HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٨٦٥

وحَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ. حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ (وَهُوَ ابْنُ سَلَّامٍ) عَنْ زَيْدٍ (يَعْنِي أَخَاهُ) أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ مِينَاءَ؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَأَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَاهُ؛ أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ، عَلَى أَعْوَادِ مِنْبَرِهِ. «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ. أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ. ثُمَّ لَيَكُونُنَّ من الغافلين».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج3 ص10
ج ٢ ص ٥٩١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, سنن النسائي, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٧ ص٢٤٧
(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ٢٠٠١] (٨٦٤)، و(النسائيّ) في «الجمعة» (١٣٩٧) و«الكبرى» (١٧١٢)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٩٤٧)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٣/ ١٩٦ و١٩٧)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعية قيام الإمام على المنبر في حال الخطبة، وهذا مما لا خلاف فيه، وإنما الخلاف في اشتراطه، وقد تقدّم تحقيقه. ٢ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة -﵃- من شدّة الغضب على من خالف السنة، ولو كان ممن تجب طاعته، واحترامه من ولاة الأمور؛ لأنه لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق. ٣ - (ومنها): ذمّ الاشتغال بالتجارة، واللَّهو، وإيثار ذلك عن ذكر اللَّه وطاعته، قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩)﴾ [المنافقون: ٩]، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٤) - (بَابُ التَّغْلِيظِ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٠٢] (٨٦٥) - (وحَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيةُ، وَهُوَ ابْنُ سَلَّامٍ، عَنْ زيدٍ يَعْنِي: أَخَاهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ مِينَاءَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَاهُ، أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ عَلَى أَعْوَادِ مِنْبَرِهِ: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ) هو: الحسن بن عليّ بن محمد الْهُذَليّ، أبو عليّ الخلال الْحُلْوَانيّ -بضم المهملة- نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١١] (ت ٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٤. ٢ - (أَبُو تَوْبَةَ) الربيع بن نافع، الحلبيّ، نزيل طَرَسُوس، ثقةٌ حجةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٤١) (خ م د س ق) تقدم في «الحيض» ٧/ ٧٢٢. ٣ - (مُعَاوِيَة بْنُ سَلَّامٍ) -بتشديد اللام- ابن أبي سلّام، أبو سلّام الدمشقيّ، وكان يسكن حِمْصَ، ثقةٌ [٧] مات في حدود سنة (١٧٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٩/ ٣٠٩. ٤ - (زَيْدُ) بن سلّام بن أبي سلّام الحَبَسيّ الدمشقيّ، ثقة [٦] (بخ م ٤) تقدم في «الطهارة» ١/ ٥٤٠. ٥ - (أَبُو سَلَّامٍ) مَمْطُور الأسود الحَبَشيّ الأعرج الدمشقيّ، ويقال: النُّوبي، وقيل: إن الحَبَشيّ نسبة إلى حَيّ من حمير، ثقة يرسل [٣] (بخ م ٤) تقدم في «الطهارة» ١/ ٥٤٠. ٦ - (الْحَكَمُ بْنُ مِينَاءَ) -بكسر الميم، بعدها تحتانية، ثم نون، ومدٌّ- الأنصاريّ مولاهم المدني، صدوق [٢]. رأى بلالًا -﵁- يمسح على الخفّين، ورَوَى عن أبي هريرة، وعائشة، وابن عُمر، وابن عباس، وغيرهم -﵃-. ورَوَى عنه ابنه شُبَيث، وأبو سلّام الأسود، وسعد بن إبراهيم، وغيرهم. قال أبو زرعة: ثقة، وقال أبو حاتم: مدنيّ يُروَى عنه، وقال ابن سعد: شهد أبوه ميناء تبوك مع النبيّ -ﷺ-، وعن أبي حاتم: شيخ، وذكره ابن حبّان في «الثقات». أخرج له المصنّف، وأبو داود في «فضائل الأنصار»، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له عندهم إلا حديث الباب فقط، وهو مختلف في إسناده، كما سيأتي -إن شاء اللَّه تعالى-. والصحابيّان -﵄- تقدّما قريبًا. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالتحديث، والسماع إلا في موضع. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه. ٤ - (ومنها): أن صحابييه من المكثرين السبعة من الصحابة -﵃-. شرح الحديث: (عَنْ زيدٍ يَعْنِي: أَخَاهُ) أي: أخا معاوية، والظاهر أن العناية من المصنّف، ويَحْتَمِل أن يكون من غيره، وكذا القول في «وهو ابن سلّام» (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ) يعني: أباه، واسمه ممطور، كما مرّ آنفًا، وقوله: (قَالَ) جملة حاليّة من المفعول (حَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ مِينَاءَ) بكسر الميم (أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ) -﵄-. [تنبيه]: هكذا في رواية المصنّف من طريق أبي توبة، عن معاوية بن سلام، عن زيد، عن أبي سلام، عن الحكم بن ميناء: «أن عبد اللَّه بن عمر، وأبا هريرة حدّثاه»، فجعله من مسند ابن عمر، وأبي هريرة -﵄-. ووقع في رواية النسائيّ، من طريق الحضرميّ لن لاحق، عن زيد، عن أبي سلّام، عن الحكم بن ميناء «أنه سمع ابن عبّاس، وابن عمر»، فجعله من مسند ابن عبّاس بدل أبي هريرة -﵄-. ورواية المصنّف هي المحفوظة؛ ويؤيّد ذلك أن النسائيّ رواها في «الكبرى» (١/ ٥١٦) فقال: (١٦٥٩) أخبرني إبراهيم بن يعقوب، قال: نا سعيد بن الربيع، قال: نا عليّ بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلّام، عن أبي سلّام، عن الحكم بن مينا، عن ابن عمر، وابن عباس، قال عليّ: ثم كتب به إليّ عن ابن عمر وأبي هريرة، أنهما سمعا رسول اللَّه -ﷺ- يقول على أعواد منبره: «لينتهين أقوام عن وَدْعِهم الجمعات، أو ليختمن على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين». وأيضًا فقد رواه محمد بن شعيب بن شابور، والوليد بن مسلم، عن معاوية بن سلّام، كما قال أبو توبة، قاله في «تحفة الأشراف» . قال البيهقي: ورواية معاوية بن سلام عن أخيه زيد أولى أن تكون محفوظة، واللَّه أعلم . (حَدَّثَاهُ، أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ عَلَى أَعْوَادِ مِنْبَرِهِ) متعلّق بحال مقدّر؛ أي: حال كونه قائمًا على أعواد منبره. و«الأعواد» بالفتح: جمع عُود بالضم؛ أي: على درجات منبره، وقال الصنعانيّ -﵀-: أي: منبره الذي كان من عُود، لا على الذي كان من الطين، ولا على الجذع الذي كان يَستند إليه. انتهى. وفائدة ذكره الدلالةُ على كمال التَّذَكُّرِ، والإشارةُ إلى اشتهار هذا الحديث. («لَيَنْتهِيَن أَقْوَامٌ) اللام موطئة للقسم المقدَّر، والنون المشددة للتوكيد، والجملة جواب القسم المقدَّر؛ أي: واللَّه لينتهينّ أقوام، وإنما أبهمهم كراهيةَ كسر قلوب من يُعَيِّنهم لو عَيَّن أشخاصًا؛ لأن النصيحة، في الملإ فضيحة. (عَنْ وَدْعهِمُ الْجُمُعَات) -بفتح الواو، وسكون الدال-: مصدر وَدَعَ؛ أي: عن تركهم إيّاها، والتخلف عنها من غير عذر، من وَدَعَ الشيءَ يَدَعُهُ وَدْعًا: إذا تركه. وقول النحاة: إن العرب أماتوا ماضيه ومصدره، واسم فاعله، استغناء بتَرَكَ تَرْكًا، فهو تارك: محمول على أن الغالب عدم استعمال ذلك، استغناءً بما هو أخفّ، لا أنهم لم يستعملوا ذلك أصلًا. وقيل: قولهم مردود، والحديث حجة عليهم، قال التوربشتيّ -﵀-: لا عبرة بما قال النحاة، فإن قول النبيّ -ﷺ- هو الحجة القاضية على كلّ ذي لهجة