HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٩٠٤

وحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ. حدثنا إسماعيل بن عُلَيَّةَ عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتَوَائِيِّ. قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْحَرِّ. فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَصْحَابِهِ. فَأَطَالَ الْقِيَامَ. حَتَّى جَعَلُوا يَخِرُّونَ. ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ. ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ. ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ. ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ. ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ. ثُمَّ قَامَ فَصَنَعَ نَحْوًا مِنْ ذَاكَ. فَكَانَتْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ. ثُمَّ قَالَ « إِنَّهُ عُرِضَ عَلَيَّ كُلُّ شَيْءٍ تُولَجُونَهُ. فَعُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ. حَتَّى لَوْ تَنَاوَلْتُ مِنْهَا قِطْفًا أَخَذْتُهُ (أَوَ قَالَ تَنَاوَلْتُ مِنْهَا قِطْفًا) فَقَصُرَتْ يَدِي عَنْهُ. وَعُرِضَتْ عَلَيَّ النَّارُ. فَرَأَيْتُ فِيهَا امْرَأَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ تُعَذَّبُ فِي هِرَّةٍ لَهَا. رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا. وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ. وَرَأَيْتُ أَبَا ثُمَامَةَ عَمْرَو بْنَ مَالِكٍ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ. وَإِنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَخْسِفَانِ إِلَّا لِمَوْتِ عَظِيمٍ. وَإِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ يريكموهما. فإذا خسفا فصلوا حتى ينجلى».
ج ٢ ص ٦٢٢

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٨ ص٦٠
(٣) - (بَابُ بَيَانِ مَا عُرِضَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ، مِنْ أَمْرِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٠٠] (٩٠٤) - (وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتَوَائِيِّ، قَالَ: حَدَّثنا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْحَرِّ، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِأَصْحَابِهِ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، حَتَّى جَعَلُوا يَخِرُّونَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ قَامَ فَصَنَعَ نَحْوًا مِنْ ذَاكَ ، فَكَانَتْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّهُ عُرِضَ عَلَيَّ كُلُّ شَيْءٍ تُولَجُونَهُ، فَعُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ، حَتَى لَوْ تَنَاوَلْتُ مِنْهَا قِطْفًا أَخَذْتُهُ، أَوْ قَالَ: تَنَاوَلْتُ مِنْهَا قِطْفًا، فَقَصُرَتْ يَدِي عَنْهُ، وَعُرِضَتْ عَلَيَ النَّارُ، فَرَأَيْتُ فِيهَا امْرَأَةً مِنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ، تُعَذَّبُ فِي هِرَّةٍ لَهَا رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ، وَرَأَيْتُ أَبَا ثُمَامَةَ عَمْرَو بْنَ مَالِكٍ يَجُرُّ قُصْبَهُ: فِي النَّارِ، وَإِنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَخْسِفَانِ إِلَّا لِمَوْتِ عَظِيمٍ، وَإِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، يُرِيكُمُوهُمَا، فَإِذَا خَسَفَا فَصَلُّوا حَتَّى تَنْجَلِيَ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ) العبديّ مولاهم، أبو