HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٨٠٦

حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ وَأَحْمَدُ بْنُ جَوَّاسٍ الْحَنْفِيُّ. قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ عَمَّارِ بْنِ رزيق، عن عبد الله ابن عِيسَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: بَيْنَمَا جِبْرِيلُ قَاعِدٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ. سَمِعَ نَقِيضًا مِنْ فَوْقِهِ. فَرَفَعَ رَأْسَهُ. فَقَالَ: هَذَا بَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فُتِحَ الْيَوْمَ. لَمْ يُفْتَحْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ. فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ. فَقَالَ: هَذَا مَلَكٌ نَزَلَ إِلَى الأَرْضِ. لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ. فَسَلَّمَ وَقَالَ: أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ. فَاتِحَةُ الْكِتَابِ وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ. لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهُمَا إِلَّا أُعْطِيتَهُ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص198
ج ١ ص ٥٥٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدر واحد سنن النسائي
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٦ ص٣٦٣
صَاحِبِهِمَا») أي تدافعان بالحجة عن قارئهما الملازم لتلاوتهما، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث النّوّاس بن سِمْعان -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٣/ ١٨٧٦] (٨٠٥)، و(الترمذيّ) في«كتاب فضائل القرآن»(٢٨٨٣)، و(أحمد) في«مسنده»(٤/ ١٨٣)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(٣٩٣٤ و٣٩٣٥)، و(أبو نعيم) في«مستخرجه» (١٨٢٦)، واللَّه تعالى أعلم. وأما فوائد الحديث فقد تقدّمت في شرح حديث أبي أمامة الباهليّ -﵁- الذي قبله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٤٤) - (بَابُ بَيَانِ فَضْلِ الْفَاتِحَةِ، وَخَوَاتِيمِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَالْحَثِّ عَلَى قِرَاءَتِهَا) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٧٧] (٨٠٦) - (حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَأَحْمَدُ بْنُ جَوَّاسٍ الْحَنْفِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ رُزيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «بَيْنَمَا جِبْرِيلُ قَاعِدٌ عِنْدَ النَّبِيِّ -ﷺ- سَمِعَ نَقِيضًا مِنْ فَوْقِهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: هَذَا بَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فُتِحَ الْيَوْمَ، لَمْ يُفْتَحْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ، فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ، فَقَالَ: هَذَا مَلَكٌ نَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ، لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ، فَسَلَّمَ، وَقَالَ: أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا، لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهُمَا إِلَّا أُعْطِيتَهُ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ) الْبَجَليّ، أبو