HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٨١٣

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ. حَدَّثَنَا عَمِّي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ. حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ؛ أَنَّ أَبَا الرِّجَالِ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ حَدَّثَهُ عَنْ أُمِّهِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَكَانَتْ فِي حَجْرِ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ. وَكَانَ يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ فِي صَلَاتِهِمْ فَيَخْتِمُ بِـ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ). فَلَمَّا رَجَعُوا ذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَقَالَ «سَلُوهُ. لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ». فَسَأَلُوهُ. فَقَالَ: لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ. فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَخْبِرُوهُ أَنَّ الله يحبه». بَاب فَضْلِ قِرَاءَةِ الْمُعَوِّذَتَيْنِ
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص200
ج ١ ص ٥٥٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين سنن النسائي, صحيح البخاري
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٦ ص٤١٤
ورَوَى عن ابنه الحكم، والسفيانان، وابن المبارك، وابن فضيل، ووكيع، والفريابيّ، وأبو نعيم، وغيرهم. قال أحمد، وابن معين، والعجليّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وهو أحبّ إليّ من يزيد بن كيسان، وقال ابن سعد: كان شيخًا قليل الحديث، وقال البزار: حَدَّث بغير حديث، لم يشاركه فيه أحدٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات». أخرج له البخاريّ في «الأدب المفرد»، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (٨١٢) وحديث (١٥٧): «لا تذهب الدنيا حتى يمرّ الرجل على قبر، فيتمرّغ عليه. . .» الحديث، وحديث (٢٩٥٨): «لا تذهب الدنيا حتى يأتي على الناس يوم لا يدري القاتل فيم قَتَل. . .» الحديث. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (حَتَّى خَتَمَهَا) وفي نسخة: «حتى ختم»، وشرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٩٠] (٨١٣) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا عَمِّي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِيَ هِلَالٍ، أَنَّ أَبَا الرِّجَالِ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَهُ عَنْ أُمِّهِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَكَانَتْ فِي حِجْرِ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ -ﷺ-، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ، وَكَانَ يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ فِي صَلَاتِهِمْ، فَيَخْتِمُ بِـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فَلَمَّا رَجَعُوا، ذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: «سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ؟» فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبِ) بن مسلم المصريّ، لقبه بَحْشَل، يكنى أبا عبيد اللَّه، صدوقٌ تغير بأَخَرَةٍ [١١] (ت ٢٦٤) (م) تقدم في «المساجد» ١٩/ ١٢٧٧. ٢ - (عمُّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبِ) بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ الفقيه، ثقةٌ حافظٌ عابدُ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٠. ٣ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم المصريّ، أبو أيوب، ثقةٌ فقيهٌ حافظٌ [٧] مات قديمًا قبل الخمسين ومائة (ع) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٦٩. ٤ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ) الليثيّ مولاهم، أبو العلاء المصريّ، قيل: مدني الأصل، وقال ابن يونس: بل نشأ بها، صدوقٌ ضعّفه ابن حزم، ولا سلف له فيه [٦] مات بعد (١٣٠) أو قبلها، وقيل: قبل الخمسين بسنة (ع) تقدم في «الإيمان» ٨٧/ ٤٦٢. ٥ - (أَبُو الرِّجَالِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن حارثة الأنصاريّ، أبو الرجال -بكسر الراء، وتخفيف الجيم- مشهور بهذه الكنية، وهي لقبه، وكنيته في الأصل أبو عبد الرحمن، ثقة [٥]. روى عن أمه عمرة، وأنس بن مالك، وسالم بن عبد اللَّه وغيرهم، وعنه بنوه: حارثة، وعبد الرحمن، ومالك وغيرهم. قال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، ووثقه أبو داود والنسائي، وابن حبان، وابن معين، وقال البخاري: ثبت. أخرج له (خ م س ق)، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط. ٦ - (أُمُّهُ عَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن سعد بن زُرَارة الأنصاريّة المدنيّة، ثقةٌ [٣] ماتت قبل المائة، ويقال: بعدها (ع) تقدمت في «شرح المقدمة» جـ ٢ ص ٤١٧. ٧ - (عَائِشَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ -ﷺ-) -﵂- ماتت سنة (٥٧) (ع) تقدّمت في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣١٥. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سباعيات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله من رجال الجماعة، إلا شيخه، فمن أفراده، وأبا الرجال، فما أخرج له أبو داود، والترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنهم مصريون إلى سعيد، والباقون مدنيون. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أمه، وتابعي، عن تابعية. ٥ - (ومنها): أن فيه عائشة -﵂- من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) من الأحاديث، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، أَنَّ أَبَا الرِّجَالِ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بالنصب على البدليّة من «أبا الرجال»، وهو لقب بصورة الكنية، لُقّب به؛ لأنه وُلد له عشرة رجال، وكنيته أبو عبد الرحمن (حَدَّثَهُ) أي حدّث سعيدًا (عَنْ أُمِّهِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) -﵂- الأنصاريّة (وَكَانَتْ فِي حِجْرِ عَائِشَةَ) بفتح الحاء، وقد تكسر، وسكون الجيم، وهو في الأصل حِضْنُ الإنسان، وهو ما دون إبطه إلى الكشح، والمراد هنا أنها كانت في حضانتها، يقال: هو في حِجْره، أي كَنَفه، وحمايته، والجمع حُجُورٌ، أفاده الفيّوميّ ، وقوله: (زَوْجِ النَّبِيِّ -ﷺ-) بالجرّ على البدليّة من «عائشة» (عَنْ عَائِشَةَ) -﵂- (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بَعَثَ رَجُلًا) لم يُعرَف اسمه، وقيل: هو كلثوم بن الْهِدْم، وفيه نظر؛ لأنهم ذكروا أنه مات في أول الهجرة قبل نزول القتال، وقيل: هو كُرز بن زهدم الأنصاريّ، وسمّاه بعضهم كلثوم بن زهدم، وأما من فسّره بأنه قتادة بن النعمان، فأبعد جدًّا، وهذا ظاهرٌ، قاله في «المرعاة» . [تنبيه]: قال في «الفتح» في شرح حديث أنس -﵁-: «كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء إلخ» ما نصّه: هو كُلْثُوم بن الْهِدْم، رواه ابن منده في «كتاب التوحيد» من طريق أبي صالح، عن ابن عباس، كذا أورده بعضهم، و«الْهِدْمُ» بكسر الهاء، وسكون الدال، وهو من بني عمرو بن عوف، سُكّان قباء، وعليه نزل النبيّ -ﷺ- حين قدم في الهجرة إلى قباء. قيل: وفي تعيين المبهم به هنا نظرٌ؛ لأن في حديث عائشة -﵂- في هذه القصة أنه كان أمير سرية، وكلثوم بن الهدم مات في أوائل ما قدم النبيّ -ﷺ- المدينة فيما ذكره الطبريّ وغيره من أصحاب المغازي، وذلك قبل أن يبعث السرايا، ثم رأيت بخط بعض من تكلم على رجال «العمدة»: كلثوم بن زَهْدَم، وعزاه لابن منده، لكن رأيت أنا بخط الحافظ رشيد الدين العطار، في حواشي «مبهمات الخطيب» نقلًا عن «صفة التصوف» لابن طاهر: أخبرنا عبد الوهاب بن أبي عبد اللَّه بن منده، عن