HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٧٧٤

حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْحَاق. قَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ؛ قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ نَامَ لَيْلَةً حَتَّى أَصْبَحَ. قَالَ «ذَاكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنَيْهِ» أَوَ قال «في أذنه».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص187
ج ١ ص ٥٣٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن ابن ماجه, سنن النسائي, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٦ ص٦٧
استيقظ أحدكم من النوم في الليل، وأراد التهجّد، وقوله: (مِنَ اللَّيْلِ) أي: في الليل، أو بعض الليل (فَلْيَفْتَتِحْ) من الافتتاح؛ أي: فليبدأ (صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ») زاد في رواية أبي داود:«ثم ليطوّل بعدُ ما شاء». والحكمة في تخفيفهما أن يحصل بهما النشاط لما بعدهما من الصلاة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨/ ١٨٠٧] (٧٦٨)، و(أبو داود) في«الصلاة»(١٣٢٣)، و(الترمذيّ) في«الشمائل»(٢٦٨)، و(أحمد) في«مسنده»(٢/ ٢٣٢ و٢٧٨ و٣٩٩)، و(ابن خزيمة) في«صحيحه»(١١٥٠)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(٢٢٤١ و٢٢٤٢)، و(أبو نعيم) في«مستخرجه»(١٧٥٦)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٠٨] (٧٦٩) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَقُولُ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ، مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ:«اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ قَيَّامُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَمَنْ فِيهِنَّ، أَنْتَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبكَ خَاصَمْتُ، وِإلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَأَخَّرْتُ، وَأَسْرَرْتُ وَأَعْلَنْتُ ، أَنْتَ إِلَهِي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس، تقدّم قبل بابين. ٢ - (طَاوُسُ) بن كيسان الْحِمْيريّ مولاهم، أبو عبد الرحمن اليمانيّ، ثقةٌ فقيه فاضلٌ [٣] (ت ١٠٦) أو بعد ذلك (ع) تقدم في«المقدمة» ٤/ ١٨. والباقون ذُكروا في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٤ - (ومنها): أن ابن عبّاس -﵄- أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. شرح الحديث: ١ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) -﵄- (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَقُولُ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ، مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ) أي: في وسط الليل، ظاهر السياق يدلّ على أنه -ﷺ- كان يقوله أولَ ما يقوم إلى الصلاة، وترجم عليه ابن خزيمة -﵀- في «صحيحه» بقوله: «الدليل على أن النبيّ -ﷺ- كان يقول هذا التحميد بعد أن يكبر»، ثم ساقه من طريق قيس بن سعد، عن طاوس، عن ابن عبّاس -﵄-، قال: «كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا قام للتهجّد، قال بعدما يكبّر: اللهم لك الحمد. . .». ولأبي داود من هذا الوجه: أنّ رسول اللَّه -ﷺ- كان إذا قام للتهجّد قال بعدما يقول: «اللَّه أكبر. . .». («اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ) قَدَّمَ الخبرَ للدلالة على التخصيص (أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي: منوّرهما، وبك يَهتدي من فيهما، وقيل: المعنى أنت المنزّه عن كل عيب، يقال: فلان مُنَوَّر؛ أي: مبرّأ من كل عيب، ويقال: هو اسمُ مَدْحٍ، تقول: فلان نُورُ البلد؛ أي: مزيّنه، قاله في»الفتح«. وقال القرطبيُّ -﵀-: أي: منوّرهما في قول الحسن، دليله قراءة عليّ -﵁-:«اللَّه نَوّرَ السموات» بفتح النون، والواو مشدّدة، وقال ابن عباس -﵄-: هادي أهلهما، وقال مجاهد: مُدبّرهما، وقيل: هو المنزّه في السموات والأرض من كل عيب، من قول العرب: امرأة نَوّارة؛ أي: مبرّأة من كل رِيبة. وقيل: اسم مدح، يقال: فلان نُور البلد، وشمس الزمان، كما قال النابغة [من الطويل]: فَإِنَّكَ شَمْسٌ وَالْمُلُوكُ كَوَاكِبُ … إِذَا طَلَعَتْ لَمْ يَبْدُ مِنْهُنَّ كَوْكَبُ وقال آخر [من الطويل]: إِذَا سَارَ عَبْدُ اللَّهِ فِي مَرْوَ لَيْلَةً … فَقَدْ سَارَ فِيهَا نُورُهَا وَجَمَالُهَا وقال أبو العالية: مُزَيِّن السموات بالشمس، والقمر، والنجوم، ومزيّن الأرض بالأنبياء، والأولياء، والعلماء. انتهى. وقد أجاد الإمام ابن القيّم -﵀- في تفسير قوله -﷿-: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآيات [النور: ٣٥] في كتابه الممتع «اجتماع الجيوش الإسلاميّة على غزو المعطّلة والجهميّة» بما لا تجد تحقيقه في كتاب غيره، فراجعه تستفد علمًا جمًّا، وباللَّه تعالى التوفيق. (وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ قَيَّامُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ) قَيّام على المبالغة، من قام بالشيء: إذا هيّا له ما يحتاج إليه، ويقال: قَيُّوم، وقَيّام، وقَيِّم، وقرأ عمر: «اللَّه لا إله إلَّا هو الحيّ القيّام» [البقرة: ٢٥٥]، وعلقمةُ: القيّم. وقال قتادة: هو القائم بتدبير خلقه، وقال الحسن: القائم على كلّ نفس بما كسبت، وقال ابن جُبير: الدائم الوجود، وقال ابن عباس: الذي لا يحول، ولا يزول، قاله في «المفهم». وفي «المرعاة»: أي: القائم بأمرِ وتدبيرِ السماوات والأرض وغيرها، وفي رواية: «قيّم»، وفي أخرى: «قيّوم»، وهي من أبنية المبالغة، وهي من صفات اللَّه تعالى، ومعناها واحد، وقيل: «القيّم»: معناه القائم بأمور الخلق، ومدبّر العالم في جميع أحواله، و«القيّام»: القائم بنفسه بتدبير خلقه المقيم لغيره، و«القيّوم»: من أسماء اللَّه تعالى المعدودةِ، وهو القائم بنفسه مطلقًا، لا بغيره، وهو مع ذلك يقوم به كل موجود حتى لا يتصوّر وجود شيء، ولا دوام وجوده إلَّا به. انتهى. وهذه الجملة تعليل للحمد، فكأنه يقول: إنما حَمَدتك؛ لأنك أنت الذي تقوم بحفظ المخلوقات، وتُراعيها، وتؤتي كل شيء ما به قوامه، وما به يَنتفع إلى غير ذلك، وتكرير الحمد المُخَصَّص للاهتمام بشأنه، وليُنَاط به كلَّ مرّة معنى آخر. (وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَمَنْ فِيهِنَّ) أي: مصلحهما، ومصلح مَن فيهما، مأخوذ من الرّبّة، وهي نَبْتٌ تَصْلَحُ عليه المواشي، يقال: ربّ يرُبّ رَبًّا، فهو رابّ، ورَبّ، ورَبَّى يُرَبِّي تَرْبية، فهو مُرَبّ، قال النابغة [من الطويل]: وَرَبَّ عَلَيْهِ اللَّهُ أَحَسَنَ صُنْعَهُ وقال آخر [من الطويل أيضًا]: يَرُبُّ الَّذِي يَأْتِي مِنَ الْخَيْرِ أَنَّهُ … إِذَا فَعَلَ الْمَعْرُوفَ زَادَ وَتَمَّمَا والربّ أيضًا السيّد، فيكون معناه أنه سَيِّد من في السموات والأرض، والربّ المالك: أي: هو مالكهما، ومالك من فيهما، قاله في «المفهم». وقال القاضي عياضٌ -﷿-: قال العلماء: للرب ثلاثُ معانٍ في اللغة: السيد المطاع، والمالك، والمصلح، لكن إذا كان بمعنى السيّد المطاع، فقد قال بعضهم: إنه لا يقع إلَّا على من يَعقل، ولا يصلح هذا التأويل إلَّا أن يُجعل ﴿الْعَالَمِينَ﴾ في قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ على الجنّ والإنس، وإلى هذا نحا أبو سليمان -يعني الخطابيّ- إذ قال: لا يصحّ أن يقال: سَيِّد الجبال والشجر، قال القاضي عياض: لا معنى لهذا، والكلّ له مطيع منيب، قال اللَّه تعالى: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]. انتهى كلام القاضي -﵀- ، وهو تعقّب حسنٌ، واللَّه تعالى أعلم. وقد تقدّم في «شرح المقدّمة» أن بعضهم أوصل معاني الربّ إلى أربعة عشر معنًى، ونظمها بقوله [من الطويل]: قَرِيبٌ مُحِيطٌ مَالِكٌ وَمُدَبِّرٌ … مُرَبٍّ مُرِيدُ الْخَيْرِ وَالْمُولِي لِلنِّعَمْ وَخَالِقُنَا الْمَعْبُودُ جَابِرُ كَسْرِنَا … وَمُصْلِحُنَا وَالصَّاحِبُ الثَّابِتُ الْقَدَمْ وَجَامِعُنَا وَالسَّيِّدُ احْفَظْ فَهَذِهِ … مَعَانٍ أَتَتْ لِلرَّبِّ وَادْعُ لِمَنْ نَظَمْ وقد استوفيت البحث في هذا هناك، فارجع إليه تزدد علمًا، وباللَّه تعالى التوفيق. وقوله: (وَمَنْ فِيهِنَّ) عبّر بـ «من» تغليبًا للعقلاء، لشرفهم، وإلا فهو ربّ كل شيء، ومليكه. (أَنْتَ الْحَقُّ) أي: المتحقِّق الوجود الثابتُ بلا شكّ، وقال القرطبيُّ -﵀-: أي: واجب الوجود، وأصله من حَقَّ الشيءُ: إذا ثبتَ، ووجبَ، ومنه قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ الآية [الزمر: ١٩]، وقوله: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ الآية [السجدة: ١٣] أي: ثَبَت، ووجب. وهذا الوصف للَّه -﷾- بالحقيقة والخصوصية، لا ينبغي لغيره؛ إذ وجوده لنفسه، فلم يسبقه عدم، ولا يلحقه عدم، وما عداه ممن يقال عليه هذا الاسم، مسبوق بعدم، ويجوز عليه لَحَاق العدم، ووجوده من مُوجِده، لا من نفسه، وباعتبار هذا المعنى كان أصدقَ كلمة قالها الشاعر كلمةُ لبيد [من الطويل]: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨]. انتهى. وقال ابن التين: يحتمل أن يكون معناه: أنت الحقّ بالنسبة إلى من يدّعى فيه أنه إله، أو بمعنى أن من سمّاك إلهًا فقد قال الحق. انتهى. (وَوَعْدُكَ الْحَقُّ) أي: الصادق، لا يمكن التخلّف فيه، قال في «الفتح»: وعرّفه، ونكّر ما بعده؛ لأن وعده مختصّ بالإنجاز، دون وعد غيره، والتنكير في البواقي للتعظيم، قاله الطيبيُّ -﵀-. وقال في «المرعاة»: والظاهر أن تعريف الخبر فيه، وفي قوله: «أنت الحقّ» ليس للقصر، وإنما هو لإفادة أن الحكم به ظاهرٌ مُسلَّمٌ، لا منازع فيه، كما قال علماء المعاني في قوله: «ووالداك العبد»، وذلك لأن مرجع هذا الكلام إلى أنه تعالى موجود، صادق الوعد، وهذا أمرٌ يقوله المؤمن والكافر، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ الآية [لقمان: ٢٥]، ولم يُعرف في ذلك منازعٌ يُعتدّ به، وكأنه لهذا عدل إلى التنكير في البقيّة حيث وُجد المنازع فيها. بقي أن المناسب لذلك أن يقال: وقولك الحقّ، كما في رواية مسلم، فكأن التنكير في رواية البخاريّ للمشاكلة، قاله السنديُّ -﵀-. وقال الطيبيُّ -﵀-: عَرَّف الخبر فيهما، ونَكَّر في البواقي؛ لأنه لا منكر خلفًا وسلَفًا أن اللَّه تعالى هو الثابت الدائم الباقي، وما سواه في معرض الزوال، قال لبيد: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ وكذا وعده مختصّ بالإنجاز دون وعد غيره، إما قصدًا وإما عجزًا، تعالى اللَّه عنهما، والتنكير في البواقي للتفخيم. انتهى. وقال القاري -﵀-: فإن قلت: لِمَ عَرَّف الحقّ في الأُوليين، ونكّر في البواقي؟. قلت: المعرّف بلام الجنس والنكرة المسافة بينهما قريبةٌ، بل صرّحوا بأنّ مؤدّاهما واحدٌ، لا فرق بينهما إلَّا بأن في المعرفة إشارةً إلى أن الماهيّة التي دخل عليها اللام معلومة للسامع، وفي النكرة لا إشارة إليها، وإن لَمْ تكن إلَّا معلومةً. انتهى . (وَقَوْلُكَ الْحَقُّ) أي: مدلوله ثابت (وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ) هو عبارة عن مآل الخلق في الدار الآخرة بالنسبة إلى الجزاء على الأعمال، وفيه الإقرار بالبعث بعد الموت، وقيل: رؤيتك في الدار الآخرة حيث لا مانع، وقيل: لقاء جزاء لأهل السعادة والشقاوة. وقيل: معنى «لقاؤك حقّ»: أي: الموت، وردّه النوويُّ -﵀-. وعبارته في «شرحه»: قوله -ﷺ-: «أنت الحق»، قال العلماء: الحقّ في أسمائه -﷾- معناه: المتحقِّق وجودُهُ وكلُّ شيء صحّ وجوده وتحقق فهو حقٌّ، ومنه الحاقّة: أي: الكائنة حقًّا بغير شك، ومثله قوله -ﷺ- في هذا الحديث: «ووعدك الحقّ، وقولك الحقّ، ولقاؤك حقّ، والجنة حقّ، والنار حقّ، والساعة حقّ» أي: كلُّه متحقِّق لا شك فيه، وقيل: معناه: خبرك حقّ وصدقٌ، وقيل: أنت صاحب الحقّ، وقيل: مُحِقّ الحقّ، وقيل: الإله الحقّ دون ما يقوله الملحدون، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ [لقمان: ٣٠]، وقيل في قوله: «ووعدك الحقّ»؛ أي: صدقٌ، ومعنى «لقاؤك حقّ» أي: البعث، وقيل: الموت، وهذا القول باطل في هذا الموضع، وإنما نبهت عليه لئلا يُغْتَرّ به، والصواب البعث، فهو الذي يقتضيه سباق الكلام وما بعده، وهو الذي يُرَدُّ به على الملحد لا بالموت . (وَالْجَنَّةُ حَقٌّ) هذا وما بعده داخل تحت الوعد، لكن الوعد مصدرٌ، وما بعده هو الموعود به، ويَحْتَمِل أن يكون من عطف الخاصّ على العامّ، كما أن ذكر القول بعد الوعد من العامّ بعد الخاصّ (وَالنَّارُ حَقٌّ) فيه إشارة إلى أن الجَنَّة والنار موجودتان الآن. زاد في رواية البخاريّ: «وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ -ﷺ- حَقٌّ» خصّه بالذكر تعظيمًا له ، وعطفه على النبيين إيذانًا بالتغاير بأنه فائق عليهم بأوصاف مختصّة به، فإن تغاير الوصف ينزّل منزلة تغاير الذات. (وَالسَّاعَةُ حَقٌّ) أي: يومُ القيامة، آتيةٌ لا ريب فيها، وأصل «الساعة» القطعة من الزمان، لكن لما لم يكن هناك كواكب تُقدَّر بها الأزمان، سمّيت بذلك. وإطلاق اسم الحقّ على هذه الأمور كلها معناه أنها لا بدّ من كونها، وأنها مما ينبغي أن يُصَدَّق بها، وتكرارُ الحقّ في تلك المواضع على جهة التأكيد، والتفخيم، والتعظيم لها. انتهى. (اللَّهُمَّ لَكَ أَسلَمْتُ) أي: استسلمت وانقدت، وخضعت لأمرك، قال السنديُّ -﵀-: الظاهر أن تقديم الجارّ للقصر بالنظر إلى سائر ما عُبد من دون اللَّه تعالى. انتهى. (وَبِكَ آمَنْتُ) أي: صدّقت بك، وبكلّ ما أخبرت، وأمرت، ونهيت (وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ) أي: فَوَّضتُ أمري إليك، لا إلى الأسباب العاديّة، وإن كنتُ آخذًا بها، فإن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل، وإنما ينافيه الاعتماد عليها (وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ) أي: أطعت، ورجعت إلى عبادتك؛ أي: أقبلت عليها، وقيل: معناه: رجعت إليك في تدبيري؛ أي: فوّضت إليك. وقال في «المرعاة»: «وإليك أنبت»: أي: رجعت إليك مقبلًا بقلبي عليك، قيل: التوبة والإنابة كلاهما بمعنى الرجوع، ومقام الإنابة أعلى وأرفع. انتهى. (وَبِكَ خَاصَمْتُ) أي: بما أعطيتني من البراهين والقوّة، وبما لقّنتني من الْحُجَج خاصمت مَن عاند فيك، وكفر بك، وقمعتُهُ بالحجة والسيف (وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ) أي: رفعت أمري إليك، والمحاكمة رفع الأمر إلى القاضي. وقال القرطبيّ: معناه: وإليك فوّضت الحكومة، كما قال اللَّه تعالى: ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦]. وقال النوويّ -﵀-: أي: كلُّ من جحد الحقّ حاكمته إليك، وجعلتك الحَكَم بيني وبينه، لا غيرك، مما كانت تتحاكم إليه الجاهلية، وغيرهم، من صنم، وكاهن، ونار، وشيطان، وغيرها، فلا أرضى إلَّا بحكمك، ولا أعتمد غيره. وقال في «الفتح»: قدّم مجموع صلات هذه الأفعال عليها إشعارًا بالتخصيص، وإفادةً للحصر، وكذا قوله: «ولك الحمد». انتهى. (فَاغْفِرْ لِي) قال -ﷺ- ذلك مع كونه مغفورًا له إما على سبيل التواضع، والهضم لنفسه، وإجلالًا، وتعظيمًا لربّه، أو على سبيل التعليم لأمته، لتقتدي به فيه، كذا قيل، والأولى أنه لمجموع ذلك، وإلا لو كان للتعليم فقط لكفى فيه أمرهم بأن يقولوا ذلك، أفاده في «الفتح». وقال القرطبيُّ -﵀-: قد تقدّم الكلام على عصمة الأنبياء والذنوب المنسوبة إليهم في «كتاب الطهارة»، فإذا فرّعنا على جواز الصغائر عليهم، فيكون الاستغفار على بابه وظاهره، وإن أحلنا ذلك عليهم، فيكون استغفاره ليَسُنّه لأمته، أو على تقدير وقوع ذنوب منه حتى يُلازمَ حالة الافتقار والعبوديّة. انتهى . قال النووي: ومعنى سؤاله -ﷺ- المغفرة مع أنه مغفور له أنه يسأل ذلك تواضعًا وخضوعًا وإشفاقًا وإجلالًا، وليُقْتَدَى به في أصل الدعاء والخضوع، وحسن التضرع في هذا الدعاء المعيَّن، وفي هذا الحديث وغيره مواظبته -ﷺ- في الليل على الذكر والدعاء، والاعتراف للَّه تعالى بحقوقه، والإقرار بصدقه ووعده ووعيده، والبعث والجنة والنار، وغير ذلك. انتهى . (مَا قَدَّمْتُ) أي: قبل هذا الوقت (وَأَخَّرْتُ) عنه، وفي نسخة: «وما أخرّتُ» (وَأَسْرَرْتُ وَأَعْلَنْتُ) وفي نسخة: «وما أسررتُ، وما أعلنت». والمعنى: اغفر لي ما أخفيت، وما أظهرت، أو ما حدّثتُ به نفسي، وما تحرّك به لساني، زاد في رواية عند البخاري: «وما أنت أعلم به مني»، وهو من ذكر العام بعد الخاصّ. زاد في رواية البخاريّ: «أَنْتَ الْمُقَدِّمُ، وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ»، قال المهلّب -﵀-: أشار بذلك إلى نفسه؛ لأنه المقدَّم في البعث في الآخرة، والمؤخَّر في البعث في الدنيا. انتهى. وقال القاضي عياض -﵀-: قيل: معناه المنزِّل للأشياء منازلها، يقدّم ما يشاء، ويؤخّر ما يشاء، ويُعزّ من يشاء، ويُذلّ من يشاء، وجعل عباده بعضهم فوق بعض درجات. وقيل: هو بمعنى الأول، والآخر، إذ كل متقدّم على متقدّم فهو قبله، وكلّ متأخّر على متأخر فهو بعده، ويكون المقدّم والمؤخّر بمعنى الهادي، والمضلّ، قدّم من شاء لطاعته، لكرامته، وأخّر من شاء بقضائه، لشقاوته. