّرها التوبةُ أو رحمةُ اللَّه تعالى. انتهى . (مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»)«ما»نائب فاعل لـ«غُفِرَ»، و«من ذنبه»بيان لـ«ما». قال الحافظ -﵀-: زاد قتيبة، عن سفيان، عند النسائيّ:«وما تأخر»، وكذا زادها حامد بن يحيى، عند قاسم بن أصبغ، والحسين بن الحسن المروزيّ، في«كتاب الصيام»له، وهشام بن عمار في الجزء الثاني عشر من«فوائده»، ويوسف بن يعقوب النجاحي في«فوائده»، كلهم عن ابن عيينة، ووردت هذه الزيادة من طريق أبي سلمة، من وجه آخر، أخرجها أحمد من طريق حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وعن ثابت، عن الحسن، كلاهما عن النبيّ -ﷺ-، ووقعت هذه الزيادة من رواية مالك نفسِهِ، أخرجها أبو عبد اللَّه الجرجانيّ في«أماليه»من طريق بحر بن نصر، عن ابن وهب، عن مالك، ويونس، عن الزهريّ، ولم يتابع بحر بن نصر على ذلك أحد من أصحاب ابن وهب، ولا من أصحاب مالك، ولا يونس، سوى ما تقدّمناه، وقد ورد في غفران ما تقدم وما تأخر من الذنوب عدةُ أحاديث، جمعتها في كتاب مفرد. وقد استُشْكِلت هذه الزيادة من حيث إن المغفرة تستدعي سبق شيء يُغْفَر، والمتأخر من الذنوب لم يأت، فكيف يُغفَر؟. والجواب عن ذلك يأتي في قوله -ﷺ- حكايةً عن اللَّه ﷿ أنه قال في أهل بدر:«اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم». ومُحَصَّل الجواب أنه قيل: إنه كناية عن حفظهم من الكبائر، فلا تقع منهم كبيرة بعد ذلك، وقيل: إن معناه أن ذنوبهم تقع مغفورةً، وبهذا أجاب جماعةٌ، منهم الماورديّ في الكلام على حديث صيام عرفة، وأنه يُكَفِّر سنتين: سنةً ماضيةً، وسنة آتيةً. انتهى كلام الحافظ -﵀-. وقال وليّ الدين -﵀- في«شرح التقريب»ما نصّه: في«مسند أحمد»، و«معجم الطبرانيّ الكبير»، عن عبادة بن الصامت -﵁- أنه سأل رسول اللَّه -ﷺ- عن ليلة القدر، فقال رسول اللَّه -ﷺ-:«في رمضان»، فذكر الحديث، وفيه:«فمن قامها ابتغاءها إيمانًا واحتسابًا، ثم وُفِّقت له، غُفِر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر»، وفيه عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، وحديثه حسن. وفيه زيادة:«وما تأخر»، وقد يُستشكَل معنى مغفرة ما تأخر من الذنوب، وهو كقوله -ﷺ- في حديث أبي قتادة -﵁-:«صيام عرفة أحتسب على اللَّه أن يكفّر السنة التي قبله، والسنة التي بعده»، فتكفير السنة التي بعده كمغفرة المتأخر من الذنوب، وقد قال السرخسي من أصحابنا الشافعية: اختَلَف العلماء في معنى تكفير السنة المستقبلة، فقال بعضهم: إذا ارتكب فيها معصية جَعَل اللَّه تعالى صوم عرفة الماضي كفارةً لها، كما جعله مُكَفِّرًا لما قبله في السنة الماضية، وقال بعضهم: معناه أن اللَّه تعالى يعصمه في السنة المستقبلة عن ارتكاب ما يُحْوِجه إلى كفارة، وأطلق الماوردي في«الحاوي»في السنتين معًا تأويلين: أحدهما: أن اللَّه تعالى يغفر له ذنوب سنتين. والثاني: أنه يعصمه في هاتين السنتين، فلا يَعْصي فيهما. وقال صاحب«العدّة»: في تكفير السنة الأخرى يَحْتَمِل معنيين: أحدهما: المراد السنة التي قبل هذه، فيكون معناه أنه يكفّر سنتين ماضيتين. والثاني: أنه أراد سنةً ماضيةً، وسنةً مستقبلةً، قال: وهذا لا يوجد مثله في شيء من العبادات أنه يكفّر الزمان المستقبل، وإنما ذلك خاص برسول اللَّه -ﷺ- غَفَر اللَّه له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر بنص القرآن العزيز، ذكر ذلك كله النوويّ في«شرح المهذب»، وهذا يأتي مثله هنا، فيكون مغفرةُ ما تأخر من الذنوب إما أن يراد بها العصمة من الذنوب، حتى لا يقع فيها، وإما أن يراد به تكفيرها، ولو وقع فيها، ويكون المكفَّر متقدمًا على المكفَّر، واللَّه أعلم. انتهى كلام وليّ الدين -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: الذي يظهر لي أن ما دلّ عليه ظاهر النصّ هو الأقرب لحمل المراد من الحديث عليه، وهو أن التكفير معناه في اللغة المحو، قال الفيّوميُّ -﵀-:«وكفّر اللَّه عنه الذنبَ: محاه، ومنه الكفّارة؛ لأنها تكفّر الذنب». انتهى . فيكون المراد بتكفير الذنب المستقبل أنه يُمْحَى إذا وقع، ولكن لا يُستبعد أن يَمُنّ اللَّه تعالى على عبده إذا صام يوم عرفة، أو قام رمضان، أو ليلة القدر، أو نحو ذلك، مما فيه تكفير ما تأخّر من الذنوب بأن يعصمه، ويحفظه من الوقوع في الذنوب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٧/ ١٧٧٩ و١٧٨٠] (٧٥٩)، و(البخاريّ) في «كتاب صلاة التراويح» (٢٠٠٩)، و(أبو داود) في «الصلاة» (١٣٧١)، و(الترمذيّ) في «الصوم» (٨٠٨)، و(النسائيّ) في «قيام الليل» (٣/ ٢٠١ و٢٠٢) و«الصيام» (٤/ ١٥٦) و«الإيمان» (٨/ ١١٧ و١١٨)، و(ابن ماجه) في «إقامة الصلاة» (١٣٢٦)، و(مالك) في «الموطّأ» (١/ ١١٣)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٧٧١٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٨١ و٢٨٩)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ٢٦)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٢٠٢ و٢٢٠٣)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٥٤٦)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣٠٣٨ و٣٠٣٩ و٣٠٤٠)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٧٣٠ و١٧٣١ و١٧٣٢ و١٧٣٣)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٢/ ٤٩١ و٤٩٢)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٩٨٨ و١٧٠٧)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): الحثّ على قيام رمضان، وبيان عظم ثوابه. ٢ - (ومنها): بيان فضل شهر رمضان وعظم قدر ما منّ اللَّه -﷾- على هذه الأمة بغفران ما تقدّم من ذنوبهم إذا قاموه إيمانًا واحتسابًا. ٣ - (ومنها): بيان وجوب التصديق بالعمل الذي يعمله الشخص، وهذا معنى قوله: «إيمانًا»؛ أي: مصدّقًا بكونه طاعةً للَّه تعالى، فلا ينفع العمل بلا تصديق. ٤ - (ومنها): الحثّ على إخلاص العمل للَّه -﷾-، وأنه لا ينفع إلا إذا ابتُغي به وجهه، وطُلب الأجر منه وحده، وهذا معنى قوله: «واحتسابًا». ٥ - (ومنها): بيان أن بعض الأعمال تكفّر الذنوب الماضية كلّها، أما الصغائر فلا خلاف فيها، وأما الكبائر، فيُرجى من اللَّه عفوها، بل إذا لم يكن للعبد إلا الكبائر، فلا بدّ من تخفيفها، واللَّه ﷿ ذو الفضل العظيم. ٦ - (ومنها): بيان جواز إطلاق لفظ «رمضان» من غير إضافة «شهر» إليه؛ خلافًا لمن منع ذلك، حتى يقال: شهر رمضان، قال: لأن «رمضان» اسم من أسماء اللَّه تعالى، وهذا باطلٌ؛ لأن ذلك لم يصحّ عن النبيّ -ﷺ-، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم صلاة التراويح: قال النوويُّ -﵀-: اتفق العلماء على استحباب صلاة التراويح، واختلفوا في أن الأفضل صلاتها منفردًا في بيته، أم في جماعة في المسجد؟ فقال الشافعيّ، وجمهور أصحابه، وأبو حنيفة، وأحمد، وبعض المالكية، وغيرهم الأفضل صلاتها جماعة، كما فعله عمر بن الخطاب والصحابة -﵃-، واستمر عمل المسلمين عليه؛ لأنه من الشعائر الظاهرة، فأشبه صلاة العيد. وقال مالك، وأبو يوسف، وبعض الشافعية، وغيرهم: الأفضل فُرَادى في البيت؛ لقوله -ﷺ-: «أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة». انتهى . وقال في «الفتح»: وبالغ الطحاويّ، فقال: إن صلاة التراويح في الجماعة واجبة على الكفاية، وقال ابن بطال: قيام رمضان سنةٌ؛ لأن عمر -﵁- إنما أخذه من فعل النبيّ -ﷺ-، وإنما تركه النبيّ -ﷺ- خشيةَ الافتراض، وعند الشافعية في أصل المسألة ثلاثة أوجه: ثالثها: من كان يحفظ القرآن، ولا يخاف من الكسل، ولا تختلّ الجماعة في المسجد بتخلّفه، فصلاته في الجماعة والبيت سواءٌ، فمن فَقَدَ بعض ذلك فصلاته في الجماعة أفضل. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي الأرجح القول بأفضليّة التراويح في البيت، كسائر النوافل؛ لأمره -ﷺ- بذلك، حيث قال: «فصلّوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة»، متّفقٌ عليه، وهذا قاله في صلاة التراويح الذي سيأتي في حديث عائشة -﵂- المذكور في الباب. هذا كلّه في حقّ من يحفظ القرآن، ولا يخاف من الكسل، ولا يغلبه النوم لو صلّى في بيته، وأما من كان يخشى أن لا يقوم في البيت، بأن يغلبه النوم، أو يحصل له تشويش من أهل بيته، أو نحو ذلك مما يصدّه عن قيام الليل، فالأفضل في حقّه أن يصلي في المسجد، وعلى هذا يدلّ فعل عمر -﵁-، فإنه لَمّا جمع الناس في المسجد على إمام واحد، لم يكن يصلي معهم، بل قال: نعم البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، يريد آخر الليل، رواه البخاريّ. والحاصل أن صلاة التطوّع في البيت أفضل، سواء كان التراويح، أم غيره لمن كان نشطًا، ولا يمنعه منه مانع، وأما من يخشى أن يفوته بسبب من الأسباب، فصلاته مع الجماعة خير له، وأما القول بوجوب صلاة التراويح جماعة، كما تقدّم عن الطحاوي، فبطلانه واضح، وكذا القول بأفضليّته في المسجد مطلقًا ليس بصحيح؛ لما ذكرته، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في عدد صلاة التراويح: قال القرطبيُّ -﵀-: اختُلِف في المختار من عدد القيام، فعند مالك أن المختار من ذلك ستّ وثلاثون؛ لأن ذلك عَمَلُ أهل المدينة المتّصل ، وقد قال نافعٌ: لم أُدرك الناس إلا وهم يقومون بتسع وثلاثين ركعة، يوترون منها بثلاث، وقال الشافعيّ: عشرون ركعةً، وقال كثير من أهل العلم: إحدى عشرة ركعةً، أخذًا بحديث عائشة -﵂- المتقدّم. انتهى . وقال في «الفتح» ما حاصله: اختُلِف في عدد الركعات التي كان أُبيّ بن كعب -﵁- يصليها بالناس لَمّا أمره عمر -﵁-، ففي «الموطأ» عن محمد بن يوسف، عن السائب بن يزيد، أنها إحدى عشرة، ورواه سعيد بن منصور من وجه آخر، وزاد فيه: «وكانوا يقرؤون بالمائتين، ويقومون على العِصِيّ من طول القيام»، ورواه محمد بن نصر المروزيّ، من طريق محمد بن إسحاق، عن محمد بن يوسف، فقال: «ثلاث عشرة»، ورواه عبد الرزاق، من وجه آخر، عن محمد بن يوسف، فقال: «إحدى وعشرين»، ورَوَى مالك، من طريق يزيد بن خُصَيفة، عن السائب بن يزيد: «عشرين ركعةً»، وهذا