HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٨٠٣

وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حدثنا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُلَيّ. قال: سمعت أبي يحدث عن عقبة ابن عَامِرٍ. قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ فِي الصُّفَّةِ. فَقَالَ «أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى بُطْحَانَ أَوْ إِلَى الْعَقِيقِ فَيَأْتِيَ مِنْهُ بِنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ، فِي غَيْرِ إِثْمٍ وَلَا قَطْعِ رَحِمٍ؟ «فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! نُحِبُّ ذَلِكَ. قَالَ»أَفَلَا يَغْدُو أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَعْلَمُ أَوْ يَقْرَأُ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ﷿ خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ. وَثَلَاثٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثٍ. وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَرْبَعٍ. وَمِنْ أعدادهن من الإبل؟ «.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص197
ج ١ ص ٥٥٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين سنن أبي داود, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٦ ص٣٣٤
التعريف لم يَحْسُن حُسنَه. انتهى ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٢/ ١٨٧٢] (٨٠٢)، و(ابن ماجه) في «كتاب الأدب» (٣٧٨٢)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٣٩٧ و٤٦٦ و٤٩٧)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ٤٣١)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣٧٧٧)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٨٢٣)، وفوائد الحديث تأتي في شرح حديث عقبة بن عامر -﵁- التالي -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٧٣] (٨٠٣) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُلَيٍّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، يُحَدِّثُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَنَحْنُ فِي الصُّفَّةِ، فَقَالَ: «أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى بُطْحَانَ، أَوْ إِلَى الْعَقِيقِ، فَيَأْتِيَ مِنْهُ بِنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ، فِي غَيْرِ إِثْمٍ، وَلَا قَطْعِ رَحِمٍ؟»، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كُلُّنَا نُحِبُّ ذَلِكَ ، قَالَ: «أَفَلَا يَغْدُو أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسجِدِ، فَيَعْلَمَ، أَوْ يَقْرَأُ آيَتَيْنِ مِنْ كتَابِ اللَّهِ ﷿ خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ، وَثَلَاثٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثٍ، وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَرْبَعٍ، وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الْإِبِلِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في السند الماضي. ٢ - (الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ) اسم دُكين عمرو بن حمّاد بن زُهير التيميّ مولاهم الأحول، أبو نعيم الْمُلائيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢١٨) أو بعدها (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٩١. ٣ - (مُوسَى بْنُ عُلَيٍّ) بالتصغير ابن رَبَاح اللَّخْميّ، أبو عبد الرحمن المصريّ، وَلِيَ إِمْرَةَ مصر سنة ستّين، ثقةٌ [٧]. رَوَى عن أبيه، والزهريّ، وابن المنكدر، ويزيد بن أبي حبيب، ويزيد بن أبي منصور. ورَوَى عنه أسامة بن زيد الليثيّ، وهو أكبر منه، وابن لَهِيعة، والليث، ويحيى بن أيوب، وابن