HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٨٣٧

وحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ (وَهُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ قَالَ: كُنَّا بِالْمَدِينَةِ. فَإِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ لِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ ابْتَدَرُوا السَّوَارِيَ. فَيَرْكَعُونَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ. حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ الْغَرِيبَ لَيَدْخُلُ الْمَسْجِدَ فَيَحْسِبُ أَنَّ الصَّلَاةَ قَدْ صُلِّيَتْ، مِنْ كثرة من يصليهما.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص212
ج ١ ص ٥٧٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٦ ص٦٥٨
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٥/ ١٩٣٨] (٨٣٦)، و(أبو داود) في «الصلاة» (١٢٨٢)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢١١٨ و٢١١٨)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٨٨٥)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٣٩] (٨٣٧) - (وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَهُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كُنَّا بِالْمَدِينَةِ، فَإِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ لِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ ابْتَدَرُوا السَّوَارِيَ، فَيَرْكَعُونَ رَكْعَتَيْن رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ الْغَرِيبَ لَيَدْخُلُ الْمَسْجِدَ، فَيَحْسَبُ أَنَّ الصَّلَاةَ قَدْ صُلِّيَتْ، مِنْ كَثْرَةِ مَنْ يُصَلِّيهِمَا). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الْحَبَطيّ الأُبُلّيّ، أبو محمد، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمِي بالقدر، من صغار [٩] (ت ٦ أو ٢٣٥) وله بضع وتسعون سنةً (م د س) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٧. ٢ - (عَبْدُ الْوَارِثِ) بن سعيد بن ذَكْوان الْعَنْبَريّ مولاهم، أبو عُبيدة التَّنُّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمِي بالقدر، ولم يثبت عنه [٨] (١٨٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٨/ ١٧٦. ٣ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ) البنانيّ البصريّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٠) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣. ٤ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) ذُكر قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، كسابقه، وهو (١٢٢) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، كما أسلفته آنفًا. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، وشيخه أُبُلّيّ، وأُبُلّة قرية من قرى البصرة، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) -﵁- أنه (قَالَ: كُنَّا بِالْمَدِينَةِ) النبويّة على ساكنها أفضل الصلاة وأزكى السلام (فَإِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ لِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ) وفي رواية الإسماعيليّ: «إذا أخذ في أذان المغرب» (ابْتَدَرُوا) أي: تسارع الصحابة -﵃-، وفي رواية البخاريّ من طريق سفيان، عن عمرو بن عامر، عن أنس -﵁-: «لقد رأيت كبار أصحاب النبيّ -ﷺ- يبتدرون السواري» وفي رواية النسائيّ: «قام ناس من أصحاب النبيّ -ﷺ-»، وفي «الكبرى» له: «فيبتدر لُبَابُ أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-» (السَّوَارِيَ) جمع سارية، وهي الأُسطوانة، وكأنّ غرضهم بالاستباق إليها الاستتار بها ممن يمر بين أيديهم؛ لكونهم يصلّون فرادى، قاله في «الفتح». (فَيَرْكَعُونَ) وفي نسخة: «فركعوا» بصيغة الماضي (رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ) أي: يصلّي كلّ واحد لنفسه ركعتين (حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ الْغَرِيبَ) أي: الذي جاء من خارج المدينة (لَيَدْخُلُ الْمَسْجِدَ) النبويّ (فَيَحْسِبُ) بفتح السين المهملة عند الأكثرين، ويجوز كسرها عند بعضهم، قال الفيّوميّ -﵀-: حسِبْتُ زيدًا قائمًا أحسَبُهُ، من باب تَعِبَ في لغة جميع العرب، إلَّا بني كِنَانة، فإنهم يكسرون المضارع مع كسر الماضي أيضًا على غير قياس حِسابًا، بمعنى ظننتُ. انتهى؛ أي: فيظنّ الرجل الغريب (أَنَّ الصَّلَاةَ) أي: فريضة المغرب (قَدْ صُلِّيَتْ) بالبناء للمفعول، وقوله: (مِنْ كَثْرَةِ مَنْ يُصَلِّيهِمَا) «من» الأولى بالكسر تعليليّة، و«مَن» الثانية بالفتح موصولة؛ أي: ذلك كائنٌ من أجل كثرة المصلّين. [تنبيه]: زاد في رواية البخاريّ والنسائيّ في آخر هذا الحديث: «ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء»، وهو من رواية عمرو بن عامر الأنصاريّ، عن أنس بن مالك -﵁-، ودونك نصّ البخاريّ: (٦٢٥) حدّثنا محمد بن بشار، قال: حدّثنا غندر، قال: حدّثنا شعبة، قال: سمعت عمرو بن عامر الأنصاريّ، عن أنس بن مالك، قال: «كان المؤذّن إذا أذَّن، قام ناس من أصحاب النبي -ﷺ- يبتدرون السواري، حتى يخرج النبيّ -ﷺ-، وهم كذلك يصلون الركعتين قبل المغرب، ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء»، قال عثمان بن جَبَلَة، وأبو داود، عن شعبة: «لَمْ يكن بينهما إلَّا قليل». انتهى. وقوله: «ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء» التنوين فيه للتكثير؛ أي: لَمْ يكن بين الأذان والإقامة شيء كثير من الزمن. قال الحافظ -﵀-: وبالتقرير الذي ذكرناه يندفع قول من زعم أن الرواية المعلقة معارضة للرواية الموصولة، بل هي مبيِّنة لها، ونفيُ الكثير يقتضي إثبات القليل، وقد أخرج المعلَّقة الإسماعيليّ موصولة من طريق عثمان بن عمر، عن شعبة بلفظ: «وكان بين الأذان والإقامة قريبٌ»، ولمحمد بن نصر من طريق أبي عامر، عن شعبة نحوه. وقال ابن المنيِّر -﵀-: يُجْمَع بين الروايتين بحمل النفي المطلق على المبالغة مجازًا، والإثبات للقليل على الحقيقة. وحمل بعض العلماء حديث الباب على ظاهره، فقال: دَلَّ قوله: «ولم يكن بينهما شيء» على أن عموم قوله: «بين كل أذانين صلاة» مخصوص بغير المغرب، فإنهم لَمْ يكونوا يصلّون بينهما، بل كانوا يشرعون في الصلاة في أثناء الأذان، ويفرغون مع فراغه، قال: ويؤيد ذلك ما رواه البزار من طريق حيان بن عبيد اللَّه، عن عبد اللَّه بن بُريدة، عن أبيه مثل حديث عبد اللَّه بن مغفّل الآتي في الباب التالي، ولفظه: «بين كل أذانين صلاة -ثلاثًا- لمن شاء» الأول، وزاد في آخره: «إلَّا المغرب». انتهى. قال الحافظ -﵀-: وفي قوله: «ويفرغون مع فراغه» نظرٌ؛ لأنه ليس في الحديث ما يقتضيه، ولا يلزم من شروعهم في أثناء الأذان ذلك. وأما رواية حيان -وهو بفتح المهملة، والتحتانية- فشاذّة؛ لأنه، وإن كان صدوقًا عند البزار، وغيره، لكنه خالف الحفاظ من أصحاب عبد اللَّه بن بريدة في إسناد الحديث ومتنه. وقد وقع في بعض طرقه عند الإسماعيليّ: وكان بريدة يصلي ركعتين قبل المغرب، فلو كان الاستثناء محفوظًا لَمْ يخالف بريدة روايته. وقد نقل ابن الجوزيّ في «الموضوعات» عن الفلاس أنه كذَّب حيانًا المذكور. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: سيأتي قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى- تحقيق القول في رواية حَيَّان لن عبيد اللَّه المذكورة، وأن حيان الذي كذّبه الفلاس ليس هو، بل هو حيان بن عبد اللَّه مكبرًا، أبو جبلة الدارميّ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٥/ ١٩٣٩] (٨٣٧)، و(البخاريّ) في «الصلاة» (٥٠٣) و«الأذان» (٦٢٥)، و(النسائيّ) في «الأذان» (٦٨٢) و«الكبرى» (١٦٤٦)، و(ابن ماجه) في «إقامة الصلاة» (١١٦٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١٢٩ و١٩٩ و٢٨٠ و٢٨٢)، و(الدارميّ) في «سننه» (١٤٤٨)، و(عبد بن حميد) في «مسنده» (١٣٣٢)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١٢٨٨)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢١٢٠)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٨٨٦)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في مذاهب أهل العلم في حكم الصلاة قبل المغرب: قال الإمام الترمذيُّ -﵀- في «جامعه»: وقد اختلف أصحاب النبيّ -ﷺ- في الصلاة قبل المغرب، فلم ير بعضهم الصلاة قبل المغرب، وقد روي عن غير واحد من أصحاب النبيّ -ﷺ-: أنهم كانوا يصلون قبل صلاة المغرب ركعتين، بين الأذان والإقامة، وقال أحمد وإسحاق: إن صلّاهما فحَسَنٌ، وهذا عندهما على الاستحباب. انتهى. وقال في «الفتح»: وقال القرطبيّ وغيره: ظاهر حديث أنس -﵁-: أن الركعتين بعد المغرب، وقبل صلاة المغرب كان أمرًا أقر النبيّ -ﷺ- أصحابه عليه، وعملوا به، حتى كانوا يستبقون إليه، وهذا يدلّ على الاستحباب، وكأن أصله قوله -ﷺ-: «بين كل أذانين صلاة»، وأما كونه -ﷺ- لَمْ يصلهما، فلا ينفي الاستحباب، بل يدلّ على أنهما ليستا من الرواتب، وإلى استحبابهما ذهب أحمد، وإسحاق، وأصحاب الحديث. ورُوي عن ابن عمر، قال: ما رأيت أحدًا يصليهما على عهد النبيّ -ﷺ-، وعن الخلفاء الأربعة، وجماعة من الصحابة أنهم كانوا لا يصلونهما. وهو قول مالك، والشافعيّ، وادَّعَى بعض المالكية نسخهما، فقال: إنما كان ذلك في أول الأمر، حيث نُهِي عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، فبيّن لهم في ذلك وقت الجواز، ثم ندب إلى المبادرة إلى المغرب في أول وقتها، فلو استمرت المواظبة على الاشتغال بغيرها لكان ذلك ذريعة إلى مخالفة إدراك أول وقتها. وتُعُقّب بأن دعوى النسخ لا دليل عليها. والمنقول عن ابن عمر رواه أبو داود من طريق طاوس عنه، ورواية أنس المثبتة مقدمة على نفيه. والمنقول عن الخلفاء الأربعة رواه محمد بن نصر وغيره من طريق إبراهيم النخعيّ عنهم، وهو منقطع، ولو ثبت لَمْ يكن فيه دليل على النسخ، ولا الكراهة. وقد أخرج البخاريّ في أبواب التطوع عن مرثد بن عبد اللَّه اليزنيّ، قال: «أتيت عقبة بن عامر الجهني، فقلت: إلا أعجبك من أبي تميم -يعني: الجيشاني- يركع ركعتين قبل صلاة المغرب، فقال: عقبة: إنا كنا نفعله على عهد رسول اللَّه -ﷺ-، قلت: فما يمنعك الآن؟ قال: الشغل»، فلعل غيره أيضًا منعه الشغل. وقد رَوَى محمد بن نصر وغيره من طرق قوية عن عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وأُبي بن كعب، وأبي الدرداء، وأبي موسى، وغيرهم: أنهم كانوا يواظبون عليهما. وأما قول أبي بكر ابن العربيّ: اختَلَف فيها الصحابة، ولم يفعلها أحد بعدهم، فمردود بقول محمد بن نصر: وقد روينا عن جماعة من الصحابة والتابعين أنهم كانوا يصلون الركعتين قبل المغرب. ثم أخرج ذلك بأسانيد متعددة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلي، وعبد اللَّه بن بريدة، ويحيى بن عقيل، والأعرج، وعامر بن عبد اللَّه بن الزبير، وعراك بن مالك، ومن طريق الحسن البصريّ أنه سئل عنهما؟ فقال: حسنتين -واللَّه- لمن أراد اللَّه بهما. وعن سعيد بن المسيِّب أنه كان يقول: حقّ على كل مؤمن إذا أذن المؤذن أن يركع ركعتين. وعن مالك قول آخر باستحبابهما. وعند الشافعية وجه رجحه النوويّ، ومن تبعه، وقال في «شرح مسلم»: قول من قال: إن فِعْلَهُما يؤدي إلى تأخير المغرب عن أول وقتها خَيَال فاسد منابذ للسنة، ومع ذلك فزمنهما زمن يسير، لا تتأخر به الصلاة عن أول وقتها. قال الحافظ -﵀-: ومجموع الأدلة يرشد إلى استحباب تخفيفهما، كما في ركعتي الفجر. قيل: والحكمة في الندب إليهما رجاء إجابة الدعاء؛ لأن الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد، وكلما كان الوقت أشرف كان ثواب العبادة فيه أكثر. واستدل بحديث أنس -﵁- على امتداد وقت المغرب، وليس بواضح. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ثم بدا لي أن أنقل ما ذكره محمد بن نصر بتمامه من مختصره للعلامة أحمد بن علي المقريزي -رحمهما اللَّه تعالى- إتمامًا للفائدة، حيث إن المسألة مهمّة جدًّا، فلا بدّ من تحقيق ما ثبت عن السلف -﵏- فيها. قال -﵀-: «باب الركعتين قبل المغرب»: قال اللَّه تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فأجمع أهل العلم على أن الشمس إذا غربت فقد دخل الليل، وحَلّ فطر الصائم، وجاء الخبر عن النبي -ﷺ- بأنه نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، فإذا غربت الشمس فقد حلّت الصلاة، والصلاة في جميع الأوقات مندوب إليها، مرغب فيها، إلَّا الأوقات التي نهى النبيّ -ﷺ- عن الصلاة فيها، فإن الصلاة في الليل من أوله إلى آخره مباح مندوب إليه، لَمْ ينه عن الصلاة في شيء من ساعاته، فكل صلاة بعد غروب الشمس إلى طلوع الفجر، فهي من صلاة الليل، والفضائل التي جاءت لصلاة الليل مشتملة على صلاة الليل كله، وإن كانت الصلاة في بعض أوقاته أفضل منها في بعض. وقد روي عن جماعة من الصحابة والتابعين أنهم كانوا يصلون قبل المغرب ركعتين. وثبت عن النبيّ -ﷺ- أنه أَذِنَ في ذلك لمن أراد أن يصلي، وفُعِل على عهده بحضرته، فلم ينه عنه. حدثنا وهب بن بقية، أخبرني خالد بن عبد اللَّه، عن الجريريّ، عن عبد اللَّه بن بريدة، عن عبد اللَّه بن مغفل المزنيّ -﵁-: أن النبيّ -ﷺ- كان يقول: «بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاةٌ، بين كل أذانين صلاة، لمن شاء». حدثنا محمد بن عبيد، ثنا عبد الوارث بن سعيد، ثنا حسين المعلم، عن عبد اللَّه بن بريدة، عن عبد اللَّه المزني. قال: كتبته، فنسيته، لا