محمول على غير الوتر، وعن يزيد بن رُومان قال: كان الناس يقومون في زمان عمر بثلاث وعشرين، ورَوَى محمد بن نصر، من طريق عطاء قال: أدركتهم في رمضان يصلون عشرين ركعة، وثلاث ركعات الوتر. والجمع بين هذه الروايات ممكن باختلاف الأحوال، ويَحْتَمِل أن ذلك الاختلاف بحسب تطويل القراءة وتخفيفها، فحيث يُطيل القراءة تَقِلّ الركعات وبالعكس، وبذلك جزم الداوديّ وغيره، والعدد الأول موافقٌ لحديث عائشة -﵂-: «ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعةً»، والثاني قريب منه، والاختلاف فيما زاد عن العشرين راجع إلى الاختلاف في الوتر، وكأنه كان تارةً يوتر بواحدة، وتارة بثلاث. ورَوَى محمد بن نصر، من طريق داود بن قيس قال: أدركت الناس في إمارة أبان بن عثمان، وعمر بن عبد العزيز، يعني بالمدينة، يقومون بست وثلاثين ركعة، ويوترون بثلاث، وقال مالك: هو الأمر القديم عندنا، وعن الزعفرانيّ، عن الشافعيّ: رأيت الناس يقومون بالمدينة بتسع وثلاثين، وبمكة بثلاث وعشرين، وليس في شيء من ذلك ضيق، وعنه قال: إن أطالوا القيام، وأقلُّوا السجود فحسن، وإن أكثروا السجود، وأخفُّوا القراءة فحسن، والأول أحب إليّ. وقال الترمذيّ: أكثر ما قيل فيه أنها تُصَلَّى إحدى وأربعين ركعةً، يعني بالوتر، كذا قال، وقد نَقَل ابنُ عبد البر، عن الأسود بن يزيد: تُصَلَّى أربعين، ويوتر بسبع، وقيل: ثمان وثلاثين، ذكره محمد بن نصر، عن ابن أيمن، عن مالك، وهذا يمكن ردُّه إلى الأول بانضمام ثلاث الوتر، لكن صرَّح في روايته بأنه يوتر بواحدة، فتكون أربعين إلا واحدة، قال مالك: وعلى هذا العمل منذ بضع ومائة سنة، وعن مالك: ستًا وأربعين، وثلاث الوتر، وهذا هو المشهور عنه، وقد رواه ابن وهب عن العُمَريّ، عن نافع، قال: لم أدرك الناس إلا وهم يصلون تسعًا وثلاثين، يوترون منها بثلاث، وعن زُرارة بن أوفى أنه كان يصلي بهم بالبصرة أربعًا وثلاثين، ويوتر، وعن سعيد بن جبير: أربعًا وعشرين، وقيل: ست عشرة، غير الوتر، رُوي عن أبي مِجْلَز عند محمد بن نصر، وأخرج من طريق محمد بن إسحاق: حدّثني محمد بن يوسف، عن جدّه السائب بن يزيد، قال: كنا نصلي زمن عمر في رمضان ثلاث عشرة، قال ابن إسحاق: وهذا أثبت ما سمعت في ذلك، وهو موافقٌ لحديث عائشة -﵂- في صلاة النبيّ -ﷺ- من الليل، واللَّه أعلم. انتهى . وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة -﵀- في «الفتاوى الكبرى»: قد ثبت أن أُبيّ بن كعب كان يقوم بالناس عشرين ركعة، في قيام رمضان، ويوتر بثلاث، فرأى كثير من العلماء أن ذلك هو السنة؛ لأنه أقام بين المهاجرين والأنصار، ولم ينكره منكرٌ، واستَحَبّ آخرون تسعة وثلاثين ركعةً؛ بناءً على أنه عمل أهل المدينة القديم، وقال طائفة: قد ثبت في «الصحيح» عن عائشة -﵂- أن النبيّ -ﷺ- لم يكن يزيد في رمضان ولا غيره على ثلاث عشرة ركعة، واضطرب قوم في هذا الأصل؛ لِمَا ظنوه من معارضة الحديث الصحيح لما ثبت من سنة الخلفاء الراشدين، وعمل المسلمين، والصواب أن ذلك جميعه حسنٌ، كما قد نَصّ على ذلك الإمام أحمد -﵀-، وأنه لا يتوقت في قيام رمضان عدد، فإن النبيّ -ﷺ- لم يوقت فيها عددًا، وحينئذ فيكون تكثير الركعات وتقليلها بحسب طول القيام وقصره، فإن النبيّ -ﷺ- كان يطيل القيام بالليل، حتى قد ثبت عنه من حديث حذيفة -﵁- أنه كان يقرأ في