HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٨٧٤

وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ رُؤَيْبَةَ. قَالَ: رَأَى بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ عَلَى الْمِنْبَرِ رَافِعًا يَدَيْهِ. فَقَالَ: قَبَّحَ اللَّهُ هَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ. لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا يَزِيدُ عَلَى أن يقول بيده هكذا. وأشار بإصبعيه المسبحة.
ج ٢ ص ٥٩٥

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٧ ص٣٠٤
ولكنها لم ترفع لها رأسًا، بل تكبّرت، وعاندت الحقّ، ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النور: ٤٦]. ٥ - (ومنها): أن الهداية بيد الله تعالى، فإن النبيّ -ﷺ- مع شدّة حرصه على إيمان قومه، وشدّة مواصلتهم في دعوتهم إلى الحقّ، لم يستطع أن يهدي منهم إلا من شاء الله تعالى هدايته، وقصّة محاولته -ﷺ- في إسلام عمّه أبي طالب أكبر شاهد على ذلك حتى نزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٢]. ٦ - (ومنها): أن أموال أهل الحرب مباحة، يجوز للمسلمين أن يأخذوا منها ما داموا محاربين لهم، وإنما تحرم إذا عقدوا الصلح مع المسلمين، أو دخلوا دار الإسلام بأمان. ٧ - (ومنها): بيان حرمة أموال المسلمين، قليلها وكثيرها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٠٩] (٨٦٩) (حَدَّثَنِي سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبْجَرَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ وَاصِلِ بْنِ حَيانَ، قَالَ: قَالَ أَبُو وَائِلٍ: خَطَبَنَا عَمَّارٌ، فَأَوْجَزَ، وَأَبْلَغَ، فَلَمَّا نَزَلَ قُلْنَا: يَا أَبا الْيَقْظَانِ، لَقَدْ أَبْلَغْتَ، وَأَوْجَزْتَ، فَلَوْ كنْتَ تَنَفَّسْتَ؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «إِن طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ، وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ، وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ، وَإِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا»«. رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ) بن إبراهيم البغداديّ أبو الحارث، مَرُّوذيُّ الأصلِ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (٢٣٥) (خ م س) تقدم في «الإيمان» ٢٥/ ٢٠٩. ٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبْجَرَ) هو: عبد الرحمن بن عبد الملك بن سعيد بن حيان- بمهملة، وتحتانية -ابن أبجر- بموحدة، وجيم، وزن أحمد-الْهَمْدانيّ، ويقال: الكِنَانيّ الكوفي ثقةٌ، من كبار [٩]. رَوَى عن أبيه، والنوريّ، والمفضل بن يونس الجعفيّ. ورَوَى عنه ابنه عبد الملك، وإسماعيل بن محمد بن جُحادة، وهو من أقرانه، ويحى بن عبد الرحمن الأَرْحَبيّ، وسعيد بن محمد الْجَرْميّ، وسريج بن يونس، وغيرهم. قال ابن معين: صالحٌ، وقال ابن سعد: هو كنانيّ، من أَنْفُسهم، وكان خيّرًا فاضلًا، صاحب سنة، وقال العجليّ: كوفيّ ثقةٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: مستقيم الحديث، ووثَّقه الدارقطنيّ، ومحمد بن عبد الله بن نمير. قال ابن نمير، وابن سعد: مات سنة إحدى وثمانين ومائة. تفرّد به المصنّف، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط) ، برقم (٨٦٩) و(٩٩٦». ٣ - (أَبُوهُ) عبد الملك بن سعيد بن حيان بن أبجر الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ [٦] (م دت س) تقدم في «الإيمان» ٩٠/ ٤٧٢. ٤ - (وَاصِلُ بْنُ حَيَّانَ) الأحدب الأسديّ الكوفىّ، بَيَّاع السابِرِيّ) ، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت ١٢٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٢/ ٢٧٩. ٥ - (أَبُو وَائِلٍ) شقيق بن سلمة الأسديّ الكوفيّ، ثقةٌ مخضرمٌ [٢] مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٧. ٦ - (عَمَّارُ) بن ياسر بن عامر بن مالك الْعَنْسيّ -بنون ساكنة، ومهملة- أبو الْيَقْظان، مولى بني مخزوم الصحابي الجليل المشهور -﵁-، قُتِل مع عليّ - ضي الله عنهما- بصفين سنة سبع وثلاثين (ع) تقدم في «الحيض» ٢٧/ ٨٢٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى شيخه، كما مرّ آنفًا. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. ٤ - (ومنها): أن عمّارًا -﵁- صحابي ابن صحابيّين، من السابقين الأولين، ومن البدريّين -﵃ -. [تنبيه]: هذا الإسناد مما استدركه الدارقطنيّ في «التّتبّع»، فقال: تفرد به ابن أبجر، عن واصل، حدّث به ابنه عبد الرحمن، وسعيد بن بشير، وخالفه الأعمش، وهو أحفظ لحديث أبي وائل منه، فحدّث به عن أبي وائل، عن عَمرو بن شُرحبيل، عن عبد الله بن مسعود -﵁- قولَهُ غير مرفوع، قاله الثوريّ وغيره، عن الأعمش. انتهى. وهذا نصّه في «التتبّع») . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الاستدراك لا يؤثّر على غرض المصنّف ﵀؛ لأن ابن أبجر ثقةٌ، تُقبل زيادته، ولا سيّما مع وجود الشواهد، فيكون الحديث مرويًّا بالطريقين. ومما يؤيّد ذلك أن الدارقطنيّ حكم في «العلل» للطريقين بكونهما محفوظين، حيث سئل عن هذا الحديث، فقال: يرويه أبو وائل، واختُلف عنه، فرواه الأعمش، عن أبي وائل، عن عمرو بن شُرَحبيل، عن عبد الله، رواه ابن فضيل، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله موقوفًا، وخالف الأعمشَ واصل بن حَيّان، فرواه عن أبي وائل، عن عمار بن ياسر، عن النبيّ -ﷺ-، تفرّد به عبد الملك بن أبجر، عن واصل، وقد روي هذا الكلام عن عبد الله من وجه آخر موقوفًا؛ أيضًا وروي عن عمار بن ياسر أيضًا من وجهه آخر، رواه عديّ بن ثابت، واختُلف عنه، فرواه العلاء بن صالح، عن عديّ بن ثابت، عن أبي راشد، عن عمار، ورواه مِسْعَر، عن عديّ بن ثابت، عن عمار مرسلًا، والقولان عن أبي وائل محفوظان، قول الأعمش، وقول واصل جميعًا. انتهى حاصل كلام الدارقطنيّ ﵀) . فقد تبيّن من هذا أن الدارقطنيّ ﵀ يرى صحّة الحديث عن الطريقين، وأن الرفع الذي اختاره المصنّف صحيح. ومما يؤيّد هذا أيضًا أن الحديث روي عن عمّار أيضًا مرفوعًا، من وجه آخر، فقد أخرجه أبو داود بسند صحيح إلى أبي راشد، عن عمار بن ياسر قال: أمرنا رسول الله -ﷺ- باقصار الْخُطَب. وأبو راشد وثّقه ابن حبّان، وقال الذهبيّ في «الميزان»: لا يُعرف، فمثله يصلح للاعتبار. ومما يشهد للحديث أيضًا ما تقدّم من حديث جابر بن سمرة -﵄-، قال: كنت أصلي مع رسول الله -ﷺ-، فكانت صلاته قصدًا، وخطبته قصدًا. ويشهد للجزء الأخير حديث ابن عمر فقال: جاء رجلان من المشرق فخطبا، فقال النبي -ﷺ-: «إن من البيان لسحرًا»، رواه البخاريّ. فقد تبيّن بهذا أن حديث عمّار -﵁- هذا صحيح مرفوعًا، كما أراده المصنّف ﵀، كما أنه صحّ أيضًا موقوفًا على ابن مسعود -﵁-، فقد أخرجه البيهقيّ ﵀ في «السنن الكبرى»، بإسناد صحيح، عن الثوريّ، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عمرو بن شُرَحبيل، قال: قال عبد الله: «إن طُول الصلاة، وقِصَر الخطبة مَئِنّة من فقه الرجل». وأخرجه أيضًا بإسناد صحيح عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن عبد الله بن مسعود -﵁-، قال: «أطيلوا هذه الصلاة، وأقصروا هذه الخطبة» -يعني: صلاة الجمعة- انتهى) . والحاصل أن الحديث صحيح، مرفوعًا موقوفًا، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب. شرح الحديث: (عَنْ وَاصِلِ بْنِ حَيَّانَ) بتحتانيّة مشدّدة، أنه (قَالَ: قَالَ أَبُو وَائِلٍ) شقيق ابن سلمة (خَطَبَنَا عَمَّارٌ) أي: ابن ياسر -﵂ - (فَأَوْجَزَ، وَأَبْلَغَ) أي: أبلغ في المعنى، وأوجز في اللفظ، وهذه هي المسمّاة بالبلاغة والفصاحة عند علماء البلاغة (فَلَمَّا نَزَلَ) أي: عن المنبر (قُلْنَا: يَا أَبَا الْيَقْظَانِ) كنية عمّار -﵁- (لَقَدْ أَبْلَغْتَ، وَأَوْجَزْتَ، فَلَوْ كُنْتَ تَنَفَّسْتَ؟) أي: أطلت الكلام شيئًا، يقال: نفّس الله في عمرك؛ أي: أطاله (فَقَالَ) عمّار -﵁- (إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ) أي: إطالتها (وَقصَرَ خُطْبَتِهِ) بكسر القاف، وفتح الصاد؛ أي: تقصيرها (مَئِنَّةٌ) -بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ مَكْسُورَةٌ، ثُمَّ نُونٌ مُشَدَّدَةٌ-؛ أَيْ: عَلَامَة (مِنْ فِقْهِهِ) أي: علامة يتحقّق بها فقهه، فهي مِفْعَلة، بُنيت من»إِنَّ«المكسورة المشدّدة، وحقيقتها مَظِنّة ومكانٌ لقول القائل: إنه فقيهٌ؛ لأن الصلاة مقصودة بالذات، والخطبة توطئة لها، فتُصرف العنايةُ إلى الأهمّ، كذا قيل، أو لأنّ حال الخطبة توجهه إلى الخلق، وحال الصلاة مقصده الخالق، فمن فقاهة قلبه إطالة معراج ربّه، أو لأن الصلاة هي الأصل، والخطبة هي الفرع، ومن القضايا الفقهيّة أن يُؤْثَر الأصل على الفرع بزيادة. وقال الطيبيّ ﵀: قوله:«من فقهه»صفةُ«مَئِنّة»؛ أي: مئِنّةٌ ناشئةٌ من وقال في«النهاية»: أي: ذلك مما يُعرف به فقه الرجل، فكلُّ شيء دلّ على شيء فهو مئنّة له، وحقيقتها أنها مِفْعَلة، من معنى«إِنَّ» التي للتحقيق والتأكيد، غيرُ مشتقّة من لفظها؛ لأن الحروف لا يُشْتَقّ منها، وإنما ضُمِّنت حروفها؛ دلالة على أن معناها فيها، ولو قيل: إنها اشتُقّت من لفظها بعدما جُعلت اسمًا لكان قولًا. ومن أغرب ما قيل فيها: إن الهمزة بدل من ظاء الْمِظَّنة، والميمُ في ذلك كله زائدة، وقال أبو عبيد: معناه أن هذا مما يُستدلّ به على فقه الرجل، قال الأزهريّ: جعل أبو عبيد فيه الميم أصليةً، وهي ميم مِفْعَلة. انتهى) . وقال النوويّ: قال الأزهريّ والأكثرون: الميم فيها زائدة، وهي مِفْعَلة، قال الهرويّ: قال الأزهريّ: غَلِطَ أبو عبيد في جعله الميم أصليةً، قال القاضي عياض: قال شيخنا ابن سراج: هي أصلية. انتهى. وقال الشوكانيّ: وإنما كان إقصار الخطبة علامة فقه الرجل؛ لأن الفقيه هو المطّلع على جوامع الألفاظ، فيتمكّن بذلك من التعبير باللفظ المختصر عن المعاني الكثيرة. انتهى. وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «مَئِنّةٌ من فقهه» الرواية في هذا اللفظ «مَئِنّةٌ» بالهمز والقصر وتشديد النون، ووقع لبعضهم «مائنّة» بالمدّ، وهو غَلَطٌ، وكذلك كلُّ تقييد خالف الأول، قال الأصمعيّ: سألني شعبة عن «مَئِنّة»، فقلت: هو كقولك عَلامة، وخَلِيقٌ، قال أبو زيد: هو كقولك مَخْلَقَةٌ ومَجْدَرَةٌ، قال أبو عبيد: يعني: أن هذا مما يُعْرَف به فقه الرجل، ويُستدل به عليه، قال: وكل شيء دَلَّك على شيء فهو مئنة له، وأنشد لِلْمَرَّار: فَتَهَامَسُوا سِرًّا فَقَالُوا عَرِّسُوا … مِنْ غَيْرِ تَمْئِنَةٍ لِغَيْرِ مُعَرَّسِ قال أبو منصور: والذي رواه أبو عبيد عن الأصمعيّ وأبي زيد في تفسير المئنة صحيحٌ، وأما احتجاجه برأيه ببيت المرَّار في التمئنة للمئنة، فهو غَلَطٌ وسهو؛ لأن الميم في التمئنة أصلية، وهي في مئنة مَفْعِلة، ليست بأصلية. انتهى) . (فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ) بقطع الهمزة، من الإطالة (وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ) بوصل الهمزة، وضمّ الصاد، من باب نصر، يقال: قَصَر الصلاةَ، ومنها قَصْرًا، ضدّ أطالها، هذه هي اللغة العالية التي جاء بها القرآن، قال الله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ والآية [النساء: ١٠١]، وقُصِرت الصلاةُ بالبناء للمفعول، فهي مقصورة، وفي حديث ذي اليدين -﵁-: «أَقُصِرَتِ الصلاةُ؟»، وفي لغة يتعدّى بالهمزة، والتضعيف، فيقال: أقصرتها، وقَصَّرتها، أفاده الفيّوميّ ﵀) . وعلى هذه اللغة الأخيرة يجوز هنا: «وأَقْصِروا الخطبة»، بقطع الهمزة، رباعيًّا، فقول النوويّ ﵀ في «شرحه»: الهمزة في «واقصُروا» همزة وصل، إن أراد الرواية، فنعم، وإلا فيجوز قطعها؛ لما علمت آنفًا، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وليس هذا الحديث مخالفًا للأحاديث المشهورة في الأمر بتخفيف الصلاة، ولا لقوله في حديث جابر بن سمرة -﵄- المتقدّم: «وكانت صلاته قصدًا، وخطبته قصدًا»؛ لأن المراد بحديث عمّار -﵁ هذا الذي نحن فيه أن الصلاة تكون طويلةً بالنسبة إلى الخطبة، لا تطويلًا يَشُقّ على المأمومين، وهي حينئذ قَصْدٌ؛ أي: معتدلة، والخطبة قصدٌ، بالنسبة إلى وضعها، قاله النوويّ ﵀) . وقال القرطبيّ ﵀: هذا الحديث ليس مخالفًا لقوله: «كانت صلاته قصدًا، وخطبته قصدًا»؛ لأن كلّ واحد قَصْدٌ في بابه، لكن الصلاة ينبغي أن تكون أطول من الخطبة مع القصد في كلّ منهما. انتهى) . وقال في «المرقاة»: قال ابن الملك: المراد بهذا الطول ما يكون على وفاق السنة، لا أقصر منها، ولا أطول؛ ليكون توفيقًا بين هذا الحديث والحديث قبله. انتهى. قال القاريّ: أقول: لا تنافي بينهما، فمان الأوّل دلّ على الاقتصاد فيهما، والثاني على اختيار المزيّة في الثانية منهما. ثم لا ينافي هذا ما أخرجه مسلم في «صحيحه» عن أبي زيد عمرو بن أخطب -﵁- قال: «صلى بنا رسول الله -ﷺ- الفجر، وصعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت الظهر، فنزل، فصلى، ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل، فصلى، ثم صَعِد المنبر، فخطبنا حتى غربت الشمس، فأخبرنا بما كان وبما هو كائن، فأَعْلَمُنا أحفظنا»؛ لكونه نادرًا اقتضاه الوقت، ولكونه بيانًا للجواز، وكأنه كان واعظًا، والكلام في الْخُطَب المتعارفة. انتهى) . (وَإِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا») قال القرطبيّ ﵀: البيان هنا الإيضاح البليغ مع اللفظ المستعذَب، وفي هذا الحديث تأويلان: أحدهما: أنه قصد به الذمّ؛ لأن الإبلاع في البيان يفعل في القلوب من الإمالة، والتحريك، والتطريب، والتحزين ما يفعل السحر، واستَدَلَّ متأوّل هذا بإدخال مالك الحديث في«موطّئه»في«بابُ ما يُكره من الكلام بغير ذكر الله»، وأنه مذهبه في تأويل الحديث. وثانيهما: أنه على جهة المدح، فإن الله تعالى قد امتنّ على عباده بالبيان حيث قال: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾ [الرحمن: ٣، ٤]، وشبّهه بالسحر؛ لميل القلب إليه، وأصل السحر الصرف والبيان يصرف القلوب، وُيميلها إلى ما يدعو إليه. قال القرطبيّ ﵀: وهذا التأويل أولى؛ لهذه الآية، وما معناها. انتهى) . وقال النوويّ ﵀: وهذا الثاني هو الصحيح المختار. انتهى) . وقال في «المرقاة»: قوله: «إن من البيان لسحرًا» أي: بعض البيان يَعمَل عمل السحر، فكما يكتسب الإِثم بالسحر، يكتسب ببعض البيان، أو منه ما يَصْرِف قلوب المستمعين إلى قبول ما يستمعون، وإن كان غير حق، ففي هذا إشارةٌ إلى بيان الحكمة في قَصْر الخطبة، فإنه في مَعْرِض البلية، فيجب عليه الاحتراز من هذه المحنة، حتى لا يقع في الرياء والسمعة، وابتغاء الفتنة، فهو ذمٌ لتزيين الكلام، وتعبيره بعبارة يتحير فيها السامع؛ كالتحير في السحر، ونَهْيٌ عنه كنهيه عن السحر. وقيل: بل هو مدح للفصاحة والبلاغة، يريد أن البليغ؛ أي: الذي له مَلَكَةٌ يقتدر بها على تأليف كلام بليغ؛ أي: مطابق لمقتضى الحال، يبعث الناسَ على حب الآخرة، والزهد في الدنيا، وعلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، ببلاغته، وفصاحته، فبيانه هو السحر الحلال في اجتذاب القلوب، وإلاشتمال على الدقائق واللطائف، فهو تشبيهٌ بليغٌ، والظاهر أنه من عطف الجمل، ذَكَره استطرادًا. وقال الطيبيّ: الجملة حال من «اقصُرُوا» أي: أقصروا الخطبة، وأنتم تأتون بها مَعَانيَ جَمّة في ألفاظ يسيرة، وهو من أعلى طبقات البيان، ولذا قال -ﷺ-: «أوتيت جوامع الكلم») ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عمّار بن ياسر -﵄ - هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٠٠٩/ ١٥] (٨٦٩ (، و(أبو داود) في «الصلاة» (١١٠٦«، و(أحمد) في »مسنده« (٤/ ٢٦٣ و٣٢٠»، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١٧٨٢«، و(الدارميّ) في »سننه« (١/ ٣٦٥»، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٩٥٥«، و(الحاكم) في »المستدرك« (١/ ٢٨٩»، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (١٠٧٧)، وفوائد الحديث واضحة، تُعلم مما سبق، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠١٠] (٨٧٥) (حَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ، عَنْ عَدِيّ بْنِ حَاتِمٍ، أَن رَجُلًا خَطَبَ عِنْدَ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالَ: «مَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ كَوَى»، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- «بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ، قُلْ: وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ»، قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: فَقَدْ غَوِيَ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعِ) بفاء، مُصَغَّرًا -الأسديّ، أبو عبد الله المكيّ الطائفيّ، سَكَن الكوفة، ثقةٌ [٤]. رَوَى عن أنس، وابن الزبير، وابن عباس، وابن عمر، وأبي الطّفَيل، وزيد بن وهب، وتميم بن طَرَفة، وأمية بن صفوان الْجُمَحيّ، وشدّاد بن مَعْقِل، وابن أبي مليكة، وغيرهم. ورَوَى عنه عمرو بن دينار، وهو من شيوخه، والأعمش، ومغيرة، وأبو إسحاق الشيبانيّ، وشعبة، والحسن بن صالح، وشريك وأبو الأحوص، والسيفانان، وآخرون. قال البخاريّ، عن عليّ: له نحو ستين حديثًا، وقال أحمد، ويحيى، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال العجليّ: تابعيّ ثقةٌ، وقال يعقوب بن شيبة: يقوم حديثه مقام الحجة. وقال جرير: كان أتى عليه نيف وتسعون سنةً، فكان يتزوج، فلا تمكث المرأة معه من كثرة جماعة. قال مطين: مات سنة ثلاثين ومائة، وقال ابن حبان: مات بعد الثلاثين ومائة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث بالمكرّر. ٦ - (تَمِيمُ بْنُ طَرَفَةَ) بفتح الطاء، والراء، والفاء -الطائيّ الْمُسْليّ - بضم الميم، وسكون المهملة- الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ت ٩٥) (م د س ق) تقدم في «الصلاة» ٢٧/ ٩٧١. ٧ - (عَدِيُّ بْنُ حَاتِمِ) بن عبد الله بن سَعْد بن الْحَشْرَج -بفتح المهملة، وسكون المعجمة، آخره جيم- ابن امرئ القيس بن عديّ بن أخزم بن أبي أخزم بن ربيعة بن جَرْوَل بن ثُعَل بن عمرو بن الْغَوْث بن طيّء الطائيّ، أبو طَرِيف -بفتح المهملة، وآخره فاء- ويقال: أبو وهب. قَدِمَ على النبيّ -ﷺ- في شعبان سنة سبع، رَوَى عن النبيّ -صلى الله عليه سلم -، وعن عمر -﵁- وروى عنه عَمرو بن حُريث، وعبد الله بن مَعْقِل بن مُقَرِّن، وتميم بن طَرَفة، وخيثمة بن عبد الرحمن، وآخرون. قال مُحِلّ بن خَلِيفة، عن عديّ بن حاتم: ما أقيمت الصلاة منذ أسلمت إلا وأنا على وضوء، وقال الشعبيّ، عن عديّ بن حاتم: أتيت عمر بن الخطاب في أناس من قومي، فجَعَل يَفْرِض للرجل من طيء في ألفين، وُيعْرِض عني، فاستقبلته، فقلت: يا أمير المؤمنين أتعرفني؟ قال: فَضَحِك حتى استلقى لقفاه، وقال: نعم والله إني لأعرفك، آمنت إذ كفروا، وعَرَفت إذ أنكروا، ووَفّيت إذ غَدَروا، وأقبلت إذ أدبروا، وأن أول صدقة بيّضت وجه رسول الله -ﷺ-، ووجوه أصحابه -﵁- صدقة طيّء جئت بها إلى رسول الله -ﷺ-، ثم أخذ يعتذر. وقال الخطيب: لَمّا قبض رسول الله -ﷺ- ثبت عدي بن حاتم وقومه على الإسلام، وجاء بصدقاتهم إلى أبي بكر، وحَضَر فتح المدائن، وشَهِد مع عليّ الْجَمَل وصِفِّين والنَّهْرَوَان، ومات بعد ذلك بالكوفة، وذكره يعقوب بن سفيان في أمراء عليّ يوم الجمل وبوم صفين، قال أبو حاتم السجستانيّ في «كتاب المعمرين»: قالوا: وعاش مائة وثمانين سنة، وقال خليفة: بلغ عشرين ومائة سنة، ومات بالكوفة سنة (٦٨«، وقال جرير، عن مغيرة الضبيّ: خرج عدي بن حاتم، وجرير بن عبد الله، وحنظلة الكاتب من الكوفة، فنزلوا قُرقيساء، وقالوا: لا نقيم ببلد يُشْتَم فيها عثمان. قال أبو حاتم: وكان متواضعًا لَمّا أسنَّ استأذن قومه في وِطَاء يجلس عليه في ناديهم؛ كراهيةَ أن يَظُنّ أحد منهم أنه يفعل ذلك تعاظمًا، فأَذِنُوا له. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٨) حديثًا بالمكرّر. والباقون ذُكروا في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان، قَرَن بينهما؛ لاتّحاد كيفيّة التحمل والأداء، كما مرّ غير مرّة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، وتميم بن طرفَة، فما أخرج له البخاريّ، والترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من أوله إلى آخره. ٤ - (ومنها): أن عديًّا وعبد العزيز بن رفيع هذا أول محلّ ذكرهما من هذا الكتاب، وقد عرفت آنفًا عدد أحاديثهما فيه. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عبد العزيز، عن تميم. ٦ - (ومنها): أن صحابيّه -﵁- من مشاهير الصحابة -﵃-، ومن المعمّرين، كان جوادًا ابن جواد، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ) -﵁- (أَنَّ رَجُلًا خَطَبَ عِنْدَ النَّبِيِّ -ﷺ-) وفي رواية النسائيّ: «تَشَهَّدَ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِي -ﷺ-، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: مَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ …» الحديث (فَقَالَ: مَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ) بفتح الشين المعجمة -على المشهور الموافق لقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦]؛ إذ المضارع بالضمّ لا يكون للماضي بالكسر، ولذلك لَمّا قرأ شهاب الدين الموصليّ في مجلس الحافظ الْمِزّيّ: رَشِدَ -بالكسر- ردّ عليه الشيخ بقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾، أو بالكسر، ذكره سيبويه في «كتابه»، وهو الموافق لقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ [الجن: ١٤]-بفتحتين- فإن فَعَلًا -بفتحتين- مصدر فَعِلَ -بكسر العين- كفرِحَ فَرَحًا، وسَخِطَ سَخَطًا، ولذلك ردّ الشيخ عليه بقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ [الجن: ١٤]، وأنت لو تأمّلت وجدت بكلام المِزّيّ والموصِلِيّ موقعًا عظيمًا، ودلالةً باهرة على فطانتهما، ذكره السنديّ ﵀) . وقال الفيّوميّ ﵀: الرُّشْدُ: الصلاحُ، وهو خلاف الغيّ والضلال، وهو إصابة الصواب، ورَشِدَ، من باب تَعِبَ، ورَشَدَ يَرْشُدُ، من باب قَتَلَ، فهو راشدٌ، والاسم الرَّشَاد. انتهى. (وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى) بفتح الواو، وقيل: بكسرها أيضًا، وضَعَّفُوه، وقال القاضي عياضٌ ﵀: وقع في روايةِ مسلم بفتح الواو، وكسرها، والصواب الفتح، وهو من الْغَيّ، وهو الانهماك في الشرّ. انتهى) . وقال الفيّوميّ ﵀: غَوَى غيًّا، من باب ضَرَب: انهمك في الجهل، وهو خلافُ الرُّشْد، والاسم الْغَوَاية بالفتحِ. انتهى. وفي «القاموس» و«شرحه»: وغوَى الرجلُ يَغْوِي غيًّا، وغَوَايةً بالفتح، ولا يكسر، هذه هي اللغة الفصيحة المعروفة، واقتصر عليها الجوهريّ، قال أبو عبيد: وبعضهم يقول: غَوِيَ يَغْوَى، كرَضِيَ غَوًى، وليست بالمعروفة: ضلّ، وخاب، وقال الأزهريّ: أي: فسد، وقال ابن الأثير: الغيّ: الضلال، والانهماك في الباطل، وقال الراغب: الغَيّ جَهْل من اعتقاد فاسد، وذلك لأن الجهل قد يكون من كون الإنسان غير معتقد اعتقادًا، لا صالِحًا ولا فاسدًا، وهذا النحو الثانيّ، يقال له: غيّ، وأنشد الأصمعيّ للمرقّش [من الطويل]: فَمَنْ يَلْقَ خَيْرًا يَحْمَدِ النَّاسُ أَمْرَهُ … وَمَنْ يَغْوَ لَا يَعْدَمْ عَلَى الْغَيِّ لَائِمًا وقال دُريد بن الصّمّة [من الطويل]: وَهَلْ أَنَا إِلَّا مِنْ غَزِيَّةَ إِنْ غَوَتْ … غَوَيْتُ وَإِنْ تَرْشُدْ غَزِيَّةُ أُرْشَدِ انتهى ما في «القاموس»، وشرحه «تاج العروس» ببعض تصرّف) . (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنتَ) الضمير المنفصل هو المخصوص بالذمّ، وهو مبتدأ، خبره جملة»بئس الخطيب«، أو هو خبر لمبتدأ محذوف وجوبًا، كما قال في»الخلاصة«: وَيُذْكَرُ الْمَخْصُوصُ بَعْدُ مُبْتَدَا … أَوْ خَبَرَ اسْبم لَيْسَ يَبْدُو أَبَدَا وفي رواية أحمد:«بئس الخطيب أنت قُمْ»(قُلْ: وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ«) أي: بالاسم الظاهر، لا بالضمير، وقد اختُلف في سبب إنكاره -ﷺ- عليه، والأرجح أنه إنما أنكر عليه؛ لأن الخطبة محلّ بسط وإيضاح، لا محلّ إشارة، وإيجاز، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الرابعة -إن شاء الله تعالى-. وقوله: (قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: فَقَدْ غَوِيَ) أي: بكسر الواو؛ يعني: أن شيخه أبا بكر رواه «فقد غَوَى» بفتح الواو، من باب ضرب، وشيخه محمد بن عبد الله بن نُمير رواه «غَوِيَ» بكسرها، من باب رَضِيَ، وقد تقدّم آنفًا أن الكسر ضعيفٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عديّ بن حاتم -﵁- هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٥/ ٢٠١٠] (٨٧٠)، و(أبو داود) في «الصلاة» (١٠٩٩) و«الأدب» (٤٩٨ (١)، و(النسائيّ) في «النكاح» (٣٢٨٠) و«الكبرى» (٥٥٣٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٢٥٦ و٣٧٩)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٩٥٦«، و(الحاكم) في »المستدرك« (١/ ٢٨٩»، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٧٩٨)، و(الطحاويّ) في «مشكل الآثار» (٤/ ٢٩٦«، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها)؛ بيان مشروعيّة الخطبة؛ للحاجة. ٢ - (ومنها): بيان ما يُكره للخطيب أن يقوله في خُطبته، وذلك أنه لا يجمع بين الله ورسوله في ضمير واحد، وسيأتي ما قاله أهل العلم في سبب إنكاره -ﷺ- على الخطيب قوله في المسألة التالية- إن شاء الله تعالى-. ٣ - (ومنها): بيان جواز الخطبة أمام النبيّ -ﷺ- بإذنه، وأن قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية [الحجرات: ١] محمول على التقدّم بغير إذنه، والله تعالى أعلم. ٤ - (ومنها): مشروعيّة إنكار المنكر لمن كان أهلًا للإنكار، وذلك بأن يَعْرِف كونه منكرًا، ويَقدر على إزالته بحسب مراتب الإزالة المبيّنة في قوله -ﷺ-: «من رأى منكم منكرًا، فليُغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»، رواه مسلم من حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁-، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في ذكر ما قاله أهل العلم في إنكاره -ﷺ- على الخطيب المذكور: قال أبو العباس القرطبيّ ﵀: ظاهره أنه أنكر عليه جمعَ اسم الله، واسم رسوله -ﷺ- في ضمير واحد. ويُعارضه: ما رواه أبو داود من حديث ابن مسعود -﵁- أن النبيّ -ﷺ- خطب، فقال في خطبته: «من يُطع الله ورسوله، فقد رَشَد، ومن يَعصهما، فإنه لا يضرّ إلا نفسه»، وفي حديث أنس -﵁-: «ومن يعصهما فقد غَوَى»، وهما صحيحان. ويُعارضه أيضًا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٦]، فجمع بين ضمير اسم الله وملائكته، ولهذه المعارضة صَرَفَ بعضُ القرّاء هذا الذّمّ إلى أن ذلك الخطيب وقف على: «ومن يعصهما»، وهذا تأويلٌ لم تساعده الرواية، فإن الرواية الصحيحة أنه أتى باللفظين في مساق واحد، وأن آخر كلامه إنما هو: «فقد غوى»، ثم إن النبيّ -ﷺ- ردّ عليه، وعلّمه صواب ما أخلّ به، فقال: «قل: ومن يَعص الله ورسوله، فقد غَوَى»، فظهر أن ذمّه له إنما كان على الجمع بين الاسمين في الضمير، وحينئذ يتوجّه الإشكال، ونتخلّص عنه من أوجه: [أحدها]: أن المتكلّم لا يدخل تحت خطاب نفسه إذا وجّهه لغيره، فقوله -ﷺ-: «بئس الخطيب أنت» منصرفٌ لغير النبيّ -ﷺ- لفظًا ومعنًى. [وثانيها]: أن إنكاره -ﷺ- على ذلك الخطيب يَحْتَمِل أن يكون كأنّ هناك من يتوهّم التسوية من جمعهما في الضمير الواحد، فمنع ذلك لأجله، وحيث عُدِمَ ذلك جاز الإطلاق. [وثالثها]: أن ذلك الجمع تشريفٌ، ولله تعالى أن يشرِّفَ من شاء بما شاء، ويمنع من مثل ذلك للغير، كما قد أقسم بكثير من المخلوقات، ومنعنا من القسم بها، فقال ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٦]، وكذلك أَذِنَ لنبيّه -ﷺ- في إطلاق مثل ذلك، ومنع منه الغير على لسان نبيّه -ﷺ-. [ورابعها]: أن العمل بخبر المنع أولى؛ لأوجه: لأنه تقعيد قاعدة، والخبر الآخر يحتمل الخصوص، كما قرّرناه، ولأن هذا الخبر ناقلٌ، والآخر مُبْقٍ على الأصل، فكان الأول أولى، ولأنه قولٌ، والثاني فِعْلٌ، فكان أولى. والله أعلم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . وقال النوويّ ﵀: قال القاضي، وجماعة من العلماء: إنما أنكر عليه لتشريكه في الضمير المقتضي للتسوية، وأمره بالعطف تعظيمًا لله تعالى بتقديم اسمه، كما قال -ﷺ- في الحديث الآخر: «لا يقل أحدكم ما شاء الله، وشاء فلان، ولكن ليقل: ما شاء الله، ثم شاء فلان». والصواب أن سبب النهي، أن الْخُطَب شأنها البسط والإيضاح، واجتناب الإشارات والرموز، ولهذا ثبتٌ في «الصحيح»: «أن رسول الله -ﷺ- كان إذا تكلّم بكلمة أعادها ثلاثًا؛ لِتُفْهَمَ». وأما قول الأولين، فيضعَّف بأشياء، منها: أن مثل هذا الضمير قد تكرّر في الأحاديث الصحيحة من كلام رسول الله -ﷺ-، كقوله -ﷺ -: «أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما»، وغيره من الأحاديث، وإنما ثَنَى الضمير هاهنا؛ لأنه ليس خطبة وعظ، وإنما هو تعليم حكم، فكلّما قلّ لفظه كان أقرب إلى حفظه بخلاف خطبة الوعظ، فإنه ليس المراد حفظه، وإنما يُراد الاتعاظ بها. ومما يؤيّد هذا ما ثبتٌ في «سنن أبي داود» بإسناد صحيح، عن ابن مسعود -﵁- قال: علّمنا رسول الله -ﷺ- خطبة الحاجة: «الحمد لله، نستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهد الله، فلا مُضلّ له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالحقّ بشيرًا ونذيرًا، بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله، فقد رشد، ومن يعصهما، فإنه لا يضرّ إلا نفسه، ولا يضرّ الله شيئًا»، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀. وقال الشيخ عزّ الدين: من خصائصه -ﷺ- أنه كان يجوز له الجمع في الضمير بينه وبين ربّه تعالى، وذلك ممتنع على غيره، قال: وإنما يمتنع من غيره، دونه لأن غيره إذا جمع أوهم إطلاقه التسوية، بخلافه هو، فإن منصبه لا يتطرّق إليه إيهام ذلك. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الشيخ عزّ الدين ﵀ يعكُر عليه حديث أبي داود الذي قبله، حيث علّم -ﷺ- غيره أن يقولوا: «ومن يعصهما»، فدلّ على أنه ليس مخصوصًا به، فالأولى عندي ما رجّحه النوويّ، من أن سبب النهي كون الْخُطَب محل بسط وإيضاح، لا إشارة وإيجاز، فتأمّل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٦) - (باب قراءة القرآن في الخطبة) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠١١] (٨٧١) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ الْحَنْظَلِي، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثنا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ عَطَاءً، يُخْبِرُ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقْرَأُ عَلَى الْمِنْبَرِ: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ﴾ [الزخرف: ٧٧]). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رَجَاء الْبَغْلانىّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) عن (٩٠) سنة (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (إِسْحَاقُ الْحَنْظَلِيُّ) تقدّم في الباب الماضي أيضًا. ٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ إمامٌ حجةٌ إلا أنه تغير حفظ، من رؤوس الطبقة [٨] مات في رجب سنة (١٩٨) وله إحدى وتسعون سنةً (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨٣. ٥ - (عَمْرُو) بن دينار المكيّ، أبو محمد الأثرم الْجُمَحيّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (١٢٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢١/ ١٨٤. ٦ - (عَطَاءُ) بن أبي رَبَاح أسلم القرشيّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، لكنه كثير الإرسال [٣] (١١٤) على المشهور، وقيل: إنه تغير بأَخَرَة، ولم يَكْثُر ذلك منه (ع) تقدم في «الإيمان» ٨٣/ ٤٤٢. ٧ - (صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى) بن أمية التميميّ المكيّ، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن أبيه، وعنه ابن أخيه محمد بن حيي بن يعلى، وعطاء بن أبي رَبَاح، والزهريّ، ومحمد جبير بن مطعم. ذكره ابن حبان في «الثقات». أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب عشرة أحاديث بالمكرّرات. ٨ - (أَبُوهُ) يعلى بن أمية بن أبي عُبيدة بن همام التميميّ، حليف قريش، وهو يعلى ابن مُنْية -بضم الميم، وسكون النون، بعدها تحتانية مفتوحة- وهي أمه، صحابيّ مشهور، مات -﵁- سنة بضع وأربعين (ع) تقدم في «صلاة المسافرين» ١/ ١٥٧٣. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، قَرَن بينهم؛ لاتّحاد كيفيّة التحمّل والأداء منه، ثم فرّق بينهم؛ لاختلافهم فيما ذُكر. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، وإسحاق، فما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمكيين، سوى شيوخه. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين المكيين، روى بعضهم عن بعض. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. شرح الحديث: (عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ) يعلى أبن أُميّة -﵁- (أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقْرَأُ عَلَى الْمِنْبَرِ: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ﴾ [الزخرف: ٧٧]) كذا الرواية هنا بإثبات الكاف، وهي قراءة الجمهور، وقرأ الأعمش: «ونادوا يا مالِ» بالترخيم، ورُويت عن عليّ، وهي قراءة ابن مسعود، قال عبد الرزاق: قال الثوريّ في حرف ابن مسعود: «ونادوا يا مالِ»؛ يعني: بالترخيم، وبه جزم ابن عيينة، ويذكر عن بعض السلف أنه لَمّا سمعها قال: ما أشغل أهل النار عن الترخيم، وأجيب باحتمال أنهم يقتطعون بعض الاسم؛ لضعفهم، وشدّة ما هم فيه. وظاهر وقوع قوله: ﴿وَنَادَوْا﴾ بعد قوله: ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ أنهم بعدما طال إبلاسهم تكلّموا، والْمُبْلِس الساكت بعد اليأس من الفرج، فكان فائدة الكلام بعد ذلك حصول بعض فرج؛ لطول العهد، أو النداء يقع قبل الإبلاس؛ لأن الواو لا تستلزم ترتيبًا، أفاده في «الفتح» . يعني: أن الكفار في النار ينادون مالكًا خازن النار، فيقولون: يا مالك ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧]؛ أي: ليمتنا، فنستريح فيجيبهم مالك، بعد ألف سنة إنكم ماكثون في العذاب ، وفي تفسير ابن الجوزيّ: ينادون مالكًا أربعين سنة، فيجيبهم بعدها: إنكم ماكثون، ثم ينادون رب العزة: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾ [المؤمنون: ١٠٧] فلا يجيبهم مثل عمر الدنيا، ثم يقول: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] . قال القرطبيّ ﵀: قوله: «قرأ على المنبر … إلخ» يَحْتَمِل أن يكون أراد الآية وحدها، أو السورة كلَّها، ونبّه ببعضها عليها، كما يقال: قرأت ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، وفي قراءته -ﷺ- هذه السورة، وسورة ﴿ق﴾ دليل على صحّة استحباب مالك قراءة شيء من القرآن في الخطبة، وخصّ هذه الآية، وسورة ﴿ق﴾؛ لما تضمّنته من المواعظ، والزجر، والتحذير. انتهى . وقال النوويّ ﵀: فيه القراءة في الخطبة، وهي مشروعة بلا خلاف، واختلفوا في وجوبها، والصحيح عندنا وجوبها، وأقلّها آية. انتهى . وذكر في «المجموع» أن فروض الخطبة خمسة: (أحدها): حمد الله تعالى. (الثاني): الصلاة على رسول الله -ﷺ-. (الثالث): الوصيّة بتقوى الله تعالى. (الرابع): قراءة القرآن. (الخامس): الدعاء للمؤمنين، وقد ذكر هذه الأمور مفصّلةً، فراجعه إن شئت . قال الجامع عفا الله عنه: لا دليل على فرضيّة هذه الخمسة، فإن الذي استدلّوا به غايته أنه -ﷺ- فعله، ومجرّد الفعل لا يكفي في إثبات الوجوب، وأما استدلالهم بقوله -ﷺ-: «صلُّوا كما رأيتموني أصلي»، فعير صحيح؛ لأنهم لا يرون وجوب غير هذه الخمسة، مع أنه -ﷺ- نُقل عنه في الجمعة غير هذه الأمور، وقد أجمعوا على استحبابها. والحاصل أن الأرجح قول من قال باستحبابها، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث يعلى ابن أُميّة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٦/ ٢٠١١] (٨٧١)، و(البخاريّ) في «بدء الخلق» (٣٢٣٠) و«صفة النار» (٣٢٦٦) و«التفسير» (٤٨١٩)، و(أبو داود) في «الحروف» (٣٩٩٢)، و(الترمذيّ) في «الصلاة» (٥٩٨)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (١١٤٧٩)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٤/ ٢٥٣)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٧٨٧)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٢٢٣)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٩٥٧)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠١٢] (٨٧٢) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أخْتٍ لِعَمْرَةَ، قَالَتْ: أَخَذْتُ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾ مِنْ فِي رَسُولِ اللهِ -ﷺ- يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ يَقْرَأُ بِهَا عَلَى الْمِنبرِ في كُلِّ جُمُعَةٍ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) السَّمَرْقَنديّ، أبو محمد الحافظ، صاحب «المسند»، ثقةٌ فاضلٌ متقنٌ [١١] (ت ٥٥) وله أربع وسبعون (م د ت) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٩. ٢ - (يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ) التِّنِّيسيّ، أصله من البصرة، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٨) وله أربع وستون سنةً (خ م د ت س) تقدم في «الحيض» ٧/ ٧٢٣. ٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، وأبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ [٨] (١٧٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٤/ ١٦٠. ٤ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بن قيس الأنصاريّ المدنيّ، أبو سعيد القاضى، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت ١٤٤) أو بعدها (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٣٦. ٥ - (عَمْرَةُ بنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن سَعْد بن زُرَارة الأنصاريّة المدنيّة، أكثرت عن عائشةَ -﵄-، ثقةٌ [٣] ماتت قبل المائة، ويقال: بعدها (ع) تقدمت في «شرح المقدمة» جـ ٢ ص ٤١٧. ٦ - (أُخْتُ عَمْرَةَ) هي: أم هشام بنت حارثة بن النعمان بن نَفْع بن زيد بن عُبيد بن ثعلبة بن غَنْم بن مالك بن النجّار الأنصاريّة، صحابيّة، وهي أخت عمرة بنت عبد الرحمن لأمها، روت عن النبيّ -ﷺ-، روت عنها أختها عمرة، ومحمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زُرارة، ويحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زُرارة. أخرج لها المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس لها في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، كرّره ثلاث مرّات. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من سليمان. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّة، عن أختها. شرح الحديث: (عَنْ أُخْتٍ لِعَمْرَةَ) هي: أم هشام -﵂-، فهي معروفة، وقال النوويّ: هذا صحيحٌ، يُحْتَجّ به، ولا يضر عدم تسميتها؛ لأنها صحابية، والصحابة كلهم عدول. انتهى. (قَالَتْ: أَخَذْتُ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾) أي: حفِظت هذا السورة (مِنْ فِي رَسُولِ اللهِ -ﷺ-) «في» لغة في الفم، وهي من الأسماء الستّة التي تُعرب بالحروف بشرط خلوّها عن الميم، وإضافتها إلى غير ياء المتكلّم، كما قال في «الخلاصة»: وَارْفَعْ بِوَاوٍ وَانْصبَنَّ بِالأَلِفْ … وَاجْرُرْ بِيَاءٍ مَا مِنَ الأَسْمَا أَصِفْ مِنْ ذَاكَ «ذُو» إِنْ صُحْبَةً أَبَانَا … وَالْفَمُ حَيْثُ الْمِيمُ مِنْهُ بَانَا «أَبٌ» «أَخٌ» «حَمٌ» كَذَاكَ و«هَنُ» … وَالنَّقْصُ فِي هَذَا الأَخِيرِ أَحْسَنُ وَفِي «أَبٍ» وَتَالِيَيْهِ يَنْدُرُ … وَقَصْرُهَا مِنْ نَقْصِهِنَّ أَشْهَرُ وَشَرْطُ ذَا الإِعْرَابِ أَنْ يُضَفْنَ لَا … لِلْيَا كَـ«جَا أَخُو أَبِيكَ ذَا اعْتِلَى» وفي رواية عبد الله بن محمد بن معن، عن بنت لحارثة الآتية: «ما حَفِظتُ ﴿ق﴾ إلا من فِي رسول الله -ﷺ-، يخطب بها كلّ جمعة». وقوله: (يَوْمَ الْجُمُعَةِ) ظرف لـ«أخذتُ» (وَهُوَ يَقْرَأُ) جملة حاليّة من «في رسول الله -ﷺ-» (بِهَا) متعلّق بـ «يقرأ»، وكذا الجارّان بعده (عَلَى الْمِنْبَرِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ) قال العلماء: سبب اختيار ﴿ق﴾ كونها مشتملةً على البعث، والموت، والمواعظ الشديدة، والزواجر الأكيدة، وفيه دليل للقراءة في الخطبة، كما سبق، وفيه استحباب قراء ﴿ق﴾، أو بعضها في كل خطبة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أخت عمرة -﵂- هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا [١٦/ ٢٠١٢ و٢٠١٣] (٨٧٢) و[١٦/ ٢٠١٤ و٢٠١٥] (٨٧٣)، و(أبو داود) في «الصلاة» (١١٠٠ و١١٠٢ و١١٠٣)، و(النسائيّ) في «الجمعة» (١٤١١)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٤٦٣)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١٧٨٦)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٩٥٨ و١٩٥٩ و١٩٦٠)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠١٣] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ أُخْتٍ لِعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، كَانَتْ أَكْبَرَ مِنْهَا، بِمِثْلِ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السَّرْح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٠. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ الفقيه، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) وله اثنتان وسبعون سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٠. ٣ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) الغافقي -بمعجمة، ثم فاء، وقاف- أبو العباس المصريّ، صدوقٌ، ربما أخطأ [٧] (١٦٨) (ع) ٢٦/ ٨٢٠. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ) يعني: أن يحيى بن أيوب حدّث عن يحيى بن سعيد بمثل ما حدّث به سليمان بن بلال عنه. [تنبيه]: رواية يحيى بن أيوب، عن يحيى بن سعيد هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠١٤] (٨٧٣) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثنَا شُعْبَةُ، عَنْ خُبَيْبٍ، عَنْ عَبدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْنٍ، عَنْ بِنْتٍ لِحَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ، قَالَتْ: مَا حَفِظْتُ ﴿ق﴾ إِلَّا مِنْ فِي رَسُولِ اللهِ -ﷺ- يَخْطُبُ بِهَا كُلَّ جُمُعَةٍ، قَالَتْ: وَكَانَ تَنُّورُنَا وَتَنُّورُ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- وَاحِدًا). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (خُبَيْبُ) بن عبد الرحمن بن خبيب بن يَسَاف الأنصاري أبو الحارث المدني ثقة من الرابعة مات سنة اثنتين وثلاثين (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٧. ٥ - (عَبدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْنٍ) الغفاريّ المدنيّ، مقبول [٣]. رَوَى عن أمّ هشام بنت حارثة بن النعمان هذا الحديث فقط، وروى عنه خُبيب بن عبد الرحمن، ذكره ابن حبان في «الثقات». تفرّد به المصنّف، وأبو داود وليس له عندهما إلا هذا الحديث فقط. و«بنت حارثة» هي أم هشام المذكورة في السند السابق، والباقون تقدّموا قبل بابين. [فإن قلت]: كيف أخرج المصنّف ﵀ رواية عبد الله بن محمد بن مَعْن، مع أنه لا راوي له إلا خُبيب بن عبد الرحمن، وقال في «التقريب» عنه: مقبول؟. [قلت]: إنما أخرجها متابعة لرواية عمرة السابقة، ولرواية يحيى بن عبد الله اللاحقة، لا استقلالًا، فلا اعتراض عليه، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقولها: (وكان تنُّورُنَا) بفتح التاء، وتشديد النون: قال الفيّوميّ ﵀: هو الذي يُخبَز فيه، وافقت فيه لغة العرب لغة العجم، وقال أبو حاتم: ليس بعربيّ صحيح، والجمع التنانير. انتهى . وقال في «القاموس»: «التّنّور»: الكانون، يُخْبَزُ فيه، وصانعه تَنَّارٌ، ووجهُ الأرض، وكلُّ مَفْجَر ماءٍ، ومَحْفَلُ ماء الوادي، وجبلٌ قُرْب الْمِصِّيصَة. انتهى . وإنما قالت: «وكان تنّورنا وتنُّور رسول الله -ﷺ- واحدًا»؛ إشارةً إلى حفظها، ومعرفتها بأحوال النبيّ -ﷺ-، وقربها من منزلة ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠١٥] (…) - (وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ، عَنْ أُمِّ هِشَامٍ بِنْتِ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ، قَالَتْ: لَقَدْ كَانَ تَنُّورُنَا وَتَنُّورُ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- وَاحِدًا سَنَتَيْنِ، أَوْ سَنَةً وَبَعْضَ سَنَةٍ، وَمَا أَخَذْتُ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾ إِلَّا عَنْ لِسَانِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- يَقْرَؤُهَا كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ عَلَى الْمِنْبَرِ، إِذَا خَطَبَ النَّاسَ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير الناقد، أبو عثمان البغداديّ، نَزَلَ الرَّقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (٢٣٢) (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٣. ٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري أبو يوسف المدني نزيل بغداد ثقة فاضل من صغار التاسعة مات سنة ثمان ومائتين (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١. ٣ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري أبو إسحاق المدني نزيل بغداد ثقة حجة تكلم فيه بلا قادح من الثامنة مات سنة خمس وثمانين (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ) محمد بن إسحاق بن يسار أبو بكر المطلبي مولاهم المدني نزيل العراق إمام المغازي صدوق يدلس ورمي بالتشيع والقدر من صغار الخامسة مات سنة خمسين ومائة ويقال بعدها (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٦. ٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الأَنْصَارِيُّ) المدني القاضي ثقة من الخامسة مات سنة خمس وثلاثين وهو ابن سبعين سنة (ع) تقدم في «الصلاة» ١٧/ ٩١٦. ٦ - (يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ) ويقال: ابن أسعد بن زُرارة الأنصاريّ النجاريّ المدنيّ، ثقةٌ [٤]. رَوَى عن زيد بن ثابت، وعُمارة بن حزم، وأبي هريرة، وسودة بنت زمعة، أم المؤمنين، وأم هشام بنت حارثة بن النعمان. وروى عنه قريبه إبراهيم بن محمد بن سعد بن زرارة، وصالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن أبي بكر بن حزم، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ. قال ابن أبي حاتم: فَرَّق البخاريّ بين الراوي عن أبي هريرة، وبين الراوي عن أم هشام، وهما واحدٌ، ذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال العجليّ: تابعيّ ثقةٌ، وقال ابن عبد البرّ: لم يسمع من أم هشام، بينهما عبد الرحمن بن سعيد. تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. و«أمّ هشام بنت حارثة بن النعمان» -﵂- ذُكرت قبله. وقوله: (عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ) هكذا هو في جميع النسخ «سَعْد بن زُرارة»، وهو الصواب، وكذا نقله القاضي عن جميع النسخ، وروايات جميع شيوخهم، قال: وهو الصواب، قال: وزعم بعضهم أن صوابه «أسعد»، وغلط في زعمه، وإنما أوقعه في الغلط اغتراره بما في كتاب الحاكم أبي عبد الله ابن الْبَيِّع، فإنه قال: صوابه أسعد، ومنهم من قال: سعد، وحَكَى ما ذكره عن البخاريّ، والذي في «تاريخ البخاريّ» ضِدُّ ما قال، فإنه قال في «تاريخه»: سَعْد، وقيل: أسعد، وهو وَهَمٌ، فانقلب الكلام على الحكم، وأسعد بن زُرارة سيّد الخزرج، وأخوه هذا سعد بن زُرارة جدُّ يحيى، وعمرةَ، أدرك الإسلام، ولم يذكره كثيرون في الصحابة؛ لأنه ذُكِر في المنافقين. وقال أبو عبد الله الحميديّ: ذكر بعضهم في سند هذا الحديث عمرة بنت عبد الرحمن؛ يعني: حديث يحيى بن عبد الرحمن، قال: وذلك وَهَمٌ، ولم يذكر ذلك الْبَرْقانيّ، ولا الدمشقيّ. انتهى . [تنبيه]: ادّعى ابن عبد البرّ ﵀ في كتابه «الاستيعاب» في ترجمة «أم هشام» هذه بأن هذا الحديث لم يسمعه يحيى بن عبد الله منها، بينهما عبد الرحمن بن سعيد. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ادّعاه ابن عبد البرّ من الانقطاع محلّ نظر؛ فإنه مخالف لصنيع مسلم، فإنه صححه، حيث أخرجه هنا، فلو كان فيه انقطاع لما أخرجه، على أن ابن عبد البرّ لم يذكر السند الذي فيه زيادة عبد الرحمن بن سعيد حتى يُنظر فيه. والحاصل أن الذي يظهر أنه صحيحٍ متّصلٌ، وعلى تقدير صحّة ما ادّعاه يجاب عن المصنّف بانه إنما أورده متابعة، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠١٦] (٨٧٤) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ رُؤَيْبَةَ، قَالَ: رَأَى بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ عَلَى الْمِنْبَرِ، رَافِعًا يَدَيْهِ، فَقَالَ: قَبَّحَ اللهُ هَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ، لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- مَا يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَقُولَ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ الْمُسَبِّحَةِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم أول الباب. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ) بن يزيد بن عبد الرحمن الأَوْديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٨] (ت ١٩٢) وله بضع وسبعون سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٤. ٣ - (حُصَيْنُ) بن عبد الرحمن السَّلَميّ، أبو الْهُذَيل الكوفيّ، ثقةٌ تغير حفظه في الآخر [٥] (ت ١٣٦) وله ثلاث وتسعون سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٣/ ٢٨٥. ٤ - (عُمَارَةُ بْنُ رُؤَيْبَةَ) -براء، وبموحدة، مصغَّرًا- الثقفيّ، أبو زهير، صحابيّ، نزل الكوفة، وتأخر إلى بعد السبعين (م د ت س) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٣٨/ ١٤٣٧. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٣٥) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين. شرح الحديث: (عَنْ عُمَارَةَ) بضمّ العين المهملة، وتخفيف الميم (ابْنِ رُؤَيْبَةَ) بالتصغير، وقوله: (قَالَ) فاعله ضمير حصين بن عبد الرحمن الراوي عن عمارة؛ أي: قال حصين، وقوله: (رَأَى) فاعله ضمير عمارة؛ أي: رأى عمارة بن رؤيبة -﵁-، وقوله: (بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ) بالنصب على المفعوليّة لـ«رأى»، وهي بمعنى أبصر تتعدى لمفعول واحد. وهو: بشر بن مروان بن الحكم بن العاص بن أُمية بن عبد مناف القرشيّ، تولى الكوفة سنة إحدى وسبعين بعد قتل مصعب بن الزبير، وأضيفت إليه البصرةُ سنة ثلاث وسبعين بعد أن عُزِل عنها خالد بن عبد الله، فَرَحَل إليها، واستخلف على الكوفة عمرو بن حُريث. (عَلَى الْمِنْبَرِ) متعلّق بـ «رأى»؛ أي: بحال من بشر؛ أي: حال كونه قائمًا على المنبر، وهو بكسر الميم، مشتقّ من النَّبْر، وهو الرفع، ويقال: نَبَرْتُ الحرف نَبْرًا، من باب ضرب: هَمَزْتُهُ، قال ابن فارس: النَّبْرُ في الكلام: الْهَمْزُ، وكلُّ شيء رُفِعَ، فقد نُبِرَ، ومنه الْمِنْبَرُ؛ لارتفاعه، وكُسِرت الميم على التشبيه بالآلة، قاله في «المصباح» . وقال في «القاموس»: نَبَرَ الحرْفَ يَنْبِرُهُ: هَمَزَه، والشيءَ: رَفَعَهُ، ومنه الْمِنْبَرُ بكسر الميم. انتهى . (رَافِعًا يَدَيْهِ) أي: حال كونه رافعًا لهما في حال الدعاء، ففي رواية الإمام أحمد -﵀- عن حُصين بن عبد الرحمن، قال: كنت إلى جنب عُمارة بن رُويبة، وبشرٌ يخطبنا، فلما دعا رفع يديه، فقال عُمارة؛ يعني: قبح الله هاتين اليدين، أو هاتين اليُدَيّتين رأيت رسول الله -ﷺ-، وهو يخطب إذا دعا يقول هكذا، ورفع السبّابة وحدها . وقال الطيبيّ: قوله: «رافعًا يديه» يعني: عند التكلم كما هو دأب الوُعّاظ إذا حَمُوا، ويشهد له قوله: «وأشار بإصبعه المسبّحة». انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «عند التكلّم … إلخ» فيه نظر؛ بل الأولى ما أسلفته من أنه كان عند الدعاء؛ لتصريحه في الروايات المذكورة، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ) عمارة -﵁- (قَبَّحَ اللهُ هَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ) بالتكبير، وفي رواية أحمد: «لعن الله هاتين اليُديّتين» بالتصغير. قال القاري ﵀: هذا دعاء عليه، أو إخبارٌ عن قبح صنعه، نحو قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] انتهى . وإنما دعا عليه لمخالفته ما ثبت عن النبيّ -ﷺ-، فالجملة خبرية لفظًا، إنشائية معنًى، وفيها إطلاق اسم الجزء على الكلّ، ويَحْتَمِل أن تكون خبرية لفظًا ومعنى، فيكون إخبارًا عن قبح صنيعه. (لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- مَا يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَقُولَ) أي: يفعل، ففيه إطلاق القول على الفعل مجازًا (بِيَدِهِ هَكَذَا، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ الْمُسَبِّحَةِ) بالجرّ صفة لـ«إصبعه»، ويجوز القطع إلى الرفع والنصب، وهي بكسر الموحّدة المشدّدة، اسم فاعل من التسبيح، سُمّيت بذلك؛ لكونها يشار بها عند التوحيد والتسبيح، كما سُمّيت بالسبّابة؛ لجريان عادة الناس بالإشارة بها عن السبّ. يعني: أنه أشار كما يرفعها في التشهد، وفي رواية النسائيّ: «مَا زَادَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- عَلَى هَذَا، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ»، وفي رواية أبي داود: «لقد رأيت رسول الله -ﷺ-، وهو على المنبر، ما يزيد على هذه -يعني: السبابة التي تلي الإبهام-، وفي رواية أحمد:»رأيت رسول الله -ﷺ- على المنبر يدعو، وهو يُشير بإصبع«. وفيه دليل على عدم مشروعية رفع اليدين على المنبر حال الدعاء في الخطبة. وفي معنى حديث عمارة بن رويبة حديث سهل بن سعد -﵄-، قال:«ما رأيت رسول الله -ﷺ- شاهرًا يديه قط يدعو على منبر، ولا غيره، ما كان يدعو إلا يضع يده حذو منكبيه، ويشير بإصبعه إشارةً»، أخرجه أحمد، وأبو داود، وقال فيه:«لكن رأيته يقول هكذا، وأشار بالسبّابة، وعقد الوسطى بالإبهام». وفي إسناده عبد الرحمن بن إسحاق القرشيّ، ويقال له: عَبّاد بن إسحاق، وعبد الرحمن بن معاوية، وفيهما مقال. وعن غُضيف بن الحارث، قال: بَعَثَ إليّ عبد الملك بن مروان، فقال: يا أبا أسماء إنا قد جمعنا الناس على أمرين، قال: وما هما؟ قال: رفع الأيدي على المنابر يوم الجمعة، والقصص بعد الصبح والعصر، فقال: أَمَا إنهما أمثل بدعتكم عندي، ولست مجيبك إلى شيء منهما، قال: لم؟ قال: لأن النبيّ -ﷺ- قال:«ما أحدث قوم بدعة إلا رُفِع مثلها من السنة، فتَمَسُّكٌ بسنة خيرٌ من إحداث بدعة»، وفي إسناده أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم، وهو ضعيف، وبقيَّة، وهو مدلس، وقد عنعنه. قال النوويّ ﵀: فيه أن السنة أن لا يرفع اليد في الخطبة، وهو قول مالك، وأصحابنا، وغيرهم، وحَكَى القاضي عن بعض السلف، وبعض المالكية إباحته؛ لأن النبيّ -ﷺ- رفع يديه في خطبة الجمعة حين استسقى، وأجاب الأولون بأن هذا الرفع كان لعارض انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عُمَارة بن رويبة الثقفيّ -﵁- هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٦/ ٢٠١٦ و٢٠١٧] (٨٧٤)، و(أبو داود) في «الصلاة» (١١٠٤)، و(الترمذيّ) في «الجمعة» (٥١٥)، و(النسائيّ) في «الجمعة» (١٤١٢) و«الكبرى» (١٧١٤ و١٧١٥)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٢/ ١٤٧ - ١٤٨)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١/ ١٧٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ١٣٥ و١٣٦ و٢٦١)، و(الدارميّ) في «سننه» (١/ ٣٦٦)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١٧٩٣ و١٧٩٤)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٨٨٢)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٩٦١ و١٩٦٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٣/ ٢١٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز الإشارة بالمسبِّحة في الدعاء حال الخطبة. ٢ - (ومنها): عدم مشروعية رفع اليدين في الدعاء حال الخطبة، وأن ما يفعله كثير من الخطباء من رفع أيديهم عند الخطبة بدعة، وإنما الثابت الإشارة بالإصبع. ٣ - (ومنها): مشروعية الدعاء في الخطبة. ٤ - (ومنها): إنكار المنكر، ولو كان فاعله ذا وَجَاهة، فإن من واجب المسلم أن لا يأخذه في الله لومة لائم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠١٧] (…) - (وَحَدَّثَنَاه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: رَأَيْتُ بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ يَوْمَ جُمُعَةٍ، يَرْفَعُ يَدَيْهِ، فَقَالَ عُمَارَةُ بْنُ رُؤَيْبَةَ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ البزاز، مشهور بكنيته ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: هذا الإسناد من الرباعيّات أيضًا كسابقه، وهو (١٣١) من رباعيّات الكتاب. وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَهُ) فاعل «ذَكَرَ» ضمير أبي عوانة؛ يعني: أن أبا عوانة حدّث عن حُصين بن عبد الرحمن نحو حديث عبد الله بن إدريس، عنه. [تنبيه]: رواية أبي عوانة، عن حُصين هذه ساقها النسائيّ ﵀ في «السنن الكبرى» (١/ ٥٣١) بسند المصنّف، فقال: (١٧١٤) أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال: نا أبو عوانة، عن حُصين بن عبد الرحمن، قال: رأيت بشر بن مروان يوم الجمعة، يرفع يديه، فقال
مصادر المؤلف (٤١)