يوسف البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في«الإيمان»٢٥/ ٢٠٩. ٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) هو: إسماعيل بن إبراهيم بن مِقْسَم الأسديّ مولاهم، أبو بِشْر البصريّ، ثقةٌ حافظ [٨] (ت ١٩٣) عن (٨٣) سنةً (ع) تقدم في«المقدمة»٢/ ٣. ٣ - (هِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ) تقدّم قبل باب. ٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في«الإيمان»٤/ ١١٩. ٥ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابىّ - ﵄ -، مات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في«الإيمان» ٤/ ١١٧. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى الجماعة عنهم بلا واسطة. ٤ - (ومنها): أن جابرًا - ﵁ - أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) - ﵄ - أنه (قَالَ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ) من باب ضرب؛ أي: اسودّت بالنهار، وذهب ضوؤها (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْحَرِّ، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِأَصْحَابِهِ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، حَتَّى جَعَلُوا يَخِرُّونَ) من باب نصر، وضَرَب؛ أي: يسقطون على الأرض؛ لطول القيام، وهو في معنى ما تقدّم في حديث عائشة - ﵂ -: «حتى إن رجالًا يومئذ يُغشى عليهم، حتى إن سِجَال الماء لَتُصبّ عليهم مما قام بهم» (ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ، ثمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ) قال النوويّ - ﵀ -: ظاهره أنه طوّل الاعتدال الذي يليه السجود، ولا ذكر له في باقي الروايات، ولا في رواية جابر من جهة غير أبي الزبير، وقد نقل القاضي إجماع العلماء أنه لا يطوّل الاعتدال الذي يليه السجود، وحينئذ يُجاب عن هذه الرواية بجوابين: [أحدهما]: أنَّها شاذّة، مخالفة لرواية الأكثرين، فلا يُعمل بها. [والثاني]: أن المراد بالإطالة تنفيس الاعتدال، ومَدّه قليلًا، وليس المراد إطالته نحوَ الركوع. انتهى . قال الحافظ - ﵀ - بعد نقل كلام النوويّ هذا ما نصّه: وتُعقّب بما رواه النسائيّ، وابن خزيمة، وغيرهما من حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ - أيضًا، ففيه: «ثم ركع، فأطال، حتى قيل: لا يرفع، ثم رفع، فأطال، حتى قيل: لا يسجد، ثم سجد، فأطال، حتى قيل: لا يرفع، ثم رفع، فجلس، فأطال الجلوس، حتى قيل: لا يسجد، ثم سجد»، لفظ ابن خزيمة من طريق الثوريّ، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عنه، والثوريّ سمع من عطاء قبل الاختلاط، فالحديث صحيح. قال: ولم أقف في شيء من الطرُق على تطويل الجلوس بين السجدتين إلَّا في هذا ، وقد نقل الغزاليّ الاتفاق على ترك إطالته، فإن أراد الاتفاق المذهبيّ، فلا كلام، وإلا فهو محجوج بهذه الزواية. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بهذه الرواية مشروعيّة إطالة الجلوس بين السجدتين؛ لأنَّها زيادة ثقةٌ يجب قبولها، كما يشير إليه كلام الحافظ - ﵀ -، فتنبّه. (ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ) لَمْ يذكر في الرواية تطويل السجدتين، لكن ثبت في حديث أسماء - ﵂ - عند البخاريّ، وأحمد بلفظ: «فسجد، فأطال السجود، ثم رفع، ثم سجد، فأطال السجود»، وفي رواية سمرة بن جندب - ﵄ - عند أبي داود، ولفظه: «ثم سجد بنا كأطول ما سجد بنا في صلاة قطإ، وفي حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ - الآتي للمصنّف، بلفظ:»ثم جُلي عن الشمس، قالت عائشة: ما ركعت ركوعًا قط، ولا سجدت سجودًا قط كان أطول