HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٨١٤

وحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ بَيَانٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَلَمْ تَرَ آيَاتٍ أُنْزِلَتِ اللَّيْلَةَ لَمْ يُرَ مِثْلُهُنَّ قَطُّ؟ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص200
ج ١ ص ٥٥٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن الدارمي, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٦ ص٤٢٣
ورأيت واحدًا، فالأحد في أسماء اللَّه تعالى مشعر بوجوده الخاص به الذي لا يشاركه فيه غيره، وأما الصمد فإنه يتضمن جميع أوصاف الكمال؛ لأن معناه الذي انتهى سؤدده بحيث يُصمَد إليه في الحوائج كلها، وهو لا يتم حقيقة إلا للَّه. انتهى ما في «الفتح» ، وهو بحثٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٤٧) - (بَابُ فَضْلِ قِرَاءَةِ الْمُعَوِّذَتَيْنِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٩١] (٨١٤) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ بَيَانٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أَلَمْ تَرَ آيَاتٍ أُنْزِلَتِ اللَّيْلَةَ ، لَمْ يُرَ مِثْلُهُنَّ قَطُّ، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾، وَ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدِ) بن جَمِيل بن طَرِيف الثقفيّ، أبو رَجاء الْبَغْلانيّ، يقال: اسمه يحيى، وقيل: عليّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) عن تسعين سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب، [٨] (ت ١٨٨) وله إحدى وسبعون سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٥. ٣ - (بَيَانُ) بن بِشْر الأحمسيّ البجليّ المعلم، أبو بِشْر الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥]. رَوَى عن أنس، وقيس بن أبي حازم، والشعبيّ ووَبَرَة بن عبد الرحمن الْمُسْلِيّ، وإبراهيم التيميّ، وحُمران بن أبان، وعكرمة، وأبي عمرو الشيبانيّ، وغيرهم. ورَوَى عنه شعبة، والسفيانان، وشَرِيك، وزائدة، وزهير، ومعتمر، وأبو عوانة، وهاشم بن الْبَرِيد، ومحمد بن فُضيل، وجرير، وغيرهم. قال ابن المدينيّ: له نحو سبعين حديثًا، وقال أحمد: ثقة من الثقات، وقال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقةٌ، زاد أبو حاتم: وهو أعلى من فِرَاس، وقال العجليّ: كوفيّ ثقةٌ، وليس بكثير الحديث، رَوَى أقل من مائة حديث، وقال يعقوب بن شيبة: كان ثقةً ثبتًا، وقال يعقوب بن سفيان: ثقةٌ، وقال أبو ذَرّ الْهَرَويّ، عن الدارقطنيّ: هو أحد الثقات الأثبات. وفرّق أبو الفضل الهرويّ، والخطيب، في «المتفق والمفترق» بينه وبين بيان بن بِشْر المعلِّم، يروي عنه هاشم بن الْبَرِيد، زاد الخطيب: ليس لهاشم رواية عن البجليّ. قال الحافظ: ومما يدلّ على أنهما اثنان أن المعلِّم طائيّ، والآخر بَجَليّ، وذكره ابن حبان في «الثقات». أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، هذا برقم (٨١٤) وحديث (١٠٤٢) و(١٢٢٤) و(١٢٣٣) و(١٩٢٩) و(٢٤٧٥) و(٢٤٧٦). ٤ - (قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ) البجليّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ مخضرمٌ [٢]، مات بعد التسعين، أو قبلها، وقد جاوز المائة، وتَغَيَّر (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٧٥. ٥ - (عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ) الْجُهَنِيّ، صحابيّ مشهورٌ، اختُلِف في كنيته على سبعة أقوال، أشهرها أنه أبو حماد، وَلِيَ إِمْرَةَ مصر لمعاوية -﵁- ثلاث سنين، وكان فقيهًا فاضلًا، مات -﵁- في قرب الستين (ع) تقدم في «الطهارة» ٦/ ٥٥٩. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم: بيان، عن قيس. ٤ - (ومنها): أن قيسًا تابعيّ مخضرمٌ ويقال: له رؤية، وهو الذي انفرد من بين التابعين بالرواية عن العشرة المبشرين بالجنة، على الأصح في عبد الرحمن بن عوف، وليس ذلك لأحد من التابعين غَيرِهِ، وإلى هذا أشار الحافظ السيوطيُّ في «ألفية الحديث»، حيث قال: وَالتَّابِعُونَ طَبَقَاتٌ عَشَرَهْ … مَعْ خَمْسَةٍ أوَّلُهُمْ ذُو الْعَشَرهْ وَذَاكَ قَيْسٌ مَا لَهُ نَظِيرُ … وَعُدَّ عِنْدَ حَاكِمٍ كَثِيرُ شرح الحديث: (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ) الْجُهنيّ -﵁- أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أَلَمْ تَرَ آيَاتٍ) الرؤية المراد بها هنا العلم، والاستفهام