أبيه، فسماه كُرز بن زهدم، فاللَّه أعلم. وعلى هذا فالذي كان يؤم في مسجد قباء غير أمير السرية، ويدلّ على تغايرهما أن في رواية الباب أنه كان يبدأ بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، وأمير السرية كان يختم بها، وفي هذا أنه كان يصنع ذلك في كل ركعة، ولم يصرح بذلك في قصة الآخر، وفي هذا أن النبيّ -ﷺ- سأله، وأمير السرية أمر أصحابه أن يسألوه، وفي هذا أنه قال: إنه يحبها، فبَشَّره بالجنة، وأمير السرية قال: إنها صفة الرحمن، فبشره بأن اللَّه يحبه، والجمع بين هذا التغاير كله ممكن، لولا ما تقدم من كون كلثوم بن الهدم مات قبل البعوث والسرايا. وأما من فسره بأنه قتادة بن النعمان فأبعد جدًّا، فإن في قصة قتادة أنه كان يقرؤها في الليل يرددها، ليس فيه أنه أَمَّ بها، لا في سفر ولا في حضر، ولا أنه سئل عن ذلك، ولا بُشِّرَ. انتهى . (عَلَى سَرِيَّةٍ) أي جعله أميرًا عليها، فقوله: «على سريّة» متعلّق بـ «بعَثَ»، ولا يتعلّق بصفةٍ لـ «رجلًا» كما لا يخفى، ولا بحال منه؛ لأنه بكرةٌ، وإنما لم يقل: «في سريّة»؛ لأن «على» تفيد معنى الاستعلاء. و«السَّريِة»: القِطعَةُ من الجيش، وهي فَعِيلَةٌ بمعنى فاعلة، سُمّيت بذلك؛ لأنها تَسْرِي في خُفْيَة، والجمع سَرَايا، وسَرِيَّات، مثل عَطِيَّة وَعطَايَا، وعَطِيَّات . (وَكَانَ) ذلك الرجل (يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ) أي لأنه كان إمامهم (فِي صَلَاتِهِمْ) أي التي يصليها بهم (فَيَخْتِمُ بِـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾) أي يختم القراءة في الصلاة بها، يعني أنه يقرأ بعد الفاتحة ما شاء من القرآن، ثم إذا أراد أن يركع قرأ هذه السورة، وختم القراءة بها. قال ابن دقيق العيد -﵀-: هذا يدلّ على أنه كان يقرأ بغيرها، ثم يقرؤها في كل ركعة، وهذا هو الظاهر. ويحتمل أن يكون المراد أنه يختم بها آخر قراءته، فيختص بالركعة الأخيرة، وعلى الأول فيؤخذ منه جواز الجمع بين سورتين في ركعة. انتهى. (فَلَمَّا رَجَعُوا) أي من غزوهم ذلك (ذَكَرُوا ذَلِكَ) وفي بعض النسخ: «ذُكر ذلك» بالبناء للمفعول، (لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) يعني أن الصحابة ذكروا له -ﷺ- ما كان يفعله أميرهم ذلك من ختم قراءته بهذه السورة، وهذا يدلّ على أن صنيعه ذلك لم يكن موافقًا لما أَلِفُوه من النبيّ -ﷺ- (فَقَالَ) -ﷺ- («سَلُوهُ) فعل أمر من سأل، قال الفيّوميُّ: الأمر من سأل اسأل بهمزة وصل، فإن كان معه واوٌ جاز الهمز؛ لأنه الأصل، وجاز الحذف للتخفيف، نحو اسألوا، وسَلُوا، وفيه لغة: سال يسال، من باب خاف يخاف، والأمر من هذه سَلْ، وفي المثنّى والمجموع: سَلَا، وسَلُوا على غير قياس. انتهى . (لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ؟») أي التزام ختم القراءة بهذه السورة (فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ) الجار والمجرور متعلِّق بمحذوف، دلّ عليه السؤال، أي إنما أفعل ذلك لأنها صفة الرحمن ﷿. و«الصِّفَةُ» من الوَصْف، مثل العِدَةِ من الوَعْدِ، والجمع صِفَات، يقال: وَصَفْتُه وَصْفًا، من باب وَعَدَ: نَعَتُّهُ بما فيه، ويقال: هو مأخوذ من قولهم: وَصَفَ الثوبُ الجسمَ: إذا أظهر حالَهُ، وبَيَّنَ هَيْئَته، ويقال: الصفة هي بالحال المنتقلة، والنعت بما كان في خَلْقٍ، أو خُلُق، أفاده الفيوميّ . وقال في «الفتح»: قال ابن التين: إنما قال: إنها صفة الرحمن؛ لأن فيها أسماءه وصفاته، وأسماؤه مشتقة من صفاته، وقال غيره: يَحْتَمِل أن يكون الصحابي المذكور، قال ذلك مستندًا لشيء سمعه من النبيّ -ﷺ-، إما بطريق النصوصية، وإما بطريق الاستنباط. وقد أخرج البيهقيُّ في «كتاب الأسماء والصفات» بسند حسن عن ابن عباس -﵄-: أن اليهود أتوا النبيّ -ﷺ-، فقالوا: صف لنا ربك الذي تعبده، فأنزل اللَّه ﷿ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١] إلى آخرها، فقال: «هذه صفة ربي ﷿». وعن أبي بن كعب -﵁-، قال: قال المشركون للنبيّ -ﷺ-: انسُبْ لنا ربك، فنزلت «سورة الإخلاص». . . الحديث. وهو عند ابن خزيمة في «كتاب التوحيد»، وصححه الحاكم، وفيه: أنه ليس شيء يولد إلا يموت، وليس شيء يموت إلا يورث، واللَّه لا يموت، ولا يورث، ولم يكن له شِبْهٌ ولا عَدْلٌ، وليس كمثله شيء. قال البيهقيّ: معنى قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ليس كهو شيء، قاله أهل اللغة، قال: ونظيره قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [البقرة: ١٣٧] يريد بالذي آمنتم به، وهي قراءة ابن عباس، قال: والكاف في قوله: «كمثله» للتأكيد، فنفى اللَّه عنه المثلية بآكد ما يكون من النفي، وأنشد لورقة بن نوفل في زيد بن عمرو بن نفيل من أبيات: وَدِينُكَ دِينٌ لَيْسَ دِينٌ كَمِثْلِهِ ثم أسند عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [الروم: ٢٧] يقول: ليس كمثله شيء، وفي قوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] هل تعلم له شبهًا أو مثلًا؟. وقال ابن دقيق العيد -﵀-: قوله: «لأنها صفة الرحمن»: يَحْتَمِل أن يكون مراده أن فيها ذكر صفة الرحمن، كما لو ذكر وصف، فعبر عن الذكر بأنه الوصف، وإن لم يكن نفس الوصف. ويَحْتَمِل غير ذلك، إلا أنه لا يختص ذلك بهذه السورة، لكن لعل تخصيصها بذلك؛ لأنه ليس فيها إلا صفات اللَّه ﷿، فاختصت بذلك دون غيرها. انتهى. (فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا) أي أقرأ هذه السورة التي هي صفة الرحمن ﷿، يعني أنه لذلك يُحبّ أن يقرأ بها دائمًا؛ لأن من أحبّ شيئًا أكثر من ذكره (فَـ) لَمّا أخبروه -ﷺ- بما قاله الرجل (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ) قال ابن دقيق العيد -﵀-: يَحْتَمِل أن يكون سبب محبة اللَّه له محبته لهذه السورة، ويَحْتَمِل أن يكون لما دلّ عليه كلامه؛ لأن محبته لذكر صفات الرب دالة على صحة اعتقاده. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: الاحتمال الأول هو الأظهر الموافق لظاهر النصّ، فتأمله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٦/ ١٨٩٠] (٨١٣)، و(البخاريّ) في «التوحيد» (٧٣٧٥)، و(الترمذيّ) في «فضائل القرآن» (٢٩٠١)، و(النسائيّ) في «الافتتاح» (٩٩٣)، و«الكبرى» (١٠٦٥)، وفي «عمل اليوم والليلة» (٧٠٣)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣٩٥٠)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٨٤١)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل «سورة الإخلاص»؛ حيث كانت محبتها موجبةً لمحبة اللَّه ﷿ التي هي أُمْنِيّة كل قاصد، ورغبة كل راغب، اللهم ارزقنا حبك، وحب من ينفعنا حبه عندك، والعمل الذي يبلغنا حبك، إنك سميع قريب مجيب الدعوات. ٢ - (ومنها): بيان جواز الجمع بين سُوَر متعددة غير الفاتحة؛ لأنه -ﷺ- قرر الرجل على فعله، وبَشَّره بما بشره به. ٣ - (ومنها): بيان جواز خصيص بعض القرآن بميل النفس إليه، والاستكثار منه، ولا يُعدّ ذلك هِجرانًا لغيره من القرآن، قاله ابن المنيِّر -﵀-. ٤ - (ومنها): ما قاله ابن الْمُنَيِّر -﵀- أيضًا في هذا الحديث أن المقاصد تُغَيِّر أحكام الفعل؛ لأن الرجل لو قال: إن الحامل له على إعادتها أنه لا يحفظ غيرها، لأمكن أن يأمره بحفظ غيرها، لكنه اعتَلّ بحبها، فظهرت صحة قصده فصوّبه، قال: وفيه ما يُشْعِر بأن سورة الإخلاص مكية. انتهى. ٥ - (ومنها): أن فيه إثبات صفة المحبّة للَّه ﷿ على ما يليق بجلاله، وقد ذكر في «الفتح» اختلاف العلماء المتأخرين في معنى المحبة، أعرضت عن ذكرها هنا؛ لكونها أقوالًا مخالفة لما كان عليه السلف رحمهم اللَّه تعالى، من إثبات صفات اللَّه تعالى التي وصف بها نفسه في كتابه الكريم، أو وصفه بها رسوله -ﷺ- فيما صحَّ من أحاديثه، على ما جاءت به من غير تشبيه ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل. فالحق أن صفة المحبة ثابتة للَّه ﷿ على حقيقتها على الوجه الذي يليق بجلاله