منه«. (ثُمَّ قَامَ فَصَنَعَ نَحْوًا مِنْ ذَاكَ) وفي نسخة:»من ذلك«(فَكَانَتْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ) أي: ركوعات (وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، ثُمَّ قَالَ) - ﷺ -: («إِنَّهُ) الضمير للشأن؛ أي: إن الأمر والشأن (عُرِضَ عَلَيَّ) بالبناء للمفعول، وفي نسخة: »قد عُرِضَ عليّ« وقوله: (كُلُّ شَيْءٍ) مرفوع على أنه النائب عن الفاعل (تُولَجُونَهُ) بالبناء للمفعول أيضًا؛ أي: تُخلونه من جنّة، ونار، وقبر، ومحشرٍ، وغيرها، ثم فصّل بعض ما أجمله في قوله: »كلُّ شيء تُولجونه« بقوله: (فَعُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ) قال القاضي عياض: قال العلماء: يَحْتَمِلُ أنه رآهما رؤية عين كشف الله تعالى عنهما، وأزال الحجب بينه وبينهما، كما فُرِج له عن المسجد الأقصى حين وصفه، ويكون قوله - ﷺ -: »في عُرْض هذا الحائط«؛ أي: في جهته وناحيته، أو في التمثيل لقرب المشاهدة، قالوا: وَيحْتَمِل أن يكون رؤيةَ علم وعرض وحي باظلاعه وتعريفه من أمورها تفصيلًا ما لَمْ يعرفه قبل ذلك، ومن عظيم شأنهما ما زاده علمًا بأمرهما، وخشية وتحذيرًا ودوام ذكر، ولهذا قال - ﷺ -: »لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرًا، ولضحكتم قليلًا«، قال القاضي: والتأويل الأول أولي، وأشبه بألفاظ الحديث؛ لما فيه من الأمور الدالّة على رؤية العين، كتناوله - ﷺ - العنقود، وتأخُّره مخافةَ أن يصيبه لَفْحُ النار. انتهى كلام القاضي - ﵀ -، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب. (حَتَّى لَوْ تَنَاوَلْتُ مِنْهَا قِطْفًا أَخَذْتُهُ) معنى تناولت: مددت يدي لأخذه، والْقِطْف - بكسر القاف - العنقود، وهو فِعْل بمعنى مفعول، كالذِّبْح بمعنى المذبوح، وفيه أن الجَنَّة والنار مخلوقتان موجودتان اليوم، وأن في الجَنَّة ثمارًا، قال النوويّ - ﵀ -: وهذا كله مذهب أصحابنا، وسائر أهل السنة، خلافًا للمعتزلة. انتهى. (أَوْ) للشكّ من الراوي (قَالَ: تَنَاوَلْتُ مِنْهَا قِطْفًا، فَقَصُرَتْ يَدِي عَنْهُ) أي: لَمْ تصل إليه (وَعُرِضَتْ عَلَيَّ النَّارُ، فَرَأَيْتُ فِيهَا امْرَأ مِنْ بَني إِسْرَائِيلَ، تُعَذبُ فِي هِرَّةٍ لَهَا) أي: بسبب هرّة (رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا) بضمّ أوله، وكسر ثالثه، من الإطعام؛ أي: لَمْ تعطها طعامًا يدفع عنها جوعها (وَلَمْ تَدَعْهَا) أي: تتركها (تَأْكُلُ) جملة في محلّ نصب على الحال (مِنْ خُشَاشِ الْأَرْضِ) بفتح الخاء المعجمة، وهي هوامُّها، وحشراتها، وقيل: صِغَار الطير، وحَكَى القاضي فتح الخاء وكسرها وضمها، والفتح هو المشهور، قال القاضي: في هذا الحديث المؤاخذة بالصغائر، قال: وليس فيه أنَّها عُذِّبت عليها بالنار، قال: ويَحْتَمِل أنَّها كانت كافرةً، فزيد في عذابها بذلك. انتهى. وتعقّبه النوويّ، فقال: وهذا ليس بصواب، جل الصواب المصرَّح به في الحديث، أنَّها عُذِّبت بسبب الهرّة، وهو كبيرةٌ؛ لأنَّها ربطتها، وأصرّت على ذلك حتى ماتت، والإصرار على الصغيرة يجعلها كبيرةً، كما هو مقرَّر في كتب الفقه وغيرها، وليس في الحديث ما يقتضي كفر هذه المرأة. انتهى كلام النوويّ - ﵀ -، وهو تعقّبٌ وجيهٌ. وقوله أيضًا: «وليس فيه - أي: الحديث - أنَّها عُذّبت عليها بالنار» فيه نظر لا يخفي، كيف، والحديث صريح في ذلك، حيث قال - ﷺ -: «وعُرِضت على النار، فرأيت فيها امرأةُ من بني إسرائيل تُعذّب في هرّة»؛ أي: تعذّب في النار، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (وَرَأَيْتُ أَبَا ثُمَامَةَ عَمْرَو بْنَ مَالِكٍ) هكذا هو في هذه الرواية، وتقدّم