الركعة بـ «البقرة»، و«النساء»، و«آل عمران»، فكان طول القيام يغني عن تكثير الركعات، وأُبي بن كعب لَمّا قام بهم، وهم جماعة واحدة، لم يمكن أن يطيل بهم القيام، فكَثَّر الركعات؛ ليكون ذلك عوضًا عن طول القيام، وجعلوا ذلك ضعف عدد ركعاته، فإنه كان يقوم بالليل إحدى عشرة ركعةً، أو ثلاث عشرة، ثم بعد ذلك كان الناس بالمدينة ضَعُفوا عن طول القيام، فكَثَّروا الركعات حتى بلغت تسعًا وثلاثين. انتهى كلامه -﵀- . وقال -﵀- في موضع آخر من «الفتاوى» أيضًا: وكان النبيّ -ﷺ- قيامه بالليل هو وِتْرَه، يصلي بالليل في رمضان وغير رمضان إحدى عشرة ركعة، أو ثلاث عشرة ركعةً، لكن كان يصليها طوالًا، فلما كان ذلك يشق على الناس، قام بهم أُبي بن كعب في زمن عمر بن الخطاب عشرين ركعة، يوتر بعدها، ويخفف فيها القيام، فكان تضعيف العدد عوضًا عن طول القيام، وكان بعض السلف يقوم أربعين ركعة، فيكون قيامها أخفّ، ويوتر بعدها بثلاث، وكان بعضهم يقوم بست وثلاثين ركعةً، يوتر بعدها. انتهى كلام شيخ الإسلام -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما سبق أن الحقّ أنه لا يتعيّن في قيام رمضان عدد معينّ من الركعات، ولا من القراءة، وإنما ذلك بحسب أحوال الناس، فإذا كان لهم نشاطٌ على أن يصلّوا صلاة النبيّ -ﷺ- إحدى عشرة ركعة بطولها، فهو الأحسن، وإن ضعفوا عن ذلك، فكثّروا الركعات عوضًا عن تطويل القراءة، فلا بأس، سواء صلّوا عشرين، أو أقلّ، أو أكثر، وأما التزام عشرين ركعةً، بحيث لا يزيد، ولا ينقص، فمما لا دليل عليه، بل هو من اعتقاد العوامّ الذين لا دراية لهم بالسنّة، فلا تغترّ بهم، فالشأن في الأدلّة، لا فيما رآه الجِلّة. قال العلامة الشوكانيُّ -﵀-: والحاصل أن الذي دلّت عليه الأحاديث هو مشروعيّة القيام في رمضان، والصلاة فيه جماعةً وفُرادى، فقصر الصلاة المسمّاة بالتراويح على عدد معيّن، وتخصيصها بقراءة مخصوصة لم ترد به سنة. انتهى، وهو تحقيق نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): قال الحافظ وليّ الدين -﵀-: ليس المراد بقيام رمضان قيام جميع ليله، بل يحصل ذلك بقيام يسير من الليل، كما في مطلق التهجد، وبصلاة التراويح وراء الإمام، كالمعتاد في ذلك، وبصلاة العشاء والصبح في جماعة؛ لحديث عثمان بن عفان -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «من صلى العشاء في جماعة، فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة، فكأنما صلى الليل كله»، رواه مسلم في «صحيحه» بهذا اللفظ، وأبو داود بلفظ: «من صلى العشاء في جماعة، كان كقيام نصف ليلة، ومن صلى العشاء والفجر في جماعة، كان كقيام ليلة»، وكذا لفظ الترمذيّ: «ومن صلى العشاء والفجر في جماعة»، ورواية مسلم في ذلك محمولة على روايتهما، فمعنى قوله: «ومن صلى الصبح في جماعة»؛ أي: مع كونه كان صلى العشاء في جماعة، وكذلك جميع ما ذكرناه يأتي في تحصيل قيام ليلة القدر. وقد رَوَى الطبراني في «معجمه الكبير» عن أبي أمامة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «من صلى العشاء في جماعة، فقد أخذ بحظه من ليلة القدر»، لكن في إسناده مسلمة بن عليّ، وهو ضعيف، وذكره مالك في «الموطأ» بلاغًا عن سعيد بن المسيِّب أنه كان يقول: من شَهِد العشاء من ليلة القدر، فقد أخذ بحظه منها. وقال ابن عبد البر -﵀-: مثل