HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٧٨٢

وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ (يَعْنِي الثَّقَفِيَّ) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَصِيرٌ. وَكَانَ يُحَجِّرُهُ مِنَ اللَّيْلِ فَيُصَلِّي فِيهِ. فَجَعَلَ النَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ. وَيَبْسُطُهُ بِالنَّهَارِ. فَثَابُوا ذَاتَ لَيْلَةٍ. فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! عَلَيْكُمْ مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ. فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا. وَإِنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ مَا دُووِمَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَلَّ». وَكَانَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ إِذَا عَمِلُوا عَمَلًا أَثْبَتُوهُ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص188
ج ١ ص ٥٤٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٨ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٦ ص١٧٣
وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَهُ) فاعل «ذَكَرَ» ضمير موسى بن عُقبة. [تنبيه]: رواية موسى بن عقبة، عن أبي النضر هذه ساقها الإمام البخاريُّ -﵀- في «كتاب الاعتصام» من «صحيحه»، فقال: (٧٢٩٠) حدّثنا إسحاق ، أخبرنا عفّان، حدّثنا وهيب، حدّثنا موسى بن عقبة، سمعت أبا النضر يحدّث عن بسر بن سعيد، عن زيد بن ثابت، أن النبيّ -ﷺ- اتَّخَذَ حُجْرةً في المسجد من حَصير، فصلى رسول اللَّه -ﷺ- فيها ليالي، حتى اجتمع إليه ناس، ثم فقدوا صوته ليلةً، فظنوا أنه قد نام، فجعل بعضهم يتنحنح؛ ليخرج إليهم، فقال: «ما زال بكم الذي رأيت من صنيعكم، حتى خشيت أن يكتب عليكم، ولو كُتب عليكم ما قمتم به، فصلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته، إلا الصلاة المكتوبة». انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣٢) - (بَابُ بَيَانِ فَضِيلَةِ الْعَمَلِ الدَّائِمِ، وَإِنْ قَلَّ، وَكَرَاهِيَةِ التَّعَمُّقِ وَالتَّشَدُّدِ فِي الْعِبَادَةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٢٧] (٧٨٢) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، يَعْنِي الثَّقَفِيَّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حَصِيرٌ، وَكَانَ يُحَجِّرُهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَيُصَلِّي فِيهِ، فَجَعَلَ النَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ، وَيَبْسُطُهُ بِالنَّهَارِ، فَثَابُوا ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَإِنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ مَا دُووِمَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَلَّ»، وَكَانَ آلُ مُحَمَّدٍ -ﷺ- إِذَا عَمِلُوا عَمَلًا أَثْبَتُوهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) بن عُبيد، أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ المعروف بالزَّمِنِ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (٢٥٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. ٢ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ) ابن عبد المجيد بن الصَّلْت، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٧/ ١٧٣. ٣ - (عُبَيْدُ اللَّهِ) بن عمر العمريّ، تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ) كيسان المقبريّ، أبو سَعْد المدنيّ، ثقةٌ [٣] مات في حدود (١٢٠) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في «الإيمان» ٣٦/ ٢٥٠. ٥ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ مكثرٌ فقيه [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٢٣. ٦ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين -﵂-، ماتت (٥٧) (ع) تقدّمت في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣١٥. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة، وشيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الأئمة الستّة بلا واسطة، وقد مرّ غير مرّة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، من عبيد اللَّه، والأولان بصريّان. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين رَوَى بعضهم عن بعض: ابن عجلان عبيد اللَّه، عن سعيد، عن أبي سلمة. ٥ - (ومنها): أن فيه أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وهو أبو سلمة. ٦ - (ومنها): أن فيه عائشة -﵂- من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) من الحديث، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) -﵂- (أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حَصِيرٌ) -بفتح الحاء، وكسر الصاد المهملتين- جمعه حُصُر، مثل بَرِيد وبُرُد: هو البساط الصغير من النبات، وقيل: سَفِيفَة تُصنع من بَرْديّ، وأسَل، ثم تُفْرَش؛ سمي بذلك لأنه يلي وجه الأرض، وقيل: الحصير المنسوج، سُمِّي حصيرًا؛ لأنه حُصِرت طاقاته بعضُهَا مع بعض، أفاده في «اللسان». (وَكَانَ يُحَجِّرُهُ) بتشديد الجيم، من التحجير؛ أي: يتّخذه كالحُجْرَة؛ لئلا يمر عليه مارّ، وليتوفر خشوعه (مِنَ اللَّيْلِ) «من» بمعنى «في»، أو هي للتبعيض (فَيُصَلِّي فِيهِ، فَجَعَلَ النَّاسُ) أي: شرعوا وأخذوا (يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ) أي: مقتدين بصلاته -ﷺ- (وَيَبْسُطُهُ) أي: ذلك الحصير (بِالنَّهَارِ) الباء بمعنى «في»؛ أي: يجعله بساطًا يجلس عليه في النهار (فَثَابُوا) -بالثاء المثلَّثة، ثم موحدة- أي: اجتمعوا إليه، وفي رواية البخاري: «فثاب إليه ناس»، ووقع عند الخطابيُّ: «آبُوا» أي: رجعوا، وفي روا ية الكشميهني والسرخسي: «فثاروا» -بالمثلثة، والراء- أي: قاموا، قاله في «الفتح». وقوله: (ذَاتَ لَيْلَةٍ) أي: ليلة من الليالي، وقد تقدّم أنه الليلة الرابعة (فَقَالَ) هذا معطوف على محذوف تبيّنه الروايات الأخرى؛ أي: فلم يخرُج إليهم حتى طلع الفجر، فخرج إليهم، وصلى بهم الفجر، فلما سلّم قال لهم: («يَا أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ) أي: الزَمُوا من الأعمال ما تستطيعون المداومة عليه، فـ»عليكم«اسم فعل بمعنى»الزموا«، و»ما«موصولة مفعول به و»عليكم«، و»تطيقون«صلته، حُذف منه العائد؛ لكونه فضلةً، كما قال في»الخلاصة«: . . . . . . . . . . . . . . . … وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي فِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ … بِفِعْلٍ أَوْ وَصْفٍ كَـ«مَنْ نَرْجُو يَهَبْ»والمعنى: اشتغلوا من الأعمال بما تستطيعون المداومة عليه، فمنطوقه الأمر بالاقتصار على ما يُطاق من العبادة، ومفهومه يقتضي النهي عن تكلّف ما لا يطاق، وقال القاضي عياض -﵀-: يَحْتَمِلُ أن يكون خاصًّا بصلاة الليل، ويَحْتَمِل أن يكون عامًّا في الأعمال الشرعيّة. انتهى. قال الحافظ -﵀-: سبب وروده خاصّ بالصلاة، ولكن اللفظ عامّ، وهو المعتبر. انتهى ، وهو تحقيقٌ حسنٌ، واللَّه تعالى أعلم. (فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا) بفتح الميم في الموضعين، مضارع مَلّ، يقال: مَلِلْته، ومَلِلتُ منه مَلَلًا، من باب تَعِبَ، وملالةً: سئِمْتُ، وضَجِرْتُ، والفاعل مَلُولٌ، ويتعدَّى بالهمزة، فيقال: أمللته الشيءَ، قاله في«المصباح». وفي الرواية الآتية:«لا يسأم حتى تسأموا»، والمعنى واحد. قال النوويّ -﵀-: قال العلماء: المَلَل، والسآمة بالمعنى المتعارف في حقنا محال في حق اللَّه تعالى، فيجب تأويل الحديث، قال المحققون: معناه لا يعاملكم معاملة المالِّ، فيقطع عنكم ثوابه، وجزاءه، وبسط فضله ورحمته حتى تقطعوا عملكم. وقيل: معناه لا يملّ إذا مَلِلْتم، قاله ابن قتيبة وغيره، وحكاه الخطابيّ وغيره، وأنشدوا فيه شعرًا، قالوا: ومثاله قولهم في البليغ: فلان لا ينقطع حتى يقطع خصومه، معناه: لا ينقطع إذا انقطع خصومه، ولو كان معناه: ينقطع إذا انقطع خصومه، لم يكن له فضل على غيره. انتهى . وقال السيوطيّ -﵀- في شرح النسائيّ: الْمَلالُ: استثقال الشيء والنفور عنه بعد محبته، وهو محال على اللَّه تعالى باتفاق، قال الإسماعيلي، وجماعة من المحققين: إنما أُطلق هذا على جهة المقابلة اللفظية مجازًا، كما قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]. وقال القرطبيُّ -﵀-: وجه مجازه أنه تعالى لمّا قطع ثوابه عمن قطع العمل مَلالًا عبّر عن ذلك بالملال، من باب تسمية الشيء باسم سببه، وقال الهروي: معناه لا يقطع عنكم فضله حتى تملوا سؤاله، فتزهدوا في الرغبة إليه، وهذا كله بناء على أن «حتى» على بابها في انتهاء الغاية، وما يترتب عليها من المفهوم. وجنح بعضهم إلى تأويلها، فقيل: معناه لا يمل اللَّه إذا مَلِلْتم، وهو مستعمل في كلام العرب، يقولون: لا يفعل كذا حتى يَبْيَضَّ القارُ، أو حتى يَشِيب الغراب، ومنه قولهم في البليغ: لا ينقطع حتى ينقطع خصومه؛ لأنه لو انقطع حين ينقطعون لم يكن له عليهم مزية، وهذا المثال أشبه من الذي قبله؛ لأن شَيب الغراب ليس ممكنًا عادة بخلاف الملال من العابد. وقال المازريّ -﵀-: قيل: «حتى» هنا بمعنى الواو، فيكون التقدير: لا يملّ، وتملّون، فنَفَى عنه الْمَلال، وأثبته لهم، قال: وقد قيل: «حتى» بمعنى «حين»، والأول أليق، وأحرى على القواعد، وأنه من باب المقابلة اللفظية. وقال ابن حبان في «صحيحه»: هذا من ألفاظ التعارف التي لا يتهيأ للمخاطب أن يعرف القصد مما يخاطب به إلا بها، وهذا رأيه في جميع المتشابه. انتهى كلام السيوطيّ -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه عنه: ليس في هذا الحديث إثبات الملل للَّه -﷿- صريحًا، بل هو من باب مفهوم المخالفة، وأما صريحه فنفي الملل عنه، فلا ينبغي أن نثبت به صفة الملل، فالأولى عندي قول بعضهم: إن «حتى» هنا بمعنى الواو، وليست للغاية، فيكون المعنى: إن اللَّه لا يمل، وأنتم تملون، أو يكون المعنى: لا يمل إذا مللتم. والمراد به تشجيعهم على المداومة على الأعمال القليلة التي لا تنقطع، ولا تؤدي إلى الملل، حيث إن اللَّه تعالى لا يلحقه ملل، فلا ينبغي للعبد أن يمل عن الإقبال عليه، إذ يؤدي مَلَلُهُ إلى إعراض اللَّه عنه، فإن من أعرض عن اللَّه أعرض اللَّه عنه، فقد أخرج الشيخان عن أبي واقد الليثيّ -﵁-، عن النبيّ -ﷺ-، أنه قال: «ألا أخبركم عن النفر الثلاثة، فأما أحدهم فأوى إلى اللَّه، فآواه اللَّه، وأما الآخر فاستحيا، فاستحيا اللَّه منه، وأما الآخر فأعرض، فأعرض اللَّه عنه»، متفق عليه. ثم عطف عَلَى العلّة المذكورة علّةً أخرى، فقال (وَإِنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ مَما دُووِمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَلَّ») ولأن الأحبّ من الأعمال إلى اللَّه -﷿- ما داوم عليه صاحبه، وإن كان ذلك العمل قليلًا. قال النوويّ -﵀-: هكذا ضبطناه:«دُووِمَ عليه»، وكذا هو في معظم النسخ«دُووِم»بواوين، ووقع في بعضها:«دُوِم»بواو واحدة، والصواب الأول. انتهى . وقال ابن العربيّ: معنى المحبة من اللَّه تعالى تعلق الإرادة بالثواب؛ أي: أكثر الأعمال ثوابًا أدومها، وإن قل. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله ابن العربيّ تأويل لمعنى المحبة بلازمها، وهذا غير صحيح؛ لأنه يؤدي إلى نفي صفة المحبة عن اللَّه تعالى بمعناها الحقيقيّ اللائق به -﷾-، فالصواب إثباتها له، كما أثبتتها النصوص الصحيحة من الكتاب والسنة على المعنى اللائق به -﷾-، كسائر صفاته العليّة، من الرضا، والإرادة، والقدرة، والعلم، وغيرها من غير فرق، ولا يلزم في ذلك تشبيهه بالمخلوقين؛ إذ صفاته تعالى لا تشبه صفات المخلوقين، كما أن ذاته تعالى لا تشبه ذواتهم، ولا فرقَ، وإنما يلزم التشبيه لو أثبتناها على المعنى الذي تفسر به إذا كانت للمخلوق، تعالى اللَّه عن ذلك علوًّا كبيرًا، فتبصر بالإنصاف، ولا تتحير بتقليد ذوي الاعتساف، واسلك سبيل السلف، تسلم من الضلال والتَّلَف. وقال النوويّ -﵀-: فيه الحثّ على المداومة على العمل، وأن قليله الدائم خير من كثير ينقطع، وإنما كان القليل الدائم خيرًا من الكثير المنقطع؛ لأن بدوام القليل تدوم الطاعة، والذكر، والمراقبة، والنية، والإخلاص، والإقبال على الخالق -﷾-، ويثمر القليل الدائم بحيث يزيد على الكثير المنقطع أضعافًا كثيرة. وقال ابن الجوزيُّ: إنما أحب العمل الدائم؛ لمعنيين: أحدهما: أن التارك للعمل بعد الدخول فيه كالمُعرِض بعد الوصول، فهو متعرض لهذا، ولهذا أورد الوعيد في حق من حفظ آية، ثم نسيها، وإن كان قبل حفظها لا تتعين عليه. والثاني: أن مداوم الخير ملازم للخدمة، وليس من لازم الباب في كل يوم وقتًا ما كمن لازم يومًا كاملًا ثم انقطع. انتهى . زاد في رواية النسائيّ: «ثم ترك مصلّاه ذلك، فما عاد له حتى قبضه -﷿-»؛ يعني: أنه -ﷺ- ترك الصلاة في المكان الذي اتخذ فيه حجرة؛ خوفأ من حرصهم على ذلك أوّلًا، ثم تركهم له عجزًا آخرًا. (وَكَانَ آلُ مُحَمَّدٍ -ﷺ- إِذَا عَمِلُوا عَمَلًا أَثْبَتُوهُ) أي: لازموه، وداوموا عليه، والظاهر أن المراد بالآل هنا أهل بيته -ﷺ-، وخواصه من أزواجه، وقرابته، ونحوهم، كما تدلّ عليه الرواية الاتية عن القاسم بن محمد، قال: «وكانت عائشة إذا عَمِلت العمل لزمته» ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢/ ١٨٢٧ و١٨٢٨] (٧٨٢)، و(البخاريّ) في «الأذان» (٧٣٠) و«اللباس» (٥٨٦١)، و(أبو داود) في «الصلاة» (١٣٦٨)، و(النسائيّ) في «القبلة» (٧٦٢) و«الكبرى» (٨٣٨)، و(ابن ماجه) في «إقامة الصلاة» (٩٤٢)، و(الحميديّ) في «مسنده» (١٨٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٤٠ و٦١ و٨٤ و٢٤١ و٢٦٧)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٥٧١)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣٠٦٢ و٣٠٦٣)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٧٧٦ و١٧٧٧)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز أن يحتجر الإنسان موضعًا في المسجد؛ ليصلي فيه، لكن إذا لم يضرّ بأحد. ٢ - (ومنها): بيان جواز الاقتداء بمن كان بينه وبين الإمام حاجز، جدارٌ أو غيره، إذا لم تشتبه عليه انتقالات الإمام، وإلا فلا. ٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ -ﷺ- من الاجتهاد في العبادة، وقيام الليل. ٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه -ﷺ- من الزهد في الدنيا، والتقلّل منها، حيث إنه كان يكتفي بحصير واحد يجلس عليه نهارًا، ويتخذه حُجْرة ليلًا. ٥ - (ومنها): بيان جواز النافلة في المسجد، وإن البيت أفضل منه. ٦ - (ومنها): بيان مشروعية الجماعة في النافلة. ٧ - (ومنها): بيان أن العبادة التي يُداوم عليها الإنسان أفضل، وإن قلّت من العبادة التي لا يداوم عليها، وإن