في حديث عائشة رمنها أنه عمرو بن لُحَيّ (يَجُرُّ قُصْبَهُ) بضمّ القاف، وإسكان الصاد؛ أي: أمعاءه (فِي النَّارِ) تقدّم في حديث عائشة - ﵂ - سبب تعذيبه بذلك؛ لأنه أول من سيّب السوائب، وجاء في رواية عند ابن إسحاق في «السيرة»: لأنه أول من غَيَّر دين إسماعيل، فنصب الأوثان، وسيّب السائبة، وبَحَرَ البحيرة، ووصل الوصيلة، وحَمَى الحامي«. (وَإِنَّهُمْ) أي: الناس (كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَخْسِفَانِ إِلَّا لِمَوْتِ عَظِيمٍ، وَإِنَّهُمَا) أي: الشمس والقمر (آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، يُرِيكُمُوهُمَا، فَإِذَا خَسَفَا) بالبناء للفاعل، من باب ضرب، وَيحْتَمِل أن يكون بالبناء للمفعول (فَصَلُّوا حَتَّى تَنْجَلِيَ») أفرد الضمير باعتبار الآية، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ٢١٠٠ و٢١٠١ و٢١٠٢] (٩٥٤)، و(أبو داود) في «الصلاة» (١١٧٩)، و(النسائيّ) في «الكسوف» (٣/ ١٣٦)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١٧٥٤)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٣٧٤ و٣٨٢)، و(ابن خُزيمة) في «صحيحه» (١٣٨٠ و١٣٨١)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٨٤٣ و٢٨٤٤)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٣٧٢ و٣٧٣)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٢٠٣٩ و٢٠٤٠)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٣/ ٣٢٤)، وأما فوائده، فقد تقدّمت قريبًا، وإدثه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٠١] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ أبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَبَّاحِ، عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: «وَرَأَيْتُ فِي النَّارِ امْرَأَةً حِمْيَرِيَّةً سَوْدَاءَ طَوِيلَةً»، وَلَمْ يَقُلْ: «مِنْ بَني إِسْرَائِيلَ»). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) مالك بن عبد الواحد، تقدّم قبل باب. ٢ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَّبَّاحِ) الْمِسْمعيّ، أبو محمد الصنعانيّ، ثم البصريّ، صدوقٌ [٩] (ت ٢٠٠) ويقال: قبلها (خ م س ق) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٧. وقوله: (عَنْ هِشَام) هو الدستوائيّ. وقوله: (حِمْيَرِيَّةً) - بكسر الحاء المهملة، وسكون الميم، وفتح الياء التحتانيّة -: نسبة إلى حِمْيَر، وهو من أصول القبائل باليمن، قاله في «اللباب» . وقوله: (وَلَمْ يَقُلْ) الفاعل ضمير عبد الملك بن الصبّاح. [تنبيه]: رواية عبد الملك بن الصبّاح، عن هشام الدستوائيّ هذه لَمْ أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٠٢] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ النَّاسُ: إِنَّمَا انْكَسَفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَامَ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَصَلَّى بِالنَّاسِ سِتَّ رَكَعَاتٍ بِأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ، بَدَأَ فَكَبَّرَ، ثُمَّ قَرَأَ، فَأَطَالَ الْقِرَاءَةَ، ثُمَّ رَكَعَ نَحْوًا مِمَّا قَامَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، فَقَرَأَ قِرَاءَةً دُونَ الْقِرَاءَةِ الْأُولَى، ثُمَّ رَكَعَ نَحْوًا مِمَّا قَامَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، فَقَرَأَ قِرَاءةً دُونَ الْقِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ، ثُمَّ رَكَعَ نَحْوًا مِمَّا قَامَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، ثُمَّ انْحَدَرَ بالسُّجُودِ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ قَامَ، فَرَكَعَ أَيْضًا ثَلَاثَ رَكعَاتٍ، لَيْسَ فِيهَا رَكْعًة، إِلَّا الَّتِى قَبْلَهَا أَطْوَلُ مِنَ الَّتِى بَعْدَهَا، وَرُكُوعُهُ نَحْوًا مِنْ سُجُودِهِ ، ثُمَّ تَأَخَّرَ، وَتَأَخَّرَتِ الصُّفُوفُ خَلْفَهُ، حَتَّى انْتَهَيْنَا، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَتَّى انْتَهَى إِلَى النِّسَاءِ، ثُمَّ تَقَدَّمَ، وَتَقَدَّمَ النَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى قَامَ فِي مَقَامِهِ، فَانْصَرَفَ حِينَ انْصَرَفَ، وَقَدْ آضَتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، وَإِنَّهُمَا لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ»، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: «لِمَوْتِ بَشَرٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَصَلُّوا، حَتَّى تَنْجَلِيَ ، مَا مِنْ شَيْءٍ تُوعَدُونَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ في صَلَاتي هَذِهِ، لَقَدْ جِيءَ بِالنَّارِ، وَذَلِكُمْ حِينَ رَأَيْتُمُونِى تَأَخرْتُ؛ مَخَافَةَ أَنْ يُصِيبَنِي مِنْ لَفْحِهَا، وَحَتى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَ الْمِحْجَنِ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ، كَانَ يَسْرِقُ الْحَاجَّ بِمِحْجَنِهِ، فَإِنْ فُطِنَ لَهُ قَالَ: إِنَّمَا تَعَلَّقَ بِمِحْجَنِي، وَإِنْ غُفِلَ عَنْهُ ذَهَبَ بِهِ، وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَةَ الْهِرَّةِ الَّتي رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ، حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا، ثُمَّ جِيءَ بِالْجَنَّةِ، وَذَلِكُمْ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَقَدَّمْتُ، حَتَّى قُمْتُ فِي مَقَامِي، وَلَقَدْ مَدَدْتُ يَدِي، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَتَنَاوَلَ مِنْ ثَمَرِهَا؛ لِتَنْظُرُوا إِلَيْهِ، ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ لَا أَفْعَلَ، فَمَا مِنْ شَيْءٍ تُوعَدُونَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي صَلَاتِي هَذِهِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانِيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ح) تقدم في«المقدمة»٢/ ٥. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) تقدّم قبل باب. ٤ - (عَبْدُ الْمَلِكِ) بن أبي سليمان ميسرة الْعَرْزميّ الكوفيّ، صدوقٌ [٥] (ت ١٤٥) (خت م ٤) تقدم في«الإيمان» ٨٣/ ٤٤٢. ٥ - (عَطَاءُ) بن أبي رباح، تقدّم قبل باب. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرِ) بن عبد الله - ﵄ - أنه (قَالَ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) أي: كان يوم كسوف الشمس هو اليوم الذي مات فيه إبراهيم ابن رسول الله - ﷺ -، وأمه مارية القبطيّة، وُلد في ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة، وتُوفّي سنة عشر، وهو ابن ثمانية عشر شهرًا على الأشهر . (فَقَالَ النَّاسُ) أي: بعض الناس، وهم الذين كانوا يعتقدون هذا الاعتقاد في الجاهلية، فبقي معهم حتى بيّن لهم النبيّ - ﷺ - كونه باطلًا (إِنَّمَا انْكَسَفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ) يعني: ابنه - ﷺ -، قال في «الفتح»: وقد ذكر جمهور أهل السير أنه مات في السنة العاشرة من الهجرة، فقيل: في ربيع الأول، وقيل: في رمضان، وقيل في ذي الحجة، والأكثر على أنَّها وقعت في