وقد صحّ عن ابن عمر خلاف ما تقدّم، أخرجه البخاريّ في «الأدب المفرد» من طريق القاسم بن محمد: «رأيت ابن عمر يدعو عند القاصّ، يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، باطنهما مما يليه، وظاهرهما مما يلي وجهه». انتهى ما في «الفتح» .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تَبَيَّن بما سبق من الأحاديث ثبوت رفع اليدين في الدعاء، بل بعضها يدلّ على أنه من أسباب الإجابة، كحديث سلمان - ﵁ - المتقدم مرفوعًا: «إن ربكم حييّ كريمٌ يستحيي من عبده …» الحديث، فلا ينبغي التهاون بمثل هذا الفضل العظيم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٧٥] (٨٩٦) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - اسْتَسْقَى، فَأَشَارَ بِظَهْرِ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاءِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى) الأشيب، أبو عليّ البغداديّ، قاضي الْمَوْصِلِ وغيرها، ثقةٌ [٩] (ت ٩ أو ٢١٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٥/ ٣٢١.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابد، أثبت الناس في ثابت، وتغيّر بآخره، من كبار [٨] (ت ١٦٧) (خت م ٤) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٨٠.
والباقيان ذُكرا قبله.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) - ﵁ - (أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - اسْتَسْقَى) استفعل؛ أي: طلب
السُّقيا من الله تعالى بدعائه، وتضرّعه (فَأَشَارَ بِظَهْرِ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاءِ) وفي رواية أبي نعيم في «المستخرج» من رواية حماد، وحُميد، كلاهما عن أنس بن مالك: «أن رسول الله - ﷺ - استسقى، فمدّ يده هكذا، فأومأ حمّاد بيده حيال ثندوته، جعل بطونهما مما يلي الأرض، حتى رأينا بياض إبطيه، وهو على المنبر».
قال النوويّ - ﵀ -: قال جماعة من أصحابنا وغيرهم: السنة في كلّ دعاء لرفع بلاء، كالقَحْط ونحوه أن يرفع يديه، ويَجْعَل ظهر كفيه إلى السماء، وإذا دعا لسؤال شيء وتحصيله، جَعَل بطن كفيه إلى السماء، واحتجوا بهذا الحديث. انتهى .
وقال غيره: الحكمة في الإشارة بظهور الكفّين في الاستسقاء دون غيره للتفاؤل بتقلب الحال ظهرًا لبطن، كما قيل في تحويل الرداء، أو هو إشارة إلى صفة المسؤول، وهو نزول السحاب إلى الأرض. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ٢٠٧٥] (٨٩٦)، و(أبو داود) في «الصلاة» (١١٧١)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١٥٤ و٢٤١)، و(عبد بن حميد) في «مسنده» (١٢٩٣ و١٣٣٨)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١٤٢١)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢٤٨٦ و٢٤٨٧ و٢٤٨٨)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٢٠١٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٧٦] (…) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، وَعَبْدُ الْأَعْلَى، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ - ﷺ - كَانَ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيءٍ مِنْ دُعَائِهِ، إِلَّا فِي الِاسْتِسْقَاءِ، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ، غَيْرَ أَنَّ عَبْدَ الْأَعْلَى قَالَ: يُرَى بَيَاضُ إِبْطِهِ، أَوْ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ المعروف بالزَّمِنِ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢.
٢ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، نُسب لجدّه، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ١٩٤) على الصحيح (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٨.
٣ - (عَبْدُ الْأَعْلَى) بن عبد الأعلى الساميّ، أبو محمد البصريّ، [ثقةٌ] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في «الطهارة» ٥/ ٥٥٧.
٤ - (سَعِيدُ) بن أبي عروبة مِهْرَان اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختلط، وكان من أثبت الناس في قتادة [٦] (ت ٦ أو ١٥٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٧.
٥ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ يُدلّس، من رؤوس [٤] (ت ٧ أو ١١٨) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧٠.
و«أنسٌ» - ﵁ - ذُكر قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف - ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين من أوله إلى آخره، وتقدّم الكلام في أنس - ﵁ - قريبًا.
