رسول اللَّه -ﷺ-: «إن في الجمعة لساعةً -وقال محمد-: ساعةً لا يوافقها مسلم، وهو يصلي، يسأل اللَّه فيها -وقال محمد-: يسأل ربه شيئًا إلا أعطاه إياه» -وقال محمد-: «آتاه إياه». انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٩٧٥] (٨٥٣) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمِ، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا مَخْرَمَةُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، قَالَ: قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: أَسَمِعْتَ أَباكَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي شَأْنِ سَاعَةِ الْجُمُعَةِ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الْإِمَامُ إِلَى أَنْ تُقْضَى الصَّلَاةُ»).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد اللَّه بن عمرو بن السَّرْح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٠.
٢ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمِ) -بمعجمتين، وزانُ جعفر- المروزيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) أو بعدها، وقارب المائة (م ت س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٥.
٣ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) ثم المصريّ، تقدّم قبل بابين.
٤ - (أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) المصريّ المعروف بابن التستريّ، تقدّم قبل بابين.
٥ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه بن وهب، تقدّم قبل باب.
٦ - (مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْر) بن عبد اللَّه بن الأشجّ، أبو الْمِسْوَر المدنيّ، صدوقٌ، وروايته عن أبيه وِجَادةٌ من كتابه، قاله أحمد، وابن معين، وغيرهما، وقال ابن المدينيّ: سمع من أبيه قليلًا [٧] (ت ١٥٩) (بخ م د س) تقدم في «الطهارة» ٤/ ٥٥٤.
٧ - (أَبُوهُ) بُكَير بن عبد اللَّه بن الأشجّ، مولى بني مخزوم، أبو عبد اللَّه،
أو أبو يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥] (ت ١٢٠) وقيل: بعدها (ع) تقدم في «الطهارة» ٤/ ٥٥٤.
٨ - (أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ) قيل: اسمه عامر، وقيل: الحارث، ثقةٌ [٣] (١٠٤) وقيل غير ذلك، وقد جاز الثمانين (ع) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٧١.
٩ - (أَبُوهُ) عبد اللَّه بن قيس بن سُلَيم بن حَضَّار أبو موسى الأشعريّ الصحابي المشهور، أَمَّره عمر، ثم عثمان -﵁-، وهو أحد الْحَكَمين بِصِفِّين، مات سنة خمسين، وقيل: بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٧١.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ) أنه (قَالَ: قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب -﵄- (أَسَمِعْتَ أَبَاكَ) أي: أبا موسى الأشعريّ -﵁- (يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي شَأْنِ سَاعَةِ الْجُمُعَةِ؟) أي: في بيان وقت ساعة إجابة الدعاء التي في يوم الجمعة (قَالَ) أبو بردة (قُلْتُ: نَعَمْ، سَمِعْتُهُ) أي: أباه أبا موسى -﵁- (يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «هِيَ) أي: الساعة التي في يوم الجمعة (مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الْإِمَامُ) أي: جلوسه للخطبة، قال أبو داود: يعني: على المنبر؛ أي: المراد بجلوس الإمام في الحديث جلوسه عقب صعوده على المنبر للخطبة.
(إِلَى أَنْ تُقْضَى) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله قوله: (الصَّلَاةُ») أي: إلى تمام الصلاة، والفراغ منها.
وقال الطيبيُّ -﵀-: قوله: «هي بين أن يجلس الإمام»: أي: ما بين الخطبتين إلى أن يفرغ الإمام من الصلاة، قال: أصل الكلام يقتضي أن تقترن لفظة «بين» بطرفي الزمان، فيقال: بين أن يجلس، وبين أن تُقضى، إلا أنه أتى بـ «إلى»، فبيّن أن جميع الزمان المبتدأ من الجلوس إلى انقضاء الصلاة تلك الساعة الشريفة، و«إلى» هذه مقابلة «من» في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: ٥] فإن «من» هناك لتحقيق الابتداء، فيلزم منه الانتهاء، كما أن «إلى» ها هنا لتحقيق الانتهاء، فيلزم منه الابتداء، قال في «الكشّاف»: لو قيل: بيننا وبينك حجابٌ لكان المعنى أن حجابًا حاصلٌ وسط الجهتين، فأما
بازدياد «مِنْ» فالمعنى: أن الحجاب ابتدأ منا، وابتدأ منك، فالمسافة المتوسّطة بجهتنا وجهتك مستوعبة بالحجاب، لا فراغ فيها. انتهى كلام الطيبيُّ -﵀- .