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: المعنى الأول مما ذكر عياض -﵀- هو الأظهر عندي، كما لا يخفي، واللَّه تعالى أعلم. (أَنْتَ إِلَهِي) أي: معبودي بحقّ، ومقصودي الذي وَلِهَ فيك قلبي، وتحيّر في عظمتك وجلالك عقلي، وكلّ عن ثنائك لساني، فغاية الوسيلة إليك: «لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ) أي: لا معبود بحقّ إلَّا أنت الواحد الأحد الصمد. [تنبيه]: ظاهر سياق المصنّف -﵀- تعالى أن قوله: «ولا حول، ولا قوّة، إلَّا باللَّه» من رواية سفيان، عن سليمان الأحول، وليس كذلك، فإن البخاري رحمه اللَّه تعالى قال بعد أن أخرج الحديث من طريق سفيان، عن سليمان، عَقِبَ قوله: «لا إله إلَّا أنت»، أو «لا إله غيرك» ما نصّه: قال سفيان: وزاد عبد الكريم أبو أمية: «ولا حول، ولا قوة إلَّا باللَّه» . انتهى. قال الحافظ -﵀-: هذا موصول بالإسناد الأول، ووَهِمَ من زعم أنه معلّق، وقد بيّن ذلك الحميديّ في «مسنده»، عن سفيان، قال: «حدثنا سليمان الأحول خالُ ابن أبي نَجِيح، سمعت طاوسًا»، فذكر الحديث، وقال في آخره: قال سفيان: وزاد عبد الكريم: «ولا حول، ولا قوّة إلَّا بك»، ولم يقلها سليمان. وأخرجه أبو نُعيم في «المستخرج» من طريق إسماعيل القاضي، عن علي بن عبد اللَّه ابن المدينيّ، شيخ البخاريّ فيه، فقال في آخره: قال سفيان: وكنت إذا قلت لعبد الكريم: آخر حديث سليمان: «ولا إله غيرك» قال: «ولا حول، ولا قوّة إلَّا باللَّه»، قال سفيان: وليس هو في حديث سليمان. انتهى. ومقتضى ذلك أن عبد الكريم لَمْ يذكر إسناده في هذه الزيادة، لكنه على الاحتمال، ولا يلزم من عدم سماع سفيان لها من سليمان أن لا يكون سليمان حدّث بها، وقد وَهِمَ بعض أصحاب سفيان، فأدرجها في حديث سليمان، أخرجه الإسماعيليّ، عن الحسن بن سفيان، عن محمد بن عبد اللَّه بن نُمير، عن سفيان، فذكرها في آخر الخبر بغير تفصيل. انتهى كلام الحافظ -﵀-. قال الجامع عفا اللَّه عنه: عبد الكريم هذا هو: عبد الكريم بن أبي الْمُخارق -بضمّ الميم، وبالخاء المعجمة- أبو أُميّة المعلّم البصريّ، نزيل مكة، واسم أبيه: قيس، وقيل: طارق، ضعيفٌ، له في البخاريّ هذه الزيادة فقط، وقد تقدّم له عند المصنّف ذكرٌ في «المقدّمة»، وقدّمنا ترجمته هناك [٦/ ٦٩] فراجعها تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨/ ١٨٠٨ و١٨٠٩ و١٨١٠] (٧٦٩)، و(البخاريّ) في «التهجّد» (١١٢٠) و«الدعوات» (٦٣١٧) و«التوحيد» (٧٣٨٥ و٧٤٤٢ و٧٤٩٩)، و(أبو داود) في «الصلاة» (٧٧١)، و(الترمذيّ) في «الدعوات» (٣٤١٨)، و(النسائيّ) في «قيام الليل» (١٦١٩) و«الكبرى» (١٣١٩) وفي «عمل اليوم والليلة» (٨٦٨)، و(ابن ماجه) في «إقامة الصلاة» (١٣٥٥)، و(مالك) في «الموطّأ» (١/ ٢١٥ و٢١٦)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٢٥٦٥)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٤٩٥)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٣٥٨ و٣٦٦)، و(الدارميّ) في «سننه» (١/ ٣٤٨ و٣٤٩)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١١٥٢)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٥٩٧ و٢٥٩٨ و٢٥٩٩)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢٢٢٩ و٢٢٣٠ و٢٢٣١ و٢٢٣٢)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٧٥٧ و١٧٥٨ و١٧٥٩)، و(ابن السنّي) في «عمل اليوم والليلة» (٧٥٨)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١٠٩٨٧)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٢٤٠٤)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٣/ ٤)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٩٥٠)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ما تُستفتح به صلاة الليل من الأذكار. ٢ - (ومنها): زيادة معرفة النبيّ -ﷺ- بعظمة ربّه -﷾-، وعظيم قدرته. ٣ - (ومنها): مواظبته -ﷺ- على الذكر، والدعاء، والثناء على ربه -﷿-، والاعتراف له بحقوقه، والإقرار بصدق وعده ووعيده. ٤ - (ومنها): استحباب تقديم الثناء على المسألة عند كلّ مطلوب، اقتداءً بالنبيّ -ﷺ-. ٥ - (ومنها): ما قاله الكرمانيُّ -﵀-: هذا الحديث من جوامع الكلم؛ لأن لفظ «القيّم» إشارة إلى أن وجود الجواهر وقوامها منه، و«النور» إشارة إلى أن الأعراض أيضًا منه، و«الملك» إشارة إلى أنه حاكم عليها إيجادًا وإعدامًا، يفعل ما يشاء، وكلّ ذلك من نعم اللَّه على عباده، فلهذا قَرَن كلًّا منها بالحمد، وخصّص الحمد به، ثم قوله: «أنت الحقّ» إشارة إلى المبدأ، والقول ونحوه إلى المعاش، والساعة ونحوها إشارة إلى المعاد، وفيه الإشارة إلى النبوّة، وإلى الجزاء ثوابًا وعقابًا، ووجوب الإيمان، والإسلام، والتوكل، والإنابة، والتضرّع إلى اللَّه، والخضوع له. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٠٩] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ (ع) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، كِلَاهُمَا عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-. أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ جُرَيْجٍ، فَاتَّفَقَ لَفْظُهُ مَعَ حَدِيثِ مَالِكٍ، لَمْ يَخْتَلِفَا إِلَّا فِي حَرْفَيْنِ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ مَكَانَ «قَيَّامُ»: «قَيِّمُ»، وَقَالَ: «وَمَا أَسْرَرْتُ»، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُيَيْنَةَ، فَفِيهِ بَعْضُ زِيَادَةٍ، وَيُخَالِفُ مَالِكًا، وَابْنَ جُرَيْجٍ فِي أَحْرُفٍ). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: ابن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٣. ٣ - (سُلَيْمَانُ الْأَحْوَلُ) هو: ابن أبي مسلم المكيّ، خال ابن أبي نَجِيح، قيل: اسم أبيه عبد اللَّه، ثقةٌ ثقةٌ، قاله الإمام أحمد -﵀-[٥١] (ع) تقدم في «الإيمان» ٦٥/ ٣٦٨. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ) الضمير لسفيان بن عيينة، وابن جُريج. [تنبيه]: رواية ابن عيينة، عن سليمان الأحول هذه ساقها البخاريّ في «كتاب الجمعة» من «صحيحه»، فقال: (١١٢٠) حدّثنا علي بن عبد اللَّه، قال: حدّثنا سفيان، قال: حدّثنا سليمان بن أبي مسلم، عن طاوس، سمع ابن عباس -﵄- قال: كان النبيّ -ﷺ- إذا قام من الليل يتهجد، قال: «اللهم لك الحمد أنت قيم السموات والأرض ومن فيهنّ، ولك الحمد لك ملك السموات والأرض ومن فيهنّ، ولك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهنّ، ولك الحمد أنت ملك السموات والأرض، ولك الحمد أنت الحقّ، ووعدك الحقّ، ولقاؤك حقّ، وقولك حقّ، والجنة حقّ، والنار حقّ، والنبيون حقّ، ومحمد -ﷺ- حقّ، والساعة حقّ، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدّمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدّم، وأنت المؤخّر، لا إله إلَّا أنت، أو لا إله غيرك»، قال سفيان: وزاد عبد الكريم أبو أمية:«ولا حول ولا قوة إلَّا باللَّه». انتهى. وأما رواية ابن جريج، فساقها البخاريّ في«كتاب التوحيد»من«صحيحه»أيضًا، فقال: (٧٤٩٩) حدّثنا محمود، حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، أخبرني سليمان الأحول، أن طاوسًا أخبره، أنه سمع ابن عباس يقول: كان النبيّ -ﷺ- إذا تهجد من الليل قال:«اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض، ولك الحمد أنت قيم السموات والأرض، ولك الحمد أنت رب السموات والأرض، ومن فيهنّ، أنت الحقّ، ووعدك الحقّ، وقولك الحقّ، ولقاؤك الحقّ، والجنة حقّ، والنار حقّ، والنبيون حقّ، والساعة حقّ، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدّمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت إلهي، لا إله إلَّا أنت». انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨١٠]- (. . .) - (وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ، وَهُوَ ابْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا عِمْرَانُ الْقَصِيرُ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَاللَّفْظُ قَرِيبٌ مِنْ أَلْفَاظِهِمْ). رجال هذا الإسناد: ستةٌ: ١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الأُبُلّيّ، أبو محمد، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالقدر، من صغار [٩] (ت ٦ أو ٢٣) وله بضع و(٩٠) سنةً (م د س) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٧. ٢ - (مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ) الأزديّ الْمِعْوَلِي، أبو يحيى البصريّ، ثقةٌ، من صغار [٦] (ت ١٧٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٧/ ٢٩٧. ٣ - (عِمْرانُ الْقَصِيرُ) هو: عمران بن مسلم الْمِنْقَريّ ، أبو بكر البصريّ القصير، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٦]. رأى أنسًا، ورَوَى عن أبي رجاء العطارديّ، والحسن، ومحمد، وأنس بن سيرين، وعطاء بن أبي رَبَاح، وإبراهيم التيميّ، وعبد اللَّه بن دينار، وقيس بن سعد المكيّ، وغيرهم. ورَوَى عنه مهدي بن ميمون، والثوريّ، والجراح بن مَلِيح والد وكيع، وخالد بن الحارث، ويحيى القطان، ويحيى بن سليم الطائفيّ، وبشر بن المفضل، وعبد اللَّه بن رجاء المكيّ، وآخرون. قال القطان: كان مستقيم الحديث، وإنما ذكرته؛ لأنه يروي أشياء لا يرويها غيره، وينفرد عنه قوم بتلك الأحاديث، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وزاد: إلَّا أن في رواية يحيى بن سليم عنه بعض المناكير، وكذا في رواية سُويد بن عبد العزيز عنه. انتهى. وقد فَرَّق البخاريّ بين عمران بن مسلم القصير، فقال: أبو بكر، سمع أبا رجاء وعطاء، وكناه يحيى بن سعيد، ثم قال: عمران بن مسلم، عن عبد اللَّه بن دينار منكر الحديث، روى عنه يحيى بن سليم، وكذا تبعه ابن أبي حاتم في التفرقة بينهما، وقال في الذي يروي عن عبد اللَّه بن دينار: سمعت أبي يقول: هو منكر الحديث، وهو شبه المجهول، وكذا فرّق بينهما أيضًا ابن أبي خَيثمة، ويعقوب بن سفيان، وابن عديّ، والعُقَيليّ، وأنكر ذلك الدارقطنيّ في «العلل» في ترجمة عبد اللَّه بن دينار، عن ابن عمر، وقال: هو هو بغير شكّ، وقال ابن أبي حاتم: ثنا أبو زياد، عن عبد الرحمن بن مهديّ، وذكر عمران بن مسلم الجعفي، فقال: كان مستقيم الحديث، فسألت أبي عن عمران القصير، فقال: لا بأس به، قال: وسألت أبي عن عمران الذي رَوَى عن أنس، قال: خَدَمت النبيّ -ﷺ- عشرًا، وعنه جعفر بن بُرْقان، فقال: يرون أنه عمران القصير، ولم يسمع من أنس، وأفرد العقيليّ عمران بن مسلم عن عمران القصير، عن أنس، وذكر له هذا الحديث، وقال ابن عديّ في ترجمة سُويد بن عبد العزيز: عمران القصير هو ابن مسلم بصريّ عزيز الحديث، ونَسَبَ عمران الراوي عن عبد اللَّه بن دينار مكيًّا، وقال إبراهيم بن الجنيد: سألت يحيى بن معين عن خالد بن رباح، فقال: بصريّ ليس به بأس، يُحَدِّث عن عمران أبي بكر، فقال: هذا عمران القصير ليس بشيء. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الأكثرين على أن عمران القصير، المترجم هنا، وهو بصريّ، وهو الذي أخرج له الشيخان، وهو لا بأس به، غير عمران بن مسلم المكيّ، وهو منكر الحديث، فتفطّن. روى له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (٧٦٩) و(١٢٢٦): «نزلت آية المتعة في كتاب اللَّه. . .»، و(٢٥٧٦): «إن شئتِ صبرتِ، ولك الجنّة. . .» الحديث. ٤ - (قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ) المكيّ، أبو عبد الملك، أو أبو عبد اللَّه الحبشيّ، ثقةٌ [٦] مات سثة بضع عشرة ومائة (خت م د س ق) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢١. والباقيان ذُكرا في الباب. وقوله: (بِهَذَا الْحَدِيثِ) يعني أن قيس بن سعد روى هذا الحديث بالإسناد الماضي، وهو عن طاوس، عن ابن عبّاس -﵄-. [تنبيه]: رواية قيس بن سعد، عن طاوس هذه ساقها أبو عوانة في «مسنده» (٢/ ٣٩)، فقال: (٢٢٣٢) حدّثنا أبو أمية، قال: ثنا منصور بن سفيان (ع) وحدّثنا يزيد بن سنان، عن شيبان الأُبُلّيّ، عن مَهْديّ بن ميمون، قال: ثنا عمران القصير، عن قيس بن سعد، عن طاوس، عن ابن عباس، قال: كان النبيّ -ﷺ- إذا قام كبّر، ثم قال: «اللهم لك الحمد أنت قيّام السماوات والأرض، ومن فيهنّ، وأنت نور السماوات والأرض وما فيهن، لك الحمد رب السموات والأرض ومن فيهن، وأنت حقّ، ووعدك حقّ، ولقاؤك حقّ، والجنة حقّ، والنار حقّ، والساعة حقّ، اللهم لك أسلمت، وبك أَمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، أنت ربنا وإليك المصير، رب اغفر لي ما أسررت، وما أعلنت، وما قدمت، وما أخرت، إلهي، لا إله إلَّا أنت». انتهي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨١١] (٧٧٥) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَأَبُو مَعْنٍ الرَّقَاشِيُّ، قَالُوا: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، أمّ الْمُؤْمِنِينَ، بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺ- يَفْتَتِحُ صَلَاتَهُ، إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ؟، قَالَتْ: كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، افْتَتَحَ صَلَاتَهُ: «اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ»). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (أَبُو مَعْنٍ الرَّقَاشِيُّ) هو: زيد بن يزيد الثقفيّ البصريّ، ثقةٌ [١١] (م) تقدم في «الإيمان» ٥٧/ ٣٢٨. ٥ - (عُمَرُ بْنُ يُونُسَ) بن القاسم الحنفيّ، أبو حفص اليماميّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٥. ٦ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٧ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) تقدّم في الباب الماضي. والباقون ذُكروا في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه أربعة من الشيوخ قرن بينهم، لاتفاقهم في صيغة الأداء. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه الثلاثة، فمحمد بن حاتم تفرّد به هو وأبو داود، وعبد بن حميد علّق له البخاريّ، وأخرج له هو والترمذيّ فقط، وأبو مَعْن أخرج له هو فقط، وأما محمد بن المثنى فمن شيوخ الستّة بلا واسطة. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه عائشة -﵂- من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) من الأحاديث. شرح الحديث: (عن أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ)، أنه (قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ) -﵂- (بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺ- يَفْتَتِحُ صَلَاتَهُ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ) أي: في الليل، أو بعض الليل، فـ «من» بمعنى «في»، أو للتبعيض، كما تقدّم (قَالَتْ) عائشة -﵂- (كَانَ) -ﷺ- (إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، افْتَتَحَ صَلَاتَهُ) وفي رواية أبي داود: «كان إذا قام كبّر، ويقول. . .»