سبحانه، ولا يلزم من إثباتها له على هذا الوجه تشبيهه بمخلوقاته، تعالى اللَّه عن ذلك علوًّا كبيرًا، كما أنه لا يلزمنا ذلك حينما نثبت سائر صفات المولى سبحانه، كالسمع، والبصر، والكلام، والعلم، وسائر صفاته، سواءً بسواء، وكما لا يلزمنا أيضًا حينما نثبت له ذاته المقدسة، فإن إثبات الصفات فرع إثبات الذات، فافهم هذا وتحققه، فإنه مما زلَّت فيه أقدام كثير من المتأخرين ممن يشتغل بعلم الكلام، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل، نسأل اللَّه تعالى أن يهدينا الصراط المستقيم، بمنّه وفضله العظيم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قال في «الفتح»: وفي حديث الباب حجة لمن أثبت أن للَّه صفة، وهو قول الجمهور، وشذّ ابن حزم، فقال: هذه لفظة اصطَلَحَ عليها أهل الكلام من المعتزلة ومن تبعهم، ولم تثبت عن النبيّ -ﷺ-، ولا عن أحد من الصحابة، فإن اعترضوا بحديث الباب، فهو من أفراد سعيد بن أبي هلال، وفيه ضعف، قال: وعلى تقدير صحته، فـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١] صفة الرحمن كما جاء في هذا الحديث، ولا يزاد عليه بخلاف الصفة التي يطلقونها، فإنها في لغة العرب لا تطلق إلا على جوهر أو عرض، كذا قال. قال الحافظ -﵀-: وسعيد مُتّفَقٌ على الاحتجاج به، فلا يُلتفت إليه في تضعيفه، وكلامه الأخير مردود باتفاق الجميع على إثبات الأسماء الحسنى، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وقال بعد أن ذكر منها عدة أسماء في «سورة الحشر»: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الحشر: ٢٤]، والأسماء المذكورة فيها بلغة العرب صفات، ففي إثبات أسمائه إثبات صفاته؛ لأنه إذا ثبت أنه حي مثلًا، فقد ثبت وصفه بصفة زائدة على الذات، وهي صفة الحياة، ولولا ذلك لوجب الاقتصار على ما ينبئ عن وجود الذات فقط، وقد قال ﷾: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠)﴾ [الصافات: ١٨٠] فنزّه نفسه عما يصفونه به من صفة النقص، ومفهومه أن وصفه بصفة الكمال مشروع. وقد قسم البيهقي وجماعة من أئمة السنة جميعَ الأسماء المذكورة في القرآن، وفي الأحاديث الصحيحة على قسمين: [أحدهما]: صفات ذاته، وهي ما استحقَّه فيما لم يزل، ولا يزال. [والثاني]: صفات فعله، وهي ما استحقَّه فيما لا يزال دون الأزل. قال: ولا يجوز وصفه إلا بما دلّ عليه الكتاب والسنة الصحيحة الثابتة، أو أجْمِعَ عليه. ثم منه ما اقترنت به دلالة العقل، كالحياة، والقدرة، والعلم، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، من صفات ذاته، وكالخلق، والرزق، والإحياء، والإماتة، والعفو، والعقوبة، من صفات فعله. ومنه ما ثبت بنص الكتاب والسنة، كالوجه، واليد، والعين، من صفات ذاته، وكالاستواء، والنزول، والمجيء من صفات فعله، فيجوز إثبات هذه الصفات له؛ لثبوت الخبر بها على وجه ينفي التشبيه، فصفة ذاته لم تزل موجودة بذاته، ولا تزال، وصفة فعله ثابتة عنه، ولا يحتاج في الفعل إلى مباشرة، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢]. وقال القرطبيُّ في «المفهم»: اشتملت ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١] على اسمين يتضمنان جميع أوصاف الكمال، وهما: الأحد، والصمد، فإنهما يدلان على أحدية الذات المقدسة الموصوفة بجميع أوصاف الكمال، فإن الواحد والأحد -وإن رجعا إلى أصل واحد- فقد افترقا استعمالًا وعرفًا؛ فالوحدة راجعة إلى نفي التعدد والكثرة، والواحد أصل العدد من غير تعرض لنفي ما عداه، والأحد يثبت مدلوله، ويتعرض لنفي ما سواه، ولهذا يستعملونه في النفي، ويستعملون الواحد في الإثبات، ويقال: ما رأيت أحدًا،
مصادر المؤلف (٨)

١. وفي نسخة:»حدّثني«.

٢. وفي بعض النسخ:»ذُكِرَ ذَلِكَ«بالبناء للمفعول.

٣. «المصباح المنير» ١/ ١٢٢.

٤. «المرعاة» ٧/ ٢٠٢.

٥. «الفتح» ٢/ ٣٠١ - ٣٠٢ «كتاب الأذان» رقم (٧٧٤).

٦. «المصباح» ١/ ٢٧٥.

٧. «المصباح المنير» ١/ ٢٩٧.

٨. «المصباح» ١/ ٦٦١.