المبارك، وابن مهديّ، وأبو عامر الْعَقَديّ، وابن وهب، ووكيع، وأبو نعيم، وغيرهم. ذَكَره ابن سعد في الطبقة الرابعة من أهل مصر، وقال: كان ثقةً إن شاء اللَّه تعالى، وقال أحمد، وابن معين، والعجليّ، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: كان رجلًا صالحًا، يُتقن حديثه، لا يزيد ولا ينقص، صالح الحديث، وكان من ثقات المصريين، وقال ابن شاهين في «الثقات»: قال أحمد بن حنبل: كان ثقةً، وقال الساجيّ: صدوقٌ، قال: وقال ابن معين: لم يكن بالقويّ، وقال ابن عبد البر: ما انفرد به، فليس بالقويّ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: كان مولده بالغرب سنة تسع وثمانين، وقال ابن يونس: وُلد بإفريقية سنة تسعين، ومات بالإسكندرية سنة ثلاث وستين ومائة، وفيها أرّخه غير واحد. أخرج له البخاريّ في «الأدب المفرد»، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا برقم (٨٠٣) وحديث (٨٣١) و(١٠٩٦) و(٢٨٩٨). ٤ - (أَبُوهُ) عَليّ بن رَبَاح بن قَصِير -ضدّ الطويل- بن الْقَشِيب بن يينع بن أردة بن حُجْر بن جَزِيلة بن لَخْم اللَّخْميّ، أبو عبد اللَّه، ويقال: أبو موسى المصريّ، والمشهور فيه عُلَيّ بالضمّ مصغَّرًا، وكان يغضب منها، من صغار [٣]. رَوَى عن عمرو بن العاص، وسُراقة بن مالك بن جُعْشُم، وفَضالة بن عُبيد، والمستورِد بن شداد، وعتبة بن الندّر، ومعاوية بن أبي سفيان، ومعاوية بن حُديج، وأبي قتادة الأنصاريّ، وأبي هريرة، وعقبة بن عامر الجهنيّ، وعبد العزيز بن مروان، وجنادة بن أبي أمية، وأبي قيس مولى عمرو بن العاص. وروى عنه ابنه موسى، وأبو هانئ حميد بن هانئ، ويزيد بن أبي حبيب، ومعروف بن سُويد الجذاميّ، والحارث بن يزيد الحضرميّ، ويزيد بن محمد القرشيّ، وغيرهم، وفد على معاوية -﵁-. ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل مصر، قال: كان ثقةً، وقال أبو عبد الرحمن المقرئ، عن موسى بن عُليّ، عن أبيه: كنت خلف معلمي فبكى، فقلت له: ما لك؟ فقال: قُتِل عثمان، وقال غيره: كنت مع عمي، وقال العجليّ: مصريّ تابعيّ ثقةٌ، وقال الأثرم عن أحمد: ما علمت إلا خيرًا، وقال يعقوب بن سفيان في ثقات التابعين: من أهل مصر عُليّ بن رَباح، وُلد بالمغرب، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات». وقال الليث: قال عَليّ بن رباح: لا أجعل في حِلّ من سماني عُليّ، فإن اسمي عَليّ، وقال المقرئ: كان بنو أمية إذا سمعوا بمولود اسمه عَليّ، قتلوه فبلغ ذلك رَباحًا، فقال: هو عليّ، وكان يغضب من عُليّ، ويُحَرِّج على من سماه به، وقال ابن يونس: وُلِد سنة (١٥) وذهبت عينه يوم ذي الصّواري في البحر مع ابن أبي سَرْح سنة (٣٤)، وكان له من عبد العزيز منزلة، ثم عَتَبَ عليه عبد العزيز، فأغزاه إفريقية، فلم يزل بها إلى أن مات، ويقال: إن وفاته كانت سنة (١١٤)، وقال العَدّاس: تُوُفّي سنة (١١٧). قال البخاريّ في «باب غزوة ذات الرِّقَاع»: وقال بكر بن سوادة: ثنا زياد بن نافع، عن أبي موسى، أن جابرًا حدّثهم قال: صلّى النبيّ -ﷺ- يوم محارب، يعني صلاة الخوف، وقال أبو مسعود في «الأطراف»: أبو موسى هو علي بن رباح، ويقال: إنه الغافقيّ. قال الحافظ: وذكر ابن سعد، وابن معين: أن أهل مصر يقولونه بفتح العين، وأن أهل العراق يقولونه بالضم، وقال الساجيّ: كان ابن وهب يروي عنه، ولا يُصَغِّره، وغَلِطَ ابن منجويه وغيره، فقال: هو عليّ بن رَباح ابن معاوية بن حُديج، فلعله كان في سند علي بن رباح «عن»، فتصحفت «ابن». انتهى . أخرج له البخاريّ في «الأدب المفرد»، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم (٨٠٣) و(٨٣١) و(١٠٩٦) و(١٥٩١) و(٢٨٩٨). ٥ - (عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ) الْجُهنيّ الصحابيّ المشهور، اختُلف في كنيته على سبعة أقوال، أشهرها أبو حمّاد، وَليَ إمرة مصر لمعاوية -﵄- ثلاث سنين، وكان فقيهًا فاضلًا، مات -﵁- في قرب الستين (ع) تقدم في «الطهارة» ٦/ ٥٥٩. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمصريين من موسى، والباقيان كوفيّان. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث والسماع. شرح الحديث: (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ) الْجُهَنيّ -﵁- أنه (قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) أي من بعض حُجَره إلى المسجد (وَنَحْنُ فِي الصُّفَّةِ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، والرابط الواو، كما قال في «الخلاصة»: وَمَوْضِعَ الْحَالِ تَجِيءُ جُمْلَهْ … كَـ «جَاءَ زَيْدٌ وَهْوَ نَاوٍ رِحْلَهْ» و«الصُّفَّةُ» بضمّ الصاد المهملة، وتشديد الفاء: مكان مُظَلَّلٌ في مؤخّر المسجد النبويّ، أُعدّ لنزول الغرباء فيه، قال ابن الأثير -﵀-: أهل الصفّة: هو فقراء المهاجرين ممن لم يكن له منزلٌ يسكنه، فكانوا يأوون إلى موضع مُظَلَّل في مسجد المدينة، يسكنونه . قال الفيّوميُّ: الصُّفّة من البيت: جمعها صُفَفٌ، مثلُ غُرْفة وغُرَف. انتهى . وقال في «القاموس»: صُفّةُ الدار والسَّرْج معروف، جمعه كصُرَد، قال: وأهل الصفّة كانوا أضياف الإسلام، كانوا يبيتون في مسجده -ﷺ-، وهي موضعٌ مُظَلَّلٌ من المسجد. انتهى . وقال ابن حجر الهيتميُّ: كانت الصّفَّةُ في مؤخّر المسجد معدّة لفقراء الصحابة غير المتأهّلين، وكانوا يكثرون تارةً حتى يبلغوا نحو المائتين، ويَقِلّون تارةً لإرسالهم في الجهاد وتعليم القرآن. وقال الجزريُّ: وكانوا سبعين، ويقلّون أحيانًا ويكثرون، وقال السيوطيُّ: عدّهم أبو نُعيم في «الحلية» أكثر من مائة. انتهى . (فَقَالَ) -ﷺ- («أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ) أي يذهب في الْغُدْوة، وهي أول النهار، يقال: غدا غُدُوًّا، من باب قَعَدَ: ذهب غُدْوةً، وهي ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس، وجمع الغُدْوة غُدًى، مثلُ مُدْيَة ومُدًى، هذا أصله، ثم كثُر، حتى استُعمِل في الذهاب والانطلاق أَيَّ وقت كان ، ومنه قوله -ﷺ-:»واغْدُ يا أُنيس على امرأة هذا. . . «الحديث، متّفقٌ عليه . (كُلَّ يَوْمٍ) منصوب على الظرفيّة متعلّق بـ«يَغْدو»(إِلَى بُطْحَانَ) -بضم الموحّدة، وسكون الطاء المهملة-: اسم وادٍ بالمدينة، سُمّي بذلك لسعته، وانبساطه، من البَطْح، وهو البسط . وقال ابن الأثير -﵀-:«بَطْحَانُ»بفتح الباء: اسم وادي المدينة، والبَطْحانيّون منسوبون إليه، وأكثرهم يضمّون الباء، ولعله الأصحّ. انتهى . وقال في«القاموس»و«شرحه»:«وبُطْحانُ»بضمّ الموحّدة، وسكون الطاء، وهو الأكثر، قال ابن الأثير في«النهاية»: ولعلّه الأصحّ، وقال عياضٌ في«المشارق»: هكذا يرويه المحدّثون، وكذا سمعناه من المشايخ، أو الصواب الفتح، وكسر الطاء، كقَطِرَانٍ، كذا قَيّده القالي في«البارع»، وأبو حاتم، والبكريّ في«المعجم»، وزاد الأخير: ولا يجوز غيره، وهو: موضع بالمدينة -على ساكنها أفضل الصلاة والسلام- وهو أحد أودية المدينة الثلاثة، وهي العقيق، وبطحان، وقناةُ، وروى ابن الأثير فيه الفتح أيضًا، وغيره الكسر، فإذًا هو بالتثليث. انتهى . (أَوْ) الظاهر أن«أو»هنا للتنويع، لا للشكّ، لكن قال في«جامع الأصول»:«أو قال: إلى العقيق»، فدلّ على أنه شكّ من الراوي، قاله القاري -﵀- (إِلَى الْعَقِيقِ) بفتح العين المهملة، وبقافين الأولى مكسورة، بينهما ياء تحتانيّة ساكنة، قال الطيبيُّ: أراد العَقِيق الأصغر، وهو وادٍ على ثلاثة أميال، وقيل: على ميلين من المدينة، عليه أموال أهلها، وإنما خصّهما = قال: إن ابني كان عَسِيفًا على هذا، فزنى بامرأته، فافتديت منه بمائة شاة وخادم، ثم سألت رجالًا من أهل العلم، فأخبروني أن على ابني جلد