عليّ الكوفيّ الْبُورَانيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢ أو ٢٢١) (ع) تقدم في«المقدمة»٥/ ٢٦. ٢ - (أَحْمَدُ بْنُ جَوَّاسٍ الْحَنْفِيُّ) أبو عاصم الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٨) (م د) تقدم في«الإيمان»٦٤/ ٣٦٥. ٣ - (أَبُو الْأَحْوَصِ) سلّام بن سُليم الْحَنفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في«الإيمان»٤/ ١١٥. ٤ - (عَمَّارُ بْنُ رُزيقٍ) -بتقديم الراء، مصغّرًا- الضبيّ، أو التميميّ، أبو الأحوص الكوفيّ، ثقةٌ [٧] (ت ١٥٩) (م د س ق) تقدم في«الإيمان» ٦٣/ ٣٤٨. ٥ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِيسَى) بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاريّ، أبو محمد الكوفيّ، وكان أكبر من عمه محمد، ثقةٌ فيه تشيّعٌ [٦]. رَوَى عن جده عبد الرحمن، وأبيه عيسى، وأمية بن هند المزنيّ، وسعيد بن جبير، وعبد اللَّه بن أبي الجعد الغطفانيّ، والزهريّ، وموسى بن عبد اللَّه بن يزيد الخطميّ، وعكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم. وروى عنه عمه محمد، وابن ابنه عيسى بن المختار بن عبد اللَّه بن عيسى، وإسماعيل بن أبي خالد، والسفيانان، وشعبة، وشريك، وغيرهم. قال عليّ بن حكيم: سمعت شريكًا يُثْني على عبد اللَّه بن عيسى، وقال في رواية: كان رجل صدق، وكان يُعَلِّم محتسبًا، وقال ابن عيينة: ثنا عمارة بن القعقاع بن شُبْرُمة وعبد اللَّه بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبى ليلى، وكانوا يقولون: هما أفضل من عمهما، وقال ابن معين: ثقة، وقال في رواية: كان يَتَشَيَّع، وقال أبو الحسن بن الْبَرّاء عن ابن المديني: هو عندي منكر الحديث، وقال ابن خِرَاش: هو أوثق ولد أبي ليلى. وقال النسائي: ثقة ثبت، وقال العجلي: ثقة، وقال الحاكم: هو من أوثق آل أبي ليلى، وذكره ابن حبان في «الثقات». وذكر أبو إسحاق الحربيّ في «العلل» أنه لم يسمع من جَدِّه، قال الحافظ: وهو قول مردود، أوردته لأُنَبِّه عليه، فحديثه عن جدّه في «الصحيح». قال جعفر الطيالسيّ عن ابن معين: مات سنة خمس وثلاثين ومائة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٨٠٦)، وحديث (٨٢٠): «أرسل إلي أن اقرأ القرآن على حرف. . .» الحديث. ٦ - (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرِ) بن هشام الأسديّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٣] (ت ٩٥) ولم يكمل الخمسين (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٧/ ٣٢٩. ٧ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد اللَّه البحر الحبر -﵄-، مات (٦٨) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتّفاقهما في التحمّل والأداء. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، إلا شيخه أحمد بن جوّاس، فانفرد به هو، وأبو داود، وعمار بن رُزيق، فما أخرج له البخاريّ، والترمذي. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين. ٤ - (ومنها): أن فيه ابن عباس -﵄- أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، وقد تقدم غير مرة، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) -﵄- أنه (قَالَ: «بَيْنَمَا جِبْرِيلُ) وفي نسخة:»جبرائيل«، وقد تقدم الكلام على»بينما«غير مرة، وهي»بين«زيدت عليها»ما«، وتضاف إلى جملة، وتتضمّن معنى الشرط، فتحتاج إلى جواب يتم به معناها، وهو قوله:»سمع نقيضًا«، أي بين أوقات وحالات كون جبريل ﵇ عنده -ﷺ-. [تنبيه]: قال القاضي ناصر الدين -﵀-: لعلّ ابن عبّاس -﵄- ترك الإسناد إلى النبيّ -ﷺ-؛ لوضوحه، ولا يبعُد أن يقال: قد اتَّفَقَ له وقتٌ، فانكشف له الحال، وتمثّل له جبريل والملك النازل، كما تمثّل لرسول اللَّه -ﷺ-، فشاهدهما، وسَمِع مقالتهما مع الرسول -ﷺ-، واللَّه تعالى أعلم بحقائق ذلك. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: الاحتمال الأول هو الأقرب والأوضح، كما لا يخفى، واللَّه تعالى أعلم. وقوله:«جبريل»مبتدأ، خبره قوله: (قَاعِدٌ عِنْدَ النَّبِيِّ -ﷺ- سَمِعَ) الظاهر أن الضمير لجبريل ﵇، وفي رواية النسائيّ:«بينما رسول اللَّه -ﷺ-، وعنده جبريل ﵇ إذ سمع»، والظاهر عليه أن الضمير في«سمع»للنبيّ -ﷺ-، ولا تنافي بينهما؛ لاحتمال أن يكون كلّ منهما سمع النقيض، واللَّه تعالى أعلم. وقال الطيبيُّ: قوله:«سَمِعَ»مسندٌ إلى جبريل ﵇، ويَحْتَمِل الإسناد إلى النبيّ -ﷺ- على بُعْد فيها؛ لما يدلّ نسق الكلام، وكذا قال القاضي : الضمائر الثلاثة في«سَمِعَ»، و«رَفَعَ»، و«قال»راجعة إلى جبريل ﵇؛ لأنه أكثر اطّلاعًا على أحوال السماء، وأحقّ بالإخبار عنها، واختار المظهر أن يكون الضمير في«سَمِعَ»، و«رفع»راجعًا إلى النبيّ -ﷺ-، وفي«فقال»إلى جبريل، ولعلّ المختار هذا. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما قاله القاضي هو الأولى، كما لا يخفى على من تامّل سياق الكلام، واللَّه تعالى أعلم. (نَقِيضًا) -بالقاف والضاد المعجمتين- أي صوتًا شديدًا كصوت نقض خشب البناء عند كسره، قاله القاري -﵀-، وقال النوويُّ: أي صوتًا كصوت الباب إذا فتح. وقال في«اللسان»: وكل صوت لمِفْصَل، وإصبع، فهو نقيض، وقد أنقض ظهرُ فلان: إذا سُمِعَ له نَقِيضٌ، قال الشاعر [من الوافر]: وَحُزْنٍ تُنْقِضُ الأضْلاع مِنْهُ … مُقِيمٍ فِي الْجَوَانِحِ لَنْ يَزُولَا ونَقِيضُ الْمِحْجَمَة: صوتُها، إذا شَدّها الحجّامُ بِمَصِّهِ، يقال: أنقض المِحْجَمَةَ؛ قال الأعشى [من الطويل]: زَوَى بَيْنَ عَيْنَيْهِ نَقِيضُ الْمَحَاجِمِ وأنقض الرَّحْلُ: إذا أطَّ. انتهى وقال التوربشتيُّ: انتقاض الشيء صوت المحامل والرحال، وما أشبه ذلك، وحقيقة الانتقاض ليست الصوت، وإنما هي انتقاض الشيء في نفسه حتى يكون منه الصوت. انتهى . (مِنْ فَوْقِهِ) متعلق بمحذوف صفةٍ لـ «نقيضًا»، أي كائنًا من فوقه، وفي رواية الحاكم: «من السماء»، أي من جهة السماء (فَرَفَعَ رَأْسَهُ) أي لينظر إلى سبب النقيض المسموع، وفي رواية النسائيّ: «فرفع جبريل ﵇ بصره إلى السماء» (فَقَالَ: هَذَا) أي هذا الصوت (بَابٌ) أي صوت باب (مِنَ السَّمَاءِ) أي من سماء الدنيا (فُتِحَ الْيَوْمَ) بالبناء للمفعول، أي الآن، والجملة في محل رفع صفة لـ «باب» (لَمْ يُفْتَحْ) وفي نسخة: «ولم يُفتح» (قَطُّ) أي في الزمان الماضي، وفيها لغات، يقال: ما رأيته قَطُّ -بفتح القاف، وضمها، وضم الطاء المشددة، ويخففان-، وقَطٍّ -بفتح القاف، وكسر الطاء المشددة-: بمعنى الدهر، مخصوص بالماضي، أي فيما مضى من الزمان، أو فيما انقطع من عمري. أفاده في «القاموس»، وقد نظم شيخنا عبد الباسط بن محمد البُورَنِيّ الْمِنَاسِيُّ هذه اللغات، فقال: وَخَمْسَةً جَعَلَ مَنْ قَطُّ ضَبَطْ … قَطُّ وَقُطُّ قَطِّ ثُمَّ قُطُ قَطْ (إِلَّا