HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٨٢٥

حدثنا يحيى بن يحيى. قال: قرأت على مَالِكٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عن الأعرج، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ نهى عن الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ، حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ. وَعَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص206
ج ١ ص ٥٦٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٨ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٦ ص٥٦٦
(٥٢) - (بَابُ بَيَانِ الأَوْقَاتِ الَّتِي نُهِيَ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٢٠] (٨٢٥) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- «نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ، حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَعَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بُكير بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، أبو عبد اللَّه الفقيه، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبتين، حتى قال البخاريّ: أصح الأسانيد كلها مالك، عن نافع، عن ابن عمر -﵄-[٧] (١٧٩)، وقال الواقديّ: بلغ تسعين سنةً (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٧٨. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ) -بفتح المهملة، وتشديد الموحدة- ابن مُنقِذ الأنصاريّ المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٤] (ت ١٢١) وهو ابن أربع وسبعين سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٥٠. ٤ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، مولى رَبِيعة بن الحارث، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٢. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤. لطائف الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: محمد بن يحيى، عن الأعرج. ٥ - (ومنها): أن أبا هريرة -﵁- أكثر الصحابة حديثًا، روى (٥٣٧٤) حديثًا، واللَّه -تعالى- أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-) بفتح همزة «أَنَّ»؛ لوقوعها موقع المصدر، كما قال في «الخلاصة»: وَهَمْزَ «إِنَّ» افْتَحْ لِسَدّ مَصْدَرِ … مَسَدَّها وَفِي سِوَى ذَاكَ اكْسِرِ فقد وقعت هنا مفعول «قرأتُ»؛ أي: قرأت نهي رسول اللَّه -ﷺ- («نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ) أي: بعد أداء صلاة العصر (حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَعَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ) أي: بعد أداء صلاة الصبح (حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ») قال القرطبيّ -﵀-: مذهب أبي حنيفة -﵀- حَمْلُ هذا النهي على عمومه في النوافل كلّها، والفرائض المقضيّات، ولم يَستثن من الصلوات شيئًا، وخصّ الجمهور من ذلك المقضيّات، وخصّ الشافعيّ ما كان من النوافل معلَّقًا على سبب، فتُصلَّى لحضور سببها، كتحيّة المسجد، وسجود التلاوة، وركعتي الطواف، والإحرام، وغير ذلك. انتهى . وسيأتي البحث في هذا مُستوفًى مع ترجيح مذهب الشافعي قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢/ ١٩٢٠] (٨٢٥)، و(البخاريّ) في «المواقيت» (٥٨٤ و٥٨٨)، و(النسائيّ) في «المواقيت» (٥٦١) وفي «الكبرى» (١٥٤٥)، و(ابن ماجه) في «إقامة الصلاة» (١٢٥٢)، و(مالك) في «الموطأ» (١/ ٢٢١)، و(الشافعيّ) في «المسند» (١/ ٥٢)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٢/ ٣٤٨)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (٢٤٦٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٤٦٢ و٥٢٩)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١٢٧٥)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٥٤٣ و١٥٤٤)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١١٢٢)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٨٦٧)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٢/ ٤٥٢)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٧٧٤)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم الصلاة في أوقات النهي: قال النوويّ -﵀-: أجمعت الأمة على كراهة صلاة لا سبب لها في هذه الأوقات، واتفقوا على جواز الفرائض المؤداة فيها، واختلفوا في النوافل التي لها سبب، كصلاة تحية المسجد، وسجود التلاوة، والشكر، وصلاة العيد، والكسوف، وفي صلاة الجنازة، وقضاء الفوائت، ومذهب الشافعي وطائفة، جواز ذلك كله بلا كراهة، ومذهب أبي حنيفة وآخرين أنه داخل في النهي لعموم الأحاديث، واحتج الشافعي وموافقوه بأنه ثبت أن النبيّ -ﷺ- قضى سنة الظهر بعد العصر، وهذا صريح في قضاء السنة الفائتة، فالحاضرة أولى، والفريضة المقضية أولى، وكذا الجنازة. انتهى . وما ادعاه من الإجماع والاتفاق مُتَعَّقب، فقد حَكَى غيره عن طائفة من السلف الإباحة مطلقًا، وقالوا بالنسخ لأحاديث النهي، وهو مذهب داود، وعن طائفة المنع مطلقًا، وحَكَى آخرون الإجماع على جواز صلاة الجنازة في هذه الأوقات، ولكنه متعقب بما سيأتي في بابه، أفاده في «الفتح» . وقال في «الطرح»: صح النهي عن الصلاة في حالتين أُخريين، وهما بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، ففي «الصحيحين» عن ابن عباس -﵄-، قال: «شهِدَ عندي رجال مرضيون، وأرضاهم عندي عمر أن رسول اللَّه -ﷺ- نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس»، وفي رواية: «حتى تطلع، وبعد العصر حتى تغرب»، وهو في «الصحيحين» أيضًا من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد بلفظ: «حتى تطلع الشمس». وبهذا قال مالك، والشافعيّ، وأحمد، والجمهور، وهو مذهب الحنفية أيضًا، إلَّا أنهم رأوا النهي في هاتين الحالتين أخف منه في الصُّوَرِ المتقدمة -يعني: الطلوع، والاستواء، والغروب- كما سنحكيه عنهم. ورواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن عمر، وابن مسعود، وخالد بن الوليد، وأبي العالية، وسالم بن عبد اللَّه بن عمر، ومحمد بن سيرين، وغيرهم، وقال الترمذي: وهو قول أكثر الفقهاء، من الصحابة، فمن بعدهم، وحكاه ابن عبد البرّ عن أبي سعيد الخدريّ، وأبي هريرة، وسعد، ومعاذ بن عفراء، وابن عباس -﵃-، قال: وحسبك بضرب عمر -﵁- على ذلك بالدِّرَّة؛ لأنه لا يستجيز ذلك من أصحابه إلَّا لصحة ذلك عنده. وذهب آخرون، إلى أنه لا تكره الصلاة في هاتين الصورتين -يعني: بعد صلاتي الصبح، والعصر- ومال إليه ابن المنذر بعد ذكره ثبوت النهي عن الصلاة بعد الصبح، وبعد العصر، فدلّ قوله -ﷺ-: «لا تصلوا بعد العصر، إلَّا والشمس