أدري عبد اللَّه بن معقل، أو مغفل -﵁-، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «صلوا قبل المغرب ركعتين، صلوا قبل المغرب ركعتين، صلوا قبل المغرب ركعتين، لمن شاء» خشية أن يتخذها الناس سنة. حدثنا إسحاق، أخبرنا سويد بن عبد العزيز، ثنا ثابت بن عجلان، عن سليم بن عامر، عن عبد اللَّه بن الزبير، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «ما من صلاة مفروضة، إلَّا وبين يديها سجدتان»، قال محمد بن نصر: يعني: ركعتين. حدثنا إسحاق، ومحمد بن يحيى، قالا: ثنا أبو عامر العقدي، عن شعبة، عن عمرو بن عامر، قال: سمعت أنس بن مالك -﵁- يقول: «كان المؤذن يؤذن على عهد رسول اللَّه -ﷺ- لصلاة المغرب، فيبتدر لباب أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- السواري، يصلون الركعتين قبل المغرب، حتى يخرج رسول اللَّه -ﷺ-، وهم يصلون». زاد محمد بن يحيى: قال: وكان بين الأذان والإقامة يسير. وعن المختار بن فُلْفُل، قال: سألت أنس بن مالك -﵁-، قلت: هل من صلاة بعد العصر؟ قال: لا، حتى تغيب الشمس، قلت: فإذا غابت؟ قال: ركعتين، قلت: قبل الصلاة؟ قال: نعم. قلت: هل رأيت رسول اللَّه -ﷺ-؟ قال: لا، قلت: فهل رآكم تصلّونهما؟ قال: نعم. قلت: أكان أمركم بهما؟ قال: لا، ولا نهانا عنهما، كان إذا أذن المؤذن قام أحدنا فصلى ركعتين. وعن ثابت، عن أنس: «كان أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- يبتدرون السواري إذا أذن المؤذن لصلاة المغرب، يصلون الركعتين قبل المغرب». وعن ثابت، عن أنس: «كان رسول اللَّه -ﷺ- يخرج إلينا بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب، فيرانا نصلي، فلا ينهانا، ولا يأمرنا». وفي رواية: «إن كان المؤذن ليؤذن، فيتبادر ناس من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- السواري، فيصلون ركعتين، في يعاب ذلك عليهم». وفي أخرى: «كنا بالمدينة إذا أذن بالمغرب ابتدر القوم السواري، يصلّون الركعتين، حتى إن الغريب ليدخل المسجد فيرى أن الصلاة قد صليت، من كثرة من يصليهما». وفي أخرى: «ثم إذا صليت العصر، فلا تصلّ حتى تغرب الشمس، فإذا غربت الشمس، فصلّ ركعتين، فإن أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- كذلك كانوا يفعلون». وعن أبي الخير: رأيت أبا تميم الجيشاني يركع الركعتين حين يسمع أذان المغرب، فأتيت عقبة بن عامر الجهني، فقلت له: إلا أعجبك من أبي تميم الجيشاني -عبد اللَّه بن مالك- يركع ركعتين قبل المغرب، وأنا أريد أن أغمصه، فقال عقبة: إنا كنا نفعله على عهد رسول اللَّه -ﷺ-، قلت: فما يمنعك الآن؟ قال: الشغل. وعن عبد الرحمن بن عوف، قال: كنا نركعهما، إذا زاحمنا؛ يعني: بين الأذان والإقامة في المغرب. وعن زِرّ: قدمت المدينة، فلزمت عبد الرحمن بن عوف، وأُبي بن كعب، فكانا يصليان قبل صلاة المغرب، لا يدعان ذلك. وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى: أدركت أصحاب محمد -ﷺ-، وهم يصلّون عند كل تأذين. وعن رغبان مولى حبيب بن مسلمة، قال: لقد رأيت أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- يهبّون إليهما، كما يهبّون إلى المكتوبة؛ يعني: الركعتين قبل المغرب. وعن راشد بن يسار: أشهد على خمسة ممن بايع تحت الشجرة أنهم كانوا يصلّون ركعتين قبل المغرب. وعن يحيى بن أيوب: حدثني ابن طاوس، عن أبيه طاوس: أن أبا