تقريريّ، حاصله إثبات ما بعد النفي، أي اعْلَمْ آيات. وقال الطيبيّ: قوله:«ألم تر»هي كلمة تعجّب وتعجيب، ولذلك بيّن معنى التعجّب بقوله:«لم يُر مثلهنّ». (أُنْزِلَتِ) بالبناء للمفعول (اللَّيْلَةَ) وفي نسخة:«هذه الليلة»، وفي أخرى:«أُنزِلن الليلة» بنون الجماعة، أي أنزلهنّ اللَّه تعالى عليّ في هذه الليلة (لَمْ يُرَ) قال النوويُّ: ضبطناه بالنون المفتوحة، وبالياء المضمومة مبنيًّا للمفعول، وكلاهما صحيح، وقوله: (مِثْلُهُنَّ) على الأول منصوب على المفعوليّة، وعلى الثاني مرفوع على أنه نائب الفاعل، والجملة في محل نصب صفة بعد صفة، أو حال. وقوله: (قَطُّ) من ظروف الزمان تُستَعْمَل للماضي، وقد تقدم قول شيخنا عبد الباسط المِنَاسِيُّ -﵀- تعالى في ضبطها: وَخَمْسَةً جَعَلَ مَنْ قَطُّ ضَبَطْ … قَطُّ وَقُطُّ قَطِّ ثُمَّ قَطُ قَطْ والمعنى أنه لم يُنْزِل اللَّه تعالى عليّ فيما مضى من الزمان مثل هؤلاء الآيات في بابهنّ، وهو الاستعاذة، يعني أنه لم يكن آياتُ سورةٍ كُلُّهُنَّ تعويذٌ للقارئ غير هاتين السورتين، ففي حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁-: «أن رسول اللَّه -ﷺ- كان يتعوذ من أعين الجانّ، وأعين الإنسان، فلما نزلت المعوّذتان أخذ بهما، وترك ما سواهما»، أخرجه الترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وقال الترمذيّ: حسن صحيح. وقال الطيبيُّ: قوله: «لم يُرَ مثلهنّ» أي لم تكن آيات سورة كلّهنّ تعويذات للقارئ من شرّ الأشرار غير هاتين السورتين. ولذلك كان رسول اللَّه -ﷺ- يتعوّذ من عين الجانّ، وعين الإنس، فلما نزلت المعوّذتان أخذ بهما، وترك ما سواهما، ولَمّا سُحِر استشفى بهما، وإنما كان كذلك؛ لأنهما من الجوامع في هذا الباب، فتأمّل في أولاهما كيف خصّ وصف المستعاذ به بربّ الفلق، أي بفالق الإصباح؛ لأن هذا الوقت وقت فَيَضَان الأنوار، ونزول الخيرات والبركات، وخصّ المستعاذ منه بما خلق، فابتدأ بالعامّ من قوله: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢)﴾، أي من شرّ خلقه، وشرّ ما يفعله المكلّفون من المعاصي، ومضارّة بعضهم بعضًا، من ظلم وبغي، وقتل، وضرب، وشتم، وغيره، وما يفعله غير المكلّفين من الحيوان، كالسباع والحشرات، من الأكل، والنَّهْش، واللَّدْغِ، والعضّ، وما وضعه اللَّه تعالى في غير الحيوان، من أنواع الضرر، كالإحراق في النار، والقتل في السمّ. ثم ثنّى بالعطف عليه ما هو شرّه أخفى من الزمان، ما هو نقيض انفلاق الصبح، من دخول الظلام، واعتكاره المعنِيّ بقوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾؛ لأن انبثاث الشرّ فيه أكثر، والتحرّز منه أصعب، ومنه قولهم: «الليل أخفى للويل»، وخصّ ما يمكن في الزمان بما غائلته خفيّة من النفّاثات والحاسد. قال الطيبيّ: وقد خصّ شرّ هؤلاء من كل شرّ؛ لخفاء أمره، وأنه يَلْحَق الإنسان من حيث لا يعلم، كأنما يغتال به، وقيّد الحاسد بـ ﴿إِذَا حَسَدَ﴾؛ لأن الحاسد إذا أظهر حسده، وعَمِلَ بمقتضاه من بَغْي الغوائل للمحسود كان شرّه أتمّ، وضرّه أكمل. ثم تأمّل في ثانيتهما كيف وصف المستعاذ به بالربّ، ثم بالملك، ثم بالإله، وأضافها إلى الناس، وكرّره، وخصّ المستعاذ منه بالوسواس الْمَعْنِيّ به الموسوس من الجنة والناس. قال: هذه المبالغة في جانب المستعاذ به، والترقّي في الصفات يقتضي المبالغة في المستعاذ منه، ولعمري إن هذه الوسوسة إما أن تكون في صدر المستعيذ، وهي رأس كلّ شرّ، ومنشأ كلّ ضلالة وكفر وبدعة، أو في صدر من يضادّه، وهي معدن كلّ مضرّة، ومنبع كلّ نكال وعقوبة، فيدخل فيه نفثة كلّ نافث، وحسد كلّ حاسد. انتهى . وقوله: (﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾، وَ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ «) بدل من»آيات«، أو خبر لمحذوف محكيّ لقصد لفظه، أي هنّ ﴿قُلْ أَعُوذُ﴾ إلخ، أو مفعول لفعل مقدّر محكي، أي أعني، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عقبة بن عامر -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا [٤٧/ ١٨٩١ و١٨٩٢ و١٨٩٣] (٨١٤)، و(الترمذيّ) في«فضائل القرآن»(٢٩٠٢) و(٣٣٦٧)، و(النسائيّ) في«الافتتاح»(٩٥٤)، و«كتاب الاستعاذة»(٥٤٤٠)، و«الكبرى»(١٠٣٦)، و(أحمد) في«مسنده»(٤/ ١٤٤ و١٥٠ و١٥١ و١٥٢)، و(الدارميّ) في«سننه»(٢/ ٥٥٤)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(٣٩٥٣ و٣٩٥٤ و٣٩٥٥ و٣٩٥٦ و٣٩٥٧)، و(أبو نعيم) في«مستخرجه»(١٨٤٢ و١٨٤٣ و١٨٤٤)، و(الطبرانيّ) في«الكبير»(١٧/ ٣٥٠ و٣٥١)، و(البيهقيّ) في«الكبرى»(٢/ ٣٩٤)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان عظم فضل هاتين السورتين، وقد سبق اختلاف أهل العلم في جواز إطلاق تفضيل بعض سور القرآن على بعض، وترجيح الراجح من ذلك -وهو الجواز- بدليله في الباب الماضي. وقال الشوكانيُّ: فيه دليل على مزيد فضلهما، ولا تعارض بين هذا وبين ما ورد فيه مثل ذلك من السور والآيات، بل ينبغي أن يُحْمَل ما ورد تفضيله على أنه فاضل على ما عدا ما قد وقع تفضيله بدليل آخر، فالتفضيل من هذه الحيثية إضافيّ لا حقيقيّ، وهذا جمع حسنٌ، فإن مَنَعَ مانع من ذلك فالمرجع الترجيح بين الأدلة القاضية بالتفضيل. انتهى . ٢ - (ومنها): أن فيه دليلًا واضحًا على كون هاتين السورتين من القرآن، وسيأتي تحقيق الخلاف في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-. ٣ - (ومنها): أن لفظة «قل» من القرآن ثابتة في أول السورتين بعد البسملة، وقد أجمعت الأمة على ذلك، كما قاله النوويُّ. وقال الإمام ابن القيّم -﵀-: [فإن قلت]: فكيف جاء امتثال هذا الأمر بلفظ الأمر، والمأمور به، فقال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾، ومعلوم أنه إذا قيل: قل: الحمد للَّه، وقل: سبحان اللَّه، فإن امتثاله أن يقول: الحمد للَّه، وسبحان اللَّه، ولا يقول: قل: سبحان اللَّه؟. [قلت]: هذا هو السؤال الذي أورده أُبَيّ بن كعب -﵁- على النبيّ -ﷺ- بعينه، وأجابه عنه رسول اللَّه -ﷺ-، فقال البخاريّ في «صحيحه»: حدّثنا قتيبة، ثنا سفيان، عن عاصم، وعبدة، عن زِرّ، قال: سألت أُبيّ بن كعب عن المعوذتين، فقال: سألت رسول اللَّه -ﷺ-، فقال: «قيل لي، فقلت»، فنحن نقول كما قال رسول اللَّه -ﷺ-، ثم قال: حدّثنا علي بن عبد اللَّه، ثنا سفيان، ثنا عبدة بن أبي لبابة، عن زِرّ بن حُبيش، وحدّثنا عاصم، عن زِرّ قال: سألت أُبيّ بن كعب، قلت: أبا المنذر، إن أخاك ابن مسعود يقول كذا وكذا، فقال: إني سألت رسول اللَّه -ﷺ-، فقال: «قيل لي، فقلت: قل»، فنحن نقول كما قال رسول اللَّه -ﷺ-. قال ابن القيّم -﵀-: مفعول القول محذوف، وتقديره قيل لي: قل، أو قيل لي هذا اللفظ، فقلت كما قيل لي، وتحت هذا السرّ أن النبيّ -ﷺ- ليس له في القرآن إلا بلاغه، لا أنه هو أنشأه من قِبَلِ نفسه، بل هو المبلغ له عن اللَّه، وقد قال اللَّه له: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾، فكان يقتضي البلاغُ التامُّ أن يقول: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ كما قال اللَّه، وهذا هو المعنى الذي أشار النبيّ -ﷺ- إليه بقوله: «قيل لي، فقلت»، أي إني لست مبتدئًا، بل أنا مُبَلِّغٌ، أقول كما يقال لي، وأُبَلِّغ كلام ربي كما أنزله إليّ -فصلوات اللَّه وسلامه عليه- لقد بلغ الرسالة، وأَدَّى الأمانة، وقال كما قيل له، فكفانا وشفانا من المعتزلة والجهمية وإخوانهم ممن يقول هذا القرآن العربيّ، وهذا النظم كلامه ابتدأ هو به، ففي هذا الحديث أبين الردّ لهذا القول، وأنه -ﷺ- بَلَّغَ القول الذي أُمر بتبليغه على وجهه ولفظه، حتى لِمَا قيل له: قل؛ لأنه مبلغ مَحْضٌ، وما على الرسول إلا البلاغ. انتهى كلام ابن القيّم -﵀- ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم في كون هاتين السورتين من القرآن الكريم: أخرج النسائيُّ في «سننه»، وصححه ابن خزيمة عن عقبة بن عامر -﵁- أنه سأل النبيّ -ﷺ- عن المعوِّذتين، قال عقبة: فأمّنا بهما رسول اللَّه -ﷺ- في صلاة الفجر. وفي رواية ابن خزيمة: «سألت رسول اللَّه -ﷺ- عن المعوّذتين، أمن القرآن هما؟» الحديث. هذا الحديث يدلّ على أن هاتين السورتين من القرآن العظيم، وهو الذي استقر عليه الإجماع أخيرًا، وكان عبد اللَّه بن مسعود -﵁- يخالف في ذلك. فقد أخرج الإمام أحمد في «مسنده» بسنده عن زرّ بن حُبَيش، قال: قلت لأبَيّ بن كعب: إن ابن مسعود لا يكتب المعوذتين في مصحفه، فقال: أشهد أن رسول اللَّه -ﷺ- أخبرني أن جبريل ﵇ قال له: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١)﴾ [الفلق: ١] فقلتها، قال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١)﴾ [الناس: ١] فقلتها، فنحن نقول ما قال النبيّ -ﷺ-. ورواه أبو بكر الحميدي في «مسنده»، عن سفيان بن عيينة، حدثنا عبدة بن أبي لبابة، وعاصم بن بهدلة، أنهما سمعا زِرّ بن حبيش، قال: سألت أبي بن كعب عن المعوذتين، فقلت: يا أبا المنذر إن أخاك ابن مسعود يَحُكُّ المعوذتين من المصحف؟ فقال: إني سألت رسول اللَّه -ﷺ-، فقال: «قيل لي: قل، فقلت»، فنحن نقول كما قال رسول اللَّه -ﷺ-. وأخرج البخاري في «صحيحه» عن زرّ، قال: سألت أبي بن كعب، فقلت: أبا المنذر إن أخاك ابن مسعود يقول كذا وكذا، فقال: إني سألت النبيّ -ﷺ-، فقال: «قيل لي، فقلت»، فنحن نقول كما قال رسول اللَّه -ﷺ-. وأخرج أبو يعلى بسنده عن علقمة، قال: كان عبد اللَّه يحك المعوذتين من المصحف، ويقول: إنما أُمِرَ رسولُ اللَّه -ﷺ- أن يتعوذ بهما، ولم يكن عبد اللَّه يقرأ بهما. وأخرجه عبد اللَّه بن أحمد في زوائد المسند من حديث الأعمش، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: كان عبد اللَّه يحك المعوذتين من مصاحفه، ويقول: إنهما ليستا من كتاب اللَّه. قال الأعمش: وحدثنا عاصم، عن زرّ بن حبيش، عن أبي بن كعب، قال: سألنا عنهما رسول اللَّه -ﷺ-، قال: «قيل لي، فقلت». أورد هذه الأحاديث ابن كثير -﵀- في «تفسيره»، ثم قال ما نصه: وهذا مشهور عند كثير من القراء والفقهاء أن ابن مسعود -﵁- كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه، فلعله لم يسمعهما من النبيّ -ﷺ-، ولم يتواتر عنده، ثم لعله قد رجع عن قوله ذلك إلى قول الجماعة، فإن الصحابة -﵃- أثبتوهما في المصاحف الأئمة، ونَفَّذُوهما إلى سائر الآفاق كذلك، وللَّه الحمد والمنة. انتهى كلام ابن كثير ملخصًا . وقال الحافظ -﵀- بعد ذكره نحو ما تقدم من الأحاديث نقلًا عن البزار ما نصّه: ولم يُتابِع ابن مسعود على ذلك أحد من الصحابة. وقد صحّ عن النبيّ -ﷺ- أنه قرأ بهما في الصلاة. قال الحافظ: وهو في «صحيح مسلم» عن عقبة بن عامر، وزاد فيه ابن حبان من وجه آخر عن عقبة بن عامر: «فإن استطعت أن لا تفوتك قراءتهما في صلاة فافعل». وأخرج أحمد من طريق أبي العلاء بن الشِّخِّير، عن رجل من الصحابة: أن النبيّ -ﷺ- أقرأه المعوذتين، وقال له: «إذا أنت صليت، فاقرأ بهما». وإسناده صحيح. ولسعيد بن منصور من حديث معاذ بن جبل: «أن النبيّ -ﷺ- صلى الصبح، فقرأ بالمعوذتين». وقد تأول القاضي أبو بكر الباقلانيّ في كتاب «الانتصار» -وتبعه عياض وغيره- ما حُكِي عن ابن مسعود -﵁-، فقال: لم ينكر ابن مسعود كونهما من القرآن، وإنما أنكر إثباتهما في المصحف، فإنه كان يرى أن لا يكتب في المصحف شيئًا، إلا إذا كان النبيّ -ﷺ- أذن في كتابته فيه، وكأنه لم يبلغه الإذن في ذلك، قال: فهذا تأويل منه، وليس جحدًا لكونهما قرآنًا. قال الحافظ: وهو تأويل حسن، إلا أن الرواية الصحيحة الصريحة التي ذكرتها تدفع ذلك، حيث جاء فيها: «ويقول: إنهما ليستا من كتاب اللَّه». نعم يمكن حمل لفظ كتاب اللَّه على المصحف، فيتمشى التأويل المذكور. وقال غير القاضي: لم يكن اختلاف ابن مسعود مع غيره في قرآنيتهما، وإنما كان في صفة من صفاتهما. انتهى. وغاية ما في هذا أنه أبهم ما بيّنه القاضي، ومن تأمل سياق الطرق التي أوردتها للحديث استبعد هذا الجمع. وأما قول النووي في «شرح المهذب»: أجمع المسلمون على أن المعوذتين، والفاتحة من القرآن، وأن من جحد منهما شيئًا كَفَرَ، وما نُقِل عن ابن مسعود باطل ليس بصحيح، ففيه نظر. وقد سبقه لنحو ذلك أبو محمد بن حزم، فقال في أوائل «المحلَّى»: ما نُقِل عن ابن مسعود من إنكار قرآنية المعوذتين، فهو كذب باطل. وكذا قال الفخر الرازي في أوائل تفسيره: الأغلب على الظن أن هذا النقل عن ابن مسعود كذب باطل. والطعن في الروايات الصحيحة بغير مستند لا يُقبل، بل الرواية صحيحة، والتأويل مُحْتَمِل، والإجماع الذي نقله إن أراد شموله لكل عصر، فهو مخدوش، وإن أراد استقراره فهو مقبول. وقد قال ابن الصباغ في الكلام على مانعي الزكاة: وإنما قاتلهم أبو بكر على منع الزكاة، ولم يقل: إنهم كفروا بذلك، وإنما لم يكفروا لأن الإجماع لم يكن استقر، قال: ونحن الآن نكفر من جحدها، قال: وكذلك ما نقل عن ابن مسعود في المعوذتين، يعني أنه لم يثبت عنده القطع بذلك، ثم حصل الاتفاق بعد ذلك. وقد استَشْكَل هذا الموضع الفخر الرازيّ، فقال: إن قلنا: إن كونهما من القرآن كان متواترًا في عصر ابن مسعود لزم تكفير من أنكرهما، وإن قلنا: إن كونهما من القرآن كان لم يتواتر في عصر ابن مسعود لزم أن بعض القرآن لم يتواتر، قال: وهذه عُقْدة صعبة. وأجيب باحتمال أنه كان متواترًا في عصر ابن مسعود، لكن لم يتواتر عند ابن مسعود، فانحلت العُقْدة بعون اللَّه تعالى. انتهى كلام الحافظ -﵀-، وهو كلام نفيس، وبحث أنيسٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): قد ذكر الإمام ابن القيّم -﵀- بحثًا نفيسًا يتعلّق بحديث الباب، أحببت إيراده لغزارة