مائة، وتغريب عام، وعلى امرأته الرجم، فقال النبيّ -ﷺ-: «والذي نفسي بيده لأقضينّ بينكما بكتاب اللَّه -جلّ ذكره- المائة شاةٍ والخادمُ رَدٌّ عليك، وعلى ابنك جلد مائة، وتغريب عام، واغد يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها، فغدا عليها، فاعترفت، فرجمها». بالذكر؛ لأنهما أقرب المواضع التي يقام فيها أسواق الإبل إلى المدينة. انتهى . وقال ابن الأثير -﵀-: «العقيق»: هو وادٍ من أودية المدينة، مسيلٌ للماء، وهو الذي ورد ذكْرُهُ في الحديث أنه وادٍ مباركٌ، قال: وفي بلاد العرب مواضع كثير، تُسمّى العَقِيق، وكلُّ موضع شَقَقْتَهُ في الأرض، فهو عَقِيقٌ، والجمع أَعِقّةٌ، وعَقَائِق. انتهى . وقال الفيّوميُّ: «العَقِيقُ»: الوادي الذي شقّه السيل قديمًا، وهو في بلاد العرب عِدّة مواضع، منها العقيق الأعلى عند مدينة النبيّ -ﷺ- مما يلي الْحَرّة إلى منتهى البقيع، وهو مقابر المسلمين، ومنها العقيق الأسفل، وهو أسفل من ذلك، ومنها العقيق الذي يجري ماؤه من غَوْرَيْ تِهَامةَ، وأوسطه بحذاء ذات العرق، قال بعضهم: ويتّصل بعقيق المدينة، وهو الذي ذكره الشافعيُّ، فقال: لو أهلّوا من العقيق كان أحبّ إليّ، وجمعُ العقيق أَعِقّة. انتهى . (فَيَأْتِيَ مِنْهُ بِنَاقَتَيْنِ) تثنية ناقة، وهي الأنثى من الإبل، قال أبو عُبيد: ولا تُسمَّى ناقةً حتى تُجْذع، والجمعُ أَيْنُقٌ ، ونُوقٌ، ونِيَاقٌ، قاله في «المصباح» . (كَوْمَاوَيْنِ) تثنية كَوْماء -بفتح الكاف، وسكون الواو، وبالمدّ- قُلبت الهمزة واوًا، وهي الناقة العظيمة السنام. قال في «المصباح»: الْكَومَةُ: الْقِطعةُ من التراب وغيره، وهي الصُّبْرَة، بفتح الكاف وضمّها، وكَوّمتُ كَومةً من الحصى: أي جمعتها، ورفعت لها رأسًا، وناقةٌ كَوْمَاءُ: ضخْمَةُ السنام، وبعيرٌ أَكْوَمُ، والجمع كُومٌ، من باب أحمر. انتهى. والمعنى: أنه يأتي بناقتين مشرفتي السنام عاليتيه عظيمتيه، وإنما ضرب المثل بها؛ لأنها كانت من أحبّ الأموال إليهم، وأنفس المتاجر لديهم (فِي غَيْرِ إِثْمٍ) أي في غير ما يوجب إثمًا، كسرقة، وغصب، سمّي موجِب الإثم إثمًا مجازًا (وَلَا قَطْعِ رَحِمٍ») أي وفي غير ما يوجب قطع رحم، وهو تخصيص بعد تعميم (فَقُلْنَا: يَا رَسُوَلَ اللَّهِ كُلُّنَا نُحِبُّ ذَلِكَ) هكذا في النسخة التي شرح عليها الأبيّ بإثبات لفظة«كلّنا»، ووقع في نسخة شرح النوويّ بحذفها، و«نحبّ»بالنون، ووقع في«جامع الأصول»لابن الأثير:«كلّنا يُحبّ ذلك»بالياء، قاله القاري (قَالَ) -ﷺ- («أَفَلَا يَغْدُو) أي أيترك ذلك، فلا يغدو (أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَيَعْلَمَ) بالنصب على جواب النفي، والرفع بالعطف على »يغدو«، وهو بفتح أوله، وسكون ثانيه، وفتح ثالثه، مضارع عَلِمَ ثلاثيًّا، ووقع في »المصابيح«: »فيتعلّم«، وقال الطيبيّ: صحّح في »جامع الأصول« بفتح الياء، وسكون العين، أي فيتعلّم آيتين (أَوْ يَقْرَأُ آيَتَيْنِ) »أو« هنا للشكّ من الراوي. انتهى. وقال في «المرعاة»: «فَيعلم» بالتشديد، وفي نسخة صحيحة بالتخفيف، قاله القاري، قلت: وقع في بعض النسخ من «صحيح مسلم»: «فيتعلّم»، وهكذا في «المصابيح». «أو يقرأ» بالرفع والنصب فيهما، قال القاري: قال ميرك: هذه الكلمة يَحْتَمِل أن تكون عَرْضًا، أو نفيًا، وفيه أن الفاء مانعة من كونها للعرض، ثم قال: وقوله: «فيعلم، أو يقرأ» منصوبان على التقدير الأول، مرفوعان على الثاني، قلت: ويجوز نصبهما على الثاني أيضًا؛ لأنه جواب النفي. ثم قال: «ويُعَلِّمُ» من التعليم في أكثر نسخ «المشكاة»، وصحَّح في «جامع الأصول» كونه من العلم، وكلمة «أو» تَحْتَمِلُ الشكّ والتنويع. انتهى. وفي الشرح أنه صحّح في «جامع الأصول» «فيَعْلَم» بفتح الياء، وسكون العين، فـ «أو» شكّ من الراوي؛ دفعًا لتوهّم كونه من