هذا لا يكون رأيًا، ولا يؤخذ إلا توقيفًا، ومراسيل سعيد أصحّ المراسيل. انتهى. وقال الشافعيُّ -﵀-: في كتابه القديم: من شهد العشاء والصبح ليلة القدر، فقد أخذ بحظه منها، ولا يُعْرَف له في الجديد ما يخالفه. وقد ذكر النوويّ في «شرح المهذَّب» أن ما نصّ عليه في القديم، ولم يتعرض له في الجديد بموافقة، ولا بمخالفة، فهو مذهبه بلا خلاف، وإنما رجع من القديم عن قديمٍ نَصّ في الجديد على خلافه. ورَوَى الطبرانيّ في «معجمه الأوسط» بإسناد فيه ضعف، عن ابن عمر -﵄- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «من صلى العشاء في جماعة، وصلى أربع ركعات قبل أن يخرج من المسجد، كان كعَدْل ليلة القدر»، وهذا أبلغ من الحديث الذي قبله؛ لأن مقتضاه تحصيل فضيلة ليلة القدر، وإن لم يكن ذلك في ليلة القدر، فما الظنّ بما إذا كان ذلك فيها؟. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: «وهذا أبلغ. . . إلخ» بعد أن اعترف بضعف الحديث عجيب من مثل الحافظ ولي الدين -﵀-، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٧٨٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُرَغِّبُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ فِيهِ بِعَزِيمَةٍ، فَيَقُولُ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَالْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ ، وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ عَلَى ذَلِكَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الْكِسّيّ، تقدّم قبل بابين. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، أبو بكر، صاحب «المصنّف»، ثقةٌ حافظ، تغيّر في آخره، ويتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم قريبًا. ٤ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن، تقدّم في الباب الماضي. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (يُرَغِّبُ. . . إلخ) من الترغيب؛ أي: يحثّهم على قيام لياليه بالطاعة، من الصلاة، وغيرها. قال القرطبيُّ -﵀-: هذا يدلّ على أن قيام الليل في رمضان من نوافل الخير، ومن أفضل أعمال البرّ، لا خلاف في هذا، وإنما الخلاف في الأفضل منه، هل إيقاعه في البيت، أو في المسجد؟، فذهب مالك إلى أن إيقاعه في البيت أفضل لمن قَوِيَ عليه، وكان أوّلًا يقوم في المسجد، ثم ترك ذلك، وبه قال أبو يوسف، وبعض أصحاب الشافعيّ. وذهب عبد الحكم، وأحمد، وبعض أصحاب الشافعيّ إلى أن حُضُورها في الجماعة أفضلُ، وقال الليث: لو قام الناس في بيوتهم، ولم يقم أحد في المسجد لا ينبغي أن يُخْرَجوا إليه. والحجة لمالك قوله -ﷺ-: «فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة»، متّفقٌ عليه، وقول عمر -﵁-: «نِعْمت البدعة هي، والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون»، رواه البخاريّ. وحجة مخالفه أن النبيّ -ﷺ- قد صلّاها في الجماعة في المسجد، ثم أخبر بالمانع الذي منعه من الدوام على ذلك، وهي خشية أن تُفْرَضَ عليهم، ثم إن الصحابة -﵃- كانوا يُصلّونها في المسجد أوزاعًا متفرّقين إلى أن جمعهم عمر -﵃- على قارئ واحد، فاستقرّ الأمر على ذلك، وثبتت سنّيّته بذلك. قال: ومالك أحقّ الناس بالتمسّك بهذا؛ بناءً على أصله في التمسّك بعمل أهل المدينة. انتهى كلام