الْيَوْمَ، فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ) أي نزل من ذلك الباب الذي لم يُفتح قبل ذلك الوقت ملك، وقال في «المرعاة»: هذا من قول الراوي في حكايته لحال سمعه من رسول اللَّه -ﷺ-، أو بلغه عنه. انتهى . (فَقَالَ) جبريل ﵇ (هَذَا مَلَكٌ نَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ، لَمْ يَنْزِلْ) وفي نسخة: «ولم يَنْزِل» (قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ) هذا يدلّ على أنه نزل بالفاتحة وخواتيم سورة البقرة ملك غير جبريل ﵇، وقيل: إن جبريل نزل قبل هذا الملك معلّمًا، ومخبرًا بنزول الملك، فهو مشارك له في إنزالها، قاله في «المرعاة». قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي الأوجه أن يقال: إن جبريل ﵇ نزل بهما أوّلًا قبل ذلك، ثم نزل ذلك الملك في ذلك اليوم ثانيًا لبيان فضلهما، وثوابهما، واللَّه تعالى أعلم. (فَسَلَّمَ) ذلك الملك النازل على النبيّ -ﷺ- وعلى الحاضرين (وَقَالَ: أَبْشِرْ) بقطع الهمزة أمر من الإبشار رباعيًا (بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا) بالبناء للمفعول، أي افَرحْ بسبب نورين أعطيتهما، قيل: سماهما نورين؛ لأن كلًّا منهما يكون لصاحبه نورًا يسعى أمامه، ولأنه يُرشَدُ، ويهتدي بالتأمّل فيهما إلى الطريق القويم، والمنهج المستقيم. انتهى . وقال القرطبيُّ: قوله: «بنورين» أي بأمرين عظيمين نَيِّرين مبيِّنين لقارئهما، ومنوّرين له، وخُصّت «الفاتحة» بهذا؛ لتضمّنها جملة معاني الإيمان والإسلام والإحسان، فهي آخذة بأصول القواعد الدينيّة، والمعاقد المعارفيّة. وخُصّت خواتيم سورة البقرة بذلك؛ لما تضمّنته من الثناء على النبي -ﷺ- وعلى أصحابه -﵃- بجميل انقيادهم لمقتضاها، وتسليمهم لمعناها، وابتهالهم إلى اللَّه تعالى، ورجوعهم إليه في جميع أمورهم، ولمَا حَصَل فيها من إجابة دعواتهم بعد أن عَلِموها، فخَفَّف عنهم، وغَفَرَ لهم، ونصرهم، وفيها غير ذلك مما يطول تتبّعه. انتهى . (لَمْ يُؤْتَهُمَا) بالبناء للمفعول أيضًا، أي لم يُعطهما (نَبِيٌّ قَبْلَكَ: فَاتِحَةِ الْكِتَابِ) بالجرّ بدل من «نورين»، ويَحْتَمل الرفع على أنه خبر لمحذوف، أي أحدهما فاتحة الكتاب، والنصب على أنه مفعول لفعل محذوف، أي أعني (وَخَوَاتِيمِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ) جمع خاتمة، أي أواخرها، وهي من قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ إلى آخر السورة. قال الجامع عفا اللَّه عنه: كذا قيل، وظاهر قوله: «وخواتيم سورة البقرة» بصيغة الجمع يقتضي أن يكون من قوله تعالى ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ الآيات الثلاث، وهذا هو الذي استظهره في «المرعاة» ، واللَّه تعالى أعلم. (لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ) الباء للتعدية؛ لأن قرأ يتعدّى بنفسه، وبالباء، يقال: قرأت أمّ الكتاب، وبأم الكتاب، قاله الفيّوميُّ . وقال التوربشتيُّ: الباء زائدة، كقولك: أخذت بزمام الناقة، وأخذت زمامها، وأراد بالحرف -واللَّه أعلم- الطَّرَف منها، فإن حرف الشيء طرفه، وكَنَى به عن كل جملة مستقلّة بنفسها، أي أعطيت ما اشتَمَلت عليه تلك الجملة من المسألة، كقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾، وكقوله: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾، وقوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾، وكقوله: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾، ونظائره. انتهى . (مِنْهُمَا) أي من فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، قال السنديّ: أي مما فيه من الدعاء (إِلَّا أُعْطِيتَهُ») أي أُعطيت مقتضاه، من العون، والهداية إلى الصراط المستقيم، في الفاتحة، ومن المغفرة، وعدم المؤاخذة في النسيان، والخطأ، وعدم تحميل الإصر، وما لا يطاق، والعفو، والرحمة، والنصر على الكفار، في خواتيم سورة البقرة. وقال الطيبيُّ: قوله:«إلا أعطيته»حال، والمستثنى منه مقدّر، أي مستعينًا بهما على قضاء ما يَسْنَح من الحوائج كما يفعله الناس إلا أُعطيته، أو يُقدّر صفةً، أي لم تقرأ حرفًا منهما مشتملًا على دعاء وسؤال إلا أُعطيته، أما الحمد والثناء والتمجيد فيُعطى ثوابها، وأما الدعاء والسؤال، فيُسعَفُ بمطلوبه، ويُستجاب، فيوافق هذا التأويل حديث أبي هريرة -﵁- مرفوعًا:«قسمت الصلاة بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل». وتحرير معنى الدعاء في الفاتحة هو أن المطلوب فيها الهداية المشتملة على النعمة المطلقة، فيتناول نعمة الدارين، ظاهرها وباطنها، جليلها ودقيقها، حتى لا يشذّ منها شيء، وعلى التوقّي من غضب اللَّه وسخطه مطلقًا، دنيا وعُقبى، ومن جميع الأخلاق الذميمة، والضلالات المتنوّعة، وما يعوجه عن الطريق المستقيم، وعلى هذا خاتمة سورة البقرة، فإن قوله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ إلى قوله: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا﴾ اشتَمَل على معنى التصديق والاعتقاد، ومنه إلى قوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾ على بيان الانقياد بالسمع والطاعة لما أمر اللَّه تعالى به، ونهى عنه، ومنه إلى آخره على الدعاء الجامع لفلاح الدارين، والفوز بالحسنيين. انتهى . [تنبيه]: (اعلم): أن هذا العطاء ليس خاصًا بالنبيّ -ﷺ-، كما يوهمه ظاهر السياق هنا، بل يعمّ أمته أيضًا بسببه -ﷺ-؛ إذ الأصل مشاركتهم له -ﷺ- في كل ما أنزل عليه، إلا ما اختَصّ به، ومما يؤيّد هذا ما تقدم من حديث أبي هريرة -﵁-: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل»، فإنه عام لكل مصلّ، وما تقدّم أيضًا في «كتاب الإيمان» من حديث ابن عباس -﵄- قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ دخل قلوبهم منها شيء، لم يدخل قلوبهم من شيء، فقال النبيّ -ﷺ-: «قولوا: سمعنا، وأطعنا، وسَلَّمْنَا»، قال: فألقى اللَّه الإيمان في قلوبهم، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ الآية، وفيه: قال: «قد فعلت. . .» الحديث، ونحوه من حديث أبي هريرة -﵁-، عند المصنّف أيضًا. والحاصل أن هذا الفضل عامّ لكلّ مخلص في عبادته، متّبع لهديه -ﷺ-، نسأل اللَّه ﷿ أن يجعلنا من أتباعه المهتدين بسنته، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس -﵄- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٤/ ١٨٧٧] (٨٠٦)، و(النسائيّ) في «المجتبى» (٩١٢)، وفي «الكبرى» (٩٨٤)، وفي «عمل اليوم والليلة» (٧٢٢)، وفي «فضائل القرآن» (ج ٥ ص ١٢ - ١٥)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٧٧٨)، و(الحاكم) في «المستدرك» (١/ ٥٥٨ - ٥٥٩)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٨٢٧)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١٢٢٥٥)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (١٢٠٠)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): ١ - (منها): بيان فضل فاتحة الكتاب. ٢ - (ومنها): بيان فضل خواتيم سورة البقرة. ٣ - (ومنها): بيان كرامة النبيّ -ﷺ- على ربه، حيث أكرمه بما لم يكرم الأنبياء الذين قبله، فأعطاه هذين النورين. ٤ - (ومنها): إثبات الأبواب للسماء، وأنها تُفْتَح، وتُغْلَق، وأن بعض الملائكة لا ينزل إلى الأرض إلا لمثل هذه البشارة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في ذكر ما ورد من فضائل فاتحة الكتاب غير حديث الباب: (فمنها): ما تقدم للمصنف من حديث أبي هريرة -﵁- مرفوعًا: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين»، الحديث. (ومنها): ما أخرجه البخاريّ في «صحيحه» عن أبي سعيد بن الْمُعَلَّى -﵁- قال: كنت أصلي في المسجد، فدعاني رسول اللَّه -ﷺ-، فلم أُجبه، فقلت: يا رسول اللَّه إني كنت أصلي، فقال: «ألم يقل اللَّه: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾؟ [الأنفال: ٢٤]»، ثم قال لي: «لأُعَلِّمنّك سورةً، هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد»، ثم أخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج قلت له: ألم تقل: «لأعلمنك سورة، هي أعظم سورة في القرآن؟»، قال: «﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته». (ومنها): ما أخرجه الشيخان، وأبو داود من حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁-، قال: كنا في مسير لنا، فنزلنا، فجاءت جارية، فقالت: إن سيد الحي سَليم، وإن نفرنا غَيْب، فهل منكم راقٍ؟ فقام معها رجل ما كُنَّا نَأبُنُهُ برقية، فرقاه فبرأ، فأمر له بثلاثين شاة، وسقانا لبنًا، فلما رجع قلنا له: أكنت تحسن رقية، أو كنت ترقي؟ قال: لا، ما رَقَيت إلا بأم الكتاب، قلنا: لا تُحْدِثُوا شيئًا حتى نأتي، ونسأل رسول اللَّه -ﷺ-، فلما قدمنا المدينة ذكرنا ذلك للنبيّ -ﷺ-، فقال: «وما كان يُدريه أنها رقية؟ اقسموا لي بسهم»، وفي بعض روايات مسلم لهذا الحديث أن أبا سعيد الخدريّ هو الذي رقى ذلك السَّلِيم، يعني اللَّدِيغ، يسمونه بذلك تفاؤلًا. (ومنها): ما أخرجه أحمد في «مسنده» عن عبد اللَّه بن محمد بن عَقِيل، عن ابن جابر، قال: انتهيت إلى رسول اللَّه -ﷺ-، وقد أهراق الماء، فقلت: السلام عليك يا رسول اللَّه، فلم يَرُدّ عليّ، قال: فقلت: السلام عليك يا رسول اللَّه، فلم يردّ عليّ، قال: فقلت: السلام عليك يا رسول اللَّه، فلم يردّ عليّ، قال: فانطلق رسول اللَّه -ﷺ- يمشي، وأنا خلفه، حتى دخل على رحله، ودخلت أنا المسجد، فجلست كئيبًا حزينًا، فخرج عليّ رسول اللَّه -ﷺ-، وقد تطهّر، فقال: «عليك السلام ورحمة اللَّه، وعليك السلام ورحمة اللَّه، وعليك السلام ورحمة اللَّه»، ثم قال: «أَلَا أخبرك يا عبد اللَّه بن جابر بخير سورة في القرآن؟» قلت: بلى يا رسول اللَّه، قال: «اقرأ الحمد للَّه رب العالمين حتى تختمها». قال الحافظ ابن كثير -﵀-: هذا إسناد جيّد، وابن عَقِيل هذا احتج به الأئمة الكبار، وعبد اللَّه بن جابر هذا الصحابيّ ذكر ابن الجوزي أنه هو العبدي، واللَّه أعلم، ويقال: إنه عبد اللَّه بن جابر الأنصاريّ البياضيّ، فيما ذكره الحافظ ابن عساكر. انتهى ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): قال العلامة