HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٧٩٠

وحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شيبة وإسحاق بن إبراهيم (قال إسحاق: أخبرنا. وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «بِئْسَمَا لِأَحَدِهِمْ يَقُولُ: نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ. بَلْ هُوَ نُسِّيَ. اسْتَذْكِرُوا الْقُرْآنَ. فَلَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّيًا من صدور الرجال من النعم بعقلها».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص191
ج ١ ص ٥٤٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن الدارمي, سنن النسائي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٦ ص٢٢٥
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٤١] (٧٩٠) - (وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «بِئْسَمَا لِأَحَدِهِمْ يَقُولُ: نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ، بَلْ هُوَ نُسِّيَ، اسْتَذْكِرُوا الْقُرْآنَ، فَلَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنَ النَّعَمِ بِعُقُلِهَا»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) ذُكر في السند الماضي. ٢ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل بابين. ٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم أيضًا قبل بابين. ٤ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم أيضًا قبل بابين. ٥ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر، تقدّم أيضًا قبل بابين. ٦ - (أَبُو وَائِلٍ) شقيق بن سلمة، تقدّم أيضًا قبل بابين. ٧ - (عَبْدُ اللَّهِ) بن مسعود، تقدّم أيضًا قبل بابين. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، فالأولان ما أخرج لهما الترمذيّ، والثالث ما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى شيخيه زهير، فبغداديّ، وإسحاق فمروزيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، منصور، عن أبي وائل، فإن منصورًا تابعي صغير، كما قاله الحافظ في «الفتح»، وقال الحافظ الذهبيّ في ترجمته: وما علمت له روايةً عن أحد من الصحابة، وبلا شك كان عنده بالكوفة بقايا من الصحابة، وهو رجل شابّ، مثل عبد اللَّه بن أبي أوفى، وعمرو بن حريث. انتهى كلام الذهبيّ بتصرف. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: لكن لما لم يتحقق لقاؤه الصحابة ينبغي أن يجعل من الطبقة السادسة. فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. ٥ - (ومنها): أن فيه عبد اللَّه مهملًا، والمراد به عند الكوفيين ابن مسعود، كما هو القاعدة في اصطلاح المحدثين، كما أشار إليه الحافظ السيوطيّ -﵀- في «ألفية الحديث»، بقوله: وَحَيْثُمَا أُطْلِقَ عَبْدُ اللَّه فِي … طَيْبَةَ فَابْنُ عُمَرٍ وَإنْ يَفِي بِمَكَّةٍ فَابْنُ الزُّبَيْرِ أوْ جَرَى … بِكُوفَةٍ فَهْوَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُرَى وَالْبَصْرَةِ الْبَحْرُ وَعِنْدَ مِصْرِ … وَالشَّامِ مَهْمَا اطْلِقَ ابْنُ عَمْرِو واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) قد صرح أبو وائل بالسماع عن عبد اللَّه عند البخاريّ تعليقًا: «قال: سمعت عبد اللَّه، سمعت النبيّ -ﷺ-. . .». (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) بن مسعود -﵁- (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «بِئْسَمَا