التعليم، فيكون «أو» للتنويع، كذا ذكره الطيبيّ، وعلى التنويع قوله: (مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ﷿) تنازع فيه الفعلان، وقوله: «خير» خبر مبتدأ محذوف: أي هما خيرٌ له، أو الغُدُوّ خير له (خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ، وَثَلَاثٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثٍ) أي من الإبل (وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَرْبَعٍ، وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ) بفتح الهمزة: جمع عدد (مِنَ الْإِبِلِ«) بيان لـ»الأعداد«. فقوله:«من أعدادهنّ» متعلّقٌ بمحذوف تقديره: وأكثر من أربع آيات خير من أعدادهنّ من الإبل، فخمس آيات خير من خمس من الإبل، وكذلك الستّ، والسبع، إلى ما فوقُ، من الأعداد. وقيل: يَحْتَمِلُ أن يكون المعنى أن آيتين خير من ناقتين، ومن أعدادهما من الإبل، وثلاث خير له من ثلاث، ومن أعدادهنّ من الإبل، وكذا أربعٌ. والحاصل أن الآيات تُفَضَّل على أعدادهنّ من النوق، وعلى أعدادهنّ من الإبل، كذا ذكره الطيبيُّ . قال القاري -﵀-: ويوضّحه ما قيل: إنه متعلّق بقوله: «آيتين، وثلاث، وأربعٌ»، ومجرور «أعدادهنّ» عائد إلى الأعداد التي سبق ذكرها، و«من الإبل» بدلٌ من «أعدادهنّ»، أو بيانٌ له، يعني: آيتان خير من عدد كثير من الإبل، وكذلك ثلاث وأربعُ آيات منه؛ لأن قراءة القرآن تنفع في الدنيا والآخرة نفعًا عظيمًا، بخلاف الإبل. انتهى. والحاصل أنه -ﷺ- أراد ترغيبهم في الباقيات، وتزهيدهم عن الفانيات، فذكر هذا على سبيل التمثيل والتقريب إلى الفهم، وإلا فجميع الدنيا أحقر من أن تقابل بمعرفة آية من كتاب اللَّه تعالى، أو ثوابها من الدرجات العلى، كذا في «المرقاة» . وقال الإمام ابن حبّان -﵀- في «صحيحه» بعد أن أخرج الحديث ما نصّه: هذا الخبر أُضْمِر فيه كلمة، وهي: لو تَصَدَّق بها، يريد بقوله: فيتعلم آيتين من كتاب اللَّه خير من ناقتين وثلاث، لو تصدَّق بها؛ لأن فضل تعلم آيتين من كتاب اللَّه أكبر من فضل ناقتين وثلاث، وعِدَادهن من الإبل، لو تصدق بها؛ إذ محال أن يُشَبَّهَ مَن تعلم آيتين من كتاب اللَّه في الأجر بمن نال بعض حُطام الدنيا، فَصَحّ بما وصفتُ صحة ما ذكرتُ. انتهى ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عقبة بن عامر -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٢/ ١٨٧٣] (٨٠٣) و(أبو داود) في «الصلاة» (١٤٥٦)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١٠/ ٥٠٣ و٥٠٤)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ١٥٤)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١١٥)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١٧/ ٧٩٩)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣٧٧٨ و٣٧٧٩)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٨٢٤)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن في حديثي الباب بيانَ فضل قراءة القرآن في الصلاة وغيرها. ٢ - (ومنها): بيان فضل تعلّم القرآن، وتعليمه، وأنه خير من كثير من حُطام الدنيا، بل ومن الدنيا، وجميع ما عليها. ٣ - (ومنها): الحثّ والترغيب في ثواب الآخرة الباقية مقارنًا بمنافع الدنيا الفانية. ٤ - (ومنها): مشروعيّة ضرب الأمثال؛ تقريبًا إلى الأفهام، وتوضيحًا للأحكام، قال القرطبيُّ: مقصود الحديث الترغيب في تعلّم القرآن وتعليمه، وخاطبهم على ما تعارفوه، فإنهم أهل إبل، وإلا فأقلّ جزء من ثواب القرآن، وتعليمه خير من الدنيا، وما فيها، وقد قال -ﷺ-: «موضع سوط أحدكم في الجنّة خير من الدنيا وما عليها»، رواه البخاريّ . ٥ - (ومنها): الحثّ في كسب الحلال الخالي من الإثم وقطيعة الرحم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
مصادر المؤلف (٢٤)