وفصاحة. انتهى. وقال الفيّوميّ -﵀-: وأصل المضارع الكسر، ومن ثَمَّ حُذفت الواو، ثمّ فُتح لمكان حرف الحلق، قال بعض المتقدّمين: وزعمت النحاة أن العرب أماتت ماضيَ «يَدَعُ»، ومصدرَه، واسم الفاعل، وقد قرأ مجاهد، وعروة، ومقاتل، وابن أبي عَبْلَة، ويزيد النحويّ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: ٣] بالتخفيف، وفي الحديث: «ليَنتَهينّ أقوام عن وَدْعهم الجمعات»؛ أي: عن تركهم، فقد رُويت هذه الكلمة عن أفصح العرب، ونُقلت من طريق القُرّاء، فكيف يكون إماتةً، وقد جاء الماضي في بعض الأشعار، وما هذا سبيله، فيجوز القول بقلّة الاستعمال، ولا يجوز القول بالإماتة. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: فمما أنشدوا لاستعمال ماضيه -كما أورده ابن منظور -﵀- قول الشاعر: وَكَانَ مَا قَدَّمُوا لأَنْفُسِهِمْ … أَكْثَرَ نَفْعًا مِنَ الَّذِي وَدَعُوا وقول الآخر: لَيْتَ شِعْرِي عَنْ خَلِيلِي مَا الَّذِي … غَالَهُ حَتَّى وَدَعَهْ وقول الآخر: سَلْ أَمِيرِي مَا الَّذِي غَيَّرَهُ … عَنْ وِصَالِي الْيَوْمَ حَتَّى وَدَعَهْ وقول الآخر: فَسَعَى مَسْعَاتَهُ فِي قَوْمِهِ … ثُمَّ لَمْ يُدْرِكْ وَلَا عَجْزًا وَدَعْ ومن استعمال اسم الفاعل له قوله: فَأَيُّهُمَا مَا أَتْبَعَنَّ فَإِنَّنِي … حَزِينٌ عَلَى تَرْكِ الَّذِي أَنَا وَادِعُ وقول الآخر: عَلَيْهِ شَرِيبٌ لَيِّنٌ وَادِعُ الْعَصَا … يُسَاجِلُهَا حَمَّاتُهُ وَتُسَاجِلُهْ فقول السيوطيّ في «شرحه»: الظاهر أن استعماله هنا من الرواة المولدين الذين لا يُحسنون العربية، غير صحيح، كيف يمكن أن يُغَلّط الرواة الثقات الذين يُعتمد على حفظهم، مع أن أهل اللغة قد أثبتوا استعمال العرب الماضي منه، وقرأ به من قدّمنا ذكره من القرّاء، وكذا أثبتوا له اسم الفاعل، وثبت في هذا الحديث استعمال المصدر له؟، إن هذا لشيء عجيب!!. وغاية ما يقال في مثل هذا: إن استعمال الماضي، والمصدر، واسم الفاعل منه قليل، لا يكثر كثرة استعمال المضارع والأمر منه. قال السنديّ -﵀- ردًّا على كلام السيوطيّ المذكور ما نصه: لا يخفى على من تتبع كتب العربية أن قواعد العربية مبنية على الاستقراء الناقص، دون التامّ عادةً، وهي مع ذلك أكثريّات، لا كليّات، فلا يناسب تغليط الرواة، واللَّه تعالى أعلم. انتهى. (أَوْ لَيَخْتَمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبهِمْ) أي: يَطْبَع عليها، ويُغطّيها بالرَّيْن، قال القاضي عياضٌ -﵀-: أصل الختم التغطية؛ أي: غطّى عليها، ومنعها من الهداية به حتى لا تعرف معروفًا، ولا تُنكر منكرًا، ولا تعي خيرًا، قالوا في قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧]؛ أي: طَبَعَ عليها، قالوا: وأصل الطبع في اللغة: الوسخُ والدنس، واستُعْمِل فيما يُشبهه من الآثام، ومثله الرَّيْنُ، وقيل: الرين أيسر من الطبع، والطبع أيسر من الإقفال، والإقفال أشدّها، وقد اختَلَفَ المتكلّمون في هذا اختلافًا كثيرًا، فقيل: هو إعدام اللطف، وأسباب الخير، والتمكين من أسباب ضدّه، وقيل: هو خَلْق الكفر في قلوبهم، وهو قول أكثر متكلمي أهل السنّة، وقال غيرهم: هو الشهادة عليهم، وقيل: هو علامةٌ جعلها اللَّه تعالى في قلوبهم؛ لتعرف بها الملائكة الفرق بين من يجب مدحه، ومن يجب ذمّه. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الصواب حمل الختم على ظاهره، وأنه -﷿- يجعل على قلوبهم بسبب ذنوبهم شيئًا يمنع قلوبهم عن اتباع الحقّ، ووصول الخير إليه؛ لما أخرجه الترمذي في «جامعه» (٣٣٣٤)، والنسائي في «عمل اليوم والليلة» (٤١٨) وفي «السنن الكبرى» ٦/ ٥٠٩، من حديث أبي هريرة -﵁- عن رسول اللَّه -ﷺ-، قال: «إنّ العبد إذا أخطأ خطيئةً نُكتت في قلبه نُكتة سوداء، فإذا هو نزع، واستغفر، وتاب صُقِّل قلبُهُ، وإن عاد زيد فيها، حتى تَعلُو قلبه، وهو الرَّانُ الذي ذكره اللَّه: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ [المطففين: ١٤]»، قال الترمذيّ: حديث حسن صحيح، وصححه ابن حبّان، والحاكم، ووافقه الذهبيّ، واللَّه تعالى أعلم. قيل: ومن خُتِمَ على قلبه بالرين قد يتيقظ للخير في بعض الأوقات، بخلاف الغافل عن مولاه، فلا يتفطن أصلًا، فلهذا ترقّى، فقال (ثُمَّ لَيَكُونُنَّ) بضم النون الأولى، من الكَوْن، ولفظ أحمد: «ثم ليُكتَبُنّ» من الكتابة (منَ الْغَافلينَ«) أي: من جملة من استولت عليهم الغفلة، ونَسُوا اللَّهَ، فنسيهم، يعني: أنه يُترقىّ بهم في الشرّ إلى هذه المرتبة. قال الطيبيّ -﵀-:»ثمّ» لتراخي الرتبة، فإن كونهم من جملة الغافلين المشهود عليهم بالغفلة أدعى لشَقَائهم، وأنطق بخسرانهم من مطلق كونهم مختومًا عليهم، وقيل: المراد: من الدائمين في الغفلة. وقال القاضي البيضاويّ -﵀-: المعنى: أن أحد الأمرين كائن لا مَحَالةَ، إما الانتهاءُ عن ترك الجمعات، أو ختم اللَّه تعالى على قلوبهم، فإن اعتياد ترك الجمعة يُغَلِّب الرّينَ على القلب، وُيزَهِّد النفوس في الطاعة، وذلك يؤدي بهم إلى أن يكونوا من الغافلين؛ أي: عن اكتساب ما ينفعهم من الأعمال، وعن ترك ما يضرّهم منها. والحديث من أعظم الزواجر عن ترك الجمعة، والتساهل فيها، ومن أدلّة أنها من فروض الأعيان. وهذا كله فيمن تركها تهاونًا وتكاسلًا من غير عذر؛ لِما أخرجه أحمد، وابن ماجه، وصححه ابن خزيمة، وابن حبّان، والحاكم، عن جابر بن عبد اللَّه -﵄- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «من ترك الجمعة ثلاثًا من غير ضرورة، طَبَعَ اللَّه على قلبه». ولما أخرجه أصحاب «السنن» عن أبي الجعد الضمريّ -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «من ترك ثلاث جُمَعٍ؛ تهاونًا بها طَبَع اللَّه على قلبه» ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن عمر، وأبي هريرة -﵃- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٤/ ٢٠٠٢] (٨٦٥)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٩٤٨)، و(الدارميّ) في «سننه» (١٥٧٨)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (١٠٥٤)، وأخرجه (النسائيّ) (١٣٧٠) و«الكبرى» (١٦٥٨ و١٦٥٩) من حديث ابن عبّاس، وابن عمر -﵃-، وكذا (أحمد) في «مسنده» (١/ ٢٣٩ و٢/ ٨٤)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٧٨٥)، وأخرجه (ابن خزيمة) في «صحيحه» (١٨٥٥) من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد الخدريّ -﵄-، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان التشديد في التخلّف عن الجمعة. ٢ - (ومنها): أنه حجة بيّنة، في كون وجوب الجمعة، وكونها فرضًا؛ إذ العقاب، والوعيد، والطبع، والختم إنما يكون على ارتكاب الكبائر، وترك الواجبات. ٣ - (ومنها): استحباب اتّخاذ المنبر للخطبة، وهي سنّة مجمع عليها. ٤ - (ومنها): أن ترك الجمعة تكاسلًا يكون سببًا لختم القلوب، فلا تعرف معروفًا، ولا تنكر منكرًا، بل تكون من الغافلين الذين قال اللَّه تعالى فيهم: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩]. ٥ - (ومنها): أنه ينبغي للواعظ والمذكر أن يُبهم الأشخاص الذين يريد أن يعظهم، ويذكّرهم، ولا يسميهم بأسمائهم؛ لئلا تعود النصيحة عليهم فضيحة، فلا يقبلوها، فقد كان من هدي النبيّ -ﷺ- في مواعظه، وخطبه أن يقول كثيرًا: «ما بال أقوام»، «ما بال رجال»، ولا يسميهم بأسمائهم؛ لأن ذلك أدعى لقبول النصح، وامتثال الأوامر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
مصادر المؤلف (٥)

١. وفي نسخة: «حدّثني».

٢. راجع: «تحفة الأشراف» ٥/ ٣٣٥.

٣. «سنن البيهقي الكبرى» ٣/ ١٧٢.

٤. «إكمال المعلم» ٣/ ٢٦٥.

٥. حديث صحيح، رواه أصحاب السنن، وأحمد، والدارميّ، وصححه ابن خزيمة.