مرتفعة»، وقوله: «لا تحرّوا بصلاتكم طلوع الشمس، ولا غروبها، فإنها تطلع بين قرني شيطان»، مع قول عقبة بن عامر: «ثلاث ساعات، كان رسول اللَّه -ﷺ- يَنْهَى أن يُصَلَّى فيهنّ» الحديث، مع سائر الأخبار المذكورة في غير هذا الكتاب على أن الوقت المنهي عن الصلاة فيه هذه الأوقات الثلاثة. قال: فممن روينا عنه الرخصة في التطوع بعد العصر عليّ بن أبي طالب، ورَوَينا معنى ذلك عن الزبير، وابن الزبير، وتميم الداريّ، والنعمان بن بشير، وأبي أيوب الأنصاريّ، وعائشة أم المؤمنين -﵃-، وفَعَلَ ذلك الأسودُ بنُ يزيد، وعمرو بن ميمون، ومسروق، وشُريح، وعبد اللَّه بن أبي الهُذَيل، وأبو بردة، وعبد الرحمن بن الأسود، وعبد الرحمن بن البيلمانيّ، والأحنف بن قيس. وقال أحمد: لا نفعله، ولا نعيب فاعله، وبه قال أبو خيثمة، وأبو أيوب. وحكى ابن بطال إباحةَ الصلاة بعد الصبح، والعصر عن ابن مسعود، وأصحابه، وبلال، وأبي الدرداء، وابن عمر، وابن عباس -﵃-. قال العراقي: الذي في «مصنف ابن أبي شيبة» عن أكثر هؤلاء المذكورين فعلُ الركعتين بعد العصر، ولا يلزم من إباحتهم الركعتين بورود النصّ فيهما إباحة التطوع بعد العصر مطلقًا، فيكون هذا مذهبًا ثالثًا مفصلًا بين الركعتين، وما زاد عليهما. وقال ابن عبد البرّ: قال قائلون: لا بأس بالتطوع بعد الصبح والعصر؛ لأن النهي إنما قُصِد به ترك الصلاة عند طلوع الشمس وغروبها. واحتجُّوا بقوله -ﷺ-: «لا تصلوا بعد العصر، إلَّا أن تصلوا، والشمس مرتفعة»، وبقوله -ﷺ-: «لا تحرَّوا بصلاتكم طلوع الشمس، ولا غروبها»، وبإجماع المسلمين على الصلاة على الجنازة بعد الصبح، والعصر، إذا لَمْ يكن عند الطلوع، والغروب، قالوا: فالنهي عن الصلاة بعد الصبح، والعصر هذا معناه، وحقيقته، قالوا: ومخرجه على قطع الذريعة؛ لأنه لو أبيحت الصلاة بعد الصبح، والعصر، لَمْ يُؤْمَنْ التمادي فيها إلى الأوقات المنهي عنها، وهي حين طلوع الشمس، وحين غروبها، هذا مذهب ابن عمر، قال: أما أنا فلا أنهى أحدًا يصلي من ليل، أو نهار، غير أن لا يتحرى طلوع الشمس ولا غروبها، فإن رسول اللَّه -﵃- عن ذلك، ذكره عبد الرزاق، قال العراقيّ: وهو في «صحيح البخاريّ». قال ابن عبد البرّ: هو قول عطاء، وطاوس، وعمرو بن دينار، وابن جريج، ورُوِيَ عن ابن مسعود مثله، وهو مذهب عائشة، قالت: أوهم عمر، إنما نهى رسول اللَّه -ﷺ- عن الصلاة أن يتحرى بها طلوع الشمس، أو غروبها. وقال محمد بن سيرين: تكره الصلاة في ثلاث ساعات: بعد صلاة العصر، وبعد الصبح، ونصف النهار في شدة الحرّ، وتحرم في ساعتين حين يطلع قرن الشمس حتى يستوي طلوعها، وحين تصفر حتى يستوي غروبها. انتهى. وهو مذهب رابع؛ لأن المذكورين قبله لَمْ يكرهوا الصلاة بعد الصبح، والعصر، وهذا كرهها. قال في «الطرح»: فإن قلت: هذا مذهب الحنفية؛ لأنهم اقتصروا في كتبهم على الكراهة في هاتين الصورتين، وعَبَّرُوا في الصور الأخرى بعدم الجواز. قلت: هو كذلك، ومع ذلك، فيخالفهم؛ لأنه ضم حالة الاستواء إلى هاتين الصورتين في الكراهة، وهم ضمّوها إلى طلوع الشمس وغروبها في عدم الجواز. وذهب محمد بن جرير الطبريّ إلى التحريم في حالتي الطلوع، والغروب، والكراهة فيما بعد العصر، والصبح. ثم قال ابن عبد البرّ: وقال آخرون: لا يجوز بعد الصبح؛ أي: ويجوز بعد العصر، وممن ذهب إليه ابن عمر، ثم روى بإسناده عن قدامة بن إبراهيم بن محمد