١. «الكاشف عن حقائق السنن» ٥/ ١٦٣٥.

٢. وفي نسخة: «حدّثنا».

٣. وفي نسخة: «نحبّ ذلك» بحذف «كلّنا».

٤. فما قاله في «التقريب»: صدوق ربما أخطا، غير صحيح، فإنه وثّقه جلّ الأئمة، وما نقله ابن شاهين عن ابن معين أنه قال: لم يكن بالقويّ، غير قويّ، فإن أكثر الرواة عن ابن معين قالوا: إنه قال: ثقة، ووثقه أحمد، وأبو حاتم، والنسائيّ، والعجليّ، وابن حبّان، فماذا بعد هؤلاء؟، فتبصّر.

٥. هكذا في «تهذيب التهذيب» بتقديم الحاء على الجيم، وفي «تهذيب الكمال» بالعكس، فليُنظر.

٦. «تهذيب التهذيب» ٣/ ١٦١.

٧. «النهاية»٣/ ٣٧.

٨. «المصباح المنير»١/ ٣٤٣.

٩. «القاموس المحيط»٣/ ١٦٣.

١٠. راجع:«المرعاة»٧/ ١٧١.

١١. «المصباح المنير»٢/ ٤٤٣.

١٢. هو ما أخرجه الشيخان في«صحيحيهما»عن أبي هريرة وزيد بن خالد قالا: كنا عند النبيّ -ﷺ-، فقام رجل، فقال: أنشدك اللَّه إلا قضيت بيننا بكتاب اللَّه، فقام خصمه، وكان أفقه منه، فقال: اقض بيننا بكتاب اللَّه، وأذن لي، قال:«قل»، =

١٣. «الكاشف عن حقائق السنن» ٥/ ١٦٣٤، و«المرعاة» ٧/ ١٧١ - ١٧٢.

١٤. «النهاية» ١/ ١٣٥.

١٥. «تاج العروس من جواهر القاموس» ٢/ ١٣٥.

١٦. «الكاشف عن حقائق السنن» ٥/ ١٦٣٤.

١٧. «النهاية» ٣/ ٢٧٨.

١٨. «المصباح المنير» ٢/ ٤٢٢.

١٩. فيه قلبٌ مكانيّ، بتقديم عين الكلمة على فائها.

٢٠. «المصباح المنير» ٢/ ٦٣١.

٢١. راجع: «الكاشف عن حقائق السنن» ٥/ ١٦٣٤.

٢٢. راجع: «مرقاة المفاتيح» ٤/ ٦١٥.

٢٣. «الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان» ١/ ٣٢١.

٢٤. رواه البخاريّ في «صحيحه» رقم (٢٨٩٢).