HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٨٨٤

وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وعبد بن حميد. جميعا عن عبد الرزاق. قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا ابْنِ جُرَيْجٍ. أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ طاوس، عن ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ: شَهِدْتُ صَلَاةَ الْفِطْرِ مَعَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ. فَكُلُّهُمْ يُصَلِّيهَا قَبْلَ الْخُطْبَةِ. ثُمَّ يَخْطُبُ. قَالَ فَنَزَلَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ حِينَ يُجَلِّسُ الرِّجَالَ بِيَدِهِ. ثُمَّ أَقْبَلَ يَشُقُّهُمْ. حَتَّى جاء النساء ومعه بلال. فقال: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يشركن بالله شيئا﴾ [٦٠/ الممتحنة/ الآية ١٢] فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا. ثُمَّ قَالَ، حِينَ فَرَغَ مِنْهَا: «أَنْتُنَّ عَلَى ذَلِكِ؟» فَقَالَتِ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، لَمْ يُجِبْهُ غَيْرُهَا مِنْهُنَّ: نَعَمْ. يَا نَبِيَّ اللَّهِ! لَا يُدْرَى حِينَئِذٍ مَنْ هِيَ. قَالَ: «فَتَصَدَّقْنَ» فَبَسَطَ بِلَالٌ ثَوْبَهُ. ثُمَّ قَالَ: هَلُمَّ! فِدًى لَكُنَّ أَبِي وَأُمِّي! فَجَعَلْنَ يُلْقِينَ الْفَتَخَ وَالْخَوَاتِمَ فِي ثَوْبِ بِلَالٍ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج3 ص18
ج ٢ ص ٦٠٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٧ ص٤١٢
فجَعَل العيد من عاد يعود، وتحولت الواو في «العيد» ياء لكسرة العين، وتصغير «عيد»: «عُيَيْدٌ»، تركوه على التغيير، كما أنهم جمعوه أَعْيَادًا، ولم يقولوا: أَعْوَادًا، وقال الأزهريّ: والعيد عند العرب الوقت الذي يعود فيه الفَرَح والْحُزْن، وكان في الأصل «الْعِوْدَ» فلما سَكَنَت الواو، وانكسر ما قبلها صارت ياءً. وقيل: قُلبت الواو ياء ليفرّقوا بين الاسم الحقيقيّ وبين المصدريّ، وقال الجوهريّ: إنما جُمع أعياد بالياء للزومها في الواحد، ويقال: للفرق بينه وبين أعواد الخشب، وقال ابن الأعرابي: سمي العيدُ عيدًا؛ لأنه يعود كلَّ سنة بفرح مجدّد. انتهى. [فائدة]: جعل الله تعالى للمؤمنين ثلاثة أيَّام عيدًا: الجمعة، والفطر، والأضحى، وكلُّها بعد إكمال العبادة وطاعتهم، وليس العيد لمن لبس الجديد، بل هو لمن طاعته تزيد، ولا لمن تجمّل باللبس والركوب، بل لمن غُفرت له الذنوب، وأما عيدهم في الجنّة، فهو اجتماعهم بربهم، ورؤيتهم له في حضرة القدس، فليس عندهم شيءٌ ألذّ من ذلك ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) - (بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، وَأَنَّهُ لَا يُشْرَعُ النِّدَاءُ لَهُمَا) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٤٤] (٨٨٤) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعِ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجِ، أَخْبَرَني الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: شَهِدْتُ صَلَاةَ الْفِطْرِ مَعَ نَبِيِّ اللهِ -ﷺ-، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، فَكُلُّهُمْ يُصَلِّيهَا قَبْلَ الْخُطْبَةِ، ثُمَّ يَخْطُبُ، قَالَ: فَنَزَلَ نَبِيُّ اللهِ -ﷺ-، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ حِينَ يُجَلِّسُ الرِّجَالَ بِيَدِهِ، ثُمَّ أقبَلَ يَشُقُّهُمْ، حَتَّى جَاءَ النِّسَاءَ، وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾، فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا، ثُمَّ قَالَ حِينَ فَرَغَ مِنْهَا: «أَنْتُنَّ عَلَى ذَلِكِ؟»، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، لَمْ يُجِبْهُ غَيْرُهَا مِنْهُنَّ: نَعَمْ يَا نَبِيَّ اللهِ، لَا يُدْرَى حِينَئِذٍ مَنْ هِيَ؟ قَالَ: «فَتَصَدَّقْنَ»، فَبَسَطَ بِلَالٌ ثَوْبَهُ، ثُمَّ قَالَ: هَلُمَّ فِدًى لَكُنَّ أَبِي وَأُمِّي، فَجَعَلْنَ يُلْقِينَ الْفَتَخَ، وَالْخَوَاتِمَ فِي ثَوْبِ بِلَالٍ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيريّ، أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ زاهدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م ت س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدِ) بن نصر، أبو محمد الْكِسّيّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣١. ٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمّام بن نافع الْحِمْيَريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقة حافظٌ مصنِّفٌ شهيرٌ، عَمِيَ في آخر عمره فتغيَّر، وكان يتشيع [٩] (ت ٢١١) وله خمس وثمانون سنة (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٤ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأُمويّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، وكان يدلِّس ويرسل [٦] (ت ١٥٠) وقد جاز السبعين (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٩. ٥ - (الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ) بن يَنّاق -بفتح التحتانية، وتشديد النون، وآخره قاف- المكيّ، ثقةٌ [٥]. رَوَى عن صفية بنت شيبة، وطاووس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعطاء الكيخارانيّ، وعُبيد بن عُمير، ولم يدركه. ورَوَى عنه أبان بن صالح، وإبراهيم بن نافع، وعمرو بن مرة، وبُديل بن ميسرة، وابن جريج، وجابر الجعفيّ، وجامع بن أبي راشد، وحميد الطويل، وأسامة بن زيد الليثيّ، وغيرهم. قال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال ابن عيينة: مات الحسن بن مسلم قبل طاوس، وقال ابن سعد: مات قبل طاوس، وكان ثقةً، وله أحاديث، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال أبو داود: كان من العلماء بطاووس، وقال في «التقريب»: مات قديمًا بعد المائة بقليل. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، برقم (٨٨٤) و(١٠٢١) وأعاده بعده، و(١١٩٥) و(١٢٤٦) و(١٣١٧) و(١٣٢٨) و(٢١٢٣) وأعاده بعده. ٦ - (طَاوُسُ) بن كيسان الْحِمْيَريّ مولاهم الفارسيّ، أبو عبد الرحمن اليمانيّ، يقال: اسمه ذَكْوان، وطاوس لقبه، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ [٣] (١٠٦) وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٧ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، مات بالطائف سنة (٦٨) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان، قرن بينهما؛ لاتحاد كيفيّة تحمّله منهما، حيث سمع من لفظهما وحده، ولذا قال: «حدّثني»، ثم فرّق بينهما؛ لاختلافهما في صيغة الأداء. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، والحسن، كما أسلفته آنفًا. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه ذو مناقب جمّة، فهو ابن عم رسول الله -ﷺ-، ودعا له -ﷺ- بالفهم في القرآن، فكان يُسَمَّى البحر والحبر؛ لسعة علمه، وهو أحد المكثرين السبعة، وأحد العبادلة الأربعة، ومن فقهاء الصحابة -﵃-. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) -﵄- أنه (قَالَ: شَهِدْتُ) بكسر الهاء، من باب علِمَ يعلَم، يقال: شَهِدتُ العيد: بمعنى أدركته، وشَهِدت المجلس: حضرته . (صَلَاةَ الْفِطْرِ) منصوب على المفعوليّة، والإضافة من إضافة الشيء إلى سببه (مَعَ نَبِي اللهِ -ﷺ-، وَأَبِي بَكْرٍ) الصدّيق -﵁- (وَعُمَرَ) بن الخطّاب -﵁- (وَعُثْمَانَ) بن عفّان -﵁- (فَكُلُّهُمْ يُصَفَيهَا) هكذا رواية المصنّف بالإفراد، وهو صحيح؛ نظرًا للفظ «كلّ» فإنه مفرد؛ أي: يصلّي كل منهم صلاة الفطر، وفي رواية البخاريّ: «يصلّونها» بضمير الجمع، وهو ظاهرًا قَبْلَ الْخُطْبَةِ، ثُمَّ يَخْطُبُ) بعد الصلاة (قَالَ) ابن عبّاس -﵄-: (فَنَزَلَ نَبِيُّ اللهِ -ﷺ-) أي: من منبره إلى الأرض. [تنبيه]: قال القاضي عياض ﵀ ما حاصله: نزوله -ﷺ- إلى النساء في خطبته كان في أول الإسلام؛ تأكيدًا لبيعة الإسلام، وهو خاصّ به -ﷺ-، فليس للأئمة فعله، ولا يُباح لهم قطع الخطبة بنزول لوعظ النساء، ومن بَعُدَ من الرجال، وقول عطاء: «إن ذلك لحقّ على الأئمة، وما لهم لا يفعلونه» غير موافق عليه. انتهى خلاصة كلام القاضي ﵀. قال الجامع عفا الله عنه: في كلام القاضي عياض ﵀ هذا مؤاخذات: (الأولى): قوله: «نزوله -ﷺ- في خطبته» هذا غير صحيح، بل نزوله كان بعد فراغه من خطبته، فسيأتي في حديث جابر -﵁-، ولفظه: «ثم خطب الناس، فلما فرغ نبيّ الله -ﷺ- نزل، وأتى النساء …» الحديث، فقد صرّح بأن نزوله كان بعد الفراغ، فتبصّر. (الثانية): قوله: «كان في أول الإسلام، وهو خاصّ به -ﷺ-» فيه نظرٌ؛ فمن أين دعوى الخصوصيّة؟، فهل له عليه حجة، فتبصّر. (الثالثة): قوله: «ولا يباح لهم قطع الخطبة بنزول … إلخ» فيه نظر أيضًا، فاين دليل عدم إباحة القطع؟ بل هنا اخلاف الثابت في السنّة، فقد سبق أنه -ﷺ- قال له رجل في أثناء الخطبة: يا رسول الله رجلٌ غريبٌ جاء يسأل عن دينه، لا يدري ما دينه؟، فأقبل عليه رسول الله -ﷺ-، وترك خطبته حتى انتهى إليه، فأُتي بكرسيّ، فقعد عليه، وجعل يعلّمه مما علّمه الله، ثم أتى خطبته، فأتم آخرها، فهل بعد هنا اتطلب البيّنة؟ إن هذا لهو العجب. (الرابعة): قوله في كلام عطاء: «غير موافَق عليه»، فيه نظر أيضًا، بل غير الموافق هو القاضي عياض، فإن ما قاله عطاء ﵀ هو الموافق للسنّة، ولذلك عقد الإمام البخاريّ ﵀ في «صحيحه» له بابًا، فقال: «باب موعظة الإمام النساء يوم العيد»، ثم أورد حديث جابر الآتي، وفي آخره قول عطاء هذا. والحاصل أن مشروعيّة موعظة الإمام النساء في الخطبة هو الحقّ، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ) أي: إلى النبيّ -ﷺ- (حِينَ يُجَلِّسُ الرِّجَالَ بِيَدِهِ) بتشديد الجيم، من التجليس؛ أي: يأمرهم بالجلوس، مشيرًا إليهم بيده، وكأنهم لَمّا انتَقَل -ﷺ- عن مكان خطبته أرادوا الانصراف، فأمرهم بالجلوس حتى يفرُغ من حاجته، ثم ينصرفوا جميعًا، أو لعلهم أرادوا أن يتبعوه فمنعهم، وأمرهم بالجلوس . (ثُمَّ أَقْبَلَ) بالبناء للفاعل؛ أي: توجّه النبيّ -ﷺ- (يَشُقُّهُمْ) أي: يشقّ صفوف الرجال الجالسين (حَتَّى جَاءَ النِّسَاءَ، وَمَعَهُ بِلَالٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (فَقَالَ) أي: قال النبيّ -ﷺ-، بمعنى تلا قوله تعالى: (﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢]، فَتَلَا هَذ الْآيَةَ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا) أي: انتهى من قراءة الآية بتمامها. وإنما تلا النبيّ -ﷺ- هذه الآية الكريمة؛ ليُذَكِّرهنّ البيعة التي وقعت بينه وبين النساء لَمّا فَتَحَ النبيّ -ﷺ- مكة، وكان النبيّ -ﷺ- لَمّا فَرَغَ من أمر الفتح اجتَمَعَ الناس للبيعة، فجَلَس يبايعهم على الصفا، ولَمّا فَرَغ من بيعة الرجال بايع النساء، وذَكَرَ لهنّ ما ذَكَر الله في الآية المذكورة، قاله في «العمدة» . (ثُمَّ قَالَ) -ﷺ- (حِينَ فَرَغَ مِنْهَا) أي: قراءة الآية المذكورة، وقوله: («أَنْتُنَّ عَلَى ذَلِكِ؟») مقول «قال»، والخطاب للنساء، و(أَنْتُنَّ) بتقدير همزة الاستفهام؛ أي: أأنتنّ (عَلَى ذَلِكِ؟) بكسر الكاف؛ خطابًا للأنثى؛ أي: أنتنّ على ما ذُكِر في هذه الآية؟ (فَقَالَتِ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، لَمْ يُجِبْهُ غَيْرُهَا مِنْهُنَّ) أي: من النساء اللاتي حضرن خطبته -ﷺ-، وقوله: (نَعَمْ يَا نَبِيَّ اللهِ) مقول «قلت»؛ أي: نعم، نحن على ذلك. وفيه دلالة على الاكتفاء في الجواب بـ «نَعَم»، وتنزيلها منزلة الإقرار، وأن جواب الواحد عن الجماعة كافٍ؛ إذا لم يُنكِروا، ولم يمنع مانع من إنكارهم . (لَا يُدْرَى حِينَئِذٍ مَنْ هِيَ؟) قال النوويّ ﵀: هكذا وقع في جميع نسخ «صحيح مسلم»: «حينئذ»، وكذا نقله القاضي عن جميع النسخ، قال هو وغيره: وهو تصحيفٌ، وصوابه: «لا يَدري حَسَنٌ من هي؟»، وهو حسن بن مسلم راويه عن طاوس، عن ابن عباس، ووقع في «صحيح البخاريّ» على الصواب، من رواية إسحاق بن نصر، عن عبد الرزاق: «لا يَدري حسنٌ من هي؟». قال النوويّ ﵀: ويَحْتَمِلُ تصحيح «حينئذ»، ويكون معناه: لكثرة النساء، واشتمالهنّ ثيابَهُنَّ لا يدرى من هي؟. انتهى . وقد تعقّب الحافظ تصحيح النووي المذكور، فقال بعد ذكر كلامه: لكن اتّحاد المخرج دالّ على ترجيح رواية الجماعة، ولا سيما وجودُ هذا الموضع في «مصنَّف عبد الرزاق» الذي أخرجه مسلم من طريقه كالبخاريّ موافقًا لرواية الجماعة، والفرق بين الروايتين أن في رواية الجماعة تعيين الذي لم يدر مَنِ المرأة؟، بخلاف رواية مسلم. قال: ولم أقف على تسمية هذه المرأة إلا أنه يَختلج في خاطري أنها أسماء بنت يزيد بن السَّكَن التي تُعْرَف بخطيبة النساء، فإنها رَوَت أصل هذه القصة في حديث أخرجه البيهقيّ، والطبرانيّ، وغيرهما، من طريق شَهْر بن حَوْشَب، عن أسماء بنت يزيد، أن رسول الله -ﷺ- خرج إلى النساء، وأنا معهنّ، فقال: «يا معشر النساء، إنكن أكثر حَطَبُ جهنّم»، فناديت رسول الله -ﷺ-، وكنت عليه جَرِيئة: لِمَ يا رسول الله؟ قال: «لأنكن تُكْثِرن اللعن، وتَكْفُرن العشير …» الحديث، فلا يبعد أن تكون هي التي أجابته أوّلًا بـ «نعم»، فإن القصّة واحدة، فلعل بعض الرواة ذَكَر ما لم يذكره الآخر، كما في نظائره، والله أعلم. وقد رَوَى الطبراني من وجه آخر، عن أم سلمة الأنصارية، وهي أسماء المذكورة، أنها كانت في النسوة اللاتي أَخَذَ عليهنّ رسول الله -ﷺ- ما أخذ … الحديث. ولابن سعد من حديثها: أَخَذ علينا رسول الله -ﷺ- أن لا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، الآية. انتهى كلام الحافظ ﵀ ، وهو بحث مفيدٌ، وتعقّبه العينيّ على عادته المستمرّة، أعرضت عن ذكره؛ لكونه مجرّد تحامل، فتنبّه. (قَالَ) -ﷺ- («فَتَصَدَّقْنَ») قال العينيّ ﵀: هذه صيغة أمر، أَمَرَهُنّ -ﷺ- بالصدقة، وهذه الصيغة تشترك فيها جماعة النساء من الماضي، ومن الأمر لهنّ، ويُفَرَّق بينهما بالقرينة. [فإن قلت]: ما هذه الفاء فيها؟. [قلت]: يجوز أن تكون للجواب لشرط محذوف، تقديره: إن كنتنّ على ذلكِ، فتصدقن، ويجوز أن تكون للسببية. انتهى كلام العينيّ ﵀ ، وهو بحث نفيسٌ. وقال الحافظ ﵀: قوله: قال: «فتصدقن» هو فعل أمر لهنّ بالصدقة، والفاء سببية، أو داخلة على جواب شرط محذوف، تقديره: إن كنتن على ذلك فتصدقن، ومناسبته للآية من قوله: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة: ١٢]، فإن ذلك من جملة المعروف الذي أُمِرْنَ به. انتهى . (فَبَسَطَ بِلَالٌ) -﵁- (ثَوْبَهُ) أي: ليجمع صدقات النساء (ثُمَّ قَالَ) بلال -﵁- (هَلُمَّ) هذا على اللغة الفصحى في التعبير بها للمفرد والجمع، قال في «الفتح»؛ أي: أحضرن الصدقات، وادفعنها إليّ. وقال في «العمدة»: لفظ «هَلُمّ» من أسماء الأفعال المتعدية، نحو هَلُمّ زيدًا؛ أي: هاته، وقَرِّبه، وهو مركب من الهاء، ولُمَّ، من لممت الشيء جمعته، وششوي فيه الواحد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث، تقول: هَلُمّ يا رجل، هلم يا رجلان، هلم يا رجال، هلم يا امرأةُ، هلم يا امرأتان، هلم يا نسوة، هذه لغة أهل الحجاز، وأما بنو تميم، فيقولون: هَلُمَّ، هَلُمّا، هَلُمّوا، هَلُمِّي، هَلُمّا، هَلْمُمْن والأولى أفصح، ويجيء لازمًا أيضًا، قال تعالى: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: ١٨]. انتهى . (فدًى) بكسر الفاء والقصر (لَكُنَّ) بضم الكاف وتشديد النون؛ لأنه خطاب للنساء، فقوله: «فدى» مرفوعٌ على أنه خبر لقوله: (أَبِي وَأُمِّي) والتقدير: أبي وأمي مَفْدِيّان لَكُنّ. قوله: «لكُنَّ» بضم الكاف وتشديد النون. وقال في «العمدة»: «فداء»: إذا كُسِر الفاء يُمَدُّ ويُقْصَرُ، وإذا فُتِح فهو مقصور، والفداء: فِكاكُ الأسير، يقال: فداه يَفْديه فِداءً، وفَدىً، وفاداه يفاديه مُفاداةً: إذا أعطى فِداءه، وأنقذه، وفداه بنفسه، وفدّاه: إذا قال له: جُعِلتُ فداك، وقيل: المفاداة أن يُفْتَكّ الأسير بأسير مثله. انتهى . (فَجَعَلْنَ) أي: شرع النساء (يُلْقِينَ) بضم الياء، من الإلقاء، وهو الرمي؛ أي: يرمين (الْفَتَخَ) منصوب على المفعولية لـ«يُلقين» (وَالْخَوَاتِمَ) منصوب بالعطف على سابقه. قال النوويّ ﵀: «الفتخ»: بفتح الفاء والتاء المثناة فوقُ، وبالخاء المعجمة، واحدها فتَخَةٌ، كقَصَبَة وقَصَب، واختُلِف في تفسيرها، ففي «صحيح البخاري»، عن عبد الرزاق قال: هي الخواتيم العظام، وقال الأصمعيّ: هي خواتيم لا فُصُوص لها، وقال ابن السّكِّيت خواتيم تُلْبس في أصابع اليد، وقال ثعلب: وقد يكون في أصابع الواحد من الرجال، وقال ابن دُريد: وقد يكون لها فُصوص، وتجمع أيضًا فَتَخَاتٍ وأَفْتاخٍ. و«الخواتيم»: جمع خاتم، وفيه أربع لغات: فتح التاء، وكسرها، وخاتام، وخيتام. انتهى كلام النوويّ ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم في «شرح المقدّمة» عند قوله: «وصلّى الله على محمد خاتم النبيين»، أن للخاتم نحو تسع لغات، واستوفيتها نثرًا ونظمًا، فارجع إليه تستفد علمًا، وبالله تعالى التوفيق. وقال في «الفتح» بعد ذكر تفسير عبد الرزّاق، ما حاصله: ولكن لم يذكر عبد الرزّاق في أيّ شيء كانت تُلْبَس، وقد ذكر ثعلب أنهن كُنّ يلبسنها في أصابع الأرجل، ولهذا عطف عليها «الخواتيم»؛ لأنها عند الإطلاق تنصرف إلى ما يُلْبَس في الأيدي. وحُكِي عن الأصمعيّ أن الفتخ الخواتيم التي لا فُصوص لها، فعلى هذا هو من عطف الأعمّ على الأخصّ. انتهى . [تنبيه]: ذكر في «الفتح» هنا، ما نصّه: وقد وقع في بعض طرقه عند مسلم هنا ذكر الخلاخيل. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي عزاه إلى مسلم من ذكر الخلاخيل، لم أجده هنا فيما لديّ من النسخ، فليُحرّر، والله تعالى أعلم. وقوله (فِي ثَوْبِ بِلَالٍ) متعلّق بـ «يُلقين»، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٢٠٤٤ و٢٠٤٥ و٢٠٤٦] (٨٨٤)، و(البخاريّ) (٩٨ و٨٦٣ و٩٦٢ و٩٦٤ و٩٧٥ و٩٧٧ و٩٨٩ و١٤٤٩ و٤٨٩٥ و٥٢٤٩ و٥٨٨٠ و٥٨٨٣ و٧٣٢٥)، و(أبو داود) في «الصلاة» (١١٤٢)، و(ابن ماجه) في إقامة «الصلاة» (٢٧٣)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٣/ ٢٧٩)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٢/ ٧٦)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٢٤٢ و٢٨٥ و٣٣١ و٣٤٥ و٣٤٦)، و(الدارميّ) في «سننه» (١/ ٤٥٦)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١٤٥٨)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (١/ ٧٦)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٩٨٦ و١٩٨٧ و١٩٨٨)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٣/ ٢٩٧)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٤/ ٣٥٢) و«مشكل الآثار» (١٥/ ١٨٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): مشروعيّة صلاة العيدين، قال الإمام ابن دقيق العيد ﵀: لا خلاف في أن صلاة العيدين من الشعائر المطلوبة شرعًا، وقد تواتر بها النقل الذي يَقطَع العذرَ، وُيغني عن أخبار الآحاد، وإن كان هذا الحديث من آحاد ما يدُلّ عليها، وقد كان للجاهلية يومان مُعَدّان للَّعِب، فأبدل الله المسلمين منهما هذين اليومين اللذين يَظْهَر فيهما تكبيرُ الله، وتحميده، وتمجيده، وتوحيده، ظهورًا شائعًا، يُغِيظ المشركين، وقيل: إنهما يقعان شكرًا على ما أنعم الله به من أداء العبادات التي في وقتهما، فعيد الفطر شكرًا لله تعالى على