كثُرت. ٨ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة -﵃- من الحرص في تتبع أفعال النبيّ -ﷺ-، للاقتداء به. ٩ - (ومنها): بيان كمال شفقته -ﷺ-، ورأفته بأمته، حيث أرشدهم إلى ما يُصلِحُهم، وهو التمسك من الأعمال بما يمكنهم الدوام عليه بلا مشقة ولا ضرر، فتكون النفس أنشط، والقلب منشرحًا، فتتم العبادة، بخلاف من تعاطى من الأعمال ما يشق عليه، فإنه بصدد أن يتركه أو بعضه، أو يفعله بكلفة، وبغير انشراح القلب، فيفوته خير عظيم، وقد ذم اللَّه -﷾- من اعتاد عبادة، ثم أفرط فيها، فقال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧] الآية، وقد نَدِمَ عبد اللَّه بن عمرو بن العاص -﵄- في آخر حياته لَمّا شقّ عليه القيام بما التزمه من العبادات على تركه قبول رخصة رسول اللَّه -ﷺ-. ١٠ - (ومنها): بيان فضل أهل بيت النبيّ -ﷺ- حيث إنهم يعتنون بإثبات أيّ عمل من أعمال الخير بدؤوا به، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٢٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَمَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- سُئِلَ أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: «أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غندر، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام المشهور، تقدّم قريبًا. ٣ - (سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ القاضي، ثقةٌ فاضلٌ عابد [٥] (ت ١٢٥) أو بعدها (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣١. والباقون ذُكروا في السند الماضي. شرح الحديث: (عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بن عبد الرحمن بن عوف (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف، وهو عمّه (يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ) -﵂- (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- سُئِلَ) قال الحافظ -﵀-: لم أقف على تعيين السائل عن ذلك . (أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: «أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ») قال في «الفتح»: فيه سؤالٌ، وهو أن المسئول عنه أحبّ الأعمال، وظاهره السؤال عن ذات العمل، فلم يتطابقا، ويُمكن أن يقال: إن هذا السؤال وقع بعد قوله في الحديث الماضي في الصلاة، وفي الحجّ، وفي الوالدين حيث أجاب بالصلاة، ثم بالبرّ. . . إلخ، ثم خَتَمَ ذلك بأن المداومة على عمل من أعمال البرّ، ولو كان مفضولًا أحبّ إلى اللَّه تعالى من عمل يكون أعظم أجرًا، لكن ليس فيه مداومة. انتهى . وهذا الحديث سيأتي للمصنّف -﵀- في «كتاب صفة القيامة والجنّة» مطوّلًا، من طريق موسى بن عقبة، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن عائشة -﵂- أنها كانت تقول: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «سَدِّدوا، وقاربوا، وأبشروا، فإنه لن يُدْخِل الجنةَ أحدًا عمَلُهُ»، قالوا: ولا أنت يا رسول اللَّه؟ قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني اللَّه منه برحمة، واعلموا أن أحب العمل إلى اللَّه أدومه وإن قلّ» ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مصادر المؤلف (١٢)

١. هو ابن منصور الكوسج، أفاده في «الفتح» ١٣/ ٢٨٣.

٢. وفي نسخة: «أخبرنا».

٣. «الفتح»١/ ١٢٦.

٤. «المصباح المنير» ٢/ ٥٨٠.

٥. «شرح النوويّ» ٦/ ٧١.

٦. «زهر الرُّبَى»٢/ ٦٨ - ٦٩.

٧. «شرح النوويّ» ٦/ ٧١.

٨. راجع:«زَهْر الرُّبَى في شرح المجتبى»٢/ ٦٩ - ٧٢.

٩. راجع: «شرح النوويّ» ٦/ ٧٢.

١٠. «الفتح» ١١/ ٣٠٤ «كتاب الرقاق» رقم (٦٤٦٥).

١١. «الفتح» ١١/ ٣٠٤ «كتاب الرقاق» رقم (٦٤٦٥).

١٢. سيأتي برقم (٢٨١٨).