شرح الحديث:
(عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ) - ﵁ -، وفي رواية يحيى القطّان، عن سعيد، عن قتادة التالية: «أن أنسًا حدَّثهم»، فصرّح قتادة بالتحديث، فانتفت تهمة التدليس عنه (أَنَّ نَبِيَّ اللهِ - ﷺ - كَانَ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ دُعَائِهِ، إِلَّا فِي الِاسْتِسْقَاءِ) ظاهره نفي الرفع في كلّ دعاء غير الاستسقاء، وهو مُعارَض بالأحاديث السابقة التي أثبتت الرفع في غير الاستسقاء، وقد تقدم أنها كثيرة.
فذهب بعضهم إلى أن العمل بها أولى، وحَمَلَ حديث أنس على نفي رؤيته، وذلك لا يستلزم نفي رؤية غيره.
وذهب آخرون إلى تأويل حديث أنس المذكور لأجل الجمع بأن يُحمل النفي على صفة مخصوصة، إما على الرفع البليغ، ويدلّ عليه قوله: «حتى يُرَى بياضُ إبطيه»، ويؤيده أن غالب الأحاديث التي وردت في رفع اليدين في الدعاء إنما المراد به مدّ اليدين وبسطهما عند الدعاء، وكأنه عند الاستسقاء مع ذلك زاد، فرفعهما إلى جهة وجهه حتى حاذتاه، وبه حينئذ يرى بياض إبطيه، وإما على صفة رفع اليدين في ذلك، كما رواه مسلم من رواية ثابت، عن أنس: «أن رسول الله - ﷺ - استسقى، فأشار بظهر كفيه إلى السماء»، ولأبي داود من حديث أنس أيضًا: «كان يستسقي هكذا، ومدّ يده، وجعل بطونهما مما يلي الأرض، حتى رأيت بياض إبطيه».
وقال النوويّ: هذا الحديث ظاهره يوهم أنه - ﷺ - لم يرفع يديه إلا في الاستسقاء، وليس الأمر كذلك، بل قد ثبت رفعه - ﷺ - يديه في الدعاء في مواطن غير الاستسقاء، وهي أكثر من أن تحصى، وقد جمعت منها نحوًا من ثلاثين حديثًا من «الصحيحين»، أو أحدهما، وذكرتها في أواخر «باب صفة الصلاة» من «شرح المهذَّب»، فيتؤول هذا الحديث على أنه لم يرفع الرفع البليغ، بحيث يرى بياض أبطيه إلا في الاستسقاء، أو أن المراد لم أره يرفع، وقد رآه غيره، فيُقدَّم المثبتون في مواضع كثيرة، وهم جماعات على واحد لم يحضر ذلك، ولا بُدَّ من تأويله؛ لما ذكرناه، والله أعلم. انتهى .
وقوله: (حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ) متعلّق بمحذوف، تبيّنه الرواية الأخرى بلفظ: «فَإِنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ».
و«يُرَى» بالبناء للمفعول، و«بياض» بالرفع نائب فاعله.
وفيه استحباب المبالغة في رفع اليدين في دعاء الاستسقاء.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّ عَبْدَ الْأَعْلَى قَالَ: يُرَى بَيَاضُ إِبْطِهِ، أَوْ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ) يعني: أن عبد الأعلى قال في روايته لهذا الحديث عن سعيد بن أبي عروبة: «حتى يُرى بياضُ إبطه، أو بياض إبطيه» بالشكّ هل هو بإفراد «إبطه»، أو تثنيته؟ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس - ﵁ - هذا مُتَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ٢٠٧٦ و٢٠٧٧] (٨٩٥)، و(البخاريّ) في «الاستسقاء» (١٠٣١) و«المناقب» (٣٥٦٥)، و(أبو داود) في «الصلاة» (١١٧٠)، و(النسائيّ) في «الاستسقاء» (١٥١٣) و«الكبرى» (١٨١٧ و١٧٤٨)، و(ابن ماجه) (١١٨٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١٨١ و٢٨٢)، و(الدارمي) في «سننه» (١٥٤٣)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١٤١١)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢٤٨٤)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٢٠١٦)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٧٧] (…) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، أبو سعيد البصريّ الإمام الحجة الثبت الناقد البصير، من كبار [٩] (ت ١٩٨) عن (٧٨) سنةً، تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨٥.