HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٨٥٧

حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ (يَعْنِي ابْنَ زُرَيْعٍ). حَدَّثَنَا رَوْحٌ عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنِ اغْتَسَلَ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ، فَصَلَّى مَا قُدِّرَ لَهُ. ثُمَّ أَنْصَتَ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ خُطْبَتِهِ. ثُمَّ يُصَلِّي مَعَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى، وَفَضْلُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج3 ص8
ج ٢ ص ٥٨٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٧ ص١٩٧
وقوله: (مَثَّلَ الْجَزُورَ) قال النوويّ -﵀-: هكذا ضبطناه: الأول «مَثَّلَ» بتشديد الثاء، وفتح الميم. و«الْجَزُورُ» قال الفيّوميّ -﵀-: «الْجَزُور» من الإبل خاصّة يقع على الذكر والأنثى، والجمع جُزُر مثلُ رسول ورُسُل، ويجمع أيضًا على جُزُرات، ثم على جزائر، ولفظ الْجَزُور أُنثى، يقال: رَعَت الْجَزور، قاله ابن الأنباريّ، وزاد الصغانيّ: وقيل: الْجَزُور: الناقة التي تُنْحَر، وجَزَرتُ الجزورَ وغيرها، من باب قَتَل: نَحَرْتها، والفاعل: جَزّار، والْحِرْفةُ: الْجِزَارة بالكسر، والْمَجْزَر: موضع الْجَزْر، مثل جَعْفَر، وربما دخلته الهاء، فقيل: مَجْزَرةٌ. انتهى . وقوله: (ثُمَّ نَزَّلَهُمْ) بتشديد الزاي، مبنيًّا للفاعل؛ أي: ذَكَر النبيّ -ﷺ- منازلهم في السبق والفضيلة. وقوله: (حَتَّى صَغَّرَ) بتشديد الغين المعجمة، مبنيًّا للفاعل أيضًا. وقوله: (إِلَى مَثَلِ الْبَيْضَةِ) بفتح الميم، والثاء المخففة. وقوله: (وَحَضَرُوا الذِّكْرَ) وفي نسخة: «وحضروا للذكر»؛ أي: لسماع الخطبة. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٠) - (بَابُ بَيَانِ فَضْلِ مَنِ اسْتَمَعَ، وَأَنْصَتَ إِلَى الْخُطْبَةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٨٧] (٨٥٧) - (حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، يَعْنِي ابْنَ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «مَنِ اغْتَسَلَ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَة، فَصَلَّى مَا قُدِّرَ لَهُ، ثُمَّ أَنْصَتَ، حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ خُطْبَتِهِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَعَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى، وَفَضْلُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ) الْعَيْشيُّ، أبو بكر البصريّ، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٣١) (خ م س) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣٢. ٢ - (يَزِيدُ بْنَ زُريعٍ) أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (١٨٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣٢. ٣ - (رَوْحُ) بن القاسم التميميّ الْعَنْبَريّ، أبو غَيَاث البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٦] (ت ١٤١) (خ م د س ق) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣٢. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين، ونصفه الثاني بالمدنيين. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه، وفيه أبو هريرة -﵁- أحفظ من روى الحديث في دهره. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-) أنه (قَالَ: «مَنِ اغْتَسَلَ)»من«شرطيّة، والفعل مبنيّ للفاعل، جوابها:»غُفِرَ له. . . إلخ«. والمراد أنه اغتسل للجمعة؛ لحديث:«إذا أتى أحدكم الجمعة، فليغتسل»، متّفقٌ عليه، أو مطلقًا، وفيه دلالة على أنه لا بدّ في إحرازه لما ذُكر من الأجر من الاغتسال، إلا أن في الرواية الآتية بيان أن غسل الجمعة سنّة، وليس بواجب، وقيل: ليس فيها نفي الغسل، وقد ذُكر الغسل في هذه الرواية، فيَحْتَمِل أن يكون ذكر الوضوء في الرواية التالية لمن تقدّم غسله على الذهاب، فاحتاج إلى إعادة الوضوء . (ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ) أي: الموضع الذي