، وفيه أنه كان يقول ذلك بعد تكبيرة الإحرام، ولا منافاة بين هذا الحديث والأحاديث الأخرى، كحديث عليّ -﵁- الآتي بعده، وحديث أبي هريرة -﵁- المتقدّم: «اللهم باعد بيني وبين خطاياي. . .» الحديث تقدّم برقم [١٣٥٢] (٥٩٨) لأنه يُحمَل على أنه -ﷺ- كان يفتتح بهذا تارةً، وبهذا تارةً، واللَّه تعالى أعلم، وقوله: («اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ) مقول لـ:»قائلًا«مقدّرًا، أي: افتتح حال كونه قائلًا:»اللهم. . . إلخ«. [تنبيه]: قال الطيبيُّ -﵀-: قوله:«ربّ جبريل. . . إلخ»قيل: لا يجوز نصب«ربّ»على الصفة؛ لأن الميم المشدّدة بمنزلة الأصوات، فلا يوصف ما اتّصل به، فالتقدير: يا ربَّ جبريل، قال الزجّاج: هذا قول سيبويه، وعندي أنه صفة، فكما لا تمتنع الصفة مع«يا»فلا يمتنع مع الميم، قال أبو عليّ: قول سيبويه عندي أصحّ؛ لأنه ليس في الأسماء الموصوفة شيء على حدّ«اللَّهمّ»، ولذلك خالف سائر الأسماء، ودخل في حيّز ما لا يوصف، نحو«حيّعَلْ»، فإنهما صارا بمنزلة صوت مضموم إلى اسم، فلم يوصف. انتهى . (وَمِيكَائِيلَ، وَإِسْرَافِيلَ) قال العلماء -رحمهم اللَّه تعالى-: خصَّهم بالذي، وإن كان اللَّه تعالى ربَّ كلِّ المخلوقات، كما تقرر في القرآن والسنة من نظائره، من الإضافة إلى كل عظيم المرتبة، وكبير الشان، دون ما يُستحقَر ويُستَصغَر، فيقال له -﷿- ربُّ السماوات والأرض، رب العرش الكريم، ورب الملائكة والروح، رب المشرقين ورب المغربين، رب الناس، مالك الناس، إله الناس، رب العالمين، رب كل شيء، رب النبيين، خالق السماوات والأرض، فاطر السماوات والأرض، جاعل الملائكة رسلًا، فكل ذلك وشبهه وصف له -﷿- بدلائل العظمة، وعظيم القدرة والملك، ولم يُسْتَعْمَل ذلك فيما يُحتقَر ويُستصغَر، فلا يقال: رب الحشرات، وخالق القِرَدة والخنازير، وشبه ذلك على الإفراد، وإنما يقال: خالق المخلوقات، وخالق كل شيء، وحينئذ تدخل هذه في العموم، واللَّه تعالى أعلم، قاله النوويُّ -﵀- . وقال في «المنهل»: إنما خصّ الثلاثة المذكورين من الملائكة بالذكر؛ تشريفًا لهم وتعظيمًا؛ إذ بهم تنتظم أمور العباد؛ لأن جبريل كان موكّلًا بالوحي، وإنزال الكتب السماويّة على الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- وتعليم الشرائع، وأحكام الدين، وميكائيل موكّلٌ بجميع القطر، والنبات، وأرزاق بني آدم وغيرهم، وإسرافيل موكّلٌ باللوح المحفوظ، وهو الذي ينفُخ في الصور. انتهى . (فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي: مُبدعهما، ومبتدئ خلقهما (عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) أي: ما غاب عن العباد، وما شاهدوه، وظهر لهم، وقال القرطبيُّ -﵀-: الغيب: ما غاب عن عياننا، والشهادة: ما شاهدناه؛ أي: علمناه بمشاهدتنا. انتهى. (أَنْتَ تَحْكُمُ) أي: تقضي يوم القيامة بالتمييز بين المحقّ والمبطل بالثواب والعقاب (بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) أي: في الدنيا من أمر دينهم، فتُعذّب العاصي إن شئتَ، وتُثيب الطائعين (اهْدِنِي) أي: ثبّتني عليه، أو زدني هدايةً، كقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾، وقال القرطبيّ: أي: أرشدني، ودُلّني على صواب ما اختُلِف فيه (لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ) ببناء الفعل للمفعول. قال الطيبيُّ -﵀-: واللام بمعنى «إلى»، يقال: هداه إلى كذا، ولكذا، و«ما» موصولة، والذي اختُلف فيه عند مجيء الأنبياء هو الصراط المستقيم الذي دَعَوا الناس إليه، فاختلفوا فيه، كما قال اللَّه تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ الآية [البقرة: ٢١٣]، كأنه قيل: اهدني إلى الصراط المستقيم، وطَلَبُ الهداية، وهو فيها طلبٌ للثبات عليها، أو طلبٌ للزيادة على ما مُنِح من الالطاف، أو حصول المطالب المترتّبة عليها. انتهى . وقوله: (مِنَ الْحَقِّ) بيان لـ «ما» (بِإِذْنِكَ) أي: بتمكينك، وتسخيرك، قال الطيبيّ -﵀-: معنى الإذن: التيسير والتسهيل على سبيل التمثيل، فإن الْمَلِكَ المحتجب إذا رَفَعَ الحجاب كان إذنًا منه بالدخول عليه. انتهى. (إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمِ) أي: طريق الحقّ الذي لا اعوجاج فيه، وهو دين الإسلام، وسُمّي صراطًا؛ لأنه موصلٌ للمقصود كما أن الطريق الحسيّ كذلك، والجملة تعليل لطلب الهداية منه -﷾-؛ أي: لأنك تهدي من تشاء. . . إلخ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. [تنبيه]: هذا الحديث قد تكلّم فيه العلماء، وضعّفوه بسبب تفرّد عكرمة بن عمّار، فقد ضعفّوه في روايته عن يحيى بن أبي كثير، قال الحافظ ابن رجب -﵀- في «شرح علل الترمذيّ»: عكرمة بن عمّار اليماميّ، ثقة، لكن حديثه عن يحيى بن أبي كثير خاصّةً مضطرب، لَمْ يكن عنده كتاب، قاله يحيى القطّان، وأحمد، والبخاريّ، وغيرهم، وحديثه عن إياس بن سلمة بن الأكوع مُتْقَنٌ، قاله أحمد، وقال في رواية حرب: هو في غير يحيى ثبتٌ، وقد أنكر عليه حديثه عن يحيى، عن أبي سلمة، عن عائشة رمنها في استفتاح النبيّ -ﷺ- الصلاة بالليل - يعني هذا الحديث. انتهى . وتقدّم في «شرح المقدّمة» أيضًا أن هذا الحديث مما انتقده الحافظ أبو الفضل بن عمّار -﵀- على المصنّف -﵀-، فراجعه تستفد . والحاصل أن هذا الحديث مما يصعُب الجواب عن المصنّف -﵀- في إيراده له في «صحيحه» مورد الأصول، مع تفرّد عكرمة بن عمّار به عن يحيى بن أبي كثير، وقد سمعت تضعيف هؤلاء الأئمة لروايته عنه، ولا يوجد له متابع فيما أظنّ، اللهم إلَّا أن يكون المصنّف -﵀- وهو واسع الاطلاع- وجد متابعًا له، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨/ ١٨١١] (٧٧٠)، و(أبو داود) في «الصلاة» (٧٦٧ و٧٦٨)، و(الترمذيّ) في «الدعوات» (٣٤٢٠)، و(النسائيّ) في «قيام الليل» (١٦٢٥) و«الكبرى» (١٣٢٢)، و(ابن ماجه) في «إقامة الصلاة» (١٣٥٧)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ١٥٦)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١١٥٣)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٦٠٠)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢٢٤٤ و٢٢٤٥)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٧٦٠)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٣/ ٥)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٩٥٢)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ما تُفتتح به صلاة الليل من الأذكار. ٢ - (ومنها): بيان أنه -ﷺ- كان يدعو بهذا الدعاء، ونحوه في صلاة الليل، تواضعًا، وإشفاقًا، ولتقتديَ به أمته في الدعاء، والخضوع، وحسن التضرّع. ٣ - (ومنها): بيان شرف هؤلاء الملائكة -﵇-، وأنهم أفضل من سائر الملائكة. ٤ - (ومنها): بيان أنه ينبغي للعبد أن يطلب من اللَّه تعالى الهداية إلى طريق الحقّ؛ لأنه تعالى هو الهادي إلى ذلك. ٥ - (ومنها): بيان أن الهداية بيد اللَّه تعالى، لا أحد يَقدِر عليها، غيره -﷾-، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ الآية [القصص: ٥٦]، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨١٢] (٧٧١) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ الْمَاجِشُونُ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ: «وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، حَنِيفًا، وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ، وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّي، وَأَنَا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا، إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، وَاهْدِني لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ، لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا، لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ، تبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، أَستَغْفِرُكَ وَأَيُّوبُ إِلَيْكَ»، وَإِذَا رَكَعَ قَالَ:«اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي وَمُخِّي وَعَظْمِي وَعَصَبِي»، وَإِذَا رَفَعَ قَالَ:«اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَاوَاتِ، وَمِلْءَ الْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا بَيْنَهُمَا ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ»، وَإِذَا سَجَدَ قَالَ:«اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ»، ثُمَّ يَكُونُ مِنْ آخِرِ مَا يَقُولُ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمِ:«اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ، وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ، وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَسْرَفْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ، وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ) هو: محمد بن أبي بكر بن عليّ بن عطاء بن مُقَدَّم الثقفيّ مولاهم، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م س) تقدم في«الإيمان» ١٠/ ١٤٥. ٢ - (يُوسُفُ الْمَاجِشُونُ) هو: يوسف بن يعقوب بن أبي سلمة الماجشون، أبو سلمة المدنيّ، ثقةٌ [٨]. رَوَى عن أبيه، وصالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، ومحمد بن المنكدر، والزهريّ، وسعيد المقبريّ، وعبد اللَّه بن عروة بن الزبير، وعتبة بن مسلم المدنيّ، وغيرهم. وروى عنه أبو الوليد الطيالسيّ، وعفان، وعارم، ومسدّد، وسريج بن يونس، وعبد العزيز بن عبد اللَّه الأويسي، وسليمان بن داود الهاشميّ، ويحيى بن يحيى النيسابوريّ، وعلي ابن المدينيّ، وأحمد بن حنبل، وعبيد اللَّه بن عمر القواريري، ومحمد بن أبي بكر المقدميّ، وغيرهم. قال ابن معين، وأبو داود، ويعقوب بن شيبة: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: شيخٌ، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: لا بأس به كنا نأتيه فيحدّثنا في بيت، وجَوَارٍ له في بيت آخر يَضْرِبن بالْمِعْزَفة، وقال الخليليّ: ثقةٌ، عُمِّر حتى أدركه علي بن مسلم، وهو وإخوته يُرَخِّصون في السماع، وهم في الحديث ثقات. وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: مات سنة ثلاث أو أربع وثمانين ومائة، وقال غيره: مات سنة خمس وثمانين ومائة، وقال البخاريّ في «تاريخه»: حدّثني هارون بن محمد، قال: مات يوسف بن الماجشون سنة أربع أو خمس وثمانين، وقال ابن سعد: قال يوسف: وُلدت في زمن سليمان بن عبد الملك. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا برقم (٧٧١) وحديث (١٧٥٢) و(١٩٣٢) و(٢٤٠٤). ٣ - (أَبُوهُ) يعقوب بن أبي سلمة الماجشون التيميّ، مولى آل المنكدر، أبو يوسف المدنيّ، واسم أبي سلمة دينار، وقيل: ميمون، صدوقٌ [٤]. رَوَى عن أبي هريرة، وأبي سعيد، وابن عباس، وابن عمرو الأعرج، وعمر بن عبد العزيز، وعاصم بن عمر بن قتادة، وغيرهم. وروى عنه ابناه: عبد العزيز، ويوسف، وابن أخيه عبد العزيز بن عبد اللَّه بن أبي سلمة، وآخرون. ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة، وقال: يُكْنَى أبا يوسف، وهو الماجشون، سُمّي بذلك هو وولده، وكان فيهم رجال لهم فقه، ورواية للحديث والعلم، وليعقوب أحاديث يسيرة، وقال البخاريّ عن هارون بن محمد: الماجشونُ بالفارسية الورد، وقال مصعب الزبيريّ: إنما سُمّي الماجشون؛ لكونه كان يُعَلِّم الغناء ويتخذ القِيَان، وكان يجالس عروة بن الزبير، وعمر بن عبد العزيز في إمرته، وكان عمر يأنس إليه، فلما استُخْلِف عمر قَدِمَ عليه، فقال له: إنا تركناك حين تركنا لبس الخزّ، فانصرف عنه، وكان الماجشون يُعِين ربيعة على أبي الزناد، وقال يعقوب بن شيبة: ثنا عبد الرحمن بن محمد بن حبيب، ثنا سَوّار بن عبد اللَّه، حدّثني أبي، ثنا إسحاق بن عيسى بن موسى، عن ابن الماجشون، قال: عُرِج بروح أبي الماجشون، فوضعناه على سرير الغسل، وقلنا: نروح به، فدخل إليه غاسل يغسله، فرأى عِرْقًا يتحرك من أسفل قدميه فتركه، ومكث ثلاثًا على حاله، ثم نَشَعَ بعدُ، فاستوى جالسًا، فقال: ائتوني بسويق فشربه، فقلنا: أخبرنا ما رأيت؟ قال: عُرِج بروحي إلى السماء السابعة، فقيل: مَن هذا؟ قال: الماجشون، قيل: لَمْ يَأْنِ له، بَقِي من عمره كذا وكذا، ثم هَبَطت، فرأيت النبيّ -ﷺ- وأبا بكر عن يمينه، وعمر عن يساره، وعمر بن عبد العزيز بين يديه، فقلت للذي معي: إنه القريب المَقعد من رسول اللَّه -ﷺ-، قال: إنه عَمِلَ بالحقّ في زمن الْجَوْر، وذكره ابن حبان في «الثقات». وقال ابن عساكر: قال أبو الحسين بن القواس الوراق: مات يعقوب سنة أربع وستين ومائة، كذا قال، وهو خطأ، ولم ينبه عليه أبو القاسم، والصواب -إن شاء اللَّه تعالى- في سنة أربع وعشرين ومائة. روى له مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلَّا هذا الحديث. ٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ) ابن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٢. ٥ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَافِع) المدني مولى النبيّ -ﷺ-، كان كاتب عليّ -﵁-، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن أبيه، وأمه سلمي، وعن عليّ، وكان كاتبه، وأبي هريرة، وشُقْران مولى النبيّ -ﷺ-. وروى عنه أولاده: إبراهيم وعبد اللَّه ومحمد، والمعتمر، والحسن بن محمد ابن الحنفية، وعلي بن الحسين بن علي، وسالم أبو النضر، وابن المنكدر، والأعرج، وغيرهم. قال أبو حاتم، والخطيب: ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً، كثير الحديث، وذكره ابن حبان في «الثقات». أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا برقم (٧٧١)، وحديث رقم (٨٧٧) و(١٠٦٦) و(٢٤٩٤). ٦ - (عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبِ) بن عبد المطّلب بن هاشم الهاشميّ الخليفة الراشد، مات -﵁- (٤٠) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبصريّ. ٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين روى بعضهم عن بعض: الماجشون، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد اللَّه بن أبي رافع، ورواية الراوي عن أبيه. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه ابن عم النبيّ -ﷺ-، وزوج ابنته، وأحد الخلفاء الأربعة الراشدين، وأحد العشرة المبشّرين في الجنة، مات يوم مات، وهو أفضل من يمشي على الأرض من بني آدم بإجماع أهل السنّة، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) -﵁- (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ) وفي الرواية التالية: «كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا استفتح الصلاة»؛ أي: ابتدأها، فالسين والتاء زائدتان، والمراد من الصلاة ما يشمل الفريضة والنافلة؛ لما في رواية ابن حبان: «إذا قام إلى الصلاة المكتوبة»، وفي رواية الدارقطنيّ: «كان إذا ابتدأ الصلاة المكتوبة»، وفي رواية للنسائيّ: «كان إذا قام يصلي تطوعًا»، وفيه دليل واضح على أن هذه الأدعية مما يستحبّ قولها في الصلاة المكتوبة والنافلة، وفيه ردّ على من خالف ذلك، وقال: لا يجوز ذلك في المكتوبة، فتبصّر. (قَالَ) أي: بعد تكبيرة الإحرام، ففي الرواية التالية: «كان رسول اللَّه إذا استفتح الصلاة كبّر، ثم قال: وجّهت. . . إلخ»، وفيه تصريح بأن هذا الدعاء كان بعد تكبيرة الإحرام، وفيه ردّ على من قال: إنه قبل التكبير («وَجَّهْتُ وَجْهِيَ) أي: صَوَّبتُ وجهي، وأخلصت في عبادتي، قاله القرطبيُّ -﵀- . وقال الأزهريّ، وغيره: معناه: أقبلت بوجهي، وقيل: قصدت بعبادتي، وتوحيدي إليه، ويجوز في«وجهي» إسكان الياء، وفتحها، وأكثر القراء على الإسكان. (لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) أي: ابتدأ خلقهما على غير مثال سابق، وجمع السموات، دون الأرض، وإن كانت سبعًا كالسموات؛ لأنه أراد جنس الأرضين، وجمع السموات؛ لشرفها، قال النوويُّ -﵀-: وهذا يؤيد المذهب الصحيح المختار الذي عليه الجمهور أن السموات أفضل من الأرض، وقيل: الأرضون أفضل؛ لأنَّها مستقر الأنبياء، ومدفنهم، وهو ضعيف. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: مثل هذا البحث من فضول الكلام، ومن الخوض فيما لم يكلفنا اللَّه -تعالى- بعلمه، ولو كان فيه خير لبيّنه اللَّه -تعالى- في كتابه، أو بيّنه رسول اللَّه -ﷺ- في سنته، فاللائق بالمسلم الكفّ عن مثل هذا، وتفويض علمه إلى عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم. وقال القاضي أبو الطيب: جمع السموات دون الأرض؛ لأنا لا ننتفع من الأرضين إلا بالطبقة الأولى، بخلاف السماء، فإن الشمس، والقمر، والكواكب موزعة عليها، وقيل: لأن الأرض السبع لها سكان؛ أخرج البيهقيّ عن أبي الضحي، عن ابن عباس -﵄-، أنه قال: قوله: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] قال: «سبع أرضين، في كل أرض نبي كنبيكم، وآدم كآدمكم، ونوح كنوحكم، وإبراهيم كإبراهيمكم، وعيسى كعيساكم»، قال: وإسناده صحيح عن ابن عباس، وهو شاذّ بمرّة، لا أعلم لأبي الضحى عليه متابعًا. انتهى. (حَنِيفًا) منصوب على الحال؛ أي: وجَّهت وجهي في حال حنيفيتي، قال الأزهريّ، وآخرون؛ أي: مستقيمًا، وقال الزجاج، والأكثرون: الحنيف المائل، ومنه قيل: أحْنَفُ الرِّجْلِ، قا لوا: والمراد هنا المائل إلى الحق، وقيل له ذلك؛ لكثرة مُخالفيه، وقال أبو عبيدة: الحنيف عند العرب من كان على دين إبراهيم -ﷺ-. انتهى. وفي «اللسان»: قال الجوهري: الحَنِيفُ: المسلمُ، وقد سُمِّيَ المستقيمُ بذلك، كما سمي الغُراب أعْوَرَ. وتَحَنَّفَ الرَّجُلُ؛ أي: عَمِلَ عَمَلَ الحَنفِيَّة، ويقالُ: اختتن، ويقال: اعتَزَلَ الأصنامَ، وتَعَبَّدَ، قال جِرَان العَوْد [من الطويل]: وَلَمَّا رَأَيْنَ الصُّبْحَ بَادَرْنَ ضَوْءَهُ … رَسِيمَ قَطَا الْبَطْحَاءِ أَوْ هُنَّ أَقْطَفُ وَأَدْرَكْنَ أَعْجَازًا مِنَ اللَّيْلِ بَعْدَمَا … أَقَامَ الصَّلاةَ الْعَابِدُ الْمُتَحَنِّفُ والدين الحَنِيف: الإسلام، والحَنِيفية: ملة الإسلام، وفي الحديث: «أحب الأديان إلى اللَّه الحنيفية السَّمْحة»، ويوصف به، فيقال: مِلَّةٌ حَنِيفية، وقال ثعلبٌ: الحنيفية: الميل إلى الشيء، قال ابن سِيدَهْ: وليس هذا بشيء، وقال الزجاجي: الحنيف في الجاهلية مَنْ كان يحج البيت، ويغتسل من الجنابة، ويختتن، فلما جاء الإسلام كان الحنيفُ المسلمَ، وقيل له: حنيفٌ؛ لعدوله عن الشرك، قال: وأنشد أبو عُبَيدٍ: فَمَا شِبْهُ كَعْبٍ غَيْرَ أَعْتَمَ فَاجِرٍ … أَبَى مُذْ دَجَا الإسْلامُ لا يَتَحَنَّفُ وقال أبو زيد: الحنيف المستقيم، وأنشد [من الوافر]: تَعَلَمْ أَنْ سَيَهْدِيكُمْ … إلَيْنَا طَرِيقٌ لا يَجُورُ بِكُمْ حَنِيفُ وجمع الْحَنِيف: الحُنَفَاءُ . (وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكينَ) بيان للحنيف، وإيضاح لمعناه، والمشرك يُطْلَق على كل كافر، من عابد وثن، أو صنم، ويهوديّ، ونصرانيّ، ومجوسيّ، وزنديق، وغيرهم. (إِنَّ صَلَاِتِي) قال الأزهريُّ: الصلاة اسم جامع للتكبير والقراءة والركوع والسجود والدعاء والتشهّد وغيرها (وَنُسُكِي) بضمتين، وهو كما قال الأزهريّ: العبادة، والناسك الذي يخلص عبادته للَّه تعالى، وأصله من النسيكة، وهي النُّقْرة الخالصة الْمُذابةُ الْمُصَفّاة من كل خِلْط، والنسيكة أيضًا الْقِربان الذي يُتقرّب به إلى اللَّه تعالى، وقيل: النسك ما أَمَر به الشرع، وعطفه على «صلاتي» من عطف العامّ على الخاصّ. (وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي) أي: حياتي وموتي، ويجوز فيهما فتح الياء، وإسكانها، والأكثرون على فتح «محياي»، وإسكان «مماتي» (لِلَّهِ) أي: هو خالقهما ومقدّرهما، أو هو المالك لهما والمتصرّف فيهما، لا تصرّف لغيره فيهما، وقيل: طاعة الحياة، والخيرات المضافة إلى الممات، كالوصيّة والتدبير، أو ما أنا عليه من العبادة في حياتي، وما أموت عليه خالصةٌ لوجه اللَّه تعالى، والجارّ والمجرور خبر «إنّ». وقوله: (رَبِّ الْعَالَمِينَ) بالجرّ صفة لـ «اللَّه»، أو عطف بيان، قال الواحديّ وغيره: هذه لام الإضافة، ولها معنيان: الملك، كقولك: المال لزيد، والاستحقاق، كالسرجُ للفرس، وكلاهما مراد هنا، وتقدّم في «شرح المقدّمة» بيان معنى «ربّ»، ومعنى «العالمين»، فراجعه تستفد علمًا جمًّا. (لَا شَرِيكَ لَهُ) جملة في محلّ نصب على الحال من «اللَّه»؛ أي: حال كونه غيرَ مُشارَك في هذه الأمور. (وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ) أي: أمرني اللَّه تعالى بالمذكور من التوحيد الشامل للإخلاص، قولًا واعتقادًا (وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) أي: المستسلمين لأمر اللَّه، الخاضعين له، المنقادين لطاعته. وقال القرطبيُّ -﵀-: أي: مسلم من المسلمين المتمكّنين في الاستسلام الذين سَلَّمُوا للنيران ، وأموالهم للضيفان، وولدهم للقربان، وفوّضُوا جميع أمورهم للرحمن. انتهى. وفي الرواية التالية: «وأنا أوّل المسلمين»، قال الشافعي: لأنه -ﷺ- كان أول مسلمي هذه الأمة. وقال الحافظ ابن كثير -﵀-: وقوله -﷿-: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٣] قال قتادة: أي: من هذه الأمة، وهو كما قال، فإن جميع الأنبياء قبله كلهم كانت دعوتهم إلى الإسلام، وأصله عبادة اللَّه وحده لا شريك له. انتهى. قال العلامة الشوكانيُّ -﵀-: قال في «الانتصار»: إن غير النبيّ -ﷺ- إنما يقول: «وأنا من المسلمين». وهو وَهَمٌ، منشؤه توهم أن معنى «وأنا أول المسلمين» أني أول شخص اتَّصَفَ بذلك بعد أن كان الناس بمعزل عنه، وليس كذلك، بل معناه المسارعة في الامتثال لما أمره به، ونظيره: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ [الزخرف: ٨١]، وقال موسى -﵊-: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: إن اعتراض الشوكانيّ غير واضح، في قاله في «الانتصار» هو الظاهر، ولا سيما وقد ثبت عنه -ﷺ- أنه قاله، كما تقدم، واللَّه تعالى أعلم. قال: وظاهر الإطلاق أنه لا فرق في قوله: «وأنا من المسلمين»، وقوله: «وما أنا من المشركين» بين الرجل والمرأة، وهو صحيح على إرادة الشخص، وفي «المستدرك» للحاكم من رواية عمران بن حصين أن النبيّ -ﷺ- قال لفاطمة -﵂-: «قومي، فاشهدي أضحيتك، وقولي: إن صلاتي ونسكي» إلى قوله: «وأنا من المسلمين»، فدلّ على ما ذكرناه. انتهى كلام الشوكانيُّ -﵀- ، وهو بحث جيّد. وقوله: (اللَّهُمَّ) قال الأزهريُّ: فيه مذهبان للنحويين، قال الفرّاء: هي في الأصل: يا اللَّه أُمَّنَا بخير، فكَثُرت في الكلام، واختلطت، فقيل: اللهم، كما قالوا: هَلُمَّ، وأصلها: «هل» ضُمّ إليها «أُمَّ»، ثم تركت منصوبة الميم، وقال الخليل: معناه: يا أللَّه، والميم المشددة عوض عن «يا» النداء، والميم مفتوحة لسكونها، وسكون الميم قبلها، ولا يجمع بينهما، فلا يقال: يا أللَّهم. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد يجمع بينهما في الشعر، كقوله [من الرجز]: إِنِّي إذَا مَا حَدَثٌ أَلَمَّا … أَقُولُ يَا اللَّهمَّ يا اللَّهمَّا وإلى ذلك أشار ابن مالك بقوله: وَبِاضْطِرَارٍ خُصَّ جَمْعُ يَا وَأَلْ … إلَّا مَعَ اللَّه وَمَحْكِيِّ الْجُمَلْ وَالأَكْثَرُ اللَّهمَّ بِالتَّعْوِيضِ … وَشَذَّ يَا اللَّهمَّ فِي قَرِيضِ فائدة: ذكر بعض المحققين أن «اللَّهم» تستعمل على ثلاثة أوجه: «أحدها»: النداء المحض، نحو: اللَّهم أثِبْنَا. «ثانيها»: أن يذكرها المجيب تمكينًا للجواب في ذهن السامع، نحو: اللَّهم نعم، في جواب: أزيد قائم؟. «ثالثها»: أن لستعمل دليلًا على الندرة، وقلة وقوع المذكور؛ نحو: أنا أزورك، اللَّهم إذا لَمْ تَدْعُنِي؛ إذ الزيارة مع عدم الطلب قليلة، ومنه قول المؤلفين: اللَّهم إلَّا أن يقال كذا، قيل: وهي على هذين موقوفة، لا معربة، ولا مبنية؛ لخروجها عن النداء، فهي غير مركبة، لكن استظهر العلامة الصبان -﵀- في «حاشيته على الأشمونيّ» بقاءها على النداء مع دلالتها على التمكين، أو الندرة، فتكون معربة كالأول، ولو سُلِّم، فيقال: إنه منادى سورة، فله حكمه. انتهى. (أَنْتَ الْمَلِكُ) أي: القادر على كل شيء، المالك الحقيقيّ لجميع المخلوقات (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ) أي: لا معبود بحقّ غيرك (أَنْتَ رَبِّي) أي: مالكي، وسيّدي، والمتصرّف في جميع أموري (وَأَنَا عَبْدُكَ) أي: معترف بأنك مالكي، ومدبري، وحكمك نافذ فِيَّ، وقوله: (ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي) اعترافٌ بما يوجب نقص حظ النفس من ملابسة المعاصي تأدُّبًا، وأراد بالنفس هنا الذات المشتملة على الروح، وقال الأزهريُّ -﵀-: اعتراف بالذنب، قَدَّمه على مسألة اللَّه -﷿- المغفرة، كما علَّمَ آدم -﵇- عند خطيئته أن يقول: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] وقال تعالى حكاية عن آدم -﵇-: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ الآية [البقرة: ٣٧]. انتهى. (فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا) أي: استرها بعفوك، ولا تؤاخذني بها، وقوله: (إِنَّهُ) بالكسر؛ لوقوعها في محلّ الاستئناف، والضمير للشأن (لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ) جملة تعليلية لطلبه أن يغفر له جميع ذنوبه؛ أي: لأنه لا يغفر الذنوب كلّها إلَّا أنت. (وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ) أي: أرشدني لصوابها ووفّقني للتخلّق بها، وثبّتني عليها. وقال القرطبيُّ -﵀-: قوله: «واهدني لأحسن الأخلاق» أي: لأكملها وأفضلها، وهي الْخُلُق الصحيح، والكفّ عن القبيح، وقيل: للقيام بالحقوق، والعفو عن العقوق، كما قال: «أن تُعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك» ، وقد أجاب اللَّه تعالى دعاء نبيّه -ﷺ- في ذلك، فجَمَع له منها ما تفرّق في العالمين، حتى قال اللَّه تعالى له: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. انتهى . وقوله: (لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ) جملة تعليلية لطلب الهداية، كما مرَّ نظيره آنفًا (وَاصْرِفْ عَنِّي سَيَئّهًا) أي: أبعد عني قبيحها، وقوله: (لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيَئِّهَا إِلَّا أَنْتَ) جملة تعليلية أيضًا. (لَبَّيْكَ) قال النوويُّ -﵀-: قال العلماء: معناه: أنا مقيم على طاعتك إقامةً بعد إقامة. انتهي، وقال الأزهريّ -﵀-: أي: أقمت على طاعتك إقامة بعد إقامة، يقال: لَبَّ بالمكان، وألَبَّ: إذا أقام به، لبًّا، وإِلْبَابًا، فأصل «لبيك» لبَّيْنِ، فحذفت النون للإضافة، كما قال ابن مالك في «الخلاصة»: نُونًا تَلِي الإعْرَابَ أَوْ تَنْوِينَا … مِمَّا تُضِيفُ احْذِفْ كَطُورِ سِينَا واللَّبُّ: الإقامة على الطاعة. قاله الأزهريّ -﵀-. وقال العلامة الرضيّ -﵀-: أصل «لبيك» أُلِبّ لك إِلْبَابين؛ أي: أقيم على طاعتك هاجابتك إقامتين، من أَلَبَّ بالمكان: إذا أقام به، فحذف الفعل، وأقيم المصدر مقامه، فصار إلْبَابين لك، ثم حذفت زوائده، وحذف الجارّ، وأضيف للضمير، كلُّ ذلك ليسرع المجيب إلى سماع خطاب مناديه. انتهى. (وَسَعْدَيْكَ) أي: أُسعد أمرك، وأتّبعه إسعادًا بعد إسعاد، ومتابعةً لدينك الذي ارتضيته بعد متابعة، ولا تُستَعمَل إلَّا بعد «لبيك»؛ لأنَّها توكيد لها. وقال القرطبيّ -﵀-: «لبيك»: معناه: إجابةً لك بعد إجابة، و«سعديك»: أي: مساعدةً بعد مساعدة، وهما من المصادر التي لا تستعمل إلَّا مضافة مثنّاةً. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: أراد أن «لَبَّيْ» و«سَعْدَيْ» لا يستعملان إلَّا مضافين للضمير، وشذّ إضافة «لبّي» للفظ «يدي»، كقول الشاعر [من المتقارب]: دَعَوْتُ لِمَا نَابَنِي مِسْوَرَا … فَلَبَّى فَلَبَّيْ يَدَيْ مِسْوَرِ وكذا شذّ إضافتها لضمير الغائب في قوله: فَقُلْتُ لَبَّيْهِ لِمَنْ يَدْعُونِي وإلى هذا أشار ابن مالك -﵀- في «الخلاصة» بقوله: وَبَعْضُ مَا يُضَافُ حَتْمًا امْتَنَعْ … إِيلَاؤُهُ اسْمًا ظَاهِرًا حَيْثُ وَقَعْ كَـ «وَحْدَ» «لَبَّيْ» وَ«دَوَالَيْ» «سَعْدَيْ» … وَشَذَّ إِيلَاءُ «يَدَيْ» لِـ «لَبَّيْ» (وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ) معناه: الإقرار بأن كل خير واصلٍ إلى العباد، ومرجوٍّ وصوله إليهم، فهو في يديه -﷾-. زاد الشافعيّ، عن مسلم بن خالد، عن موسى بن عقبة: «والمَهْديّ من هديت»، قال الخطابيّ وغيره: فيه الإرشاد إلى الأدب في الثناء على اللَّه تعالى، ومدحه بأن يضاف إليه محاسن الأمور، دون مساويها على جهة الأدب. انتهى. (وَالشَرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ) قال القرطبيّ -﵀-: أي: لا يضاف إليك مخاطبةً ونسبةً؛ تأدّبًا مع أنه بقضاء اللَّه تعالى وخلقه، كالخير، كما قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ الآية [النساء: ٧٨]، وقال: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾ [الأنعام: ١٧]. انتهى . وقال النوويّ -﵀-: هذا مما يجب تأويله؛ لأن مذهب أهل الحق أن كل المحدثات فعل اللَّه تعالى وخلقه، سواء خيرها وشرّها، وحينئذ يجب تأويله، وفيه للعلماء خمسة أقوال: «أحدها»: معناه أنه لا يتقرب به إليك، قاله الخليل بن أحمد، والنضر بن شُميل، وإسحاق ابن راهويه، ويحيى بن معين، وأبو بكر بن خزيمة، والأزهريّ، وغيرهم. «الثاني»: حكاه الشيخ أبو حامد، عن المزنيّ، وقاله غيره أيضًا: معناه: لا يضاف إليك على انفراده، لا يقال: يا خالق القردة والخنازير، ويا رب الشر، ونحو هذا، وإن كان خالق كل شيء، ورب كل شيء، وحينئذ يدخل الشر في العموم. «الثالث»: معناه: والشر لا يصعد إليك، إنما يصعد الكلم الطيب، والعمل الصالح. «الرابع»: معناه: والشر ليس شرًّا بالنسبة إليه، فإنك خلقته بحكمة بالغة، وإنما هو شر بالنسبة إلى المخلوقين. «الخامس»: حكاه الخطابيّ أنه كقولك: فلان إلى بني فلان إذا كان عِدَاده فيهم، أو صَفُّوه إليهم. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: أصح الأقوال عندي هو الأول؛ لأن سياق الكلام يدل عليه، ويليه القول الثالث؛ إذ معناه قريب من معناه، واللَّه تعالى أعلم. (أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ) أي: توفيقي بك، والتجائي، وانتمائي إليك، وقال الأزهري: معناه أعتصم بك، وأعوذ بك، وألجأ إليك، كأنه قال: بك أعوذ، وإليك ألجأ. انتهى. (تَبَارَكْتَ) أي: استحققت الثناء، وقيل: ثبت الخير عندك، وقال ابن الأنباريُّ: تبَارَكَ العبادُ بتوحيدك، قاله النوويّ -﵀-. وقال ابن منظور -﵀-: و«تبارك اللَّه»: تقدَّسَ، وتَنَزَّه، وتعالى، وتعاظم، لا تكون هذه الصفة لغيره. وسئل أبو العباس عن تفسير «تبارك اللَّه؟» فقال: ارتفع، والمتبارِكُ المرتَفِع، وقال الزجاج: «تبارك» تَفَاعَلَ، من البركة، كذلك يقول أهل اللغة، وقال ابن الأنباريّ: «تبارك اللَّه»: أي: يُتَبَرّك باسمه في كل أمر. انتهى كلام ابن منظور باختصار . (وَتَعَالَيْتَ) أي: تنزهت عن كل ما لا يليق بجلالك (أَسْتَغْفِرُكَ) أي: أطلب منك ستر ذنوبي، قال الراغب الأصفهانيّ -﵀-: الغَفْرُ: إلباسُ ما يصونه عن الدَّنَس، ومنه قيل: اغْفِرْ ثوبك في الوِعَاء، واصبُغْ ثوبَك، فإنه أغْفَرُ للوَسَخ، والغُفْران، والمغفرة من اللَّه: هو أن يصون العبدَ من أن يمسه العذاب. انتهى . (وَأَتُوبُ إِلَيْكَ») أي: أرجع إلى طاعتك، وأنيب إليك، والتائب الراجع إلى طاعة ربه بعد معصيته وخطيئته، قاله الأزهريّ -﵀- . وقال الراغب -﵀-: التَّوْبُ: ترك الذَّنْب على أجمل الوجوه، وهو أبلغ وجوه الاعتذار، فإن الاعتذار على ثلاثة أوجه: إما أن يقول المعتذر: لَمْ أفعل، أو يقول: فعلت لأجل كذا، أو فعلت، وأسأت، وقد أقلعت، ولا رابع لذلك، وهذا الأخير هو التوبة، والتوبة في الشرع: ترك الذَّنْب لقبحه، والندم على ما فَرَطَ منه، والعزيمة على ترك المعاودة، وتدارك ما أمكنه أن يتدارك من الأعمال بالأعمال بالإعادة ، فمتى اجتمعت هذه الأربع، فقد كملت شرائط التوبة. انتهى . [تنبيه]: قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام -﵀-: فإن قيل: هذا وعد بطلب المغفرة؛ لأن معنى «أستغفرك» أطلب من اللَّه تعالى المغفرة؛ لأن استفعل لطلب الفعل، فهذا وعد بأنَّا سنطلب منه، ولا يلزم من الوعد بالطلب حصول المطلوب الذي هو الطلب، وكذا «أتوب إليك» وعد بالتوبة، لا أنه توبة في نفسه. فالجواب أن هذا ليس وعدًا، ولا خبرًا، بل هو إنشاء، والفرق بين الخبر والإنشاء أن الخبر هو الدّالّ على أن مدلوله قد وقع قبل صدوره، أو يقع بعد صدوره، والإنشاء هو اللفظ الدّالّ على أن مدلوله حصل مع آخر حرف منه، أو عقب آخر حرف منه على الخلاف بين العلماء في ذلك. انتهى كلام الشيخ ابن عبد السلام -﵀- . (وَإِذَا رَكَعَ قَالَ: «اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ) أي: خضعت لك، لا لغيرك، فمعنى الركوع: هو الخضوع، كما نقله في»اللسان«عن ثعلب، وفي تقديم الجارّ والمجرور في هذه الجمل كلِّها إفادة الحصر والاختصاص (وَبِكَ) لا بغيرك (آمَنْتُ) أي: صدّقت (وَلَكَ) لا لغيرك (أَسْلَمْتُ) أي: ذللتُ، وانقدتُ لطاعتك (خَشَعَ لَكَ) أي: تواضع، وخضع لك لا لغيرك (سَمْعِي) فلا يسمع إلَّا ما أذنت في سماعه (وَبَصَرِي) فلا يُبصر إلَّا ما أذنت في إبصاره، وخصّ السمع والبصر من بين الحواسّ؛ لأن أكثر الآفات بهما، فإذا خشعا قَلّت الوساوس، ولأنّ تحصيل العلم النقليّ والعقليّ بهما (وَمُخِّي) بضمّ الميم، وتشديد الخاء المعجمة: الْوَدَك الذي في العظم، وخالص كلّ شيء، وقد يُسمّى الدماغ مُخًّا، قاله في«المصباح»(وَعَظْمِي وَعَصَبِي«) بفتحتين: أطناب المفاصل، والجمع أعصاب، مثلُ سبب وأسباب. والمعنى: خضع لك جسمي باطنًا كما خضع ظاهرًا، فكنى بهذه الثلاثة عن الجسم كلّه؛ لأن مدار قوامه عليها، والغرض من هذا كلّه المبالغة في الانقياد والخضوع للَّه -﷾- . وقال السنديّ -﵀- ما حاصله: إسناد الخشوع إلى هذه الأشياء كناية عن كمال الخشوع والخضوع؛ أي: قد بلغ غايته حتى ظهر أثره في هذه الأعضاء، وصارت خاشعةً لربها. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: معناه: أخذ كلُّ عضو من هذه الأعضاء حظّه من الخضوع والتذلّل؛ أي: سكنت، وافتقرت، وإن كان أصل الخشوع في القلب، لكن ثمرته تظهر على الجوارح والأعضاء، فسُمّي بذلك خُشُوعًا، كما قال تعالى: ﴿تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ الآية [فصلت: ٣٩]؛ أي: متذلّلةً مفتقرةً لما تَحيا به من الماء، أو يكون هذا على سبيل الإغياء والتشبيه، كما قال [من الكامل]: لَا عُضْوَ لِي إِلَّا وَفِيهِ مَحَبَّةٌ … فَكَأَنَّ أَعْضَائِي خُلِقْنَ قُلُوبَا قال: وهذا هو النور الذي دعا به النبيّ -ﷺ- في حديث ابن عبّاس -﵄- المتقدّم. انتهى . (وَإِذَا رَفَعَ قَالَ: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا) بنصب ربنا على أنه منادى حذف منه حرف النداء، كما قال الحريري -﵀- تعالى في»ملحة الإعراب«: وَحَذْفُ يَا يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ … كَقَوْلِهِمْ رَبِّ اسْتَجِبْ دُعَائِي (لَكَ الْحَمْدُ) مبتدأ وخبره، وقُدِّم الخبر لإفادة الحصر، والاختصاص؛ أي: لا لغيرك، وفي الرواية التالية:«ربّنا ولك الحمد»، وقد اختَلَفَت الروايات في زيادة«اللهم»، وفي ثبوت هذه الواو، وحذفها، واختُلِفَ أيضًا في كونها عاطفة، أو زائدة، أو حالية. قال النوويّ -﵀- في«شرح المهذب»: ثبت في الأحاديث الصحيحة من روايات كثيرة:«ربنا لك الحمد»، وفي روايات كثيرة:«ربنا ولك الحمد»، بالواو، وفي روايات:«اللهم ربنا، ولك الحمد»، وفي روايات:«اللَّهم ربنا، لك الحمد»، وكله في«الصحيح». قال الشافعي، والأصحاب: كله جائز، وقال الأصمعي: سألت أبا عمرو عن الواو في قوله:«ربنا، ولك الحمد»؟ فقال: هي زائدة، تقول العرب: بعني هذا الثوب، فيقول المخاطب: نعم، وهو لك بدرهم، فالواو زائدة. [قلت]: ويحتمل أن تكون عاطفة على محذوف؛ أي: ربنا أطعناك، وحمدناك، ولك الحمد. انتهى كلام النووي -﵀- تعالى. وقال الحافظ -﵀-: قوله:«اللهم ربنا»ثبت في أكثر الطرق هكذا، وفي بعضها بحذف«اللَّهم»، وثبوتها أرجح، وكلاهما جائز، وفي ثبوتها تكرير النداء، كأنه قال: يا أللَّه، يا ربنا. وقوله:«ولك الحمد» كذا ثبت زيادة الواو في طرق كثيرة، وفي بعضها بحذفها، قال النووي: المختار لا ترجيح لأحدهما على الآخر، وقال ابن دقيق العيد: كأن إثبات الواو دالّ على معنى زائد؛ لأنه يكون التقدير مثلًا ربنا استجب، ولك الحمد، فيشتمل على معنى الدعاء، ومعنى الخبر. انتهى. وهذا بناء على أن الواو عاطفة، وقيل: زائدة. وقيل: هي واو الحال، قاله ابن الأثير، وضعّف ما عداه. قال: ورجّح الأكثرون ثبوتها. وقال الأثرم: سمعت أحمد يثبت الواو في «ربنا، ولك الحمد»، ويقول: ثبت فيه عدة أحاديث. انتهى كلام الحافظ -﵀- ببعض تصرف. (مِلْءَ السَّمَاوَاتِ، وَمِلْءَ الْأَرْضِ) بكسر الميم، ويجوز نصب آخره، ورفعه، وممن ذكرهما جميعًا ابن خالويه، وآخرون، وحُكي عن الزجاج أنه لا يجوز إلَّا الرفع، ورجح ابن خالويه، والأكثرون النصب، وهو المعروف في روايات الحديث، وهو منصوب على الحال؛ أي: مالئًا، وتقديره: لو كان جسمًا لملأ ذلك، قاله النوويّ -﵀-. قال الجامع عفا اللَّه عنه: يجوز نصب «ملء» على أنه صفة لمصدر محذوف، أي: حمدًا ملءَ، أو مفعول لفعل محذوف؛ أي: أعني، ورفعه على أنه صفة و«الحمدُ»، أو خبر لمحذوف؛ أي: هو. و«الملء» بالكسر ما يأخذه الإناء إذا امتلأ. وقال الخطابيّ -﵀-: هو تمثيل، وتقريب، والمراد تكثير العدد، حتى لو قُدِّر ذلك أجسامًا ملأ ذلك، وقال غيره: المراد بذلك التعظيم، كما يقال: هذه الكلمة تملأ طباق الأرض. وقيل: المراد بذلك أجرها وثوابها. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي الأولى إبقاء لفظ الحديث على ظاهره، وما المانع أن يكون الحمد شيئًا يملأ السموات والأرض، وقد ثبت بالنصوص الكثيرة أن الأعمال توزن يوم القيامة، ومعلوم أنه لا يوزن إلَّا ما كان شيئًا محسوسًا، فلا داعي إلى هذه التكلفات التي ذكروها. (وَمِلْءَ مَا بَيْنَهُمَا) وفي نسخة: «ملء السماوات، وملء الأرض، وما بينهما»؛ أي: ما بين السماوات والأرض. (وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ»)«ملء»عطف على الأول، ومضاف إلى«ما»الموصولة، و«شئت»صلتها، و«من شيء»بيان لـ«ما»، و«بعد»من الظروف المبنية لقطعه عن الإضافة، ونية معناها، وبني على الضم لشبهه بأحرف الغاية، كـ«حيث»، و«منذ»، قال في«الخلاصة»: وَاضْمُمْ بِنَاءً غَيْرًا انْ عَدِمْتَ مَا … لَهُ أُضِيفَ نَاوِيًا مَا عُدِمَا قَبْلُ كَغَيْرُ بَعْدُ حَسْبُ … أَوَّلُ وَدُونُ وَالْجِهَاتُ أَيْضًا وَعَلُ والمضاف المقدر هنا«السموات، والأرض، وما بينهما»، والظرف متعلق بمحذوف صفة لـ«شيء». والمراد بقوله:«من شيء»: العرش، والكرسي، ونحوهما، مما في مقدور اللَّه -﷾-. وقال القرطبيّ -﵀-: يَحْتَمِلُ أن يكون معناه: من شيء يمكن أن يخلقه أكبر من السماوات والأرض، ويَحْتَمِلُ أن يراد به العرش والكرسيّ، ففي الحديث:«إن السماوات والأرض في الكرسيّ كالحلقة الملقاة في فلاة من الأرض، والكرسيّ وما فيه في العرش كحلقة ملقاة في فلاة«، واللَّه تعالى أعلم. قال: ومقصود هذا الحديث الإغياء في تكثير الحمد والثناء. انتهى . (وَإِذَا سَجَدَ قَالَ:«اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ) أي: لك، لا لغيرك، ففي تقديم المعمول إفادة الحصر والاختصاص (وَبِكَ آمَنْتُ) أي: بك لا بغيرك صدقت، ففيه ما تقدم قبله (وَلَكَ أَسْلَمْتُ) أي: انقدت، وخضعت، ولأمرك استسلمت (سَجَدَ وَجْهِي) أي: خضع، وذلّ، وانقَاد (لِلَّذِي خَلَقَهُ) أي: أوجده من العدم، وأسبغ عليه النعم (وَصَوَّرَهُ) أي: رَتَّبه على هيئة خاصة، كما شاءها. قال الحافظ ابن كثير -﵀- عند قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ الآية [الحشر: ٢٤] ما نصه: الخلق: التقدير، والبَرْء هو الفَرْي، وهو التنفيذ، وإبراز ما قدّره، وقرره إلى الوجود، وليس كل من قدّر شيئًا، ورتّبه يقدر على تنفيذه وإيجاده سوى اللَّه -﷿-، قال الشاعر يمدح آخر [من الكامل]: وَلأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ وَبَعْـ … ــضُ الْقَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَا يَفْرِي أي: أنت تُنَفِّذ ما خلقت؛ أي: قدّرت، بخلاف غيرك، فإنه لا يستطيع ما يريد، فالخلق التقدير، والفَرْي التنفيذ، ومنه يقال: قدّر الجَلَّادُ، ثم فَرَى؛ أي: قطع على ما قدّره بحسب ما يريده، وقوله تعالى: ﴿الْخَالِقُ الْبَارِئُ﴾ أي: الذي إذا أراد شيئًا قال له: «كن»، فيكون على الصفة التي يريد الصورة التي يختار، كقوله تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ [الانفطار: ٨]، ولهذا قال: «المصور»؛ أي: الذي ينفّذ ما يريد إيجاده على الصفة التي يريد. انتهى . (وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ) أي: خلق فيه السمع والبصر، قال القرطبيُّ -﵀-: وقد يَحتجّ بإضافة السمع إلى الوجه من يقول: إن الأذنين من الوجه، فيُغسلان بغسله، ولا حجة فيه؛ لأنه يعارضه قوله -ﷺ-: «فإذا مسح رأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه» ، فجعل الأذن غاية للرأس، فهي منه؛ لأنا نقول بموجب ذلك، ونفرّق بين السمع والأذن، فإن السمع الإدراك الذي في الأذن، لا الأذن، ولأن الوجه لا يتضمّن الأذنين كما تقدّم. انتهى . (تَبَارَكَ اللَّهُ) تقدّس، وتنزّه، وتعالى، وتعاظم اللَّه ﷿ (أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ») بالرفع على أنه بدل من لفظ الجلالة؛ أي: أحسن المصورين والمقدرين، فإنه الخالق الحقيقي المنفرد بالإيجاد والإمداد، وغيره إنما يوجد صورًا مُمَوَّهَةً، ليس فيها شيء من حقيقة الخلق، مع أنه تعالى خالق كل صانع وصنعته، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦]. وقال العلامة القرطبيّ -﵀-: ﴿أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ أتقن الصانعين، يقال لمن صنع شيئًا: خلقه، قال الشاعر يمدح آخر [من الكامل]: وَلأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ وَبَعْـ … ـضُ الْقَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَا يَفْرِي قال: وذهب بعض الناس إلى نفي هذه اللفظة عن الناس، وإنما يضاف الخلق إلى اللَّه تعالى. وقال ابن جريج: إنما قال: ﴿أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾؛ لأنه تعالى أذن لعيسى ﵇ أن يخلق. واضطرب بعضهم في ذلك. ولا تُنفَى اللفظة عن البشر في معنى الصنع، وإنما هي منفية بمعنى الاختراع والإيجاد من العدم. انتهى كلام القرطبيُّ -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الحاصل أن إطلاق الخلق لغير اللَّه ﷾ بمعنى الصنع جائز؛ لوقوعه في كلام اللَّه تعالى، كقوله ﷿: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] حيث أضاف «أحسن» إلى «الخالقين»، وكقوله تعالى في تعداد ما أنعم اللَّه على نبيّه عيسى ﵇: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ الآية [المائدة: ١١٠]، فإذا ورد ذلك في القرآن، فلا توقف، ولا اعتراض ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. (ثُمَّ) بعد فراغه من الركوع والسجود (يَكُونُ مِنْ آخِرِ مَا يَقُولُ) الجارّ والمجرور خبر «يكون» مقدّمًا على اسمها، وهو: «اللَّه اغفر بي. . . إلخ»، و«ما» موصولة، و«يقول» صلتها، حُذف منه العائد؛ أي: الذي يقوله (بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمِ) وقوله: («اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي) اسم»يكون«محكيّ؛ لقصد لفظه (مَا قَدَّمْتُ) أي: من السيّئة، و»ما«موصول مفعول»اغفر« (وَمَا أَخَّرْتُ) أي: من عمل؛ أي: جميع ما فَرَط مني، قاله الطيبيّ، وقيل: ما قدّمت قبل النبوّة، وما أخّرت بعدها، وقيل: ما أخّرته في علمك مما قضيته عليّ، وقيل: معناه إن وقع مني في المستقبل ذنبٌ، فاجعله مقرونًا بمغفرتك، فالمراد من طلب المغفرة قبل الوقوع أن يُغفر إذا وقع (وَمَا أَسْرَرْتُ، وَمَا أَعْلَنْتُ) أي: جميع ذنوبي؛ لأنها إما سرٌّ، أو عَلَنٌ (وَمَا أَسْرَفْتُ) أي: جاوزت فيه الحدّ (وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي) أي: ذنوبي التي لا أعلمها عددًا وكمًّا وكيفًا (أَنْتَ الْمُقَدِّمُ، وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ) قيل: معناه قدّم من شاء بالتوفيق إلى مقامات السابقين، وأخّر من شاء عن مراتبهم، كما اقتضته حكمته، وقيل: قدّم من أحبّ من أوليائه على غيرهم من عبيده، وأخّر من أبعده من غيرهم، فلا مقدّم لما أخّره، ولا مؤخّر لما قدّمه. وقال القرطبيّ -﵀-: أي: تقدّم من تشاء، فتجعلهم أنبياء وأولياء وعلماء وفضلاء، وتؤخّر من تشاء، فتجعله فرعون وأبا جهل، أو تُملِّك الملك من تشاء، وتَنزع الملك ممن تشاء، وعلى الجملة فكلّ تقديم وتأخير منه. انتهى . (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ») أي: لا معبود بحقّ إلا أنت سبحانك لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عليّ -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨/ ١٨١٢ و١٨١٣] (٧٧١)، و(أبو داود) في«الصلاة»(٧٤٤ و٧٦٠ و٧٦١ و٢٥٠٩)، و(الترمذيّ) في«الصلاة»(٢٦٦) و«الدعوات»(٣٤٢١ و٣٤٢٢ و٣٤٢٣)، و(النسائيّ) (٢/ ١٢٩ و٢٢٠)، و(ابن ماجه) في«إقامة الصلاة»(٨٦٤ و١٠٥٤)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(١٦٠٧ و١٦٠٨)، و(أبو نعيم) في«مستخرجه»(١٧٦١ و١٧٦٢)، و(الطيالسيّ) في«مسنده»(١٥٢)، و(ابن أبي شيبة) في«مصنّفه»(١/ ٢٣٢)، و(أحمد) في«مسنده»(١/ ٩٤ و١٠٢ و١٠٣)، و(الدارميّ) في«سننه»(٢/ ٢٨٢)، و(ابن الجارود) في«المنتقى»(١٧٩)، و(الطحاويّ) في«معاني الآثار»(١/ ١٩٩) و«مشكل الآثار»(١/ ٤٨٨)، و(ابن خزيمة) في«صحيحه»(٤٦٢ و٤٦٣ و٧٤٣)، و(الدارقطنيّ) في«سننه»(١/ ٢٩٦)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(١٧٧١ و١٧٧٢ و١٧٧٣)، و(البيهقيّ) في«الكبرى»(٢/ ٣٢)، و(البغويّ) في«شرح السنّة»(٥٧٢)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان بعض الأذكار التي تُفتتح بها الصلاة، وهو شاملٌ للمكتوبة، والنافلة، فقد أخرج الحديث الترمذيّ، وأبو داود وابن حبّان، مقيّدًا بالمكتوبة، ولفظه:«إذا قام إلى الصلاة المكتوبة»، وفي رواية للدارقطنيّ:«إذا ابتدأ الصلاة المكتوبة»، وكذلك رواه الشافعيّ، وقيّده أيضًا بالمكتوبة، فالقول بكون هذا الذكر خصوصًا بصلاة التطوّع كما زعمه الحنفيّة مردودٌ، وإيراد مسلم له هنا في«باب صلاة الليل»لا يدلّ على اختصاصه بها، وأما ما وقع عند النسائيّ بلفظ:«كان إذا قام يصلي تطوّعًا، قال: اللَّه أكبر، وجّهت وجهي. . . إلخ»فليس فيه دليلٌ أيضًا على كونه مخصوصًا بالتطوّع؛ لوجود التقييد بالمكتوبة في أكثر روايات عليّ -﵁-. وأما ما أجاب به بعض الحنفيّة بأنه كان ذلك في المكتوبة في أول الأمر، كما في«شرح المنية»لابن أمير حاج، فغير صحيح؛ إذ ليس عليه دليلٌ، فتبصّر. ٢ - (ومنها): أن الإمام ابن حبّان -﵀- استدلّ بهذا الحديث على الدعاء في الصلاة بما ليس في القرآن، وردّ على من زعم ذلك، فقال في«صحيحه»:«ذكرُ الخبر الْمُدحِض قول من من زعم أن الدعاء في الصلوات بما ليس في كتاب اللَّه يُبطل الصلاة»، ثم أورد حديث عليّ -﵁- هذا. ٣ - (ومنها): ما قاله النوويّ -﵀-: قوله:«سجد وجهي للذي خلقه، وصوَّره، وشَقّ سمعه»، فيه دليل لمذهب الزهريّ أن الأذنين من الوجه، وقال جماعة من العلماء: هما من الرأس، وآخرون: أعلاهما من الرأس، وأسفلهما من الوجه، وقال آخرون: ما أقبل على الوجه فمن الوجه، وما أدبر فمن الرأس، وقال الشافعيّ، والجمهور: هما عضوان مستقلان، لا من الرأس ولا من الوجه، بل يُطَهَّران بماء مستقل، ومسحهما سنةٌ، خلافًا للشيعة. وأجاب الجمهور عن احتجاج الزهريّ بجوابين: أحدهما: أن المراد بالوجه جملة الذات، كقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾، ويؤيد هذا أن السجود يقع بأعضاء أُخَرَ مع الوجه. والثاني: أن الشيء يضاف إلى ما يجاوره، كما يقال: بساتين البلد، واللَّه أعلم. انتهى كلام النوويّ -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: مسألة هل الرأس من الوجه، أم لا؟ قد استوفيت بحثها في «شرح النسائيّ»، ورجّحت مذهب من يقول: إنهما من الرأس؛ لقوّة أدلّته، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. ٤ - (ومنها): أن فيه استحبابَ دعاء الافتتاح بما في هذا الحديث، إلا أن يكون إمامًا لقوم لا يؤثرون التطويل. ٥ - (ومنها): أن فيه استحبابَ الذكر في الركوع والسجود والاعتدال والدعاء قبل السلام. ٦ - (ومنها): بيان أن الشرّ لا يضاف إلى اللَّه، وقد تقدّم اختلاف العلماء في معناه، وقد أجاد الإمام ابن القيّم -﵀-، حيث قال في كتابه «شفاء العليل» في الباب الحادي والعشرين في تنزيه القضاء الإلهي عن الشرّ في الكلام على آية: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ الآية [آل عمران: ٢٦] ما نصّه: فتناولت الآية ملكه وحده، وتصرفه، وعموم قدرته، وتضمنت أن هذه التصرفات كلها بيده، وأنها كلها خير، فسَلْبُهُ الملكَ عمن يشاء، وإذلاله من يشاء خير، وإن كان شرًّا بالنسبة إلى المسلوب الذليل، فإن هذا التصرف دائر بين العدل والفضل والحكمة والمصلحة، لا تخرج عن ذلك، وهذا كله خير، يُحْمَد عليه الربّ، ويُثْنَى عليه به، كما يُحْمَد ويُثْنَى عليه بتنزيهه عن الشرّ، وأنه ليس إليه كما ثبت في «صحيح مسلم» أن رسول اللَّه -ﷺ- كان يثني على ربه بذلك في دعاء الاستفتاح، في قوله: «لبيك وسعديك، والخير في يديك، والشرّ ليس إليك، أنا بك، وإليك، تباركت وتعاليت»، فتبارك وتعالى عن نسبة الشرّ إليه، بل كل ما نُسِب إليه فهو خير، والشر إنما صار شرًّا لانقطاع نسبته وإضافته إليه، فلو أضيف إليه لم يكن شرًّا، وهو سبحانه خالق الخير والشرّ، فالشرّ في بعض مخلوقاته، لا في خلقه وفعله، وخلقُهُ وفعلُهُ وقضاؤه وقدره خيرٌ كله، ولهذا تنزه سبحانه عن الظلم الذي حقيقته وضعُ الشيء في غير موضعه، فلا يضع الأشياء إلا في مواضعها اللائقة بها، وذلك خير كلّه، والشر وضع الشيء في غير محله، فإذا وُضِعَ في محله لم يكن شرًّا، فعُلِم أن الشرّ ليس إليه، وأسماؤه الحسنى تشهد بذلك. ثم قال: فإن قلت: فلم خلَقه، وهو شرٌّ؟، قلت: خلْقه له وفعله خيرٌ لا شرٌّ، فإن الخلق والفعل قائم به ﷾، والشرّ يستحيل قيامه به، واتّصافه به، وما كان في المخلوق من شرّ فلعدم إضافته ونسبته إليه، والفعل والخلق يُضاف إليه، فكان خيرًا. انتهى كلام ابن القيّم -﵀- ، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا. وقال العلامة ابن أبي العزّ -﵀- في «شرح العقيدة الطحاويّة» موضّحًا معنى قوله: «والشرُّ ليس إليك»: أي: فإنك لا تخلق شرًّا محضًا، بل كل ما يخلقه ففيه حكمة، هو باعتبارها خيرٌ، ولكن قد يكون فيه شر لبعض الناس، فهذا شرّ جزديّ إضافيّ، فأما شرّ كليّ أو شر مطلقٌ، فالرب ﷾ منزه عنه، وهذا هو الشر الذي ليس إليه، ولهذا لا يضاف الشر إليه مفردًا قطّ، بل إما أن يدخل في عموم المخلوقات، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦]، ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨]، وإما أن يضاف إلى السبب، كقوله: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢)﴾ [الفلق: ٢]، وإما أن يحذف فاعله، كقول الجنّ: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠)﴾ [الجن: ١٠]، وليس إذا خلق ما يتأذى به بعض الحيوان لا يكون فيه حكمة، بل اللَّه من الرحمة والحكمة، لا يقدر قدره إلا اللَّه تعالى، وليس إذا وقع في المخلوقات ما هو شرّ جزئيّ بالإضافة يكون شرًّا كليًّا عامًّا، بل الأمور العامة الكلية لا تكون إلا خيرًا، أو مصلحةً للعباد، كالمطر العامّ، وكإرسال رسول عامّ، وهذا مما يقتضي أنه لا يجوز أن يؤيّد كذّابًا عليه بالمعجزات التي أيّد بها الصادقين، فإن هذا شرّ عامّ للناس يُضِلّهم، فيُفسِد عليهم دينهم ودنياهم وأخراهم، وليس هذا كالْمَلِك الظالم والعدوّ، فإن الملك الظالم، لا بدّ أن يدفع اللَّه به من الشرّ أكثر من ظلمه، وقد قيل: ستون سنةً بإمام ظالم خير من ليلة واحدة بلا إمام، وإذا قُدِّر كثرة ظلمه فذاك خير في الدين، كالمصائب تكون كفارةً لذنوبهم، ويثابون على الصبر عليه، ويرجعون فيه إلى اللَّه، ويسغفرونه، ويتوبون إليه، وكذلك ما يُسَلَّط عليهم من العدوّ، ولهذا قد يُمَكِّن اللَّه كثيرًا من الملوك الظالمين مدّةً، وأما المتنبئون الكذابون فلا يُطيل تمكينهم، بل لا بدّ أن يُهلكهم؛ لأن فسادهم عامّ في الدين والدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦]. انتهى كلام أبي العزُّ -﵀- ، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨١٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو النَّضْرِ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَمِّهِ الْمَاجِشُونِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ الْأَعْرَجِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ كَبَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «وَجَّهْتُ وَجْهِي»، وَقَالَ: «وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ»، وَقَالَ: وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ»، وَقَالَ: «وَصَوَّرَهُ فَأَحْسَنَ صُوَرَهُ»، وَقَالَ: وَإِذَا سَلَّمَ قَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ»، إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ، وَلَمْ يَقُلْ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، ثم البغداديّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. ٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) الْعَنْبَريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ إمامٌ [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨٨. ٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الحنظليّ، أبو يعقوب المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ [١٠] (٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٨. ٤ - (أَبُو النَّضْرِ) هاشم بن القاسم بن مسلم الليثيّ مولاهم، البغداديّ، لقبه قيصر، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٣٦. ٥ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ) الماجشون المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فقيهٌ مصنِّفٌ [٧] (ت ١٦٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨١/ ٤٣٧. ٦ - (عَمُّهُ الْمَاجِشُونُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ) هو: عبد اللَّه بن أبي سلمة التيميّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٦) (م د س) تقدم في «الطهارة» ٤/ ٥٥٥. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي: بإسناد الأعرج الماضي، وهو عن عبيد اللَّه بن أبي رافع، عن عليّ بن أبي طالب -﵁-. وقوله: (وَقَالَ: وَإِذَا سَلَّمَ قَالَ. . . إلخ) لا تنافي بين الروايتين؛ لأن معنى «وإذا سلّم قال. . . إلخ» أي: إذا أراد التسليم، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ الآية [النحل: ٩٨]؛ أي: إذا أردت قراءة القرآن، فيكون قوله: «اللهم اغفر لي. . . إلخ» قبل التسليم. على أنه لا يبعد أن يكون قاله في الموضعين، قبل التسليم وبعده. [تنبيه]: رواية عبد العزيز بن عبد اللَّه بن أبي سلمة، عن عمّه الماجشون هذه ساقها الإمام أحمد -﵀- في «مسنده»، فقال: (٠٥) ثنا هاشم بن القاسم، حدثنا عبد العزيز -ابن عبد اللَّه بن أبي سلمة- عن عمه الماجشون بن أبي سلمة، عن الأعرج، عن عبيد اللَّه بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب -﵁- أن النبيّ -ﷺ- كان إذا استفتح الصلاة يكبر، ثم يقول: «وَجّهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا، وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي للَّه رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، اللهم أنت الملك، لا إله إلا أنت، أنت ربي، وأنا عبدك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعًا، لا يغفر الذنوب إلا أنت، اللهم اهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اصرف عني سيئها، لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك، وأتوب إليك»، وإذا ركع قال:«اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظامي وعصبي»، وإذا رفع رأسه قال:«سمع اللَّه لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ملء السموات والأرض وما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعدُ»، وإذا سجد قال:«اللهم لك سجدتُ، وبك آمنتُ، ولك أسلمتُ، سجد وجهي للذي خلقه وصوّره، فأحسن صُوَرَهُ، فشق سمعه وبصره، فتبارك اللَّه أحسن الخالقين»، وإذا فرغ من الصلاة وسلم قال:«اللهم اغفر لي ما قدمت، وما أخرت، وما أسررت، وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدِّم، وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت». قال عبد اللَّه قال : بلغنا عن إسحاق ابن راهويه، عن النضر بن شُمَيل، أنه قال في هذا الحديث:«والشر ليس إليك»قال: لا يُتَقَرَّب بالشر إليك. حدّثنا حُجَين، حدّثنا عبد العزيز، عن عمه الماجشون بن أبي سلمة، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد اللَّه بن أبي رافع، عن عليّ بن أبي طالب -﵁-، عن رسول اللَّه -ﷺ- أنه كان إذا افتتح الصلاة كبّر، ثم قال:«وجهت وجهي. . . »فذكر مثله، إلا أنه قال:«واصرف عني سيئها». انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير محمد ابن الشيخ العلامة عليّ بن آدم بن موسى خُويدم العلم بمكة المكرّمة: قد انتهيتُ من كتابة الجزء الثالث عشر من«شرح صحيح الإمام مسلم»المسمَّى«البحرَ المحيطَ الثّجّاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج»والمؤذّن يؤذّن لصلاة المغرب يوم الاثنين المبارك ٢١/ ١/ ١٤٢٧ هـ الموافق (٢٠ فبراير ٢٠٠٦ م). أسأل اللَّه العليّ العظيم ربّ العرش العظيم أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز بجنات النعيم لي ولكلّ من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رءوف رحيم. وآخر دعوانا: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ الآية [الأعراف: ٤٣]. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٣]. «اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد». «السلام على النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته». ويليه -إن شاء اللَّه تعالى- الجزء الرابع عشر مفتتحًا بـ (٢٩) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ تَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ) رقم الحديث [١٨١٤] (٧٧٢). «سبحانك اللَّهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك». (٢٩) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ تَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨١٤] (٧٧٢) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو مُعَاوِيةَ (ح) وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ جَرِيرٍ، كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ الْأَحْنَفِ، عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَافْتَتَحَ «الْبَقَرَةَ»، فَقُلْتُ: يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ، ثُمَّ مَضَى، فَقُلْتُ: يُصَلِّي بِهَا فِي رَكْعَةٍ ، فَمَضَى، فَقُلْتُ: يَرْكَعُ بِهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ «النِّسَاءَ» ، فَقَرَأَهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ «آلَ عِمْرَانَ»، فَقَرَأَهَا، يَقْرَأُ مُتَرَسِّلًا، إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ، وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ، ثُمَّ رَكَعَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ»، فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِ، ثُمَّ قَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»، ثُمَّ قَامَ طَوِيلًا قَرِيبًا مِمَّا رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، فَقَالَ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى»، فَكَانَ سُجُودُهُ قَرِيبًا مِنْ قِيَامِهِ، قَالَ : وَفِي حَدِيثِ جَرِيرٍ مِنَ الزِّيَادَةِ، فَقَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ»). رجال هذا الإسناد: اثنا عشر: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٢ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) عن (٨٤) سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٥. ٣ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِمُ في حديث غيره، ورُمي بالإرجاء، من كبار [٩] (ت ١٩٥) عن (٨٢) سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧. ٤ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. ٥ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الحنظليّ، أبو يعقوب المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمام [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٨. ٦ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٧ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مهران الأسديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ حجة ورعٌ، إلا أنه يدلّس [٥] (ت ٧ أو ١٤٨) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٢٩٧. ٨ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نُمير الْهَمدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٥. ٩ - (سَعْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ) السّلميّ، أبو حمزة الكوفيّ، ثقةٌ [٣] مات في ولاية عمر بن هُبيرة على العراق (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ١٢٠. ١٠ - (الْمُسْتَوْرِدُ بْنُ الْأَحْنَفِ) الكوفيّ، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن حذيفة، وابن مسعود، ومَعْقِل بن عامر، وصِلَة بن زُفَر. وروى عنه سعد بن عُبيدة، وعلقمة بن مرثد، وسلمة بن كهيل، وأبو حَصِين الأَسَديّ. قال ابن المدينيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل الكوفة: كان ثقةً، وله أحاديثُ، وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقةٌ. أخرج له المصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ١١ - (صِلَةُ بْنُ زُفَرَ) الْعَبسيّ، أبو العلاء، ويقال: أبو بكر الكوفيّ، ثقةٌ، تابعيّ كبير [٢]. رَوَى عن عمار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان، وابن مسعود، وعليّ، وابن عباس. وروى عنه أبو وائل، وهو أكبر منه، ورِبْعيّ بن حِرَاش، وهو من أقرانه، والمستورد بن الأحنف، وأبو إسحاق السَّبِيعيّ، وأيوب السختيانيّ، وغيرهم. قال ابن خِرَاش: كوفيّ ثقةٌ، وقال الخطيب: كان ثقةً، وقال شعبة: قلبُ صلة من ذهب، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال خليفة: مات في ولاية مصعب بن الزبير، وكذا قال ابن سعيد، وزاد: وكان ثقةً، وله أحاديثُ، وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقةٌ، ونقل ابن خلفون توثيقه عن ابن نُمَير، وابن صالح -يعني العجليّ- وقال أبو وائل: لَقِيتُ صلةَ، وكان ما علمت برًّا، وروى ابن أبي حاتم من طريق شعبة، عن أبي إسحاق، عن صلة، عن حذيفة -﵁- قال: قلب صلة بن زفر من ذهب -يعني أنه مُنَوَّرٌ كالذهب-. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٧٧٢)، وحديث (٢٤٢٠): «لأبعثنّ إليكم رجلًا أمينًا. . .». ١٢ - (حُذَيْفَةُ) بن اليمان، واسم اليمان حِسْل، أو حُسيل العبسيّ، حليف الأنصار الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄- مات في أول خلافة عليّ -﵁- سنة (٣٦) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٥٧. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف -﵀-، وله فيه ثلاثة أسانيد لخّصها بالتحويل، فقوله: «جميعًا» يعود إلى شيخيه: زهير، وإسحاق، فكلاهما رويا عن جرير بن عبد الحميد، وقوله: «كلُّهم» يرجع إلى الثلاثة، وهم شيوخ شيوخه، وهم عبد اللَّه بن نمير، وأبو معاوية، وجرير بن عبد الحميد، فثلاثتهم رووا عن الأعمش. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، فكلهم كوفيّون، سوى زهير، فبغداديّ، وإسحاق فمروزيّ. ٣ - (ومنها): أن فيه أربعة من التابعين، روى بعضهم عن بعض: الأعمش، عن سعد بن عُبيدة، عن المستورِدِ، عن صِلَة بن زُفَر. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ -﵄-، وهو صاحب سرّ رسول اللَّه -ﷺ-، أعلمه بما كان وبما يكون إلى أن تقوم الساعة، كما في «صحيح مسلم»، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ حُذَيْفَةَ) -﵁- أنه (قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- ذَاتَ لَيْلَةٍ) أي: ليلةً من الليالي (فَافْتَتَحَ «الْبَقَرَةَ») أي: ابتدأ بقراءة سورة البقرة بعد الفاتحة، وإنما لم يذكرها؛ لكونها معروفة (فَقُلْتُ: يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ، ثُمَّ مَضَى، فَقُلْتُ: يُصَلِّي بِهَا فِي رَكْعَةٍ) وفي نسخة: «يصلي بها ركعةً» بحذف «في»، ومعناه: ظننت أنه يصلّي بها، فيقسمها على ركعتين، وأراد بالركعة الصلاة بكاملها، وهي ركعتان، ولا بدّ من هذا التأويل، فينتظم الكلام بعده، وعلى هذا فقوله: «ثم مضى» معناه: قرأ معظمها بحيث غَلَب على ظني أنه لا يركع الركعة الأولى إلا في آخر البقرة، فحينئذ قلت: يركع الركعة الأولى بها، فجاوز، وافتتح النساء، قاله النوويُّ -﵀- . (فَمَضَى) أي: استمرّ في قراءته (فَقُلْتُ: يَرْكَعُ بِهَا) أي: ظننت أنه يركع عند آخر «سورة البقرة» (ثُمَّ افْتَتَحَ «النِّسَاءَ») أي: ثم استمرّ بعد أن ختم «البقرة»، فبدأ بقراءة «سورة النساء» (فَقَرَأَهَا) أي: قرأ كل السورة (ثُمَّ افْتَتَحَ «آلَ عِمْرَانَ»، فَقَرَأَهَا) أي: كلها. قال القاضي عياض -﵀-: فيه دليل لمن يقول: إن ترتيب السور اجتهاد من المسلمين، حين كتبوا المصحف، وإنه لم يكن ذلك من ترتيب النبيّ -ﷺ-، بل وَكَلَهُ إلى أمته بعده، قال: وهذا قول مالك، وجمهور العلماء، واختاره القاضي أبو بكر الباقلانيّ، قال ابن الباقلانيّ: هو أصحّ القولين، مع احتمالهما، قال: والذي نقوله: إن ترتيب السور ليس بواجب في الكتابة، ولا في الصلاة، ولا في الدرس، ولا في التلقين والتعليم، وإنه لم يكن من النبيّ -ﷺ- في ذلك نصّ، ولا حدّ تحرم مخالفته، ولذلك اختَلَفَ ترتيب المصاحف قبل مصحف عثمان -﵁-، قال: واستجاز النبيّ -ﷺ- والأمة بعده في جميع الأعصار ترك ترتيب السور في الصلاة والدرس والتلقين. قال: وأما على قول من يقول من أهل العلم: إن ذلك بتوقيف من النبيّ -ﷺ- حدَّده لهم، كما استقر في مصحف عثمان -﵁-، وإنما اختَلَفت المصاحف قبل أن يبلغهم التوقيف، والعرض الأخير، فيُتَأَوَّل قراءته -ﷺ- «النساء» أوّلًا، ثم «آل عمران» هنا على أنه كان قبل التوقيف والترتيب، وكانت هاتان السورتان هكذا في مصحف أُبَيّ -﵁-، قال: ولا خلاف أنه يجوز للمصلي أن يقرأ في الركعة الثانية سورة قبل التي قرأها في الأولى، وإنما يكره ذلك في ركعة، ولمن يتلو في غير صلاة، قال: وقد أباحه بعضهم، وتَأوَّل نهي السلف عن قراءة القرآن منكوسًا على من يقرأ من آخر السورة إلى أولها، قال: ولا خلاف أن ترتيب آيات كل سورة بتوقيف من اللَّه تعالى على ما هي عليه الآن في المصحف، وهكذا نقلته الأمة عن نبيها -ﷺ-. انتهى كلام القاضي عياض -﵀-. قال الجامع عفا اللَّه عنه: الذي يترجّح عندي قول من قال: إن ترتيب السور على ما هي عليه الآن كان بتوقيف من النبيّ -ﷺ-، وهي العرضة الأخيرة التي عرضها -ﷺ- على جبريل ﵇، كما هو المجمع عليه في ترتيب الآيات، فلا فرق بينهما في ذلك، وأما ما ثبت من قراءته -ﷺ- «النساء» قبل «آل عمران»، ونحو ذلك فيُحمَلُ على بيان الجواز، وأن الترتيب في القراءة غير لازم، بل في الرسم والكتابة فقط، فيجوز أن يقرأ بالسورة قبل التي قبلها في الرسم. ويَحتَمِلُ أن يكون ذلك قبل أن يوحى إليه بترتيبها على ما هي عليه الآن، وأما اختلاف مصاحف الصحابة -﵃- في ترتيبها، فيُحمَل على عدم وصول العلم إليهم بتوقيف النبيّ -ﷺ- بالترتيب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. (يَقْرَأُ مُتَرَسِّلًا) أي: مترفِّقًا متمهِّلًا، من قولهم: على رِسْلِكَ؛ أي: على رِفْقِكَ، قال القرطبيُّ: هذا التطويل، وهذه الكيفيّة التي صدرت عنه -ﷺ- في هذه الصلاة إنما كان منه بحسب وقت صادفه، ووجْدٍ وَجَده، فاستطاب ما كان فيه، واستغرقه عما سواه، وهو موافقٌ لما قاله في حديث آخر: «إذا أمّ أحدكم فليُخفّف، وإذا صلّى وحده فليطوّل ما شاء» . انتهى . (إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ) يعني: أنه -ﷺ- إذا قرأ آية يُذكر فيها التسبيح، كقوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [الواقعة: ٧٤]، وقوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى: ١] سبّح اللَّه ﷾ (وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ) أي: إذا قرأ آية تحثّ على سؤال اللَّه ﷾ سأله، وفي رواية أبي داود: «وما مرّ بآية رحمة إلا وقف عندها، فسأل، ولا بآية عذاب