إتمام صوم شهر رمضان، وعيد الأضحى شكرًا على العبادات الواقعة في العشر، وأعظمها إقامة وظيفة الحج. انتهى . ٢ - (ومنها): أنه دليل لمذهب العلماء كافّةً أن خطبة العيد بعد الصلاة، قال القاضي عياض ﵀: هذا هو المتّفَهق عليه من مذاهب علماء الأمصار، وأئمة الفتوى، ولا خلاف بين أئمتهم فيه، وهو فعل النبيّ -ﷺ-، والخلفاء الراشدين بعده، إلا ما رُوي أن عثمان في شطر خلافته الأخير قَدَّم الخطبة؛ لأنه رأى من الناس مَن تفوته الصلاة، ورُوي مثله عن عمر، وليس بصحيح، وقيل: إن أول مَن قدَّمها معاوية، وقيل: مروان بالمدينة في خلافة معاوية، وقيل: زيادٌ بالبصرة في خلافة معاوية، وقيل: فعله ابن الزبير في آخر أيامه، ذكره النوويّ ﵀. وقال ابن دقيق العيد ﵀: قد ثبت أن الصلاة مقدمة على الخطبة في صلاة العيد، وهذا الحديث يدل عليه، وقيل: إن بني أمية غَيَّروا ذلك، وجميع ما له خُطَبٌ من الصلوات، فالصلاة مقدَّمة إلا الجمعة، وخطبة يوم عرفة، وقد فُرِّق بين صلاة العيد والجمعة بوجهين: [أحدهما]: أن صلاة الجمعة فرض عين، ينتابها الناس من خارج المصر، ويدخل وقتها بعد انتشارهم في أشغالهم، وتصرفاتهم في أمور الدنيا، فقُدِّمت الخطبة فيها، حتى يتلاحق الناس، ولا يفوتهم الفرض، لا سيما فرض لا يُقْضَى على وجهه، وهذا معدوم في صلاة العيد. [الثاني]: أن صلاة الجمعة هي صلاة الظهر حقيقةً، وإنما قُصِرت بشرائط، منها الخطبتان، والشرط لا يتأخر، وتتعذر مقارنة هذا الشرط للمشروط الذي هو الصلاة، فلزم تقديمه، وليس هذا المعنى في صلاة العيد؛ إذ ليست مقصورة عن شيء آخر بشرط، حتى يلزم تقديم ذلك الشرط. انتهى . ٣ - (ومنها): بيان استحباب وعظ النساء، وتذكيرهنّ الآخرة، وأحكام الإسلام، وتذكيرهنّ بما يجب عليهنّ، ويستحب حثُّهنّ على الصدقة، وتخصيصهنّ بذلك في مجلس منفرد، قال النوويّ: وهذا إذا لم يترتب على ذلك مفسدةٌ، وخوفٌ على الواعظ، أو الموعوظ، أو غيرهما. ٤ - (ومنها): أن النساء إذا حضرن صلاة الرجال، ومجامعهم يكُنّ بِمَعْزِل عنهم؛ خوفًا من فتنة، أو نظرة، أو فكر ونحوه. ٥ - (ومنها): أن صدقة التطوع لا تفتقر إلى إيجاب وقبول، بل تكفي فيها المعاطاة؛ لأنهن ألقين الصدقة في ثوب بلال من غير كلام منهنّ، ولا من بلال، ولا من غيره، قال النوويّ: وهذا هو الصحيح في مذهبنا، وقال أكثر أصحابنا العراقيين: تفتقر إلى إيجاب وقبول باللفظ؛ كالهبة، والصحيح الأول، وبه جزم المحققون. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: اشتراط التلفّظ بالإيجاب والقبول في المعاملات؛ كالبيع والشراء فيه، والهبة والنكاح مما لا دليل عليه، والحقّ عدم الاشتراط، وقد حقّقته في «كتاب النكاح» من «شرح النسائيّ» فراجعه، تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ٦ - (ومنها): جواز صدقة المرأة من مالها بغير إذن زوجها، ولا يتوقف ذلك على ثُلُث مالها، قال النوويّ: هذا مذهبنا، ومذهب الجمهور، وقال مالك: لا يجوز الزيادة على ثلث مالها إلا برضاء زوجها، ودليلنا من الحديث أن النبيّ -ﷺ- لم يسألهنّ، استأذنّ أزواجهنّ في ذلك أم لا؟، وهل هو خارج من الثلث أم لا؟، ولو اختلف الحكم بذلك لسأل، وأشار القاضي إلى الجواب عن مذهبهم بأن الغالب حضور أزواجهنّ، فتركهم الإنكار يكون رضاء بفعلهنّ، وهذا الجواب ضعيف، أو باطلٌ؛ لأنهنّ كنّ معتزلات، لا يعلم الرجال مَنِ المتصدقة منهنّ من غيرها؟ ولا قدر ما تتصدق به، ولو علموا فسكوتهم ليس إذنًا. انتهى كلام النوويّ ﵀. وعبارة «الفتح»: واستُدِلّ به على جواز صدقة المرأة من مالها من غير توقف على إذن زوجها، أو على مقدار معين من مالها؛ كالثلث، خلافًا لبعض المالكية، ووجه الدلالة من القصّة ترك الاستفصال عن ذلك كلّه، قال القرطبيّ: ولا يقال في هذا: إن أزواجهن كانوا حُضُورًا؛ لأن ذلك لم يُنْقَل، ولو نُقِل فليس فيه تسليم أزواجهنّ لهنّ ذلك؛ لأن مَن ثبت له الحقّ فالأصل بقاؤه حتى يُصَرِّح بإسقاطه، ولم يُنقل أن القوم صَرَّحُوا بذلك. انتهى. وأما كونه من الثلث فما دونه، فإن ثبت أنهنّ لا يجوز لهنّ التصرف فيما زاد على الثلث لم يكن في هذه القصة ما يدلّ على جواز الزيادة. انتهى. وقال في «العمدة»: [أفإن قلت]: احتجّ مالك ومن تبعه في ذلك بما خرّجه أبو داود، من حديث موسى بن إسماعيل، عن حماد، عن داود بن أبي هند، وحبيب المعلِّم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، أن رسول الله -ﷺ- قال: «لا يجوز لامرأة أمرٌ في مالها إذا ملك زوجها عصمتها». وبما خرّجه النسائيّ، وابن ماجه، من حديث أبي كامل، عن خالد؛ يعني: ابن الحارث، ثنا حسين، عن عمرو بن شعيب، أن أباه أخبره، عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله -ﷺ- قال: «لا يحل لامرأة عطية إلَّا بإذن زوجها». قال البيهقيّ: الطريق إلى عمرو بن شعيب صحيح، فمن أثبت أحاديث عمرو بن شعيب، لزمه إثباته. والجواب