لِأَحَدِهِمْ يَقُولُ)، وفي رواية الأعمش، عن شقيق التالية:»لا يقل أحدكم: نَسِيتُ آية كيت«. و«بئس»هي أخت«نِعم»، فالأولى للذَّمّ، والثانية للمدح، وهما -على الصحيح من أقوال النحاة- فعلان غير متصرفين، يرفعان الفاعل ظاهرًا، أو مضمرًا. ثم إذا كان الفاعل ظاهرًا فإما يكون مُحَلًّى بالألف واللام للجنس، كقوله تعالى: ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال: ٤٠]، وقوله: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ١٢٦]. وإما أن يكون مضافًا إلى ما هما فيه، كقوله تعالى: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣٠]، ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٧٢]. وإن كان الفاعل مضمرًا، فلا بدّ من ذكر اسم نكرة ينصب على التفسير للضمير، كقوله تعالى: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠]. وقد يكون هذا التفسير «ما» على ما نَصّ عليه سيبويه، كما في هذا الحديث، وكما في قوله تعالى: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة: ٢٧١]. فـ «ما» في هذا الحديث نكرة منصوبة على التمييز، وفاعل «بئس» ضمير مستتر، على الأصح، وقيل: «ما» هي الفاعل، وقوله: «لأحدهم» متعلق بحال محذوف؛ أي: حال كونه كائنًا لأحدهم، أو متعلق بـ «بئس» على رأي بعضهم، وقوله: «أن يقول» في تأويل المصدر مخصوص بالذّمّ، أي: بئس شيئًا قوله. وإلى ما ذَكَرنَاه من أحوال «نعم» وبئس أشار ابن مالك -﵀- في «الخلاصة» حيث قال: فِعْلَانِ غَيْرُ مُتَصَرِّفَيْنِ … نِعْمَ وَبِئْسَ رَافِعَانِ اسْمَيْنِ مُقَارِنَيْ «ألْ» أوْ مُضَافَيْنِ لِمَا … قَارَنَهَا كَـ «نِعْمَ عُقْبَى الْكُرَمَا» وَيَرْفَعَانِ مُضْمَرًا يُفَسِّرُهْ … مُمَيِّزٌ كَـ «نِعْمَ قَوْمًا مَعْشَرُهْ» وَجَمْعُ تَمْيِيزٍ وَفَاعِلٍ ظَهَرْ … فِيهِ خِلَافٌ عَنْهُمُ قَدِ اشْتَهَرْ وَ«مَا» مُمَيِّز وَقِيلَ فَاعِلُ … فِي نَحْوِ «نِعْمَ مَا يَقُولُ الْفَاضِلُ» وَيُذْكَرُ الْمَخْصُوصُ بَعْدُ مُبْتَدَا … أَوْ خَبَرَ اسْمٍ لَيْسَ يَبْدُو أَبَدَا وَإِنْ يُقَدَّمْ مُشْعِرٌ بِهِ كَفى … كَـ «الْعِلْمُ نِعْمَ الْمُقْتَنَى وَالْمُقْتَفَى» (نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ) بفتح النون، وتخفيف السين اتفاقًا، وإنما نَهَى عنه لما فيه من التشبه بمن ذمه اللَّه تعالى بقوله: ﴿كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٦]، فالاحتراز عن مثل هذا القول أحسن. أفاده السندي رحمه اللَّه تعالى. قال النوويّ -﵀-: (قوله: «كيت وكيت») أي: كذا وكذا، وهو بفتح التاء على المشهور، وحكى الجوهريّ فتحها وكسرها عن أبي عبيد. انتهى. وقال القرطبيّ -﵀-: «كيتَ وكيتَ» يُعَبَّر بهما عن الْجُمَل الكثيرة، والحديثِ الطويل، ومثلهما «ذَيْتَ وذَيْتَ»، وقال ثعلب: كَيْتَ للأفعال، وذيتَ للأسماء. وحَكَى ابن التين عن الداوديّ أن هذه الكلمة مثل كذا، إلا أنها خاصة بالمؤنث، قال في «الفتح»: وهذا من مفردات الداودي. انتهى. وقال ابن منظور -﵀- ما نصه: وكان من الأمر كَيْتَ وكَيْتَ، وإن شئت كسرت التاء، وهي كناية عن القِصَّةِ، أو الأحْدُوثةِ، حكاه سيبويه، وقال الليث: تقول العرب: كان من الأمر كيتَ وكيتَ، قال: وهذه التاء في الأصل هاءٌ مثل ذَيْتَ وذيتَ، أصلها كَيَّه، وذَيَّه، بالتشديد، فصارت تاء في الوصل. انتهى . (بَلْ هُوَ نُسّيَ) بضم النون، وتشديد المهملة المكسورة، قال