إلا وقف عندها، فتعوّذ» (وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ) أي: بآية فيها تعوّذ بأن تُذكر فيها النار، أو الوعيد (تَعَوَّذَ) أي: اعتصم باللَّه تعالى من عذابه. (ثُمَّ رَكَعَ، فَجَعَلَ) أي: شرع (يَقُولُ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ»، فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِ) يعني: أنه -ﷺ- مكث في ركوعه طويلًا قريبًا من طول قيامه (ثُمَّ قَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»، ثُمَّ قَامَ طَوِيلًا قَرِيبًا مِمَّا رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، فَقَالَ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى») قيل: الحكمة في تخصيص الركوع بـ «العظيم»، والسجود بـ «الأعلى» أن السجود لَمّا كان فيه غاية التواضع؛ لِمَا فيه من وضع الجبهة التي هي أشرف الأعضاء على مواطئ الأقدام كان أفضل وأبلغ في التواضع من الركوع، فحسُن تخصيصه بما فيه صيغة أفعل التفضيل، وهو «الأعلى»، بخلاف «العظيم»؛ ليكون الأبلغ مع الأبلغ، والمطلق مع المطلق، وأيضًا فقد صحّ عنه -ﷺ-: «أقرب ما يكون العبد من ربّه، وهو ساجد»، فربّما يُتوهّم قرب المسافة، فنُدب «سبحان ربي الأعلى»؛ دفعًا لهذا التوهّم، وأيضًا في السجود غاية الانحطاط من العبد، فيناسبه أن يصف فيه ربّه بالعلوّ ، واللَّه تعالى أعلم. (فَكَانَ سُجُودُهُ قَرِيبًا مِنْ قِيَامِهِ) أي: في الطول. (قَالَ) وفي نسخة: «قال مسلم»؛ يعني: صاحب الكتاب (وَفِي حَدِيثِ جَرِيرٍ) أي: ابن عبد الحميد (مِنَ الزِّيَادَةِ، فَقَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ») الزيادة قوله: «ربنا لك الحمد»؛ لأن قوله: «سمع اللَّه لمن حمده» ثابتٌ في روايتهم جميعًا، كما مرّ آنفًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث حُذيفة -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩/ ١٨١٤] (٧٧٢)، و(أبو داود) في «الصلاة» (٨٧١)، و(الترمذيّ) في «الصلاة» (٢٦٢)، و(النسائيّ) في «الافتتاح» (١٠٠٨ و١٠٠٩ و١٠٤٦ و١١٣٣ و١٦٦٤ و١٦٦٥)، و«الكبرى» (١٠٨٠ و١٠٨١)، و(ابن ماجه) في «إقامة الصلاة» (٨٩٧ و١٣٥١)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١/ ٢٤٨)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (٤١٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ٩٧ و٣٨٢ و٣٨٤ و٣٨٩ و٣٩٤)، و(الدارميّ) في «سننه» (١/ ٢٩٩)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٦٠٤ و٦٦٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٨٩٧ و٢٦٠٤)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (١/ ٢٣٥)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (١/ ٣٣٤)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٧٠٦ و١٨٠١ و١٨١٨)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٧٦٣ و١٧٦٤)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٢/ ٣٠٩ و٣١٠)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٦٢٢)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل. ٢ - (ومنها): استحباب الترسّل في القراءة. ٣ - (ومنها): بيان استحباب التسبيح عند المرور بآية فيها تسبيح، والسؤال عن قراءة آية فيها سؤال، والتعوذ إذا مرّ بآية فيه ذكر عذاب، وهذا عامّ لكل قارئ في الصلاة وغيرها، وإلى هذا ذهبت الشافعيّة، وقالوا: لا فرق في ذلك بين كون المصلّي إمامًا، أو مأمومًا، أو منفردًا، ولا بين الفرض والنفل. وذهبت الحنفيّة إلى أن ذلك يكون في التطوّع، لا في المكتوبة، وبهذا قالت المالكيّة، وقالوا: إن الدعاء أثناء القراءة في الفريضة مكروه إلا للمأموم، فله أن يصلي على النبيّ -ﷺ- إذا مرّ ذكره في قراءة الإمام، وأن يسأل الجنّة إذا مرّ بآية فيها ذكرها، وأن يستعيذ من النار إذا مرّ بآية فيها ذكرها . قال الجامع عفا اللَّه عنه: الأرجح عندي القول باستحباب التسبيح والسؤال، والتعوّذ لكلّ قارئ في التطوّع دون الفرض، كما هو مذهب المالكيّة والحنفيّة؛ لأنه المنقول عن النبيّ -ﷺ-، ولم يُنقل ذلك عنه في الفريضة، فالأولى الاقتصار على مورد النصّ، ولأن الإمام مأمور بالتخفيف، فلا يُشرع له التطويل بما ذُكر، وأما المأموم فلا بأس أن يفعل ذلك؛ لأنه لم يؤمر بالتخفيف كالإمام، فليُتنبّه ، واللَّه تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): بيان استحباب تكرير «سبحان ربي العظيم» في الركوع، و«سبحان ربي الأعلى» في السجود، قال النوويُّ -﵀-: وهو مذهبنا، ومذهب الأوزاعيّ، وأبي حنيفة، والكوفيين، وأحمد، والجمهور، وقال مالك: لا يتعيّن ذكر التسبيح، انتهى. ٥ - (ومنها): أن فيه دليلًا على جواز تطويل الاعتدال من الركوع، وهو قول الجمهور، وفيه ردّ على الشافعيّة حيث لا يُجيزونه، بل يبطلون به الصلاة، وهذا عجيب مع ثبوت الأحاديث الصحيحة الكثيرة على أنه -ﷺ- كان يُطيله، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨١٥] (٧٧٣) - (وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كِلَاهُمَا عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَطَالَ حَتَّى هَمَمْتُ بِأَمْرِ سَوْءٍ، قَالَ: قِيلَ : وَمَا هَمَمْتَ بِهِ؟ قَالَ: هَمَمْتُ أَنْ أَجْلِسَ وَأَدَعَهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عثمان بن محمّد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان العبسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ مشهور [١٠] (ت ٢٣٩) (خ م د س ق) تقدم في «الإيمان» ٣٥/ ٢٤٦. ٢ - (أَبُو وَائِلٍ) شقيق بن سَلَمَة الأسديّ الكوفيّ، ثقةٌ مخضرم [٢] مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٧. ٣ - (عَبْدُ اللَّهِ) بن مسعود بن غافل بن حبيب الْهُذليّ، أبو عبد الرحمن الصحابيّ الجليل، مات -﵁- سنة (٣٢) أو قبلها (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١١. والباقون ذُكروا قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان قرن بينهما، ثم فصّل؛ لاختلافهما في صيغة الأداء. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى شيخه إسحاق، فمروزيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم. ٥ - (ومنها): أن فيه «عبد اللَّه» مهملًا، والقاعدة فيه أنه إذا كان الإسناد كوفيًّا كما هنا كان ابن مسعود -﵁-، وإذا كان بصريًّا فهو ابن عباسّ، أو مدنيًّا، فهو ابن عمر، أو مكيًّا، فهو ابن الزبير، أو مصريًّا أو شاميًّا، فهو ابن عمرو بن العاص -﵃-، وقد تقدّم هذا غير مرّة. ٦ - (ومنها): أن صحابيّه -﵃- أحد السابقين إلى الإسلام، ومن كبار علماء الصحابة -﵃-، وقرّائهم، ذو مناقب جمّة، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة أنه (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ) بن مسعود -﵁- (صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) وفي رواية البخاريّ من طريق شعبة، عن الأعمش: «ليلةً» (فَأَطَالَ) أي: القيام، وفي رواية البخاريّ المذكورة: «فلم يزل قائمًا» (حَتَّى هَمَمْتُ) أي: أردت وقصدت، يقال: هَمَمتُ بالشيء هَمًّا، من باب نصر: إذا أردته ولم تفعله . (بِأَمْرِ سَوْءٍ) بإضافة «أَمْرٍ» إلى «سَوْءٍ»، قاله في «الفتح»، وقال في «المصباح»: أساء زيدٌ في فعله، وفَعَلَ سُوءًا بالضمّ، والاسم السُّوءَى على فُعْلَى، وهو رجلُ سَوْءٍ بالفتح والإضافة، وعَمَلُ سَوْءٍ، فإن عَرَّفتَ الأولَ، قلتَ: الرجلُ السَّوْءُ، والعملُ السَّوْءُ على النعت. انتهى . وقال في «القاموس»: ولا خير في قول السُوْءِ بالفتح والضمّ، إذا فتحتَ فمعناه: في قولٍ قبيحٍ، وإذا ضممتَ فمعناه: في أن تقول سُوءًا، وقُرئ ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [التوبة: ٩٨] بالوجهين؛ أي: الهزيمةِ والشرِّ والرَّدَى والفسادِ، وكذا أمطرت السماء مطرَ السَّوْء، أو المضموم الضررُ، والمفتوح الفساد والنار، ومنه: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى﴾ [الروم: ١٠] في قراءةٍ، ورجلُ سَوْءٍ، ورجلُ السَّوْءِ بالفتح والإضافة. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن مما سبق أن «أمر سوء» هنا بالإضافة، فلا يكون «سوء» صفة لـ «أمر»، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. (قَالَ) أبو وائل (قِيلَ) وفي نسخة: «قلتُ»، وفي رواية البخاريّ: «قلنا» (وَمَا هَمَمْتَ بهِ؟) أي: أيّ شيء أردت أن تفعله معه -ﷺ-؟ (قَالَ) ابن مسعود -﵁- (هَمَمْتُ أَنْ أَجْلِسَ وَأَدَعَهُ) أي: أترك الصلاة معه، قال في «الفتح»: وفي الحديث دليلٌ على اختيار النبيّ -ﷺ- تطويل صلاة الليل، وقد كان ابن مسعود -﵁- قويًّا محافظًا على الاقتداء بالنبيّ -ﷺ-، وما هَمَّ بالقعود إلا بعد طولٍ كثيرٍ، ما اعتاده، وأخرج مسلم من حديث جابر -﵁- مرفوعًا: «أفضل الصلاة طول القنوت»، فاستدلّ به على ذلك، ويَحْتَمِلُ أن يراد بالقنوت في حديث جابر -﵁- الخشوع. وذَهَب كثير من الصحابة -﵃- وغيرهم إلى أن كثرة الركوع والسجود أفضل، وقد أخرج مسلم من حديث ثوبان -﵁- أنه سأل النبيّ -ﷺ- عن أحبّ الأعمال إلى اللَّه، فقال: «عليك بكثرة السجود للَّه. . .» الحديث. قال الجامع عفا اللَّه عنه: الذي يظهر لي -كما استظهره الحافظ -﵀- أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، فمن كان قويًّا على تطويل القيام والركوع والسجود، كما هو أكثر فعل النبيّ -ﷺ-، فهو الأفضل في حقّه، ومن لا يستطيع ذلك، وكان كثرة الركوع والسجود أخفّ عليه، فهو الأفضل في حقّه، فبهذا يُجمع بين حديثي جابر، وثوبان -﵄-، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب تطويل صلاة الليل. ٢ - (ومنها): بيان جواز الاقتداء في غير المكتوبات. ٣ - (ومنها): أنه ينبغي الأدب مع الأئمة والكبار، وأن لا يخالفوا بفعل، ولا قول، ما لم يكن حرامًا، واتَّفَقَ العلماء على أنه إذا شَقَّ على المقتدي في فريضة أو نافلة القيام، وعَجَزَ عنه جاز له القعود، وإنما لم يقعد ابن مسعود -﵁-؛ للتأدب مع النبيّ -ﷺ-، قاله النوويُّ -﵀-. ٤ - (ومنها): أن مخالفة الإمام في أفعاله معدودة في العمل السيِّئ. ٥ - (ومنها): جواز استفهام الإمام ورئيس القوم إذا لم يفهم مراده؛ لأن أصحاب ابن مسعود -﵁- ما عرفوا مراده من قوله: «هممت بأمرِ سَوْءٍ» حتى استفهموه عنه، ولم ينكر عليهم استفهامهم عن ذلك، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨١٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْخَلِيلِ، وَسُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْخَلِيلِ) الْخَزّاز -بمعجمات- أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ [١٠]. رَوَى عن عليّ بن مُسْهِر، وعبد الرحيم بن سليمان، وحفص بن غياث، وغيرهم. وروى عنه البخاريّ، ومسلم، وروى له أبو داود بواسطة الذُّهْليّ حديثًا، والدارميّ، والصنعانيّ، والفَسَويّ، ويعقوب بن شيبة، وغيرهم. قال أبو حاتم: كان من الثقات، وقال العجليّ: ثقةٌ صاحب سنة، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال مُطَيَّن: كان ثقةً، وكَتَب عنه ابن نُمَير، ومات سنة (٢٢٥)، وذكر أبو نعيم الإستراباذيّ أنه مات سنة (٢٢٤). روى عنه البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود في «القدر»، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (٧٧٣)، و(٢٢٦٣): «رؤيا المسلم يراها أو ترى له. . .»، و(٢٤١٦): «فداك أبي وأمي». ٢ - (سُويدُ بْنُ سَعِيدٍ) الهرويّ الأصل، ثم الْحَدَثانيّ، ويقال له: الأنباريّ، أبو محمد صدوقٌ، عمي، فتلقّن، من قُدماء [١٠] (ت ٢٤٠) وله مائة سنة (م ت) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٨٧. ٣ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الْمَوْصل، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٦. و«الأعمش» ذُكر قبله. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ) أي بإسناد الأعمش الماضي، وهو: عن أبي وائل، عن عبد اللَّه بن مسعود -﵁-. [تنبيه]: رواية عليّ بن مسهر هذه ساقها ابن ماجه -﵀- في «سننه»، فقال: (١٤١٨) حدّثنا عبد اللَّه بن عامر بن زُرَارة، وسُويد بن سعيد قالا: حدّثنا علي بن مُسهر، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه، قال: صليت ذات ليلة مع رسول اللَّه -ﷺ-، فلم يزل قائمًا حتى هممت بأمرِ سَوْءٍ، قلت: وما ذاك الأمر؟ قال: هممت أن أجلس، وأتركه. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣٠) - (بَابُ بَيَانِ كَرَاهِيَةِ أَنْ يَنَامَ الرَّجُلُ لَيْلَهُ كُلَّهُ لَا يُصَلِّي فِيهِ، وَبَيَانِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ أثَرِ الشَّيْطَانِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨١٧] (٧٧٤) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ، قَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- رَجُلٌ نَامَ لَيْلَةً حَتَّى أَصْبَحَ، قَالَ: «ذَاكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنَيْهِ»، أَوْ قَالَ: «في أُذُنِهِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر بن عبد اللَّه السَّلَميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبت حجةٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٢٩٦. والباقون تقدّموا في الباب الماضي، وكذا لطائف الإسناد. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) بن مسعود -﵁- أنه (قَالَ: ذُكِرَ) بالبناء للمفعول (عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- رَجُلٌ) قال الحافظ -﵀-: لم أقف على اسمه، لكن أخرج سعيد بن منصور، عن عبد الرحمن بن يزيد النخعيّ، عن ابن مسعود -﵁- ما يؤخذ منه أنه هو، ولفظه بعد سياق الحديث بنحوه: «وايم اللَّه، لقد بال في أذن صاحبكم ليلة» يعني: نفسه. انتهى. (نَامَ لَيْلَةً حَتَّى أَصْبَحَ) أي: دخل في الصباح، فـ «أصبح» هنا تامّة، كقوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧)﴾ [الروم: ١٧]. [تنبيه]: ظاهر إيراد المصنّف -﵀- لهذا الحديث خلال أحاديث قيام الليل أنه حمله على ترك قيام الليل، ومثله صنيع البخاريُّ -﵀-، حيث أورده في «كتاب التهجّد». ويَحْتَمِلُ أنه ترك صلاة العشاء، وقد ذكر ابن حبّان في «صحيحه» عن سفيان الثوريّ أنه قال: هذا عندنا يشبه أن يكون نام عن الفريضة. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: الاحتمال الأول عندي أقرب، واللَّه تعالى أعلم. وفي رواية البخاريّ من طريق أبي الأحوص، عن منصور: «ما زال نائمًا حتى أصبح، ما قام إلى الصلاة»، قال في «الفتح»: المراد الجنس، ويَحْتَمِل العهدَ، ويُراد به صلاة الليل، أو المكتوبة. انتهى . (قَالَ) -ﷺ- («ذَاكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنَيْهِ») بالتثنية (أَوْ) للشكّ من الراوي (قَالَ: «فِي أُذُنِهِ») بالإفراد. واختُلف في بول الشيطان، فقيل: هو على حقيقته، قال القرطبيّ وغيره: لا مانع من ذلك؛ إذ لا إحالة فيه؛ لأنه ثبت أن الشيطان يأكل، ويشرب، ويَنكِح، فلا مانع من أن يبول، وقيل: كناية عن سدّ الشيطان أذن الذي نام عن الصلاة حتى لا يسمع الذكر، وقيل: معناه: أن الشيطان ملأ سمعه بالأباطيل، فحجب سمعه عن الذكر، وقيل: هو كناية عن ازدراء الشيطان به، وقيل: معناه: أن الشيطان استولى عليه، واستخفّ به، حتى اتخذه كالكنيف المعدّ للبول، إذ من عادة المستخفّ بالشيء أن يبول عليه، وقيل: هو مثل مضروب للغافل عن القيام بثقل النوم، كمن وقع البول في أذنه، فثقّل أذنه، وأفسد حسّه، والعرب تَكني عن الفساد بالبول، قال الراجز: بَالَ سُهَيْلٌ فِي الْفَضِيخِ فَفَسَدْ وكنى بذلك عن طلوعه؛ لأنه وقت إفساد الفضيخ، فعبّر عنه بالبول. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي القول الأول هو الصواب، فبول الشيطان في أذن هذا النائم على حقيقته؛ إذ لا مانع من ذلك، كما تقدم عن القرطبي وغيره، فلا داعي لصرف ظاهر النصّ إلى هذه التأويلات التي ذكروها؛ إذ هي تكلفٌ، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. ووقع في رواية الحسن عن أبي هريرة -﵁- في هذا الحديث عند أحمد: «قال الحسن: إن بوله واللَّه لثقيل»، ورَوى محمد بن نصر من طريق قيس بن أبي حازم، عن ابن مسعود -﵁-: «حسبُ الرجل من الخيبة والشرّ أن ينام حتى يصبح، وقد بال الشيطان في أذنه»، وهو موقوف صحيح الإسناد قاله في «الفتح» . وقال الطيبيُّ -﵀-: خصّ الأذن بالذكر، وإن كانت العين أنسب بالنوم إشارةً إلى ثقل النوم، فإن المسامع هي موارد الانتباه، وخصّ البول لأنه أسهل مدخلًا في التجاويف، وأسرع نفوذًا في العروق، فيورث الكسل في جميع الأعضاء. انتهى ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن مسعود -﵁- هذا مُتَّفَقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه:
مصادر المؤلف (٧٢)