عنه من أوجه: (أحدها): معارضته بالأحاديث الصحيحة الدالة على الجواز عند الإطلاق، وهي أقوى منه، فقُدِّمت عليه، وقد يقال: إنه واقعة حال، فيمكن حملها على أنها كانت قدر الثلث. (الثاني): على تسليم الصحة إنه محمول على الأولى والأدب، ذكره الشافعيّ في «البويطيّ»، قال: وقد أَعْتَقَت ميمونة -﵂-، فلم يَعِبِ النبيّ -ﷺ- عليها، وكما يقال: ليس لها أن تصوم وزوجها حاضر، إلَّا بإذنه، فإن فَعَلت فصومها جائز، ومثله إن خرجت بغير إذنه، فباعت، فهو جائز. (الثالث): الطعن فيه، قال الشافعيّ: هذا الحديث سمعناه، وليس بثابت، فيلزَمَنا أن نقول به، والقرآن يدل على خلافه، ثم الأمر، ثم المنقول، ثم المعقول. قيل: أراد بالقرآن قوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]، وقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢]، وقوله: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ الآية [النساء: ٦]، ولم يفرّق، فدلَّت هذه الآيات على نفوذ تصرفها في مالها دون إذن زوجها. وقال -ﷺ- لزوجة الزبير -﵄-: «ارضَخِي، ولا تُوعي، فيوعيَ اللهُ عليك»، متّفَقٌ عليه، وقال: «يا نساء المسلمات لا تَحْقِرَنّ جارة لجارتها، ولو فِرْسِن شاة»، واختلدت مولاة لصفية بنت أبي عبيد من زوجها من كل شيء، فلم يُنكر ذلك ابن عمر -﵄-. وقد طَعَنَ ابن حزم في حديث عمرو بن شعيب، بأن قال: صحيفة منقطعة، وقد علمتَ أن شعيبًا صَرَّح بعبد الله بن عمرو، فلا انقطاع. وقد أخرجه الحاكم من حديث حماد بن سلمة، عن داود بن أبي هند، وحبيب المعلِّم، عن عمرو به، ثم قال: صحيح الإسناد. ثم ذكر ابن حزم من حديث ابن عمر -﵄- سئل رسول الله -ﷺ-: وما حقّ الزوج على زوجته؟ قال: «لا تصدق إلَّا بإذنه، فمان فعلت كان له الأجر، وعليها الوزر». ثم قال: هذا خبرها لكٌ؛ لأن فيه موسى بن أعين، وهو مجهول، وليث بن أبي سُليم، وليس بالقويّ، وهو غريب منه، فإن موسى بن أعين رَوَى عن جماعة، وعنه جماعة، واحتج به الشيخان، ووثقه أبو حاتم، وأبو زرعة، والنسائي. نعم فيه الحسن بن عبد الغفار، وهو مجهول، وليته أعلّه به. ثم ذكر حديث إسماعيل بن عياش، عن شُرَحبيل بن مسلم الخولانيّ، عن أبي أمامة، رفعه: «لا تنفق المرأة شيئًا من بيت زوجها إلَّا بإذنه»، قيل: يا رسول الله، ولا الطعام؟ قال: «ذلك أفضل أموالنا». ثم قال: إسماعيل ضعيف، وشُرَحبيل مجهول، لا يُدْرَى من هو؟. وهذا عجيب منه، فإسماعيل حجة فيما يروي عن الشاميين، وشُرَحبيل شاميّ، وحاشاه من الجهالة، روى عنه جماعة، قال أحمد: هو من ثقات الشاميين، نعم ضعفه ابن معين، وقد أخرجه ابن ماجه، والترمذيّ، وقال: حسنٌ. (الرابع): من أوجه الجواب ما قيل: إن المراد من مال زوجها، لا من مالها، وفيه نظرٌ. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق أنّ الأرجح في هذه المسألة هو الذي ذهب إليه الجمهور من جواز صدقة المرأة من مالها دون استئذان زوجها، ولا يقدّر ذلك بثلث ولا غيره؛ لقوّة الأدلّة على ذلك، وأما الأحاديث التي أورودها فلا تعارض أدلّة الجواز؛ لإمكان حملها على أن الأولى والأحسن لها أن تستأذن زوجها؛ تطييبًا لخاطره، وإدخالًا للمسرّة عليه، وهذا الحمل أولى؛ للجمع بين الأحاديث، فتأمّل، والله تعالى أعلم بالصواب. ٧ - (ومنها): مشروعيّة خروج النساء إلى المصلَّى. ٨ - (ومنها): جواز التفدية بالأب والأمِّ، وملاطفة العامل على الصدقة بمن يدفعها إليه. ٩ - (ومنها): بيان أن الصدقة من دوافع العذاب؛ لأنه -ﷺ- أمرهنّ بالصدقة، ثم عَلَّل بانهنّ أكثر أهل النار؛ لما يقع منهنّ من كفران النعم، وغير ذلك. ١٠ - (ومنها): أن فيه بذلَ النصيحة، والإغلاظ بها لمن احتيج في حقّه إلى ذلك، والعناية بذكر ما يُحتاج إليه؛ لتلاوة آية الممتحنة؛ لكونها خاصّة بالنساء. ١١ - (ومنها): جواز طلب الصدقة من الأغنياء للمحتاجين، ولو كان الطالب غير محتاج. قال في «الفتح»: وأَخَذَ منه الصوفية جواز ما اصطلحوا عليه من الطلب، ولا يخفى ما يُشترط فيه من أن المطلوب له أيكون غير قادر على التكسب مطلقًا، أو لما لا بُدّ له منه؟. انتهى. ١٢ - (ومنها): أن في مبادرة تلك النسوة إلى الصدقة بما يَعِزّ عليهنّ من حليهنّ مع ضيق الحال في ذلك الوقت دلالةً على رفيع مقامهنّ في الدين، وحرصهنّ على امتثال أمر الرسول -ﷺ-، ورضي الله عنهنّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم صلاة العيدين: (اعلم): أنهم اختلفوا في حُكمها، فقال الشافعيّ، وجمهور أصحابه، وجماهير العلماء: سنة مؤكّدة، وقال أبو سعيد الإصطخريّ من الشافعية: هي فرض كفاية، وقال أبو حنيفة: هي واجبة، فإذا قلنا: فرض كفاية، فامتنع أهل موضع من إقامتها قوتلوا عليها، كسائر فروض الكفاية، وإذا قلنا: إنها سنة لم يقاتلوا بتركها، كسنة الظهر، وغيرها، وقيل: يقاتلون؛ لأنها شعار ظاهر، قاله النووي في «شرح مسلم». قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الجمهور من أنها سنة مؤكّدة هو الراجح؛ لحديث طلحة بن عبيد الله -﵁- عند الشيخين وغيرهما: أن رجلًا جاء إلى النبيّ -ﷺ-، فإذا هو يسأل عن الإسلام؟ فقال رسول الله -ﷺ-: «خمس صلوات في اليوم والليلة»، قال: هل عليّ غيرها؟ قال: «لا، إلا أن تطّوّع». وحديث معاذ -﵁- المشهور، فقد أخرج الشيخان وغيرهما، عن ابن عباس -﵄-، أن النبيّ -ﷺ- بعث معاذًا -﵁- إلى اليمن، فقال: «ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم، وترد على فقرائهم». ففي هذين الحديثين دلالة ظاهرة على أن صلاة العيد تطوع غير فريضة، والله تعالى أعلم. واتفقوا على أن أوّل عيدٍ صلّاهُ النبيّ -ﷺ- عيدَ الفطر في السنة الثانية من الهجرة، وهي التي فُرِض رمضان في شعبانها، ثم داوم عليه -ﷺ- إلى أن توفّاه الله تعالى، وقيل: شُرع عيد الأضحى أيضًا في السنة الثانية من الهجرة ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والماب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٤٥] (…) - (وَحَدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْن عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- لَصَلَّى قَبْلَ الْخُطْبَةِ، قَالَ: ثُمَّ خَطَبَ، فَرَأَى أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعِ النِّسَاءَ، فَهتَاهُنَّ، فَذَكَرَهُنَّ، وَوَعَظَهُنَّ، وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، وَبِلَالٌ قَائِلٌ بِثَوْبِهِ، فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُلْقِي الْخَاتَمَ، وَالْخُرْصَ، وَالشَّيْءَ). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، نزيل مكة، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣١. ٣ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم في الباب الماضي أيضًا. ٤ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجّةٌ، فقيهٌ عابدٌ [٥] (١٣١) عن (٦٥) سنةً (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٠٥. ٥ - (عَطَاءُ) بن أبي رَبَاح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ فاضلٌ، كثير الإرسال [٣] (ت ١١٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨٣/ ٤٤٢. و«ابن عبّاس» ذُكر قبله. وقوله: (لَصَلَّى قَبْلَ الْخُطْبَةِ) بفتح اللامين، اللام الأولى جواب قسم محذوف، يتضمنه لفظ «أشهد»؛ لأنه كثيرًا مّا يُستعْمَل في معنى القسم، تقديره: والله لقد صلى، ومعناه: أحلف بالله على أن رسول الله -ﷺ- صلى صلاة العيد قبل الخطبة. وقوله: (فَرَأَى أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعِ النِّسَاءَ) «رأى» هنا بمعنى «ظنّ»، وقد صُرّح به في رواية البخاريّ، ولفظه: «فظنّ أنه لم يُسمع النساء»، وفيه دليلٌ على أن على الإمام افتقادَ رعيته، وتعليمهم، ووعظهم. وقوله: (فَذَكَّرَهُنَّ، وَوَعَظَهُنَّ). وقوله: (وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ) هي ما تُبْذَل من المال؛ لثواب الآخرة، وهي تتناول الفريضة والتطوع، لكن الظاهر أن المراد بها هنا هو الثاني، قاله في «العمدة» . (وَبِلَالٌ قَائِلٌ بِثَوْبِهِ) قال النوويّ ﵀: «قائل» بهمزة قبل اللام، يكتب بالياء؛ أي: فاتحًا ثوبه للأخذ فيه، وفي الرواية الأخرى: «وبلال باسط ثوبه»: معناه أنه بسطه ليجمع الصدقة فيه، ثم يُفَرِّقها النبيّ -ﷺ- على المحتاجين، كما كانت عادته -ﷺ- في الصدقات المتطوع بها والزكوات، وفيه دليلٌ على أن الصدقات العامّة أنما يَصْرِفها في مصارفها الإمام. انتهى . وقوله: (فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ) «جعلت» من أفعال المقاربة، وهي مثل «كاد» في الاستعمال، تَرْفَع الاسم، وخبرهُ الفعل المضارع بغير «أن»، وهو متأوَّل باسم الفاعل، فتقديره هنا: فجعلت المرأة ملقيةً الخاتم … إلخ. وقوله: (وَالْخُرْصَ) بضمّ الخاء المعجمة، وكسرها، وسكون الراء: الحلَقة الصغيرة، من الْحَلْيِ، وهو من حوْليِ الأُذُن، قاله ابن الأثير ﵀ . وقال في «القاموس»: و«الخرص» بالضمّ، ويُكسر: حَلَقَة الذهب والفضّة، أو حَلَقة الْقُرْط، أو الحلَقَةُ الصغيرة من الْحُلِيّ، جمعه خِرْصَان. انتهى . وقوله: (وَالشَّيْءَ) من عطف العامّ على الخاصّ. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٤٦] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ (ح) وحَدَّثَني يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا إِسمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَيُّوبَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود، تقدّم قريبًا. ٢ - (يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ) هو: يعقوب بن إبراهيم البغداديّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٥/ ٢٠٩.
مصادر المؤلف (٢٢)