القرطبيّ -﵀-: رواه بعض رواة مسلم مخففًا، قال الحافظ: وكذا هو في «مسند أبي يعلى»، وكذا أخرجه ابن أبي داود في «كتاب الشريعة» من طُرُق متعددة مضبوطة بخط موثوق به على كلّ سين علامة التخفيف، وقال عياض: كان الكناني -يعني أبا الوليد الوقشي- لا يجيز في هذا غير التخفيف. قال الحافظ: والتثقيل هو الذي وقع في جميع الروايات في البخاريّ، وكذا في أكثر الروايات في غيره، ويؤيده ما وقع في رواية أبي عبيد في «الغريب» بعد قوله: «كيت وكيت»: ليس هو نَسِيَ، ولكنه نُسّيَ، الأول بفتح النون، وتخفيف السين، والثاني بضم النون، وتثقيل السين. قال القرطبي: التثقيل معناه أنه عوقب بوقوع النسيان عليه، لتفريطه في معاهدته، واستذكاره، قال: ومعنى التخفيف أن الرجل تُرِكَ غيرَ ملتفَتٍ إليه، وهو كقوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]؛ أي: تركهم في العذاب، أو تركهم من الرحمة. وسيأتي الخلاف في متعلق الذم من قوله: «بئس» في المسألة الخامسة -إن شاء اللَّه تعالى-. (اسْتَذْكِرُوا الْقُرْآنَ) أي: واظبوا على تلاوته، واطلبوا من أنفسكم المذاكرة له، ورواية المصنّف بدون عاطف، وكذا هو عند النسائيّ، وفي رواية البخاريّ: «واستذكروا» بواو العطف، قال الطيبي: وهو عطف من حيث المعنى على قوله: «بئسما لأحدهم»؛ أي: لا تقصروا في معاهدته. وزاد ابن أبي داود من طريق عاصم، عن أبي وائل في هذا الموضع: «فإن هذا القرآن وَحْشِيّ»، وكذا أخرجها من طريق المسيَّب بن رافع، عن ابن مسعود، قاله في «الفتح». (فَلَهُوَ) الفاء تعليلية؛ أي: لأنه (أَشَدُّ تَفَصِّيًا)، وفي رواية النسائيّ: «أسرع تفصيًا»، بفتح الفاء، وكسر الصاد المهملة الثقيلة، بعدها تحتانية خفيفة: أي خروجًا وتخلُّصًا. وأصل التَّفَصِّي: أن يكون الشيءُ في مَضِيقٍ، ثم يخرج إلى غيره، قال ابن الأعرابي: أفْصَى: إذا تخلّص من خير، أو شرّ، وقال الجوهري: أصْلُ الفَصْيَةِ الشيءُ تكون فيه، ثم تخرج منه، ويقال: ما كدت أتَفَصَّى من فلان: أي ما كدت أتخلص منه، وتفصّيت من الديون: إذا خرجت منها، وتخلصت. انتهى ملخصًا من «اللسان» . قال في «الفتح»: ووقع في حديث عقبة بن عامر بلفظ: «تَفَلُّتًا»، وكذا وقعت عند مسلم في حديث أبي موسى، ونصب على التمييز. انتهى. (مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ) متعلق بـ «تفصّيًا»؛ أي: أشدّ، وأسرع خروجًا من قلوبهم. (مِنْ النَّعَمِ بِعُقُلِهَا») الجار والمجرور الأول متعلق بـ«أشدّ»، وهو على حذف مضاف؛ أي: من تفصي النعم، وقوله:«بعُقُلها»متعلق بحال مقدّر؛ أي: حال كونها كائنة بعقلها، وفي رواية النسائيّ:«من عُقُلها»، فيكون متعلّقًا بالمضاف المقدّر. و«النَّعَمُ»-بفتحتين-: المال الراعي، وهو جمع لا واحد له من لفظه، وأكثر ما يقع على الإبل، قال أبو عبيد:«النعم»الجِمَال فقط، ويؤنث، ويذكّر، وجمعه نُعْمَانٌ، مثلُ حَمَلٍ، وحُمْلَان، وأنْعام أيضًا، وقيل:«النعم»الإبل خاصة، والأنعام ذوات الخُفّ، والظّلْفِ، وهي الإبل، والبقر، والغنم، وقيل: تطلق الأنعام على هذه الثلاثة، فماذا انفردت الإبل فهي نَعَم، وإن انفردت البقر والغنم لم تُسَمَّ نَعَمًا، قاله الفيّوميّ -﵀- . قال النوويّ -﵀-:«النعم»أصلها الإبل، والبقر، والغنم، والمراد هنا الإبل خاصة؛ لأنها التي تُعقل. و«العُقُلُ»بضم العين، والقافِ، ويجوز إسكان القاف، وهو كنظائره، وهو جمع عِقَالٍ، ككتاب وكُتُب، والنعم تذكّر، وتؤنّث، ووقع في هذه الرواية:«بعقلها»، وفي