القرطبيُّ -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: تقدّم تحقيق الخلاف في هذه المسألة في المسألة الخامسة من شرح الحديث الماضي، وأن الأرجح هو ما ذهب إليه الإمام مالك -﵀- من كون صلاة التراويح في البيت أفضل لمن قَوِيَ عليه؛ لقوّة حجّته، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: (بِعَزِيمَةٍ) أي: بعزم وقطع، يعني من غير أن يفرضه عليهم، قال الراغب الأصفهانيُّ -﵀-: الْعَزْمُ والعزيمة: عَقْدُ القلب على إمضاء الأمر. انتهى، وقال النوويُّ -﵀-: معناه: لا يأمرهم أمر إيجاب وتحتيم، بل أمر ندب وترغيب. انتهى. وفيه التصريح بعدم وجوب قيام رمضان. وقوله: (فَيَقُولُ. . . إلخ) بيان وتفسير للترغيب المذكور. وقوله: (مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا. . . إلخ) قال الطيبيُّ -﵀-: أي: أتى بقيامٍ، وهو التراويح، أو قام إلى صلاة رمضان، أو إلى الصلاة ليالي رمضان؛ إيمانًا باللَّه تعالى، وتصديقًا بأنه يُقرّب إليه، وطلبًا لوجه اللَّه تعالى، غُفر له سوابق الذنوب. انتهى. وقوله: (فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-. . . إلخ) كذا وقع مدرجًا في نفس الخبر عند المصنّف، وأبي داود، والترمذيّ، وهو قول الزهريّ، صرّح به مالك في «الموطّأ»، والبخاريّ في «صحيحه»، ومحمد بن نصر في «قيام الليل» من رواية مالك، قال الباجيّ: وهذا مرسلٌ، أرسله الزهريّ، وأدرجه معمر في نفس الحديث، أخرجه مسلم، والترمذيّ، وأبو داود من طريق معمر، عن ابن شهاب. انتهى . وقوله: (وَالْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ) أي: على ترك الناس الاجتماع على إمام واحد في التراويح، بل كانوا يصلّون أوزاعًا متفرّقين، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل، فيصلي بصلاته الرهط، ويصلي بعضهم في أول الليل، وبعضهم في آخره، وبعضهم في بيته، وبعضهم في المسجد، إما لكونهم معتكفين، أو لأنهم من أهل الصفّة، أو لغير ذلك. (ثُمَّ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ. . . إلخ) أي: كان أمر قيام رمضان على وفق ما كان عليه في زمان رسول اللَّه -ﷺ- في خلافة أبي بكر الصدّيق -﵁- كلّها. وقوله: (وَصَدْرًا) بالنصب عطف على خبر «كان». وقوله: (وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ) -﵁- أي: في أول خلافته، وصدرُ الشيء وجهه وأوله. قال القرطبيُّ -﵀-: أي: لم يزل أمر قيام رمضان معلوم الفضيلة، يقومونه، لكن متفرّقين، وفي بيوتهم، ولم يجتمعوا على قارئ واحد، حتى كان عمر -﵁- جمعهم على أُبيّ بن كعب -﵁- في المسجد، كما ذكره مالك -﵀- في «الموطأ». انتهى . وقوله: (عَلَى ذَلِكَ) أي: على ما ذُكر، فهو تكرار لما مضى؛ تأكيدًا، ولم يُكرّر في رواية البخاريّ، ولفظه: «قال ابن شهاب: فتُوفّي رسول اللَّه -ﷺ-، والناس على ذلك، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر، وصدرًا من خلافة عمر -﵄-». انتهى. [تنبيه]: بيّن الإمام البخاريُّ -﵀- في «صحيحه» سبب جمع عمر -﵁- الناس في التراويح، فقال: وعن ابن شهاب ، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عَبْد القاريّ، أنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب -﵁- ليلةً في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه،
مصادر المؤلف (٢١)