أيوب الأنصاري صلى مع أبي بكر -﵁- بعد غروب الشمس قبل الصلاة، ثم لَمْ يصلّ مع عمر -﵁-، ثم صلى مع عثمان -﵁-، فذكر ذلك له، فقال: إني صليت مع النبيّ -ﷺ-، ثم صليت مع أبي بكر، وفَرِقْتُ من عمر، فلم أصلّ معه، وصليت مع عثمان، إنه ليّن. قال محمد بن نصر: وهذا عندي، وهمٌ، إنما الحديث في الركعتين بعد العصر، لا في الركعتين قبل المغرب؛ لأن المعروف عن عمر أنه كان ينكر ركعتين بعد العصر، ويضرب عليهما، فأما الركعتان قبل المغرب فلا، وقد رواه معمر، عن ابن طاوس على ما قلنا، وهو أحفظ من يحيى بن أيوب، وأثبت. وعن خالد بن معدان: أنه كان يركع ركعتين بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب، لَمْ يدعهما حتى لقي اللَّه، وكان يقول: إن أبا الدرداء كان يركعهما، ويقول: لا أدعهما، وإن ضربت بالسياط. وقال عبد اللَّه بن عمرو الثقفي: رأيت جابر بن عبد اللَّه يصلي ركعتين قبل المغرب. وعن يحيى بن سعيد، أنه صحب أنس بن مالك إلى الشام، فلم يكن يترك ركعتين عند كل أذان. وسئل سعيد بن المسيب، عن الركعتين قبل المغرب؟ فقال: ما رأيت فقيهًا يصليهما، ليس سعد بن مالك، وفي رواية: كان المهاجرون لا يركعون الركعتين قبل المغرب، وكانت الأنصار يركعونهما، وكان أنس يركعهما. وعن مجاهد: قالت الأنصار: لا نسمع أذانًا إلَّا قمنا فصلينا. وعن الحسن بن محمد بن الحنفية، أنه كان يقول: إن عند كل أذان ركعتين. وسئل قتادة عن الركعتين قبل المغرب؟ فقال: كان أبو برزة -﵁- يصليهما. وسأل رجل ابن عمر، فقال: ممن أنت؟ قال: من أهل الكوفة، قال: من الذين يحافظون على ركعتي الضحي، فقال: وأنتم تحافظون على الركعتين قبل المغرب، فقال ابن عمر: كنا نحدَّث أن أبواب السماء تفتح عند كل أذان. وعن ابن عباس: صلاة الأوابين ما بين الأذان وإقامة المغرب. وعن سويد بن غفلة: كنا نصلي الركعتين قبل المغرب، وهي بدعة ابتدعناها في إمرة عثمان بن غفلة، وعن عبد اللَّه بن بريدة: كان يقال: ثلاث صلوات، صلاة الأوابين، وصلاة المنيبين، وصلاة التوابين، صلاة الأوابين ركعتان قبل صلاة الصبح، وصلاة المنيبين صلاة الضحي، وصلاة التوابين ركعتان قبل المغرب. وكان عبد اللَّه بن بريدة، ويحيى بن عقيل يصليان قبل المغرب ركعتين. وعن الحكم: رأيت عبد الرحمن بن أبي ليلى يصلي قبل المغرب ركعتين. وسئل الحسن عنهما؟ فقال: حسنتين -واللَّه- جميلتين لمن أراد اللَّه بهما، وعن سعيد بن المسيب: حقّ على كل مؤمن إذا أذن المؤذن يركع ركعتين، وكان الأعرج، وعامر بن عبد اللَّه بن الزبير يركعهما. وأوصى أنس بن مالك ولده أن لا يدعوهما. وعن مكحول: على المؤذن أن يركع ركعتين على إثر التأذين، وعن الحكم بن الصلت: رأيت عراك بن مالك إذا أذن المؤذن بالمغرب قام، فصلى سجدتين قبل الصلاة، وعن السكن بن حكيم: رأيت علباء بن أحمر اليشكري إذا غربت الشمس قام فصلى ركعتين قبل المغرب. وعن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر: إن كان المؤذن ليؤذن بالمغرب، ثم تقرع المجالس من الرجال، يقومون يصلّونهما. وعن الفضل بن الحسن: أنه كان يقول: الركعتان اللتان تصليان بين يدي المغرب صلاة الأوابين. وقال أحمد بن حنبل: في الركعتين قبل المغرب أحاديث جياد، أو قال: صحاح عن النبيّ -ﷺ-، وأصحابه، وذكر حديث النبيّ -ﷺ-، فقال: إلَّا أنه قال: لمن شاء، فمن شاء صلي، قيل له: قبل الأذان، أم بين الأذان والإقامة؟ فقال: بين الأذان والإقامة، ثم قال: وإن صلى إذا غربت الشمس، وحلّت الصلاة؛ أي: فهو جائز، قال: هذا شيء ينكره الناس، وتبسم كالمتعجب ممن ينكر ذلك، وسئل عنهما؟ فقال: أنا لا أفعله، وإن فعله رجل لَمْ يكن به بأس. ذكر من لم يركعهما من الصحابة: عن النخعيّ، قال: كان بالكوفة من خيار أصحاب النبيّ -ﷺ- علي بن أبي طالب، وعبد اللَّه بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وأبو مسعود، وعمار بن ياسر، والبراء بن عازب، فأخبرني من رمقهم كلهم، فما رأى أحدًا منهم يصليهما قبل المغرب. وفي رواية: إن أبا بكر، وعمر، وعثمان، كانوا لا يصلون الركعتين قبل المغرب. وقيل لإبراهيم: إن ابن أبي الهذيل كان يصلي قبل المغرب ركعتين، فقال: إن ذاك لا يعلم. قال محمد بن نصر: ليس في حكاية هذا الذي رُوي عن إبراهيم أنه رمقهم، فلم يرهم يصلونهما دليل على كراهتهم لهما، إنما تركوهما؛ لأن تركهما كان مباحًا، ألا ترى أن النبيّ -ﷺ- نفسه لَمْ يرو عنه أنه ركعهما، غير أنه رغّب فيهما، وكان ترغيبه فيهما أكثر من فعله لو فعلهما من غير أن يرغّب فيهما، وقد يجوز أن يكون أولئك الذين حكى عنهم من حكى أنه رمقهم، فلم يرهم يصلّونهما قد صلوهما في غير الوقت الذي رمقهم هذا. ويجوز أن يكون النبيّ -ﷺ- قد ركعهما في بيته حيث لَمْ يره الناس؛ لأن أكثر تطوعه كان في منزله. وكذلك الذين رمقوا بعد النبيّ -ﷺ- يجوز أن يكونوا قد صلّوا في بيوتهم، ولذلك لَمْ يرهم الذي رمقهم يصلّونهما، فإن كثيرًا من العلماء كانوا لا يتطوعون في المسجد. عن زيد بن وهب، قال: لما أذَّن المؤذن للمغرب قام رجل، فصلى ركعتين، وجعل يلتفت في صلاته، فعلاه عمر بالدرة، فلما قضى الصلاة، قال: يا أمير المؤمنين، نعم ما كسوت، قال: رأيتك تتلفت في حلاتك، ولم يعب الركعتين. حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد، ثني أبي، ثنا حسين، عن ابن بريدة: أن عبد اللَّه المزني حدثه أن رسول اللَّه -ﷺ- صلى قبل المغرب ركعتين، ثم قال: «صلوا قبل المغرب ركعتين»، ثم قال عند الثالثة: «لمن شاء»، خاف أن يحسبها الناس سنة. قال العلامة أحمد بن علي المقريزيّ في «مختصر قيام الليل»: هذا إسناد صحيح على شرط مسلم، فإن عبد الوارث بن عبد الصمد احتجّ به مسلم، والباقون احتج بهم الجماعة. وقد صحّ في ابن حبان حديث آخر أن النبيّ -ﷺ- صلى ركعتين قبل المغرب. انتهى . [تنبيهات]: (الأول): وقع في سند محمد بن نصر سقَطٌ، وهو قول عبد الصمد: «حدثني أبي»، ونص «صحيح ابن حبان» (٣/ ٥٩): أخبرنا محمد بن إسحاق بن خزيمة، حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثنا أبي، حدثني أبي، حدثنا حسين المعلم، عن عبد اللَّه بن بريدة، أن عبد اللَّه المزني، حدثه «أن رسول اللَّه -ﷺ- صلى قبل المغرب ركعتين»، ثم قال: «صلوا قبل المغرب ركعتين»، ثم قال عند الثالثة: «لمن شاء» خاف أن يحسبها الناس سنة. (الثاني): وقع في نسخة «الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان» نقص، وهو قوله: «ثم قال: صلوا قبل المغرب ركعتين»، فألحقه المحقِّق من الأصل: «الأنواع والتقاسيم»، كما ذكر في تعليقه، جزاه اللَّه خيرًا على ذلك. (الثالث): في قول المقريزيّ: «وقد صح في ابن حبان حديث آخر» نظر؛
مصادر المؤلف (٤)

١. وفي نسخة: «فركعوا».

٢. «الفتح» ٢/ ١٢٧ - ١٢٨.

٣. «الفتح» ٢/ ١٢٨.

٤. «مختصر قيام الليل» ص ٢٩ - ٣٢.