١. وفي نسخة: «وحدّثني».

٢. وقال في «تهذيب التهذيب»: له عند مسلم حديثُ عمار في قصر الخطبة، وحديث ابن عمرو في نفقة الرقيق.

٣. قال في «القاموس»: السابريّ: ثوبٌ رقيقٌ جيّد. اهـ.

٤. راجع: «التتبّع» ص ١٨٢ - ١٨٥ نسخة الشيخ ربيع المدخليّ.

٥. «العلل الواردة في الأحاديث النبوية» ٥/ ٢٢٣ - ٢٢٤.

٦. «سنن البيهقي الكبرى» ٣/ ٢٠٨.

٧. «النهاية في غريب الأثر» ٤/ ٢٩٠ - ٢٩١.

٨. معناه: أي: لم يتأكّدوا من وقت التعريس، ويقال: أتاني فلانٌ ما مأنتُ مأنه، ولا شأنتُ شأنه؛ أي: لم أُفكّر فيه، ولم أتهيّأ له. انتهى. «المفهم» ٢/ ٥٠٤.

٩. «لسان العرب» ١٣/ ٢٩، و«المفهم» ٢/ ٥٠٤.

١٠. راجع: «المصباح المنير» ٢/ ٥٠٥.

١١. «شرح النووي» ٦/ ١٥٨ - ١٥٩.

١٢. «المفهم» ٢/ ٥٠٤.

١٣. راجع: «مرقاة المفاتيح» ٣/ ٤٥١.

١٤. «المفهم» ٢/ ٥٠٤ - ٥٠٥.

١٥. «شرح النوويّ» ٦/ ١٥٩.

١٦. «مرقاة المفاتيح» ٣/ ٤٥١ - ٤٥٢.

١٧. وفي نسخة: «وحدّثنا».

١٨. «شرح السنديّ على النسائيّ» ٦/ ٩٠.

١٩. «إكمال المعلم» ٣/ ٢٧٦.

٢٠. «القاموس»، وشرحه «تاج العروس» ١٠/ ٢٧٣.

٢١. «المفهم» ٢/ ٥١٠ - ٥١٢.

٢٢. وفي نسخة: «وحدّثنا».

٢٣. راجع: «الفتح» ٨/ ٤٣١ «كتاب التفسير» رقم (٤٨١٩).

٢٤. قال ابن كثير: رواه ابن أبي حاتم.

٢٥. «عمدة القاري» ١٩/ ١٦٠.

٢٦. «المفهم» ٢/ ٥١٢.

٢٧. «شرح النووي» ٦/ ١٦٠.

٢٨. راجع: «المجموع شرح المهذّب» ٤/ ٣٨٨ - ٣٩٠.

٢٩. وفي نسخة: «عن ابنة».

٣٠. «المصباح المنير» ١/ ٧٧.

٣١. «القاموس المحيط» ١/ ٣٨١.

٣٢. «شرح النوويّ» ٦/ ١٦١.

٣٣. وفي نسخة: «حدّثنا».

٣٤. وفي نسخة: «ما أخذتُ».

٣٥. «إكمال المعلم» ٣/ ٢٧٦ - ٢٧٧.

٣٦. وفي نسخة: «حدّثنا».

٣٧. «المصباح المنير» ٢/ ٥٩٠.

٣٨. «القاموس المحيط» ٢/ ١٣٧.

٣٩. راجع: «المسند» ٤/ ١٣٦.

٤٠. «الكاشف عن حقائق السنن» ١٤/ ٢٨٦.

٤١. «مرقاة المفاتيح»٣/ ٤٦٢.