عاشر الشهر، وقيل: في رابعه، وقيل: في رابع عشرة، ولا يصح شيء منها على قول ذي الحجة؛ لأن النبي - ﷺ - كان إذ ذاك بمكة في الحجِّ، وقد ثبت أنه شهد وفاته، وكانت بالمدينة بلا خلاف، نعم قيل: إنه مات سنة تسع، فإن ثبت يصحّ، وجزم النوويّ بأنها كانت سنة الحديبية، ويجاب بأنه كان يومئذ بالحديبية، ورجع منها في آخر الشهر. وفيه ردّ على أهل الهيئة؛ لأنهم يزعمون أنه لا يقع في الأوقات المذكورة، وقد فَرَضَ الشافعيّ وقوع العيد والكسوف معًا، واعترضه بعض من اعتمد على قول أهل الهيئة، وانتدَبَ أصحاب الشافعيّ لدفع قول المعترض فأصابوا. انتهى . (فَقَامَ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَصَلَّى بِالنَّاسِ سِتَّ رَكَعَاتٍ بِأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ) يعني: أنه - ﷺ - صلى ركعتين في كلّ ركعة ثلاث ركوعات، وسجدتان، وهذا كما سبق يُرجح عليه رواية من قال: صلى بركوعين؛ لما سبق، وقوله: (بَدَأَ فَكَبَّرَ) بيان لكيفيّة صلاته تلك (ثُمَّ قَرَأَ، فَأَطَالَ الْقِرَاءَةَ، ثُمَّ رَكَعَ نَحْوًا مِمَّا قَامَ) أي: ركوعًا طويلًا قريبًا من قيامه، ولم يثبت في الروايات بيان ما قاله من الأذكار في حال الركوع في تلك الصلاة، ولكنهم اتّفقوا على أنه لا قراءة فيها؛ لورود النهي عن ذلك، وإنما المشروع التسبيح والذكر (ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، فَقَرَأَ قِرَاءَةً دُونَ الْقِرَاءةِ الْأُولَى) أي: قرأ في القيام الثاني قراءة أقلّ من القراءة في القيام الأول، واتّفقوا على أنه يقرأ في القيام الأول الفاتحة وغيرها، واختلفوا في قراءة الفاتحة في القيام الثاني، فذهب مالك، والشافعيِّ، وأحمد إلى أنَّها لا تصحّ الصلاة إلَّا بقراءتها أيضًا؛ لأنَّها تُطلب قبل كلّ ركوع، وقال محمد بن مسلمة: لا يُعيد الفاتحة في القيام الثاني؛ لأنَّها ركعة واحدة، ولا تُقرأ الفاتحة فيها مرَّتين. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله محمد بن مسلمة هو الظاهر؛ لأن صلاة الكسوف، وإن تعدّدت ركوعاتها، هي ركعتان، ومعلوم أن الفاتحة تقرأ في كلّ وكعة مرّة واحدة، لا مرّتين، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ رَكَعَ نَحْوًا مِمَّا قَامَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، فَقَرَأَ قِرَاءَةً دُونَ الْقِرَاءَةِ الْأُولَى، ثُمَّ رَكَعَ نَحْوًا مِمَّا قَامَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، ثُمَّ انْحَدَرَ بالسُّجُودِ) لَمْ يذكر في هذه الرواية تطويل الرفع من الركوع الذي يعقبه السجود، لكن تقدّم في رواية جابر الماضية بلفظ: «ثم ركع فأطال، ثم رفع فأطال، ثم سجد»، وادّعى النوويّ أنَّها شاذّة، وقد سبق أن الحقّ أنَّها زيادة صحيحة يجب قبولها (فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ) تقدّم أنه قد ثبت إطالة السجود في حديث أسماء، وجابر بن سمرة، وعبد الله بن عمرو - ﵃ -، فتنبّه. (ثُمَّ قَامَ، فَرَكَعَ أَيْضًا ثَلَاثَ رَكعَاتٍ) أي: ركوعات (لَيْسَ فِيهَا رَكْعَةٌ) أي: ركوع (إِلَّا الَّتِى قَبْلَهَا أَطْوَلُ مِنَ الَّتِى بَعْدَهَا، وَرُكُوعُهُ نَحْوًا مِنْ سُجُودِهِ) هذا في النسخ بنصب «نحوًا»، ووجهه أن يكون خبرًا لـ «كان» محذوفةً؛ أي: وكان ركوعه نحوًا من سجوده، وأشار في هامش بنسخة محمد ذهني إلى أنه وقع في بعض النسخ: «نحوٌ» بالرفع، وهو واضح. (ثُمَّ تَأَخَّرَ) - ﷺ - عن مكانه الذي يصلي فيه (وَتَأَخَّرَتِ الصُّفُوفُ خَلْفَهُ، حَتَّى انْتَهَيْنَا، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ): هو ابن أبي شيبة شيخه الأول (حَتَّى