HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٨١٠

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بن أبي شيبة. حدثنا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي السَّلِيلِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يَا أَبَا الْمُنْذِرِ! أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟» قَالَ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ «يَا أَبَا الْمُنْذِرِ! أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟» قَالَ قُلْتُ: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الحي القيوم. قَالَ: فَضَرَبَ فِي صَدْرِي وَقَالَ «وَاللَّهِ! لِيَهْنِكَ العلم أبا المنذر».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص199
ج ١ ص ٥٥٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدر واحد سنن أبي داود
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٦ ص٣٩٢
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيِّ) بن حسّان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ حجةٌ إمام [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨٨. ٣ - (هَمَّامُ) بن يحيى بن دينار الْعَوْذيّ، أبو عبد اللَّه، أو أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت ٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧٠. والباقون ذُكروا في هذا الباب، والذي قبله. وقوله: (جَمِيعًا عَنْ قَتَادَةَ) أي روى كل من شعبة، وهمّام عن قتادة. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد قتادة الماضي، وهو: عن سالم بن أبي الجعد الْغَطَفانيّ، عن معدان بن أبي طلحة اليَعْمُريّ، عن أبي الدرداء -﵁-. وقوله: (وَقَالَ هَمَّامٌ: «مِنْ أَوَّلِ الْكَهْف»، كَمَا قَالَ هِشَامٌ) الظاهر أن في كلام المصنّف -﵀- هذا إشارة إلى ترجيح رواية همام بلفظ «من أول الكهف» على رواية شعبة بلفظ «من آخر الكهف»؛ لمتابعة هشام الدستوائيّ له، وقد سبق البحث مستوفًى في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. [١٨٨٥] (٨١٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي السَّلِيلِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟» قَالَ: قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟»، قَالَ: قُلْتُ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، قَالَ: فَضَرَبَ فِي صَدْرِي، وَقَالَ: «وَاللَّهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ »). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) الساميّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدم في «الطهارة» ٥/ ٥٥٧. ٣ - (الْجُرَيْرِيُّ) سعيد بن إياس، أبو مسعود البصريّ، ثقةٌ اختلَطَ قبل موته بثلاث سنين [٥] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٠/ ٢٦٦. ٤ - (أَبُو السَّلِيلِ) -بفتح السين المهملة، وكسر اللام- ضُرَيب بن نُقَير -بتصغير الاسمين، ونُقَير بالقاف، والراء، ويقال: نُفَير بالفاء بدل القاف، ويقال: نُفيل بالفاء واللام- القيسيّ الْجُرَيريّ، ثقةٌ [٦]. رَوَى عن زَهْدَم الْجَرْميّ، ونُعيم بن قعنب، وعبد اللَّه بن رَبَاح، وغُنيم بن قيس، وأبي تَمِيمة الْهُجَيميّ، وغيرهم، وأرسل