تقام فيه صلاة الجمعة، كما يدلّ عليه قوله: (فَصَلَّى) أي: من مطلق النوافل (مَا قُدِّرَ لَهُ) بتشديد الدال، مبنيًّا للمفعول، وفيه دليلٌ على مشروعيّة الصلاة قبل الجمعة، وأنه لا حدّ لها، وليس لها سنّة قبلية بعدد معيّن، كما يزعمه بعض الناس، وسيأتي تمام البحث في هذا في آخر أبواب الجمعة، عند شرح حديث:«إذا صلّيتم بعد الجمعة، فصلّوا أربعًا»-إن شاء اللَّه تعالى- (ثُمَّ أَنْصَتَ) أي: سكت مستمعًا، يقال: أنصت الرجل للقارئ: إذا استمع له، يتعدّى بالحرف، وقد يُحذف الحرف، فيقال: أنصت القارئ، ويقال أيضًا: نصت له ثلاثيًّا، من باب ضرب . وقال النوويّ -﵀-: قوله -ﷺ-:«ثم أنصت»، هكذا هو في أكثر النسخ المحقَّقة المعتمدة ببلادنا، وكذا نقله القاضي عياض عن الجمهور، ووقع في بعض الأصول المعتمدة ببلادنا:«انتصت»، وكذا نقله القاضي عن الباجيّ، وآخرون:«انتصت»بزيادة تاء مثناة فوقُ، قال: وهو وَهَمٌ. قال النوويّ: قلت: ليس هو وَهَمًا، بل هي لغة صحيحة، قال الأزهريّ في«شرح ألفاظ المختصر»: يقال: أنصت، ونَصَتَ، وانتصت، ثلاث لغات. انتهى . (حَتَّى يَفْرُغَ) بضمّ الراء، ويجوز فتحها، يقال: فَرَغ من الشّغْل فُرُوغًا، من باب قَعَدَ، وفرغَ يَفْرَغُ، من باب تَعِبَ لغة لبني تميم، والاسم الفَرَاغ، قاله في«المصباح». (مِنْ خُطْبَتِهِ) قال النوويّ -﵀-: هكذا هو في الأصول من غير ذكر الإمام، وعاد الضمير إليه؛ للعلم به، وإن لم يكن مذكورًا. انتهى . (ثُمَّ يُصَلِّي مَعَهُ) بالرفع عطفًا على«ثم أنصت»(غُفِرَ لَهُ) بالبناء للمفعول (مَا بَيْنَهُ) أي: ذنوب ما بينه (وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الأُخْرَى) أي: الماضية، لا المستقبلة؛ لما رواه النسائيّ من حديث سلمان -﵁- مرفوعًا:«ما من رجل يتطهّر يوم الجمعة. . . »الحديث، وفيه:«إلا كان كفّارةً لما قبله من الجمعة»، وفي رواية ابن خزيمة:«غفر له ما بينه وبين الجمعة التي قبلها». (وَفَضْلُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ«) أي: من الأيام التي تأتي بعد يوم الجمعة. وقوله: «فَضْلُ» مرفوعٌ عطفًا بالواو بمعنى «مع» على «ما» في قوله: «ما بينه»؛ أي: بين يوم الجمعة الذي فعل فيه ما ذُكِرَ مع زيادة ثلاثة أيّام على السبعة؛ أي: وغُفِرت له ذنوب ثلاثة أيام مع السبعة؛ لتكون الحسنة بعشر أمثالها. ويجوز جرّ «فضل» عطفًا على «الجمعة»، ونصبه على المفعول معه. وقال النوويّ -﵀-: وقوله -ﷺ-: «وفضل ثلاثة أيام»، وكذا قوله الآتي: «وزيادة ثلاثة أيام» هو بنصب «فضل»، و«زيادة» على الظرف. قال الجامع عفا اللَّه عنه: كون النصب على الظرف محلّ تأمّل، بل الظاهر أن النصب على المفعول معه، إلا أن يريد بالظرف معنى المفعول معه، وهو غريبٌ، فليُتأمّل، واللَّه تعالى أعلم. قال: قال العلماء: معنى المغفرة له ما بين الجمعتين، وثلاثة أيام أن الحسنة بعشر أمثالها، وصار يوم الجمعة الذي فَعَلَ فيه هذه الأفعال الجميلة في معنى الحسنة التي تُجْعَل بعشر أمثالها، قال بعض أصحابنا: والمراد بما بين الجمعتين من صلاة الجمعة وخطبتها إلى مثل الوقت من الجمعة الثانية، حتى تكون سبعة أيام بلا زيادة ولا نقصان، ويضم إليها ثلاثة فتصير عشرة. انتهى . [فإن قلت]: أخرج البخاريّ في «صحيحه» عن سلمان الفارسيّ -﵁-، قال: قال النبيّ -ﷺ-: «لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع، من طهر، ويَدَّهن من دهنه، أو يَمَسّ من طيب بيته، ثم يخرج، فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كُتب له، ثم يُنصت إذا تكلم الإمام، إلا غُفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى»، فقد اقتصر فيه على غفران ذنوب أيام الأسبوع فقط، فكيف التوفيق بينه وبين حديث الباب؟. [قلت]: يُجاب بأنه -ﷺ- أخبر أولًا أن الغفران لأيام الأسبوع، ثم تفضّل اللَّه تعالى بزيادة ثلاثة أيام، فأخبر به، وذلك بأن الحسنة بعشر أمثالها؛ فضلًا من اللَّه ونعمة، والحمد والشكر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٠/ ١٩٨٧] (٨٥٧)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٧٨٠)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٩٣٢)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (١٠٥٩)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل الجمعة، وفضيلة الغسل لها، وهو مستحبّ عند الجمهور؛ لقوله في الرواية التالية: «من توضّأ، فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة. . .» الحديث. ٢ - (ومنها): بيان فضل الاستماع، والإنصات للخطبة. ٣ - (ومنها): بيان فضل الصلاة قبل الجمعة من غير عدد معيّن؛ لقوله -ﷺ-: «فصلّى ما قُدّر له». ٤ - (ومنها): أن فيه دليلًا على أن النهي عن الكلام إنما هو في حال الخطبة، لا بعد الفراغ منها، ولو قبل الصلاة، فإنه لا نهي عنه، كما دلّت عليه لفظة: «حتى يفرغ من خطبته». ٥ - (ومنها): بيان أن الحسنة بعشر أمثالها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٩٨٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَنْ تَوَضَّأَ، فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ، فَاسْتَمَعَ، وَأَنْصَتَ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ، وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَمَنْ مَسَّ الْحَصَى فَقَدْ لَغَا»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيُّ الأصلِ، ثقةٌ حافظٌ صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٣ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء تقدّم قبل باب. ٤ - (أَبُو مُعَاوِيةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، عَمِي وهو صغير، ثقةٌ، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، من كبار [٩] (ت ١٩٥) وله اثنتان وثمانون سنةً، وقد رُمِي بالإرجاء (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧. ٥ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْرَان، تقدّم قبل باب أيضًا. والباقيان ذُكرا قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتّحاد كيفيّة تحمّله منهم، وهو السماع من لفظهم مع غيره، ثم فرّق بينهم؛ لاختلافهم في كيفيّة التحمّل، وذلك أن يحيى سمع قراءة القارئ على أبي معاوية، ولذا قال: «أخبرنا»، والآخران سمعا من لفظه مع غيرهما، ولذا قالا: «حدّثنا»، فتنبّه لهذه الدقائق الإسناديّة. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخيه يحيى، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، وأبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أن شيخه أبا كريب أحد مشايخ الأئمة الستّة بلا واسطة، وهم تسعة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى يحيى، فنيسابوريّ، وأبي هريرة، وأبي صالح، فمدنيّان. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة -﵁- رأس المكثرين من الرواية، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَنْ) شرطيّة، كما تقدّم قريبًا (تَوَضَّأَ) قد استدلّ به الجمهور على أن غسل الجمعة سنّة، غير واجب وجوب الفرض الذي يأثم تاركه، قال القرطبيّ -﵀-: ذَكَرَ فيه الوضوء واقتصر عليه دون الغسل، ورتَّب عليه الصحّة والثواب عليه، فدلّ على أن الوضوء كافٍ، من غير غسل، وأن الغسل ليس بواجب. انتهى . وقد تقدّم بيان الخلاف في هذه المسألة مع ترجيح ما ذهب إليه الجمهور من سنّيّة الغسل للجمعة بأدلّته في شرح قوله -ﷺ-:»غسل الجمعة واجب على كل محتلم«، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. (فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ) أي: أتى بمكملاته من سننه ومستحبّاته، قال النوويّ -﵀-: معنى إحسان الوضوء: الإتيان به ثلاثًا ثلاثًا، ودلك الأعضاء، وإطالة الغرّة والتحجيل، وتقديم الميامن، والإتيان بسننه المشهورة. انتهى. (ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ) أي: أتى المسجد لأداء صلاة الجمعة، وقال القاري -﵀-: أي: حضر خطبتها وصلاتها. انتهى. (فَاسْتَمَعَ، وَأَنْصَتَ) قال النوويّ -﵀-: هما شيئان متمايزان، وقد يجتمعان، فالاستماع الإصغاء، والإنصات السكوت، ولهذا قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ الآية [الأعراف: ٢٠٤]. (غُفِرَ لَهُ) بالبناء للمفعول جواب «من» (مَا) موصولة نائب فاعل «غُفِر»، وهي واقعة على الذنوب؛ أي: الذنوب التي (بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ) أي: السابقة، وهي سبعة أيّام؛ بناءً على أن الحساب من وقت الصلاة إلى مثله من الثانية، فبزيادة ثلاثة أيام تتم العشرة. قال الإمام ابن حبّان -﵀- بعد إخراجه هذا الحديث ما نصّه: قد يَتَوهّم من لم يَسْبُرْ صناعة الحديث أن الجمعة إلى الجمعة ثمانية أيّام، وليس كذلك؛ لأن النبيّ -ﷺ- لم يقل غُفِر له من الجمعة إلى الجمعة، فوقتُ الجمعة زوال الشمس، فمن زوال الشمس يومَ الجمعة إلى زوال الشمس يوم الجمعة الأخرى سبعة أيّام، وقوله: «وزيادة ثلاثة أيّام» تمام العشرة، قال اللَّه جلّ وعلا: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وهذا مما نقول في كتبنا: إن المرء قد يَعْمَل طاعةً اللَّه جلّ وعلا، فيغفر اللَّه له بها ذنوبًا لم يكتسبها بعدُ. انتهى . وقوله: (وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) تقدّم أنه يجوز فيه أوجه الأعراب الثلاثة: الرفع عطفًا على «ما»، والنصب على المفعوليّة معه، والجرّ عطفًا على «الجمعة» (وَمَنْ مَسَّ الْحَصَى) أي: لتسويتها، سواءٌ مسّها في الصلاة، أو قبلها في حال الخطبة بطريق اللعب (فَقَدْ لَغَا«) قال القرطبيّ -﵀-: أي: فقد أتى لغوًا من الفعل، أو القول، قال الهرويّ: لغا: تكلّم بما لا يجوز له، وقيل: لغا عن الصواب؛ أي: مال عنه، وقال النضر بن شُميل: خاب، ألغيته خيّبته، وقال ابن عرفة: اللغو الشيء الْمُسْقَطُ؛ أي: الملغَى، يقال: لغا يلغو، ولَغِيَ يَلْغَى. انتهى . وقال النوويّ -﵀-: وفيه النهيُ عن مسّ الحصا وغيره من أنواع العبث في حالة الخطبة، وفيه إشارة إلى إقبال القلب والجوارح على الخطبة، والمراد باللغو هنا الباطل المذموم المردود. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: وفي هذا الحديث ما يدلّ على وجوب الإقبال على استماع الخطبة، والتجرّد لذلك، والإعراض عن كل ما يَشْغَلُ عنها، ولذلك قال النبيّ -ﷺ-: «إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أَنْصِتْ، والإمام يخطب، فقد لغوت»، متّفقٌ عليه. وهو حجة للجمهور على وجوب الإنصات للخطبة على من كان سامعًا، وذُكر عن الشعبيّ، والنخعيّ، وبعض السلف أنه ليس بواجب إلا عند تلاوة القرآن، وهذه الأحاديث حجةٌ عليهم. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تقدّم البحث في هذا مستوفًى في المسألة الثالثة، والرابعة من شرح حديث أبي هريرة -﵁- مرفُوعًا الماضي في [١٩٦٥] (٨٥١): «إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت. . .» الحديث، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا من أفراد المصنف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٠/ ١٩٨٨] (٨٥٧)، و(أبو داود) في «الصلاة» (١٠٥٠)، و(الترمذيّ) في «الصلاة» (٤٩٨)، و(ابن ماجه) في «إقامة الصلاة» (١٠٩٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٤٢٤)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١٧٥٦ و١٨١٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٧٧٩)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٩٣٣)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٣٣٦)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
مصادر المؤلف (١٤)

١. «المصباح المنير»١/ ٩٨.

٢. راجع:«المرعاة»٤/ ٤٥٨.

٣. راجع:«المصباح المنير»٢/ ٦٠٧.

٤. «شرح النوويّ»٦/ ١٤٦ - ١٤٧.

٥. «المصباح المنير»٢/ ٤٧٠.

٦. «شرح النووي»٦/ ١٤٧.

٧. لكن وقع في رواية الإمام أحمد بلفظ:«والجمعة المقبلة»، وبعض ألفاظه:«والجمعة التي بعدها»، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم.

٨. «شرح النوويّ»٦/ ١٤٧.

٩. وفي نسخة: «حدّثنا».

١٠. «المفهم» ٢/ ٤٧٩.

١١. «الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان» ٧/ ١٨ رقم (٢٧٧٩).

١٢. «المفهم» ٢/ ٤٨٧ - ٤٨٨.

١٣. «شرح النووي» ٦/ ١٤٧.

١٤. «المفهم» ٢/ ٤٨٨.