١. وفي نسخة:«وما أخّرت، وما أسررت، وما أعلنت».

٢. راجع: «اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص ١٠ - ٢٠).

٣. «إكمال المعلم» ٣/ ١٣٠ - ١٣١.

٤. راجع: «قرّة عين المحتاج» ١/ ٢١٢ - ٢١٦.

٥. راجع: «المرعاة» ٤/ ٢٠٠ - ٢٠١.

٦. «شرح النووي» ٦/ ٥٥.

٧. اعترض السنديُّ، وقال: مقام الدعاء يأبى ذلك.

٨. «المفهم» ٢/ ٣٩٩.

٩. «شرح النووي» ٦/ ٥٥ - ٥٦.

١٠. قيل معناه: لا حول عن المعصية، ولا قوّة على الطاعة، إلَّا بتوفيق اللَّه، قاله في «المصباح».

١١. بكسر الميم، وسكون النون.

١٢. وفي نسخة: «وحدّثنا».

١٣. «الكاشف عن حقائق السنن» ٤/ ١١٩٦ - ١١٩٧.

١٤. «شرح النوويّ» ٦/ ٥٧.

١٥. «المنهل العذب المورود» ٥/ ١٧٨.

١٦. «الكاشف» ٤/ ١١٩٧.

١٧. «شرح علل الترمذيّ» ٢/ ٦٤١ - ٦٤٢.

١٨. راجع: «قرة عين المحتاج» ١/ ١٤٦ - ١٤٧ الطبعة الثانية.

١٩. وفي نسخة:«أخبرني».

٢٠. وفي نسخة:«ملء السماوات والأرض وما بينهما».

٢١. «المفهم» ٢/ ٤٠٠.

٢٢. انتهى من «لسان العرب» باختصار ٢/ ١٠٢٦.

٢٣. فقد ألقي إبراهيم -﵇- في النار، وأراد أن يذبح ولده.

٢٤. «نيل الأوطار» ٣/ ٣٢.

٢٥. رواه أحمد في «مسنده» ٤/ ١٤٨ - ١٥٨.

٢٦. «المفهم» ٢/ ٤٠١.

٢٧. «المفهم» ٢/ ٤٠١.

٢٨. «المفهم» ٤/ ٤٠١ - ٤٠٢.

٢٩. «لسان العرب»١/ ٢٦٦.

٣٠. «شرح مفردات ألفاظ القرآن» (ص ٦٠٩).

٣١. «شرح غريب ألفاظ الشافعيّ»(ص ٢٢٦).

٣٢. هكذا نسخة«مفردات الراغب»، ولعل صواب العبارة بحذف لفظة«بالأعمال»، فليُحرّر.

٣٣. «مفردات ألفاظ القرآن»ص ١٦٩.

٣٤. نقله السيوطيّ في«زهر الربى شرح المجتبى»٢/ ١٣١.

٣٥. راجع:«المنهل العذب المورود»٥/ ١٧٠.

٣٦. «شرح السندي على النسائيّ»٢/ ١٩٢.

٣٧. هو بلوغ الغاية في الأمر.

٣٨. «المفهم»٢/ ٤٠٢.

٣٩. صححه الشيخ الألبانيّ -﵀- في «الصحيحة» ١/ ١٧٣ - ١٧٦.

٤٠. «المفهم» ٢/ ٤٥٢.

٤١. البيت لزهير بن أبي سُلْمَى يمدح به هرم بن سنان. انتهى من هامش تفسير القرطبيّ ١٢/ ١١٠.

٤٢. «تفسير ابن كثير» ٤/ ٣٦٧ - ٣٦٨.

٤٣. حديث صحيح، رواه مالك في «الموطّأ» (١/ ٣١)، والنسائيّ (١/ ٧٤)، وابن ماجه (٢٨٢).

٤٤. «المفهم» ٢/ ٤٠٣.

٤٥. «تفسير القرطبيّ» ١٢/ ١١٠.

٤٦. «المفهم»٢/ ٤٠٣.

٤٧. «شرح النوويّ»٦/ ٦٠.

٤٨. راجع:«ذخيرة العقبى في شرح المجتبى»٢/ ٣٦٦ - ٣٨١.

٤٩. «شفاء العليل» ١/ ١٧٩ - ١٨٠.

٥٠. «شرح العقيدة الطحاوية» ١/ ٤١٢ - ٤١٣.

٥١. هو عبد اللَّه ابن الإمام أحمد، راوي«المسند»عنه.

٥٢. الظاهر أنه مؤكّد«قال» الأول.

٥٣. وفي نسخة: «حدّثنا».

٥٤. وفي نسخة: «يصلي بها ركعةً».

٥٥. وفي نسخة: «سورة النساء».

٥٦. وفي نسخة: «قال مسلمٌ».

٥٧. «صِلَةُ» بكسر الصاد المهملة، و«زُفَر» بضمّ الزاي، وفتح الفاء.

٥٨. «شرح النووي» ٦/ ٦١.

٥٩. متّفقٌ عليه.

٦٠. «المفهم» ٢/ ٤٠٥.

٦١. راجع: «المرعاة» ٣/ ١٩٥.

٦٢. راجع: «المنهل العذب المورود» ٥/ ٣١٧ - ٣١٨.

٦٣. كنت رجّحت في «شرح النسائيّ» ما ذهب إليه الشافعيّة من الاستحباب لكلّ مصلّ فرضًا كانت الصلاة أو نفلًا، إلا أنه ترجح عندي الآن ما ذكرته، فليُتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.

٦٤. وفي نسخة: «قال: قلت».

٦٥. راجع: «المصباح» ٢/ ٦٤١.

٦٦. «المصباح المنير» ١/ ٢٩٨.

٦٧. «القاموس المحيط» ١/ ١٨.

٦٨. وفي نسخة: «وحدّثنا».

٦٩. «صحيح ابن حبان» ٦/ ٣٠٢ رقم (٢٥٦٢).

٧٠. «الفتح» ٣/ ٣٥.

٧١. «الفتح» ٣/ ٣٥.

٧٢. «الكاشف عن حقائق السنن» ٤/ ١٢٠٢.