الرواية الثانية:«من عُقُله»، وفي الثالثة:«في عُقُلها»، وكله صحيح، والمراد برواية الباء:«من»، كما في قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] على أحد القولين في معناها. انتهى كلام النوويّ -﵀- . وقال القرطبي -﵀-: من رواه:«من عُقُلِها»فهو على الأصل الذي يقتضيه التعدي من لفظ التفلُّت. وأما من رواه بالباء، أو بـ«في»، فيَحْتَمِل أن يكون بمعنى«من»، أو للمصاحبة، أو الظرفية. والحاصل تشبيه من يتفلّت منه القرآن بالناقة التي تتفلَّت من عقالها، وبقيت متعلقة به، قال الحافظ: كذا قال. والتحرير أن التشبيه وقع بين ثلاثة بثلاثة، فحامل القرآن شُبِّهَ بصاحب الناقة، والقرآن بالناقة، والحفظ بالربط. وقال الطيبيُّ -﵀-: ليس بين القرآن والناقة مناسبة؛ لأنه قديم، وهي حادثة، لكن وقع التشبيه في المعنى ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن مسعود هذا مُتَّفَقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤/ ١٨٤١ و١٨٤٢ و١٨٤٣] (٧٩٠)، و(البخاريّ) في «فضائل القرآن» (٥٠٣٢ و٥٠٣٩)، و(الترمذيّ) في «القراءات» (٢٩٤٢)، و(النسائيّ) في «الافتتاح» وفي «الكبرى» (١٠١٥)، و«فضائل القرآن» (٨٠٣٩)، وفي «عمل اليوم والليلة» (٧٢٦ و٧٢٧ و٧٢٨)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٥٩٦٧)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (٢/ ٤)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١٠/ ٤٧٨)، و(الحميدي) (٩١)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٤١٧ و٤٢٣ و٤٢٩ و٤٣٨ و٤٦٣)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ٣٠٨ و٤٣٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٧٦٢)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٢/ ٣٨١)، و(الحاكم) في «مستدركه» (١/ ٧٣٩)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١٠/ ١٣٩ و١٦٧ و١٨٩ و١٩٨ و٢٩٠)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٩/ ٦٩)، و(البزّار) في «مسنده» (٥/ ٨٣ و٨/ ١٦٥)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٢/ ٣٩٥)، واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: قال الإسماعيلي -﵀-: روى حماد بن زيد، عن منصور، وعاصم الحديثين معًا موقوفين، وكذا رواهما أبو الأحوص عن منصور، وأما ابن عيينة، فأسند الأول، ووقف الثاني، قال: ورفعهما جميعًا إبراهيم بن طهمان، وعَبِيدَةُ بنُ حُمَيد عن منصور، وهو ظاهر سياق سفيان الثوري. قال الحافظ -﵀-: ورواية عَبِيدَة أخرجها ابن أبي داود، ورواية سفيان أخرجها البخاريّ مرفوعة، لكن اقتصر على الحديث الأول، وأخرج ابن أبي داود من طريق أبي بكر بن عياش، عن عاصم، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه مرفوعًا الحديثين معًا، وفي رواية عبدة بن أبي لبابة تصريح ابن مسعود بقوله: «سمعت رسول اللَّه -ﷺ-»، وذلك يقوي رواية من رفعه عن منصور، واللَّه تعالى أعلم . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الحاصل أن الحديثين رويا مرفوعين، وموقوفين، والراجح الرفع؛ لكونه زيادة من الثقات الضابطين، مثل شعبة، وسفيان الثوري، وإبراهيم بن طهمان، وعَبِيدة بن حُمَيد، وغيرهم، فلا التفات إلى قول من أعلّ الحديثين بالوقف، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في فوائد الحديثين : ١ - (منها): الحَثُّ على محافظة القرآن بدوام دراسته، وتكرار تلاوته، والتحذير من تعريضه للنسيان. ٢ - (ومنها): ضرب الأمثال لإيضاح المقاصد، وتقريبه إلى الأذهان. ٣ - (ومنها): مشروعيّة القسم عند الخبر المقطوع بصدقه؛ مبالغةً في تثبيته في صدور سامعيه، فقد أقسم النبيّ -ﷺ- في هذا الحديث، وحديث أبي موسى الأشعريّ الآتي مرفوعًا بلفظ: «تعاهدوا القرآن، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفصيًا من الإبل في عقلها». قال في «الفتح»: وحَكَى ابن التين عن الداوديّ أن في حديث ابن مسعود حجةً من قال فيمن ادُّعِي عليه بمال، فأنكر، وحَلَفَ، ثم قامت عليه البينة، فقال: كنت نسيت، أو ادَّعَى بينةً، أو إبراءً، أو التمس يمين المدَّعِي أن ذلك يكون له، ويُعْذَر في ذلك، كذا قال. انتهى . ٤ - (ومنها): بيان صعوبة القرآن على المتساهل في مراجعته، ولا ينافي هذا قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر: ١٧]؛ لأن تيسيره بالنسبة من أراد حفظه، واجتهد فيه، وصعوبته بالنسبة من لم يتعاهده، ولم يُجهِدْ نفسه فيه. ٥ - (ومنها): النهي عن قول الإنسان: نَسِيتُ آية كذا وكذا، وإنما يقول: نُسِّيتها، وإنما نُهِي عن الأول دون الثاني؛ لأنه يتضمن التساهل فيها، والتغافل عنها، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٦]. وقال القاضي عياض -﵀-: أولى ما يتأول عليه الحديث أن معناه ذمّ الحال، لا ذم القول؛ أي: بئست الحالة، حالة من حفظ القرآن، فغفل عنه حتى نسيه. انتهى. وقال النوويّ -﵀-: الكراهية للتنزيه. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: يؤيد ما قاله النوويّ -﵀- ما ثبت في «الصحيحين» عن النبيّ -ﷺ- أنه سمع رجلًا يقرأ في سورة بالليل، فقال: «يرحمه اللَّه، لقد أذكرني آية كذا وكذا، كنت أُنسيتها من سورة كذا وكذا»، وفي رواية الإسماعيلي: «كنت نَسِيتُها» - بفتح النون، ليس قبلها همزة، فإنه صارف للنهي عن التحريم إلى التنزيه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف العلماء في متعلق الذمّ من قوله: «بئس»: قال في «الفتح»: واختُلِف في متعلق الذم من قوله: «بئس» على أوجه: [الأول]: قيل: هو على نسبة الإنسان إلى نفسه النسيان، وهو لا صنع له فيه، فإذا نسبه إلى نفسه أوهم أنه انفرد بفعله، فكان ينبغي أن يقول: أنسيت، أو نُسّيت -بالتثقيل- على البناء للمجهول فيهما؛ أي: إن اللَّه هو الذي أنساني، كما قال: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ الآية [الأنفال: ١٧]، وقال: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤)﴾ [الواقعة: ٦٤]، وبهذا الوجه جزم ابن بطال، فقال: أراد أن يجري على ألسن العباد نسبة الأفعال إلى خالقها؛ لما في ذلك من الإقرار له بالعبودية، والاستسلام لقدرته، وذلك أولى من نسبة الأفعال إلى مكتسبها مع أن نسبتها إلى مكتسبها جائز بدليل الكتاب والسنة، ثم ذكر الحديث الآتي في [باب نسيان القرآن] ، قال: وقد أضاف موسى؛ النسيان مرة إلى نفسه، ومرة إلى الشيطان، فقال: ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾ [الكهف: ٦٣]، ولكل إضافة منها معنى صحيح، فالإضافة إلى اللَّه بمعنى أنه خالق الأفعال كلها، وإلى النفس؛ لأن الإنسان هو المكتسب لها، وإلى الشيطان بمعنى الوسوسة. انتهى. قال الحافظ: ووقع له ذهول فيما نسبه لموسى، وإنما هو كلام فتاه. وقال القرطبي -﵀-: ثبت أن النبيّ -ﷺ- نسب النسيان إلى نفسه -يعني حيث قال حينما سمع رجلًا يقرأ سورة: «يرحمه اللَّه لقد أذكرني آية كذا وكذا، كنت