بن حاطب، قال: ماتت عمتي، وقد أوصت أن يصلي عليها عبد اللَّه بن عمر، فجئته حين صلينا الصبح، فأعلمته، فقال: اجلس، فجلست حتى طلعت الشمس، وصَفَت، ثم قام، فصلى عليها، قالوا: فهذا ابن عمر، وهو يبيح الصلاة بعد العصر، قد كرهها بعد الصبح. فهذه مذهب خامس في المسألة، وبه قال ابن حزم الظاهري: مَنَعَ الصلاةَ بعد صلاة الصبح، وجوّزها بعد صلاة العصر إلى الاصفرار؛ لحديث الركعتين، ولحديث عليّ -﵁-: «أن النبيّ -ﷺ- نَهَى عن الصلاة بعد العصر، إلَّا والشمس مرتفعةٌ»، وهو في «سنن أبي داود»، وإسناده صحيح، وزاد عليه داود الظاهريّ، فجوّزها إلى غروب الشمس، ورأى النهيَ عن ذلك منسوخًا. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: أرجح الأقوال عندي قول من قال: إن الصلاة في هذه الأوقات ممنوعة، مطلقًا، إلَّا ذوات الأسباب، وهذا مذهب الشافعي، وطائفة من الصحابة، وطائفة من التابعين، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- . والمراد بذوات الأسباب: هي التي لها سبب متقدّم عليها، مثل الفائتةِ، فريضةً كانت أو نافلةً، وصلاةِ الجنازة، وسجودِ التلاوة، والشكرِ، وصلاةِ الكسوف، وصلاةِ الاستسقاء، وصلاةِ الطواف، وركعتي الوضوء، وتحية المسجد، ونحوِ ذلك. وكذا يستثنى من النهي الصلاةُ بعد الحصر، والشمسُ بيضاءُ نَقِيَّةٌ. أما استثناء ذوات الأسباب؛ فللأدلة الكثيرة: (منها): حديث أنس -﵁- أن النبيّ -ﷺ- قال: «من نَسِيَ صلاة، أو نام عنها، فكفارتها أن يُصَلِيها إذا ذكرها»، متفق عليه، واللفظ لمسلم، ففيه دلالةٌ على أن من تذكر، أو استيقظ في هذه الأوقات، فعليه أن يصلي الصلاة. (ومنها): حديث أم سلمة -﵂- أن النبيّ -ﷺ-: صلى ركعتين بعد العصر، فلما انصرف، قال: «يا بنت أبي أمَيَّةَ سألتِ عن الركعتين بعد العصر، إنه أتاني ناس من عبد القيس بالإسلام من قومهم، فشغلوني عن اللتين بعد الظهر، فهما هاتان الركعتان، بعد العصر»، رواه الشيخان. (ومنها): أن عائشة -﵂- قالت: «صلاتان لَمْ يكن النبيّ -ﷺ- يدعهما سرًا، ولا علانية: ركعتان قبل صلاة الصبح، وركعتان بعد صلاة العصر»، رواه الشيخان. (ومنها): حديث يزيد بن الأسود -﵁- قال: شهدت مع رسول اللَّه -ﷺ- حجته، وصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخيف، فلما قضى صلاته، وانحرف، إذا هو برجلين في آخر القوم، لَمْ يصليا معه، قال: «عَلَيَّ بهما»، فجيء بهما، تَرْعَدُ فرائصهما، قال: «ما منعكما أن تصليا معنا؟» فقالا: يا رسول اللَّه إنا قد كنا صلينا في رحالنا، قال: «فلا تفعلا، فإذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة، فصليا معهم، فإنها لكما نافلة»، رواه أبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وغيرهم، قال الترمذيّ: حديث حسن صحيح. انتهى . أقول: ففي هذا الحديث إباحة النافلة بعد الصبح؛ لما ذكرنا. قال الإمام ابن حبان -﵀- في «صحيحه»: أخبرنا محمد بن إسحاق بن خزيمة، ووصيف بن عبد اللَّه الحافظ بـ «أنطاكية»، قالا: حدثنا الربيع بن سليمان، قال: حدثنا أسد بن موسى، قال: حدثنا الليث بن سعد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن أبيه، عن جدّه قيس بن قهد «أنه صلى مع رسول اللَّه -ﷺ- الصبح، ولم يكن ركع ركعتي الفجر، فلما سلّم رسول اللَّه -ﷺ-، قام يركع ركعتي الفجر، ورسول اللَّه -ﷺ-، ينظر إليه، فلم ينكر ذلك عليه». انتهى . أقول: هذا إسناد صحيح. وكذا ما ورد في تحية المسجد يوم الجمعة، والإمام يخطب، مع أن الوقت وقت استماع، للخطبة، ففي رواية الشيخين من حديث جابر -﵁- مرفوعًا: «إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، وقد خرج الإمام، فليصلّ ركعتين»، وفي رواية مسلم: «إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، والإمام يخطب، فليركع ركعتين، وليتجوّز فيهما». فأمرُه -ﷺ- الداخل حال الخطبة بصلاة ركعتين، والتجوّز فيهما يدل على أن تحية المسجد تجوز، وإن كان الوقت وقت استماع الخطبة، ومثله الأوقات المذكورة، واللَّه -تعالى- أعلم. وأما استثناء الصلاة بعد العصر، والشمسُ مرتفعة، فلحديث عليّ -﵁- قال: «نَهَى رسول اللَّه -ﷺ- عن الصلاة بعد العصر، إلَّا أن تكون الشمس بيضاءَ نَقِيَّة مرتفعة»، وهو حديث صحيح، أخرجه أبو داود، والنسائيّ بإسناد صحيح. والحاصل أن أقوى المذاهب في هذه المسألة مذهب من قال: إن ذوات الأسباب تجوز في هذه الأوقات دون ما سواها؛ للأدلة التي ذُكِرَتْ وغيرها، وكذا الصلاةُ بعد العصر، والشمس مرتفعة؛ لما ذُكر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ثم رأيت شيخ الإسلام ابن تيميّة -﵀- قد حقّق هذا الموضوع في «الفتاوى الكبرى» أحببت أن أختم البحث به؛ لنفاسته، قال -﵀-: ومن هذا الباب فعل الصلاة التي لها سبب، مثل تحية المسجد بعد الفجر والعصر، فمن العلماء من يستحب ذلك، ومنهم من يكرهه كراهة تحريم، أو تنزيه، والسنة إما أن تستحبه، وإما أن تكرهه، والصحيح قول من استحب ذلك، وهو مذهب الشافعيّ، وأحمد في إحدى الروايتين، اختارها طائفة من أصحابه، فإن أحاديث النهي عن الصلاة في هذه الأوقات، مثل قوله -ﷺ-: «لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس»، عموم خصوص خُصَّ منها صلاة الجنائز باتفاق المسلمين، وخُصّ منها قضاء الفوائت بقوله: «من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح»، وقد ثبت عن النبيّ -ﷺ- أنه قضى ركعتي الظهر بعد العصر، وقال للرجلين اللذين رآهما لم يصليا بعد الفجر في مسجد الخيف: «إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة، فصليا معهم، فإنها لكما نافلة»، وقد قال: «يا بني عبد مناف، لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت، وصلى فيه أية ساعة شاء، من ليل أو نهار». فهذه النصوص تُبَيِّن أن ذلك العموم خرجت منه صُوَرٌ، وأما قوله -ﷺ-: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين»، فهو أمر عامّ لَمْ يُخَصّ منه سورة، فلا يجوز تخصيصه بعموم مخصوص، بل العموم المحفوظ أولى من العموم المخصوص. وأيضًا فإن الصلاة والإمام على المنبر أشدّ من الصلاة بعد الفجر والعصر، وقد ثبت عنه في «الصحيح» أنه -ﷺ- قال: «إذا دخل أحدكم المسجد، والإمام يخطب، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين»، فلما أمر بالركعتين في وقت هذا النهي، فكذلك في وقت ذلك النهي وأولى، ولأن أحاديث النهي في بعضها: «لا تتحرَّوا بصلاتكم»، فنهى عن التحري للصلاة ذلك الوقت، ولأن
مصادر المؤلف (٨)

١. وفي نسخة: «وحدّثنا».

٢. «المفهم» ٢/ ٤٥٧.

٣. «شرح مسلم» ٦/ ١١٠.

٤. راجع: «الفتح» ٢/ ٧١.

٥. «طرح التثريب» ٢/ ١٨٥ - ١٨٧.

٦. انظر: «مجموع الفتاوى» ٢٣/ ١٩.

٧. راجع: «المجموع» ٤/ ١٧١ - ١٧٢.

٨. «صحيح ابن حبان» ٢/ ٤٩.