فوائده، ونفاسة عوائده، قال -﵀- بعد أن ذكر بعض الأحاديث الواردة في هاتين السورتين ما نصّه: والمقصود الكلام على هاتين السورتين، وبيان عظيم منفعتهما، وشدة الحاجة، بل الضرورةِ إليهما، وأنه لا يَستغني عنهما أحد قط، وأن لهما تأثيرًا خاصًّا في دفع السحر، والعين، وسائر الشرور، وأن حاجة العبد إلى الاستعاذة بهاتين السورتين أعظم من حاجته إلى النَّفَس والطعام والشراب واللباس. فنقول -واللَّه المستعان-: قد اشتملت السورتان على ثلاثة أصول، وهي أصول الاستعاذة: أحدها: نفس الاستعاذة، والثانية المستعاذ به، والثالثة المستعاذ منه، فبمعرفة ذلك تُعْرَف شدة الحاجة والضرورة إلى هاتين السورتين، فلنعقد لهما ثلاثة فصول: الفصل الأول في الاستعاذة، والثاني في المستعاذ به، والثالث في المستعاذ منه: [الفصل الأول]: الاستعاذة، وبيان معناها: (اعلم): أن لفظ عاذ، وما تصرف منها يدلّ على التحرّز والتحصّن والنجاة، وحقيقة معناها الهروب من شيء تخافه إلى مَن يعصمك منه، ولهذا يسمى المستعاذ به مَعَاذًا، كما يسمى ملجأً ووَزَرًا. وفي الحديث أن ابنة الْجَوْن لما أدخلت على النبيّ -ﷺ-، فوضع يده عليها، قالت: أعوذ باللَّه منك، فقال لها: «قد عذت بمعاذ، الحقي بأهلك»، رواه البخاريّ. فمعنى أعوذ ألتجئ، وأعتصم، وأتحرز، وفي أصله قولان: [أحدهما]: أنه مأخوذ من السَّتْر، والثاني أنه مأخوذ من لزوم المجاورة، فأما من قال: إنه من الستر، قال: العرب تقول للبيت الذي في أصل الشجرة التي قد استتر بها: عُوَّذ -بضم العين، وتشديد الواو، وفتحها- فكأنه لما عاذ بالشجرة، واستتر بأصلها وظلها سَمَّوه عُوَّذًا، فكذلك العائذ قد استتر من عدوّه بمن استعاذ به منه، واستجَنَّ به منه. ومن قال: هو لزوم المجاورة قال: العرب تقول للَّحم إذا لَصِقَ بالعظم، فلم يتخلص منه: عُوَّذ؛ لأنه اعتصم به، واستمسك به، فكذلك العائذ قد استمسك بالمستعاذ به، واعتصم به ولزمه، والقولان حقّ، والاستعاذة تنتظمهما معًا، فإن المستعيذ مستتر بمعاذه، متمسك به، معتصم به، قد استَمْسَك قلبه به ولزمه، كما يلزم الولد أباه إذا أشهر عليه عدوه سيفًا، وقصده به فهرب منه، فعرض له أبوه في طريق هربه، فإنه يُلقي نفسه عليه، ويستمسك به أعظم استمساك، فكذلك العائذ قد هَرَب من عدوه الذي يَبْغَى هلاكه إلى ربه ومالكه، وفَرّ إليه، وألقى نفسه بين يديه، واعتصم به، واستجار به، والتجأ إليه. وبَعْدُ فمعنى الاستعاذة القائمُ بقلبه وراء هذه العبارات، وإنما هي تمثيل وإشارة وتفهيم، وإلا فما يقوم بالقلب حينئذ من الالتجاء والاعتصام والانطراح بين يدي الربّ، والافتقار إليه، والتذلل بين يديه أمرٌ لا تحيط به العبارة. ونظير هذا التعبيرُ عن معنى محبته وخشيته وإجلاله ومهابته، فإن العبارة تقصر عن وصف ذلك، ولا يُدرك إلا بالاتصاف بذلك، لا بمجرد الصفة والخبر، كما أنك إذا وصفت لذة الوقاع لِعِنِّين لم تُخْلَق له شهوة أصلًا، فلو قرّبتها وشبّهتها بما عساك أن تشبهها به، لم تحصل حقيقة معرفتها في قلبه، فإذا وصفتها لمن خُلِقت فيه، ورُكِّبت فيه عَرَفها بالوجود والذوق. وأصل هذا الفعل أَعْوُذُ بتسكين العين، وضم الواو، ثم أُعل بنقل حركة الواو إلى العين، وتسكين الواو، فقالوا: أعوذ على أصل هذا الباب، ثم طردوا إعلاله، فقالوا في اسم الفاعل: عائذٌ، وأصله عاوِذٌ، فوقعت الواو بعد ألف فاعلٍ، فقلبوها همزة، كما قالوا: قائم وخائف، وقالوا في المصدر: عياذًا باللَّه، وأصله عِوَاذًا كَلِوَاذًا، فقلبوا الواو ياء؛ لكسرة ما قبلها، ولم تَحْصُنها حركتها؛ لأنها قد ضَعُفَتْ بإعلالها في الفعل، وقالوا: مستعيذٌ، وأصله مُستَعْوِذٌ، كمستخرج، فنقلوا كسرة الواو إلى العين قبلها، ثم قلبت الواو قبلها كسرة، فقلبت ياءً على أصل الباب. [فإن قلت]: فَلِمَ دخلت السين والتاء في الأمر من هذا الفعل، كقوله ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾، ولم تدخل في الماضي والمضارع، بل الأكثر أن يقال: أعوذ باللَّه، وعُذْت باللَّه، دون أستعيذ، واستعذت؟. [قلت]: السين والتاء دالّة على الطلب، فقوله: أستعيذ باللَّه، أي أطلب العياذ به، كما إذا قلت: أستخير اللَّه، أي أطلب خيرته، وأستغفره، أي أطلب مغفرته، وأستقيله، أي أطلب إقالته، فدخلت في الفعل إيذانًا لطلب هذا المعنى من المعاذ، فإذا قال المأمور: أعوذ باللَّه، فقد امتثل ما طُلب منه؛ لأنه طُلب منه الالتجاء والاعتصام، وفرق بين نفس الالتجاء والاعتصام، وبين طلب ذلك، فلما كان المستعيذ هاربًا ملتجئًا معتصمًا باللَّه، أَتَى