القرطبيُّ: اختَلَفَ العلماء في تفضيل بعض السور والآي على بعض، وتفضيل بعض أسماء اللَّه تعالى الحسنى على بعض: فقال قوم: لا فضل لبعض على بعض؛ لأن الكل كلام اللَّه، وكذلك أسماؤه لا مفاضلة بينها، وذهب إلى هذا الشيخ أبو الحسن الأشعريّ، والقاضي أبو بكر بن الطيب، وأبو حاتم محمد بن حبان البُسْتيّ، وجماعة من الفقهاء، ورُوِي معناه عن مالك، قال يحيى بن يحيى: تفضيل بعض على بعض خطأ؛ وكذلك كَرِهَ مالك أن تعاد سورة، أو تردد دون غيرها، وقال عن مالك في قول اللَّه تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] قال: مُحكمة مكان منسوخة، ورَوَى ابن كنانة مثل ذلك كله عن مالك. واحتج هؤلاء بأن قالوا: إن الأفضل يشعر بنقص المفضول، والذاتية في الكل واحدة، وهي كلام اللَّه، وكلام اللَّه تعالى لا نقص فيه. قال البُسْتِيّ: ومعنى هذه اللفظة: «ما في التوراة، ولا في الإنجيل، مثل أم القرآن» أن اللَّه تعالى لا يعطي لقارئ التوراة والإنجيل من الثواب مثل ما يعطي لقارئ أم القرآن؛ إذ اللَّه بفضله فضّل هذه الأمة على غيرها من الأمم، وأعطاها من الفضل على قراءة كلامه أكثر مما أعطى غيرها من الفضل على قراءة كلامه، وهو فضل منه لهذه الأمة، قال: ومعنى قوله: «أعظم سورة» أراد به في الأجر، لا أن بعض القرآن أفضل من بعض. وقال قوم: بالتفضيل، وأن ما تضمنه قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣] وآية الكرسي، وآخر سورة الحشر، وسورة الإخلاص من الدلالات على وحدانيته، وصفاته ليس موجودًا مثلًا في ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] وما كان مثلها، والتفضيل إنما هو بالمعاني العجيبة وكثرتها، لا من حيث الصفة، وهذا هو الحق. وممن قال بالتفضيل إسحاق ابن راهويه، وغيره من العلماء، والمتكلمون، وهو اختيار القاضي أبي بكر ابن العربيّ، وابن الحصار؛ لحديث أبي سعيد بن المُعَلَّى، وحديث أبَيّ بن كعب -﵄-. قال ابن الحصار: عجبي ممن يذكر الاختلاف مع هذه النصوص، وقال ابن العربيّ: قوله: «ما أنزل اللَّه في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في القرآن مثلها» وسكت عن سائر الكتب، كالصحف المنزلة، والزبور وغيرها؛ لأن هذه المذكورة أفضلها، وإذا كان الشيء أفضل الأفضل صار أفضل الكلّ، كقولك: زيد أفضل العلماء، فهو أفضل الناس. وفي الفاتحة من الصفات ما ليس في غيرها، حتى قيل: إن جميع القرآن فيها، وهي خمس وعشرون كلمة، تضمنت جميع علوم القرآن، ومن شرفها أن اللَّه ﷿ قسمها بينه وبين عبده، ولا تصح القُربة إلا بها، ولا يلحق عمل بثوابها، وبهذا المعنى صارت أم القرآن العظيم، كما صارت ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ
مصادر المؤلف (١٧)

١. وفي نسخة:«جبرائيل».

٢. وفي نسخة:«ولم يُفتح».

٣. وفي نسخة:«ولم يَنزل».

٤. راجع:«الكاشف عن حقائق السنن»٥/ ١٦٤٨.

٥. هو القاضي ناصر الدين البيضاويّ عبد اللَّه بن عمر المتوفّى سنة (٦٨٥ هـ).

٦. «الكاشف» ٥/ ١٦٤٦.

٧. «لسان العرب» ٧/ ٢٤٤.

٨. «الكاشف عن حقائق السنن» ٥/ ١٦٤٦.

٩. «المرعاة» ٧/ ١٩٦.

١٠. «الكاشف» ٥/ ١٦٤٧.

١١. «المفهم» ٢/ ٤٣٤.

١٢. راجع: «المرعاة» ٧/ ١٩٧.

١٣. «المصباح المنير» ٢/ ٥٠٢.

١٤. «الكاشف» ٥/ ١٦٤٧.

١٥. «الكاشف عن حقائق السنن» ٥/ ١٦٤٨.

١٦. من بابي ضرب ونصر: أي نتّهمه، أفاده في «ق».

١٧. «تفسير ابن كثير» ١/ ١١ - ١٢.