أنسيتها، من سورة كذا وكذا»، وفي رواية الإسماعيلي: نَسِيتها - وكذا نسبه يوشع إلى نفسه حيث قال: ﴿نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ [الكهف: ٦٣]، وموسى إلى نفسه حيث قال: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ [الكهف: ٧٣]، وقد سيق قول الصحابة: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] مساق المدح، وقال تعالى لنبيه -ﷺ-: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦)﴾ [الأعلى: ٦]. فالذي يظهر أن ذلك ليس متعلق الذمّ، وجنح إلى اختيار: [الوجه الثاني]: وهو كالأول، لكن سبب الذمّ ما فيه من الإشعار بعدم الاعتناء بالقرآن؛ إذ لا يقع النسيان إلا بترك التعاهد، وكثرة الغفلة، فلو تعاهده بتلاوته، والقيام به في الصلاة لدام حفظه وتذكره، فإذا قال الإنسان: نسيت الآية الفلانية، فكأنه شهد على نفسه بالتفريط، فيكون متعلق الذم ترك الاستذكار والتعاهد؛ لأنه الذي يورث النسيان. [الوجه الثالث]: قال الإسماعيليّ -﵀-: يَحْتَمِل أن يكون كره له أن يقول: نسيت بمعنى تركت، لا بمعنى السهو العارض، كما قال تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]، وهذا اختيار أبي عبيد، وطائفة. [الوجه الرابع]: قال الإسماعيلي أيضًا: يَحْتَمِل أن يكون فاعل نَسِيتُ النبيَّ -ﷺ-، كأنه قال: لا يقل أحد عني إني نسيت آية كذا، فإن اللَّه هو الذي نسّاني ذلك، لحكمة نسخه، ورفع تلاوته، وليس لي في ذلك صنع، بل اللَّه هو الذي يُنسيني لما تُنسخ تلاوته، وهو كقوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٦ - ٧]، فإن المراد بالمنسيّ ما يُنسَخ تلاوته، فيُنسِي اللَّه نبيه -ﷺ- ما يريد نسخ تلاوته. [الوجه الخامس]: قال الخطابي: يَحْتَمِل أن يكون ذلك خاصًا بزمن النبيّ -ﷺ-، وكان من ضروب النسخ نسيان الشيء الذي ينزل، ثم ينسخ منه بعد نزوله الشيء، فيذهب رسمه، وترفع تلاوته، ويسقط حفظه عن حملته، فيقول القائل: نسيت آية كذا، فنُهُوا عن ذلك؛ لئلا يتوهم على محكم القرآن الضياع، وأشار لهم إلى أن الذي يقع من ذلك إنما هو بإذن اللَّه لما رآه من الحكمة والمصلحة. [الوجه السادس]: قال الإسماعيلي: وفيه وجه آخر، وهو أن النسيان الذي هو خلاف الذكر إضافته إلى صاحبه مجاز؛ لأنه عارض له لا عن قصد منه؛ لأنه لو قصد نسيان الشيء لكان ذاكرًا له في حال قصده، فهو كما قال: ما مات فلان، ولكن أميت. قال الحافظ: هو قريب من الوجه الأول، وأرجح الأوجه الوجه الثاني، ويؤيده عطف الأمر باستذكار القرآن عليه. انتهى ما في «الفتح» . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: أرجح الأوجه عندي هو الثاني كما رجحه الحافظ -﵀-، فيكون سبب الذم هو عدم الاعتناء باستذكار القرآن، وتعاهده، فإذا قال: نسيت آية كيت وكيت فكأنه شهد على نفسه بالتفريط، فيكون مشابهًا للذين ذمهم اللَّه تعالى بسبب إعراضهم عن آياته، بقوله: ﴿كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٦]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): ليس في حديث ابن مسعود هذا، ولا في حديث ابن عمر -﵄- المتقدّم تقدير مدة مخصوصة للزمن الذي يُختَم فيه القرآن، لكن مقتضاهما أنه يتلوه على وجه لو نقص عنه لأدى إلى نسيانه، أو نسيان شيء منه، وذلك يختلف باختلاف أحوال الناس في تمكنهم من الحفظ، وفي سرعة النسيان وبطئه. وقد كان الصحابة -﵃- يختمونه في كل سَبْعٍ. وفي «سنن أبي داود» وغيره عن أوس بن حذيفة، قال: قلنا لرسول اللَّه -ﷺ-: لقد أبطأت عنا الليلة، قال: «إنه طرأ عليّ حزبي من القرآن فكرهت أن أجيء حتى أختمه» ، قال أوس: سألت أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- كيف يُحَزّبون القرآن؟ قالوا: ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصل وحده . وفي «صحيح البخاري»: أن النبيّ -ﷺ- قال لعبد اللَّه بن عمرو: «واقرأ القرآن في شهر» قلت: إني أجد قوة، حتى قال: «فاقرأه في سبع، ولا تزد على ذلك». وممن كان يختمه في كل سبعة أيام: تميمٌ الداري، وعبد الرحمن بن يزيد، وإبراهيم النخعيّ، وعروة بن الزبير، وأبو مِجْلز، وأحمد بن حنبل، وامرأة ابن مسعود، واستحسنه مسروق. وممن كان يختمه في ثمان: أُبيّ، وأبو قلابة. وممن كان يختمه في ست: الأسود بن يزيد. وممن كان يختمه في خمس: علقمة بن قيس. وممن كان يختمه في ثلاث: ابن مسعود، وقال: من قرأه في أقلّ من ثلاث فهو راجز، وكره ذلك معاذ، وكان المسيَّب بن رافع يختمه في كل ثلاث، ثم يصبح اليوم الذي يختم فيه صائمًا، رواها كلها ابن أبي شيبة -﵀-. وروى ابن أبي داود عن بعض السلف أنهم كانوا يختمون في شهرين ختمة واحدة، وعن بعضهم في كل شهر ختمة، وعن بعضهم في كل عشر ليال، وقال أحمد بن حنبل: أكثر ما سمعت أنه يختم القرآن في أربعين، وكره الحنابلة تأخيره عن ذلك؛ لأن النبيّ -ﷺ- سأله عبد اللَّه بن عمرو في كم يقرأ القرآن؟ قال: «في أربعين يومًا»، ثم قال: «في شهر»، ثم قال: «في عشرين»، ثم قال: «في خمس عشرة»، ثم قال: «في عشر»، ثم قال: «في سبع»، لم ينزل من سبع. رواه أبو داود. قالوا: ولأن تأخيره أكثر من ذلك يفضي إلى النسيان، والتهاون به، قالوا: وهذا إذا لم يكن له عذر، فأما مع العذر فواسع له، واستحبوا أن يختمه في سبع، وقالوا: إن قرأه في ثلاث فحسن، لما روي عن عبد اللَّه بن عمرو -﵄-، قال: قلت لرسول اللَّه -ﷺ-: إن بي قوّةً، قال: «اقرأه في ثلاث». رواه أبو داود. وعن أحمد بن حنبل -﵀- أنه قال: أكره أن يقرأه في أقلّ من ثلاث، وذلك لقوله -ﷺ-: «لا يفقه من قرأه في أقلّ من ثلاث»، رواه أبو داود. وجعل ابن حزم الظاهري قراءته في أقل من ثلاث حرامًا، فقال: يستحب أن يختم القرآن مرة في كل شهر، ويكره أن يختم في أقل من خمسة أيام، فإذا فعل ففي ثلاثة أيام، لا يجوز أن يختم القرآن في أقل من ذلك، ولا يجوز لأحد أن يقرأ أكثر من ثلث القرآن في يوم وليلة، ثم استدلّ على ذلك بالحديث المتقدم: «لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث». قال الحافظ ولي الدين -﵀-: ولا حجة في ذلك على تحريمه، ولا يقال: إن كل من لم يتفقه في القرآن فقد ارتكب محرمًا، ومراد الحديث أنه لا يمكن مع قراءته في أقل من ثلاث التفقه فيه، والتدبر لمعانيه، ولا يتسع الزمان لذلك. وقد روي عن جماعة من السلف قراءة القرآن كله في ركعة واحدة، منهم عثمان بن عفان، وتميم الداري، وسعيد بن جبير، وعن عليّ الأزدي وعلقمة قراءته في ليلة واحدة، رواها كلها ابن أبي شيبة في «مصنفه». وكان الشافعي يختم القرآن في كل يوم وليلة، فإذا كان شهر رمضان ختم في اليوم والليلة مرتين، وكان الأسود يختمه في رمضان في ليلتين، وفي سواه في ست، وكان بعضهم يزيد على ذلك. قال ابن عبد البر: كان سعيد بن جبير وجماعة يختمون القرآن مرتين وأكثر في ليلة. وقال النووي: وأكثر ما بلغنا في ذلك عن ابن الكاتب أنه كان يقرأ في اليوم والليلة ثمان ختمات، وأكثر العلماء على أنه لا تقدير في ذلك، وإنما هو بحسب النشاط والقوة، والترتيل أفضل من العجلة. وفي «مصنف ابن أبي شيبة» عن زيد بن ثابت: لَأَن أقرأ القرآن في شهر أحب إلي من أن أقرأه في خمس عشرة، ولأن أقرأه في خمس عشرة أحب إليّ من أن أقرأه في عشر، ولأن أقرأه في عشر أحب إليّ من أن أقرأه في سبع، أقِفُ، وأدعو. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي الأفضل أن يقرأ القرآن في شهر؛ لما في رواية البخاري أنّ النبيّ -ﷺ- قال لعبد اللَّه بن عمرو -﵄-: «اقرأ القرآن في شهر»، مع أنه يعلم أن له نشاطًا وقوة على القراءة، فلما استزاده، وألحّ عليه قال له: «اقرأه في عشرين»،. . . إلخ. فدلّ على أن الشهر هو الأولى، لكن من وجد قوة ونشاطًا فله أن يزيد على ذلك حتى يصل إلى سبع، والأفضل أن لا يزيد عليها؛ لأنها التي وقف عندها النبيّ -ﷺ- مع إلحاح عبد اللَّه بن عمرو -﵄- في طلب الزيادة، وقال له: «ولا تزد على سبع»، فدل على أنه لا أفضل وراءها، ويجوز في ثلاث، ولا يزيد عليها، فإن خير الهدي هدي النبيّ -ﷺ-، وأما ما تقدم نقله عن ابن حزم من تحريمه الختم في أقل من ثلاث فمما لا يُلْتَفَتُ إليه؛ لعدم نصّ، ولا إجماع على ذلك، فتبصَّر بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٤٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: «تَعَاهَدُوا هَذِهِ الْمَصَاحِفَ، وَرُبَّمَا قَالَ: الْقُرْآنَ، فَلَهُوَ أَشَدُّ تَفَضيًا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنَ النَّعَمِ مِنْ عُقُلِهِ»، قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ، بَلْ هُوَ نُسِّيَ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (الأَعْمَشُ) سُليمان بن مِهْرَان، تقدّم قبل باب. والباقون كلّهم ذُكروا في الباب. وقوله: (تَعَاهَدُوا هَذِهِ الْمَصَاحِفَ) جمع مُصحف مثلّث الميم، من أُصْحِف بالضمّ؛ أي: جُعِلت فيه الصحف، قاله في «القاموس»، والمراد به هنا القرآن، كما قال: «وَرُبَّمَا قَالَ: الْقُرْآنَ». والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٤٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج، حَدَّثَنِي عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «بِئْسَمَا لِلرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ: نَسِيتُ سُورَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ، أَوْ نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ، بَلْ هُوَ نُسِّيَ»).
مصادر المؤلف (١٣)

١. «لسان العرب»٥/ ٣٩٦٤ - ٣٩٦٥.

٢. «لسان العرب»٥/ ٢٥٣٤.

٣. «المصباح المنير»٢/ ٦١٣ - ٦١٤.

٤. «شرح النوويّ» ٦/ ٧٧.

٥. راجع: «الفتح» ١٠/ ١٠٢.

٦. راجع: «الفتح» ١١/ ٢٧٩.

٧. أي: حديث عبد اللَّه مسعود -﵁-، وحديث عبد اللَّه بن عمر -﵄- المذكور قبله.

٨. «الفتح» ١١/ ٢٨٠.

٩. الظاهر أنه أراد حديث عائشة -﵂- المتقدّم: «سمع رسول اللَّه -ﷺ- رجلًا يقرأ في الليل، فقال: يرحمه اللَّه لقد أذكرني آية كذا وكذا، كنت أُنسيتها» من سورة كذا.

١٠. «الفتح» ١١/ ٢٨٥.

١١. في إسناده عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن يعلى مختلف فيه، وعثمان بن عبد اللَّه بن أوس ليس له إلا هذا الحديث، ولم يوثّقه إلا ابن حبّان.

١٢. رمز بعضهم لهذا التحزيب بقوله: «فمي بشوق»، فالفاء رمز الفاتحة، والميم للمائدة، والياء ليونس، والباء لبني إسرائيل، والشين للشعراء، والواو لـ «والصافات»، والقاف لـ «ق».

١٣. وفي نسخة: «وحدّثنا».