بالفعل الدالّ على ذلك، دون الفعل الدالّ على طلب ذلك، فتأمله. وهذا بخلاف ما إذا قيل: استَغْفِرِ اللَّهَ، فقال: أستغفر اللَّه، فإنه طُلِب منه أن يطلب المغفرة من اللَّه، فإذا قال: أستغفر اللَّه كان ممتثلًا؛ لأن المعنى أطلب من اللَّه تعالى أن يغفر لي. وحيث أراد هذا المعنى في الاستعاذة فلا ضير أن يأتي بالسين، فيقول: أستعيذ باللَّه تعالى، أي أطلب منه أن يعيذني، ولكن هذا معنًى غيرُ نفس الاعتصام والالتجاء والهرب إليه، فالأول يخبر عن حاله وعياذه بربه، وخبرُه يتضمن سؤاله وطلبه أن يعيذه، والثاني طالب سائل من ربه أن يعيذه، كأنه يقول: أطلب منك أن تعيذني، فحال الأول أَكمَل مَجِيء امتثال هذا الأمر بلفظ الأمر. ولهذا جاء عن النبيّ -ﷺ- في امتثال هذا الأمر: «أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم»، و«أعوذ بكلمات اللَّه التامات»، و«أعوذ بعزة اللَّه وقدرته»، دون أستعيذ، بل الذي علمه اللَّه إياه أن يقول: أعوذ برب الفلق، أعوذ برب الناس، دون أستعيذ فتأمل هذه الحكمة البديعة. [الفصل الثاني]: في المستعاذ به: المستعاذُ به وهو اللَّه وحده ربّ الفلق، ورب الناس، ملك الناس، إله الناس الذي لا ينبغي الاستعاذة إلا به، ولا يستعاذ بأحد من خلقه، بل هو الذي يعيذ المستعيذين، ويعصمهم ويمنعهم من شرّ ما استعاذوا من شره. وقد أخبر اللَّه تعالى في كتابه عمن استعاذ بخلقه أن استعاذته زادته طغيانًا ورَهَقًا، فقال حكاية عن مؤمني الجن: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦)﴾ [الجن: ٦]، جاء في التفسير أنه كان الرجل من العرب في الجاهلية إذا سافر، فأمسى في أرض قفر، قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من شرّ سفهاء قومه، فيبيت في أمن وجوار منهم حتى يصبح، أي فزاد الإنس الجن باستعاذتهم بسادتهم رَهَقًا، أي طغيانًا وإثمًا وشرًّا، يقولون: سُدْنا الإنس والجنّ، والرهق في كلام العرب الإثم، وغشيان المحارم، فزادوهم بهذه الاستعاذة غشيانًا لما كان محظورًا من الكبر والتعاظم، فظنوا أنهم سادوا الإنس والجن. واحتَجَّ أهل السنة على المعتزلة في أن كلمات اللَّه غير مخلوقة، بأن النبيّ -ﷺ- استعاذ بقوله أعوذ بكلمات اللَّه التامات، رواه مسلم، وهو -ﷺ- لا يستعيذ بمخلوق أبدًا. ونظير ذلك قوله: «أعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك»، رواه مسلم، فدلَّ على أن رضاه وعفوه من صفاته، وأنه غير مخلوق، وكذلك قوله: «أعوذ بعزة اللَّه وقدرته»، أخرجه مسلم، وقوله: «أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات»، إسناده قابل للتحسين، وما استعاذ به النبيّ -ﷺ- غير مخلوق، فإنه لا يستعيذ إلا باللَّه، أو صفة من صفاته. وجاءت الاستعاذة في هاتين السورتين باسم الربّ والملك والإله، وجاءت الربوبية فيها مضافة إلى الفَلَق، وإلى الناس، ولا بدّ من أن يكون ما وصف به نفسه في هاتين السورتين يناسب الاستعاذة المطلوبة، ويقتضي دفع الشر المستعاذ منه أعظم مناسبة وأبينها، وقد قرَّرنا في مواضع متعددة أن اللَّه ﷿ يُدْعَى بأسمائه الحسنى، فيسأل لكل مطلوب باسم يناسبه ويقتضيه. وقد قال النبيّ -ﷺ- في هاتين السورتين: إنه ما تعوذ المتعوذون بمثلهما، فلا بدّ أن يكون الاسم المستعاذ به مقتضيًا للمطلوب، وهو دفع الشرّ المستعاذ منه، أو رفعه، وإنما يتقرر هذا بالكلام في الفصل الثالث، وهو الشيء المستعاذ منه، فتتبين المناسبة المذكورة، فنقول: [الفصل الثالث]: في أنواع الشرور المستعاذ منها في هاتين السورتين، الشر الذي يصيب العبد لا يخلو من قسمين: إما ذنوب وقعت منه، يعاقب عليها، فيكون وقوع ذلك بفعله وقصده وسعيه، ويكون هذا الشرّ هو الذنوب وموجباتها، وهو أعظم الشرّين وأدومهما، وأشدّهما اتصالًا بصاحبه، وإما شر واقع به من غيره، وذلك الغير إما مكلف، أو غير مكلف، والمكلف إما نظيره، وهو الإنسان، أو ليس نظيره، وهو الجنيّ، وغير المكلف مثل الهوامّ، وذوات الْحُمَّى، وغيرها. فتضمنت هاتان السورتان الاستعاذة من هذه الشرور كلها، بأوجز لفظ وأجمعه وأدله على المراد وأعمه استعاذةً، بحيث لم يبق شرّ من الشرور إلا دخل تحت الشر المستعاذ منه فيهما. فإن سورة الفلق تضمنت الاستعاذة من أمور أربعة: أحدها: شر المخلوقات التي لها شرّ عمومًا، الثاني: شر الغاسق إذا وقب، الثالث: شر النفاثات في العقد، الرابع: شر الحاسد إذا حسد، فنتكلم على هذه الشرور الأربعة ومواقعها واتصالها بالعبد، والتحرز منها قبل وقوعها، وبماذا تُدفع بعد وقوعها. وقبل الكلام في ذلك لا بدّ من بيان الشرّ ما هو؟ وما حقيقته؟ فنقول: الشرّ يقال على شيئين: على الألم، وعلى ما يُفضي إليه، وليس له مسمى سوى ذلك. فالشرور هي الآلام وأسبابها، فالمعاصي والكفر والشرك وأنواع الظلم هي شرور، وإن كان لصاحبها فيها نوع غرض ولذّة، لكنها شرور؛ لأنها أسباب الآلام، ومفضية إليها، كإفضاء سائر الأسباب إلى مسبباتها، فترتب الألم عليها كترتب الموت على تناول السموم القاتلة، وعلى الذبح والإحراق بالنار، والْخَنْق بالْحَبْل وغير ذلك من الأسباب التي تصيبه مفضية إلى مسبباتها ولا بدّ ما لم يمنع السببية مانع، أو يعارض السبب ما هو أقوى منه، وأشد اقتضاء لضده، كما يعارض سبب المعاصي قوة الإيمان، وعظمة الحسنات الماحية وكثرتها، فيزيد في كميتها وكيفيتها على أسباب العذاب، فيدفع الأقوى للأضعف. وهذا شأن جميع الأسباب المتضادة، كأسباب الصحة والمرض، وأسباب الضعف والقوة، والمقصود أن هذه الأسباب التي فيها لذّةٌ ما هي شرّ، وإن نالت بها النفس مسرة عاجلة، وهي بمنزلة طعام لذيذ شهيّ لكنه مسموم إذا تناوله الآكل لذّ لآكله، وطاب له مساغه، وبعد قليل يفعل به ما يفعل، فهكذا المعاصي والذنوب ولا بدّ، حتى لو لم يُخْبِر الشارع بذلك لكان الواقع والتجربة الخاصة والعامة من أكبر شهوده، وهل زالت عن أحد قط نعمة إلا بشؤم معصيته، فإن اللَّه إذا أنعم على عبد بنعمة حفظها عليه، ولا يغيرها عنه حتى يكون هو الساعي في تغييرها عن نفسه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد: ١١]. ومن تأمل ما قَصّ اللَّه تعالى في كتابه من أحوال الأمم الذين أزال نعمه عنهم، وجد سبب ذلك جميعه إنما هو مخالفة أمره، وعصيان رسله، وكذلك من نظر في أحوال أهل عصره، وما أزال اللَّه عنهم من نعمه، وجد ذلك كله من سوء عواقب الذنوب، كما قيل [من المتقارب]: إِذَا كُنْتَ فِي نِعْمَةٍ فَارْعَهَا … فَإِنَّ الْمَعَاصِي تُزِيلُ النِّعَمْ فما حُفظت نعمة اللَّه بشيء قط مثل طاعته، ولا حصلت فيها الزيادة بمثل شكره، ولا زالت عن العبد بمثل معصيته لربه، فإنها نار النِّعَم التي تَعْمَل فيها كما تعمل النار في الحطب اليابس. ومن سافر بفكره في أحوال العالم، استغنى عن تعريف غيره له، والمقصود أن هذه الأسباب شرور ولا بدّ وأما كون مسبباتها شرورًا، فلأنها آلام نفسية وبدنية، فيجتمع على صاحبها مع شدة الألم الحسيّ ألم الروح بالهموم والغموم والأحزان والحسرات. ولو تفطن العاقل اللبيب لهذا حقَّ التفطن لأعطاه حقّه من الحذر والجدّ في الهرب، ولكن قد ضُرِب على قلبه حجاب الغفلة؛ ليقضي اللَّه أمرًا كان مفعولًا، فلو تيقظ حقّ التيقظ لتقطعت نفسه في الدنيا حسرات على ما فاته من حظه العاجل والآجل من اللَّه تعالى، وإنما يظهر له هذا حقيقة الظهور عند مفارقة هذا العالم، والإشراف والاطلاع على عالم البقاء، فحينئذ يقول: ﴿يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: ٢٤]، و﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦]. مَدارُ المستعاذات على الآلام وأسبابها: ولما كان الشرّ هو الآلام وأسبابها كانت استعاذات النبيّ -ﷺ- جميعها مدارها على هذين الأصلين، فكلُّ ما استعاذ منه، أو أمر بالاستعاذة منه، فهو إما مؤلم، وإما سبب يفضي إليه، فكان يتعوذ في آخر الصلاة من أربع، وأمر بالاستعاذة منهنّ، وهي عذاب القبر، وعذاب النار، فهذان أعظم المؤلمات، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال، رواه البخاريّ، ومسلم، والنسائيّ. وهذان سبب العذاب المؤلم، فالفتنة سبب العذاب، وذكر الفتنة خصوصًا وعمومًا، وذكر نوعي الفتنة؛ لأنها إما في الحياة، وإما بعد الموت، ففتنة الحياة قد يتراخى عنها العذاب مدةً، وأما فتنة الموت فيتصل بها العذاب من غير تراخ، فعادت الاستعاذة إلى الألم والعذاب وأسبابها، وهذا من آكد أدعية الصلاة حتى أوجب بعض السلف والخلف الإعادة على من لم يَدْعُ به في التشهد الأخير، وأوجبه ابن حزم في كل تشهد، فإن لم يأت به بطلت صلاته. استعاذة النبي -ﷺ- من ثمانية أشياء: ومن ذلك قوله: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والْحَزَن، والعجز والكسل، والْجُبْن والبخل، وضَلَع الدين، وغلبة الرجال». رواه البخاريّ، ومسلم، والنسائيّ. فاستعاذ من ثمانية أشياء، كل اثنين منها قرينان، فالهم والحزن قرينان، وهما من آلام الروح ومعذباتها، والفرق بينهما أن الهمّ توقع الشر في المستقبل، والحزن التألم على حصول المكروه في الماضي، أو فوات المحبوب، وكلاهما تألم وعذاب يَرِدُ على