عن أبي ذرّ، وأبي هريرة، وابن عباس. ورَوَى عنه أبو الأشهب جعفر بن حيان، وسليمان التيميّ، وسعيد الجريريّ، وعوف الأعرابيّ، وكهمس بن الحسن، وعبد السلام بن أبي حازم، وعثمان بن غياث، وغيرهم. قال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً إن شاء اللَّه، ونقل ابن خلفون توثيقه عن ابن نمير وغيره، وذكره ابن حبان في «الثقات». أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (٨١٠)، وحديث (١٦٤٩): «ما عندي ما أحملكم. . .»، وحديث (٢٦٣٥): «صغارهم دعاميص الجنة. . .». ٥ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبَاحٍ الْأَنْصَارِيُّ) أبو خالد المدنيّ، سكن البصرة، ثقةٌ [٣] (م ٤) تقدم في «المساجد» ٥٧/ ١٥٦٢. ٦ - (أُبَيُّ بْنُ كَعْبِ) بن قيس بن عُبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو المنذر، سَيِّد القراء، ويكنى أبا الطفيل أيضًا من فضلاء الصحابة -﵃-، اختُلِف في سنة موته اختلافًا كثيرًا، قيل: سنة تسع عشرة، وقيل: سنة اثنتين وثلاثين، وقيل غير ذلك (ع) تقدم في «شرح المقدمة» جـ ٢ ص ٤٦٦. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، سوى شيخه، فكوفيّ، وأُبيّ -﵁-، فمدنيّ. ٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين، روى بعضهم عن بعض: الْجُريريّ، عن أبي السليل، عن عبد اللَّه بن رباح. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه -﵁- من أفاضل الصحابة -﵃-، ذو مناقب جمّة، فمنها: حديث الباب، ومنها: الحديث الذي سبق أنه -ﷺ- قال له: «أمرنيّ اللَّه أن أقرأ عليك ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾»، ومنها غير ذلك، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ) -﵁- أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «يَا أَبَا الْمُنْذِرِ) بصيغة اسم الفاعل، كنية أُبيّ بن كعب -﵁- (أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ) قال الطيبيُّ:»أيُّ«مُعربٌ، يستفهم به، لازم للإضافة، ولك أن تُلحق به تاء التأنيث في إضافته إلى المؤنّث، ولك أن تتركها. انتهى . (مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ) أي حال كونه مصاحبًا لك، قال الطيبيُّ: وقع موقع البيان لما كان يحفظه من كتاب اللَّه؛ لأن»مع«كلمة تدلّ على المصاحبة. وأما جوابه أوّلًا بقوله:«اللَّه ورسوله أعلم»، وثانيًا بما أتى به، فهو أن سؤال النبيّ -ﷺ- للصحابيّ في باب العلم إما أن يكون للحثّ على الاستماع لما يريد أن يُلقي عليه، أو للكشف عن مقدار فهمه، ومبلغ علمه، فلما راعى الأدب بقوله:«اللَّه ورسوله أعلم»، ورآه لا يكتفي بذلك، وأعاد السؤال علم أنه يريد بذلك استخراج ما عنده من مكنون العلم، فأجاب عنه. ويَحْتَمِلُ أن يقال: إنه ما عَلِمَ الجواب أوّلًا، فأحال علمه إلى اللَّه تعالى وإلى رسوله -ﷺ-، فشرح اللَّه تعالى صدره بقذف النور وأعلمه، فأجاب بما أجاب، ألا ترى كيف هنّاه -ﷺ- بقوله:«ليهنك العلم». انتهى . وقيل: فوّض الجواب أوّلًا، وأجاب ثانيًا؛ لأنه جوّز أن يكون حَدَثَ أفضلية شيء من الآيات غير التي كان يعلمها، فلما كَرّر عليه السؤال وأعاده بقوله:«يا أبا المنذر أتدري أيُّ آية من كتاب اللَّه تعالى معك أعظم؟ »، ظنّ أن مراده -ﷺ- طلب الإخبار عما عنده، فأخبره بقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. (أَعْظَمُ») قال إسحاق ابن راهويه وغيره: المعنى راجع إلى الثواب والأجر، أي أعظم ثوابًا وأجرًا، وهو المختار، كذا ذكره الطيبيّ (قَالَ) أُبيّ -﵁- (قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ) -ﷺ- («يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟»، قَالَ) أُبيّ -﵁- (قُلْتُ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾) إنما كانت آية الكرسيّ أعظم آية؛ لأنها مشتملة على أمهات المسائل الإلهيّة، فإنها دالّةٌ على أنه تعالى واحد في الالهيّة، متّصفٌ بالحياة، قائم بنفسه، مُقوِّمٌ لغيره، منزَّهٌ عن التحيّز والحلول، مبرّأٌ عن التغيّر والفتور، لا يناسب الأشباح، ولا يعتريه ما يَعتري الأرواح، مالك الملك والملكوت، مبدع الأصول والفروع، ذو البطش الشديد الذي لا يشفع عنده إلا من أذِنَ له، العالم وحده بالأشياء كلّها جليّها وخفيّها، كلّيّها وجزئيّها، واسع الملك والقدرة، ولا يؤوده شاقّ، ولا يشغله شأن، متعالي عما يُدركه وَهْم، عظيمٌ لا يُحيط به فهم . (قَالَ) أُبيّ -﵁- (فَضَرَبَ) النبيّ -ﷺ- (فِي صَدْرِي) تعدية «ضَرَبَ» مع كونه متعدّيًا بنفسه بـ «في» نظير قوله تعالى: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ الآية [الأحقاف: ١٥]، أي أَوْقِعِ الصلاح فيهم حتى يكونوا محلًا له، كقول الشاعر: يَجْرَحُ فِي عَرَاقِيبِهَا نَصْلِي وفيه إشارة إلى امتلاء صدره علمًا وحكمة. وإنما ضربه -ﷺ- في صدره؛ إشارةً إلى انشراحه، وامتلائه علمًا وحكمةً، واللَّه تعالى أعلم. (وَقَالَ) -ﷺ-: («وَاللَّهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ) بلفظ أمر الغائب، بفتح حرف المضارعة، وسكون الهاء، وكسر النون، وفي بعض النسخ:»ليهنئك«بهمزة بعد النون، وهي الأصل، ولإنما حذفت تخفيفًا، أي ليكن العلمُ هَنِيئًا لك، وهذا دعاء منه -ﷺ- لأُبيّ -﵁- بتيسير العلم له، ورسوخه فيه، ويلزمه الإخبار بكونه عالِمًا، وهو المقصود . وقال الطيبيُّ: ظاهره أمر للعلم بأن يكون هنيئًا له، ومعناه الدعاء، وحقيقته إخبار على سبيل الكناية بأنه راسخ في العلم، ومجيد فيه؛ لأنه طبّق المفصل، وأصاب الْمَحَزّ. انتهى . [تنبيه]: قال ابن الأثير -﵀-: يقال: هَنَأَني الطعامُ يَهْنَؤُني، ويَهْنِئُنِي، ويَهْنَأُني، وهَنَأْتُ الطعامَ: أي تهنأت به، وكلُّ أمر يأتيك من غير تَعَبٍ، فهو هنيءٌ، وكذلك الْمَهْنَأُ، والْمُهَنَّأُ، والجمع الْمَهَانِئُ، هذا هو الأصل بالهمز، وقد يُخَفَّف. انتهى . وقال الفيّومي: هَنُؤَ الشيءُ بالضمّ مع الهمزة هَنَاءَةً بالفتح والمدّ: تيسّر من غير مشقّة ولا عَنَاءٍ، فهو هَنِئٌ، ويجوز الإبدال، والإدغام، وهَنَأَني الولدُ يَهْنَؤُني مهموزٌ، من بابي نَفَعَ، وضَرَبَ، وتقول العرب في الدعاء: «لِيَهْنِئكَ الولدُ» بهمزة ساكنة، وبإبدالها ياءً، وحذفُهَا عاميّ، ومعناه: سَرَّني، فهو هانئٌ، وهَنَأْتُهُ هَنْئًا باللغتين: أعطيته، أو أطعمته، وهَنَأَني الطعامُ يَهْنَؤُني: سَاغَ، ولَذّ، وأكلته هَنِيئًا مَرِيئًا: أي بلا مشقّة، ويَهْنُؤُ بضمّ المضارع في الكلّ لغةٌ، قال بعضهم: وليس في الكلام يَفْعُلُ بالضمّ، مهموزًا مما ماضيه بالفتح غيرُ هذا الفعل. انتهى . وقوله: (أَبَا الْمُنْذِرِ») بحذف حرف النداء، كما قال الحريريُّ في«مُلْحته»: وَحَذْفُ«يَا»يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ … كَقَوْلِهِمْ«رَبِّ اسْتِجِبْ دُعَائِي»وفي نسخة:«يا أبا المنذر»بإثباتها، وقد تقدّم أنه كنية أُبيّ -﵁-، ويُكنى أيضًا أبا الطُّفَيل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أُبيّ بن كعب -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٥/ ١٨٨٥] (٨١٠)، و(أبو داود) في«الصلاة»(١٤٦٠)، و(عبد الرزّاق) في«مصنّفه»(٣/ ٣٧٠)، و(أحمد) في«مسنده»(٥/ ١٤١)، و(عبد بن حُميد) في«مسنده»(١٧٨)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(٣٩٣٧)، و(أبو نعيم) في«مستخرجه»(١٨٣٦)، و(الطبرانيّ) في«الكبير»(١/ ١٩٧)، و(الطيالسيّ) في«مسنده»(١/ ٥٦)، و(الحاكم) في«مستدركه»(٣/ ٣٠٤ - ٣٤٤)، و(البغويّ) في«شرح السنّة»(٤/ ٤٥٩)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن فيه منقبةً عظيمةً لأُبَيّ بن كعب -﵁-، حيث هنّأه النبيّ -ﷺ- بكثرة علمه. ٢ - (ومنها): أن فيه تبجيلَ العالم فُضلاء أصحابه، وتكنيتهم. ٣ - (ومنها): جواز مدح الإنسان في وجهه، إذا كان فيه مصلحة، ولم يُخَفْ عليه إعجاب، ولا نحوه؛ لكمال نفسه، ورسوخه في التقوى. ٤ - (ومنها): ما قاله القاضي عياض -﵀- في قوله -ﷺ-:«أيُّ آية من كتاب اللَّه معك أعظم؟ » حجةٌ للقول بجواز تفضيل بعض القرآن على بعض، وتفضيله على سائر كتب اللَّه تعالى، قال: وفيه خلاف للعلماء، فمنع منه أبو الحسن الأشعريّ، وأبو بكر الباقلانيّ، وجماعة من الفقهاء والعلماء؛ لأن تفضيل بعضه يقتضي نقص المفضول، وليس في كلام اللَّه نقص به، وتأوَّل هؤلاء ما ورد من إطلاق أعظم وأفضل في بعض الآيات والسُّوَر بمعنى عظيم وفاضل. وأجاز ذلك إسحاق ابن راهويه وغيره من العلماء والمتكلمين، قالوا: وهو راجع إلى عِظَمِ أجر قارئ ذلك، وجزيل ثوابه، والمختار جواز قول: هذه الآيةُ أو السورةُ أعظم أو أفضل بمعنى أن الثواب المتعلِّق بها أكثر، وهو معنى الحديث، واللَّه أعلم. قال الجامع عفا اللَّه عنه: سيأتي في المسألة التالية بحثٌ نفيسٌ في هذا الموضوع لشيخ الإسلام ابن تيميّةُ -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- ما حاصله: اختَلَف العلماء، هل يتفاضل القرآن في نفسه، فيكون بعضه أفضل من بعض؟ على قولين: (القول الأول): أنه لا يتفاضل في نفسه؛ لأن كلّه كلام اللَّه، وكلام اللَّه صفة له، قالوا: وصفة اللَّه لا تتفاضل، لا سيما مع القول بأنه قديم، فإن القديم لا يتفاضل، كذلك قال هؤلاء في قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، قالوا: فخير إنما يعود إلى غير الآية، مثل نفع العباد وثوابهم. و(القول الثاني): أن بعض القرآن أفضل من بعض، وهذا قول الأكثرين من الخلف والسلف، فإن النبيّ -ﷺ- قال في الحديث الصحيح في الفاتحة: «إنه لم ينزل في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا الزبور، ولا القرآن مثلها»، فنفى أن يكون لها مثلٌ، فكيف يجوز أن يقال: إنه متماثل؟ وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال لأبي بن كعب -﵁-: «يا أبا المنذر أتدري أيُّ آية في كتاب اللَّه أعظم؟» قال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، فضرب بيده في صدره، وقال له: «ليهنك العلم أبا المنذر»، فقد بَيَّن أن هذه الآية أعظم آية في القرآن، وهذا بَيِّنٌ أن بعض الآيات أعظم من بعض. وأيضًا فإن القرآن كلام اللَّه، والكلام يَشْرُف بالمتكلِّم به، سواء كان خبرًا أو أمرًا، فالخبر يشرف بشرف المخبِر، وبشرف المخبَر عنه، والأمر يشرف بشرف الآمر، وبشرف المأمور به، فالقرآن وإن كان كله مشتركًا، فإن اللَّه تكلم به، لكن منه ما أخبر اللَّه به عن نفسه، ومنه ما أخبر به عن خلقه، ومنه ما أمرهم به، فمنه ما أمرهم فيه بالإيمان، ونهاهم فيه عن الشرك، ومنه ما أمرهم به بكتابة الدين، ونهاهم فيه عن الربا، ومعلوم أن ما أخبر به عن نفسه كـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ وأعظم مما أخبر به عن خلقه، ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾، وما أمر فيه بالإيمان، وما نهى فيه عن الشرك، أعظم مما أمر فيه بكتابة الدَّين، ونهى فيه عن الربا، ولهذا كان كلام العبد مشتركًا بالنسبة إلى العبد، وهو كلام لمتكلم واحد، ثم إنه يتفاضل بحسب المتكلَّم فيه، فكلام العبد الذي يذكر به ربه، ويأمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، أفضل من كلامه الذي يذكر فيه خلقه، ويأمر فيه بمباح أو محظور، وإنما غَلِطَ من قال بالأول؛ لأنه نَظَرَ إلى إحدى جهتي الكلام، وهي جهة المتكلِّم به، وأعرض عن الجهة الأخرى، وهي جهة المتكلَّم فيه، وكلاهما للكلام به تعلُّق، يحصل به التفاضل والتماثل. قالوا: ومن أعاد التفاضل إلى مجرد كثرة الثواب أو قلّته، من غير أن يكون الكلام في نفسه أفضل، كان بمنزلة مَن جَعَل عَمَلين متساويين، وثواب أحدهما أضعاف ثواب الآخر، مع أن العملين في أنفسهما لم يختص أحدهما بمزية، بل كدرهم ودرهم تَصَدَّق بهما رجل واحد، في وقت واحد، ومكان واحد، على اثنين متساويين في الاستحقاق، ونيّته بهما واحدة، ولم يتميز أحدهما على الآخر بفضيلة، فكيف يكون ثواب أحدهما أضعاف ثواب الآخر؟ بل تفاضل الثواب والعقاب دليلٌ على تفاضل الأعمال في الخير والشر. وهذا الكلام مُتّصل بالكلام في اشتمال الأعمال على صفات، بها كانت صالحة حسنةً، وبها كانت فاسدة قبيحة، وقد بسط هذا في غير هذا الموضع. قال: وقول من قال: صفات اللَّه لا تتفاضل ونحو ذلك قولٌ لا في ليل عليه، بل هو مورد النزاع، ومن الذي جعل صفته التي هي الرحمة لا تفضل على صفته التي هي الغضب؟ وقد ثبت عن النبيّ -ﷺ-: «إن اللَّه كتب في كتاب موضوع عنده فوق العرش، إن رحمتي تغلب غضبي»، وفي رواية: «تسبق غضبي»، وصفة الموصوف من العلم والإرادة والقدرة والكلام والرضا والغضب وغير ذلك من الصفات تتفاضل من وجهين: [أحدهما]: أن بعض الصفات أفضل من بعض، وأدخل في كل الموصوف بها، فإنا نعلم أن اتصاف العبد بالعلم والقدرة والرحمة أفضل من اتصافه بضدّ ذلك، لكن اللَّه تعالى لا يوصف بضدّ ذلك، ولا يوصف إلا بصفات الكمال، وله الأسماء الحسنى، يُدْعَى بها، فلا يدعى إلا بأسمائه الحسنى، وأسماؤه متضمنة لصفاته، وبعض أسمائه أفضل من بعض، وأدخل في كمال الموصوف بها، ولهذا في الدعاء المأثور: «أسألك باسمك العظيم
مصادر المؤلف (٩)

١. وفي نسخة: «ليهنئك».

٢. وفي نسخة: «يا أبا المنذر».

٣. «الكاشف عن حقائق السنن»٥/ ١٦٤٣.

٤. «الكاشف عن حقائق السنن»٥/ ١٦٤٣.

٥. «الكاشف عن حقائق السنن» ٥/ ١٦٤٣.

٦. «المرقاة»٤/ ٦٢٩.

٧. «الكاشف عن حقائق السنن»٥/ ١٦٤٤.

٨. «النهاية»٥/ ٢٧٧.

٩. «المصباح المنير»٢/ ٦٤٢.