وقال في «المرعاة»: والحديث نصّ في أن ساعة الإجابة فيما بين جلوس الإمام على المنبر للخطبة إلى تمام الصلاة، وليس المراد أنها تستوعب جميع الوقت الذي عُيِّنَ، بل المعنى أنها تكون في أثنائه؛ لقوله فيما مضى: «يُقلّلها»، وقوله: «ساعة خفيفة»، وفائدة ذكر الوقت أنها تنتقل فيه، فيكون ابتداء مظنّتها ابتداء الخطبة، وانتهاؤها انتهاء الصلاة. انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي بُردة بن أبي موسى الأشعريّ، عن أبيه هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في «تخريجه»:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦/ ١٩٧٥] (٨٥٣)، و(أبو داود) في «الصلاة» (١٠٤٩)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١٧٣٩)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢٥٥١ و٢٥٥٢)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٩٢١)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (١٠٥١)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): هذا الحديث مما استدركه الإمام أبو الحسن الدارقطنيُّ -﵀- على مسلم -﵀-، وقال: لم يُسنده غير مخرمة، عن أبيه، عن أبي بردة، ورواه جماعة عن أبي بردة من قوله، ومنهم مَن بلغ به أبا موسى ولم يرفعه، قال: والصواب أنه من قول أبي بردة، كذلك رواه يحيى القطان، عن الثوريّ، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، وتابعه واصل الأحدب، ومجالد، روياه عن أبي بردة من قوله.
وقال النعمان بن عبد السلام، عن الثوريّ، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبيه، موقوفًا، ولا يثبت قوله: «عن أبيه».
وقال أحمد بن حنبل، عن حماد بن خالد: قلت لمخرمة: سمعت من أبيك شيئًا؟ قال: لا. هذا كلام الدارقطني -﵀-.
قال النوويُّ -﵀-: وهذا الذي استدركه بناه على القاعدة المعروفة له، ولأكثر المحدثين أنه إذا تعارض في رواية الحديث وقف ورفع، أو إرسال واتّصال حكموا بالوقف والإرسال، وهي قاعدة ضعيفة ممنوعة، والصحيح طريقة الأصوليين والفقهاء، والبخاريّ ومسلم، ومحققي المحدثين، أنه يُحْكَم بالرفع والاتّصال؛ لأنها زيادةُ ثقةٍ، وقد سبق بيان هذه المسألة واضحًا في الفصول السابقة في مقدمة الكتاب، وسبق التنبيه على مثل هذا في مواضع أُخَرَ بعدها، وقد رَوَينا في «سنن البيهقيّ» عن أحمد بن سَلَمة، قال: ذاكرت مسلم بن الحجاج -﵀- حديث مخرمة هذا، فقال مسلم: هو أجود حديث، وأصحّه في بيان ساعة الجمعة. انتهى كلام النوويُّ .
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي ادّعاه النوويُّ -﵀- من أن ما ذهب إليه الدارقطنيّ مذهب ضعيف، وأن مذهب المحقّقين، ومنهم البخاريّ ومسلم دائمًا تقديم الرفع والاتّصال هو الضعيف، فليس كما زعمه، كما أوضحناه غير مرّة، بل مذهب المحقّقين، ومنهم الشيخان أنهم ينظرون في القرائن المحتفّة، فإن اقتضت تقديم الرفع والاتّصال على الوقف والإرسال سلكوه، وإن اقتضت العكس عملوا به، فتنبّه لهذا الأمر المهمّ.
والحاصل أن انتقاد الدارقطنيّ لهذا الإسناد قويّ؛ لقوّة حجّته، فالحديث مقطوع من قول أبي بردة، وليس مرفوعًا، وإنما رفعه مخرمة، وفيه علّتان: الانقطاع والاضطراب، وقد أجاد الحافظ في «الفتح» البحث فيه فقال ما حاصله: حديث أبي موسى -﵁- هذا أُعِلّ بالانقطاع والاضطراب، أما الانقطاع فلأن مخرمة بن بكير لم يسمع من أبيه، قاله أحمد، عن حماد بن خالد، عن مخرمة نفسه، وكذا قال سعيد بن أبي مريم، عن موسى بن سلمة، عن مخرمة، وزاد: إنما هي كُتُب كانت عندنا، وقال عليّ ابن المدينيّ: لم أسمع أحدًا من أهل المدينة يقول عن مخرمة: إنه قال في شيء من حديثه: سمعت أبي.