الروح، فإن تعلق بالماضي سُمّي حَزْنًا، وإن تعلق بالمستقبل سمي هَمًّا. والعجز والكسل قرينان، وهما من أسباب الألم؛ لأنهما يستلزمان فوات المحبوب، فالعجز يستلزم عدم القدرة، والكسل يستلزم عدم إرادته، فتتألم الروح؛ لفواته بحسب تعلقها به، والتذاذها بإدراكه، لو حصل. والجبن والبخل قرينان؛ لأنهما عدم النفع بالمال والبدن، وهما من أسباب الألم؛ لأن الجبان تفوته محبوبات ومفرحات وملذوذات عظيمة، لا تنال إلا بالبذل والشجاعة، والبخل يحول بينه وبينها أيضًا فهذان الخلقان من أعظم أسباب الآلام. وضَلَع الدين، وقهر الرجال قرينان، وهما مؤلمان للنفس، معذبان لها، أحدهما قهر بحقّ، وهو ضلع الدين، والثاني قهر بباطل، وهو غلبة الرجال، وأيضًا فضلع الدين قهر بسبب من العبد في الغالب، وغلبة الرجال قهر بغير اختياره. ومن ذلك تعوذه -ﷺ- من المأثم والمغرم، رواه البخاريّ، فإنهما يسببان الألم العاجل. ومن ذلك قوله: «أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك»، رواه مسلم، فالسخط سبب الألم، والعقوبة هي الألم، فاستعاذ من أعظم الآلام، وأقوى أسبابها. وهكذا طوّل نفسه الإمام ابن القيّم -﵀- في هذا الموضوع بما لم يُسبَق إلى جمعه، وتحقيقه، وإيراده في محلّ واحد، فللَّه درّه من إمام محقّق، وجهبذ مدقّق، فإن أردت استيفاء هذا البحث، فارجع إلى كتابه الممتع «بدائع الفوائد» ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٩٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أُنْزِلَ، أَوْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آيَاتٌ، لَمْ يُرَ مِثْلُهُنَّ قَطُّ، الْمُعَوِّذَتَيْنِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيُ الكوفيّ، أبو عبد الرحمن، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٥. ٢ - (أَبُوهُ) هو: عبد اللَّه بن نُمَير الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ، صاحب حديث، من أهل السنة، من كبار [٩] (ت ١٩٩) وله (٨٤) سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٥. ٣ - (إِسْمَاعِيلُ) بن أبي خالد الأحمسيّ مولاهم البجليّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٤٦) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٢٩٩. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (أَوْ أُنْزِلَتْ) «أو» للشكّ من الراوي. وقوله: (الْمُعَوِّذَتَيْنِ) قال النوويُّ: هكذا هو في جميع النسخ، وهو صحيحٌ، وهو منصوب بفعل محذوف، أي أعني المعوّذتين، وهو بكسر الراء. انتهى. والحديث من أفراد المصنّف -﵀-، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٩٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ إِسْمَاعِيلَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ، وَكَانَ مِنْ رُفَعَاءِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ -ﷺ-). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب. ٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، بن مَلِيح الرُّؤَاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) وله سبعون سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيريّ، أبو عبد اللَّه النيسابوريّ، ثقةٌ عابدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٤ - (أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أسامة القرشيّ مولاهم، الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) وهو ابن ثمانين (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥١. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ) أي بإسناد إسماعيل الماضي، وهو: عن قيس بن أبي حازم، عن عقبة بن عامر. وقوله: (وَفِي رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ إلخ) يعني أن وكيعًا اقتصر على قوله: «عن عقبة بن عامر»، وأما أبو أسامة فزاد في روايته قوله: «الجهني، وكان من رُفعاء أصحاب محمد -ﷺ-»، والرّفعاء بضم، ففتح: جمع رفيع، أي مرفوع القدر والرتبة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
مصادر المؤلف (٨)

١. راجع: «الفتح» ١٣/ ٣٦٩ - ٣٧٠.

٢. وفي نسخة: «حدّثنا».

٣. وفي نسخة: «أنزلت هذه الليلة»، وفي أخرى: «أُنزلن الليلة».

٤. «الكاشف» ٥/ ١٦٥٠ - ١٦٥١.

٥. «تحفة الذاكرين بعُدّة الحصن الحصين» ١/ ٤١٤.

٦. «بدائع الفوائد» ٢/ ٤٢٨ - ٤٢٩.

٧. «تفسير ابن كثير» ٤/ ٦١٠ - ٦١١.

٨. «بدائع الفوائد» ٢/ ٤٢٤ إلى آخر البحث.