١. راجع: «تحفة الحبيب على شرح الخطيب» ٢/ ٢١٨.

٢. راجع: «المصباح» ١/ ٣٢٤.

٣. راجع: «الفتح» ٣/ ٣٠٤، و«عمدة القاري» ٦/ ٤٣٥.

٤. «عمدة القاري» ٦/ ٤٣٥.

٥. «الفتح» ٣/ ٣٠٤.

٦. «شرح النوويّ» ٦/ ١٧٢.

٧. «الفتح» ٣/ ٣٠٤.

٨. «عمدة القاري» ٦/ ٤٣٦.

٩. »الفتح«٣/ ٣٠٤.

١٠. »عمدة القاري«٦/ ٤٣٦.

١١. »عمدة القاري«٦/ ٤٣٦.

١٢. «شرح النوويّ» ٦/ ١٧٣.

١٣. «الفتح» ٣/ ٣٠٥.

١٤. «الفتح» ٣/ ٣٠٥.

١٥. «إحكام الأحكام» ٢/ ١٢٤ - ١٢٥.

١٦. «إحكام الأحكام» ٢/ ١٢٤ - ١٢٥.

١٧. «عمدة القاري» ٢/ ١٢٤.

١٨. راجع: «المرعاة» ٥/ ٢١ - ٢٢.

١٩. «عمدة القاري» ٢/ ١٢٣.

٢٠. «شرح النوويّ» ٦/ ١٧٣ - ١٧٤.

٢١. راجع: «النهاية» ٢/ ٢٢.

٢٢. «القاموس المحيط» ٢/ ٣٠٠.