١. «الفتح» ٤/ ٢٩٤.

٢. «طرح التثريب» ٤/ ١٦١.

٣. «النهاية في غريب الحديث والأثر»١/ ٣٨٢.

٤. الْخُوذة بالضم: المغفر، جمعها خُوَذ، كغُرْفة وغُرَف.

٥. «عمدة القاري»١/ ٢٢٦.

٦. «طرح التثريب»٤/ ١٦٢ - ١٦٣.

٧. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٤/ ١٦٣ - ١٦٤.

٨. «المصباح المنير» ٢/ ٥٣٥.

٩. «شرح النوويّ» ٦/ ٣٩ - ٤٠.

١٠. «الفتح» ٤/ ٢٩٧ «كتاب صلاة التراويح».

١١. قال الحافظ وليّ الدين -﵀-: ولَمّا وَلِيَ والدي يعني الحافظ أبا الفضل العراقيّ -﵀- إمامة مسجد المدينة، أحيا سنتهم القديمة في ذلك، مع مراعاة ما عليه الأكثر، فكان يصلي التراويح أول الليل بعشرين ركعة على المعتاد، ثم يقوم آخر الليل في المسجد بست عشرة ركعة، فيختم في الجماعة في شهر رمضان ختمتين، واستمرّ على ذلك عمل أهل المدينة بعده، فهم عليه إلى الآن. انتهى. «طرح التثريب» (٤/ ٩٨).

١٢. «المفهم» ٢/ ٣٨٩ - ٣٩٠.

١٣. «الفتح» ٤/ ٢٩٨.

١٤. «الفتاوى الكبرى» ١/ ١٧٦ - ٢٢٧.

١٥. «الفتاوى الكبرى» ١/ ١٧٦ - ١٧٧.

١٦. وفي نسخة: «وحدّثناه».

١٧. زاد في نسخة: «الصدّيق».

١٨. «المفهم» ٢/ ٣٨٨ - ٣٨٩.

١٩. راجع: «المرعاة» ٤/ ٣١٥.

٢٠. «المفهم» ٢/ ٣٨٩.

٢١. عطف على الإسناد السابق، وليس تعليقًا، فتنبّه.