انْتَهَى إِلَى النِّسَاءِ) أي: صفّ النساء (ثُمَّ تَقَدَّمَ، وَتَقَدَّمَ النَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى قَامَ فِي مَقَامِهِ) أي: في مكانه الذي كان يصلّي فيه قبل التأخّر. قال النوويّ - ﵀ -: فيه أن العمل القليل لا يبطل الصلاة، وضبط أصحابنا القليل بما دون ثلاث خطوات متتابعات، وقالوا: الثلاث متتابعات تبطلها، ويتاولون هذا الحديث على أن الخطوات كانت متفرقة، لا متوالية، ولا يصح تأويله على أنه كان خطوتين؛ لأن قوله: «انتهينا إلى النساء» يخالفه، وفيه استحباب صلاة الكسوف للنساء، وفيه حضورهنّ وراء الرجال. انتهى . (فَانْصَرَفَ) أي: فرغ من الصلاة، وسلّم منها (حِينَ انْصَرَفَ، وَقَدْ آضَتِ الشَّمْسُ) بهمزة ممدودة، قال النوويّ - ﵀ -: هكذا ضبطه جميع الرواة ببلادنا، وكذا أشار إليه القاضي عياض، قالوا: ومعناه: رجعت إلى حالها الأول قبل الكسوف، وهو من آض يئيض إذا رجع، ومنه قولهم: «أيضًا»، وهو مصدر منه. انتهى. وقال الفيّوميّ - ﵀ -: آض يَئيض أيضًا، مثلُ باع يبيع بيعًا: إذا رجع، فقولهم: افعل ذلك أيضًا معناه افعله عَوْدًا إلى ما تقدّم. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: واختلف النحويّون في «آض» هل هي من أخوات «كان»، فتحتاج إلى اسم وخبر، أو إنما تتعدّى إلى مفعول واحد بحرف جرّ؟ على قولين، وهذا الحديث يدلّ على أنَّها مما تعدّى إلى مفعول واحد بحرف جرّ، غير أنه حُذف هنا، وقد يُحذف جرف الجرّ، فينتصب ما يُحذف منه حرف الجرّ، كما قال: وَآضَ رَوْضُ اللَّهْوِ يَبْسًا ذَاوِيَا وقد رُوي هذا الحرف هنا: «أضاءت الشمس»؛ أي: ظهر ضوؤها، يقال: ضاءت الشمس، وأضاءت بمعنى واحد. انتهى . وقد ذكر الخضريّ - ﵀ - في «حاشيته» أفعالًا مثل «صار» في العمل والمعني، ومنها «آض»، فقال: وقد جاء مثل «صار» في العمل والمعنى ما جمعته بقولي [من الوافر]: بِمَعْنَى «صَارَ» فِي الأَفْعَالِ عَشْرٌ … تَحَوَّلَ آضَ عَادَ ارْجِعْ لِتَغْنَمْ وَرَاحَ غَدَا اسْتَحَالَ ارْتَدَّ فَاقْعُدْ … وَحَارَ فَهَاكَهَا وَاللهُ أَعَلَمْ (فَقَالَ) - ﷺ -: («يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، وَإِنَّهُمَا لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ»، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) يعني: ابن أبي شيبة شيخه الأول («لِمَوْتِ بَشَرٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ) أي: من انكساف الشمس والقمر (فَصَلُّوا، حَتَّى تَنْجَلِيَ، مَا مِنْ شَيْءٍ)»ما«نافية، و»من«زائدة، و»شيء«اسم»ما«الحجازيةّ، أو مبتدأ إن كانت تميميّةً، وقوله: (تُوعَدُونَهُ) صفة لـ«شيء»، وقوله: (إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ) خبر«ما»، أو خبر المبتدأ على الوجهين (في صَلَاتي هَذِهِ، لَقَدْ جِيءَ بِالنَّارِ، وَذَلِكُمْ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخرْتُ؛ مَخَافَةَ أَنْ يُصِيبَنِي) بنصب«مخافة»على أنه مفعول من أجله، وهو مصدر ميميّ لـ«خاف»؛ أي لأجل خوف (مِنْ لَفْحِهَا) بفتح اللام، وسكون الفاء، آخره حاء مهملة؛ أي: من ضرب لهبها، ومن قوله تعالى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [المؤمنون: ١٠٤]؛ أي: يضرب وجوههم لهبها، قالوا: النفح دون اللفح، قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ﴾ [الأنبياء: ٤٦]؛ أي: أدنى شيء منه، قاله الهرويّ وغيره . (وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَ الْمِحْجَنِ) بكسر الميم، وسكون الحاء المهملة، وفتح الجيم: هي خشبة في طرفها اعوجاجٌ، مثل الصَّوْلَجان، قال ابن دُريد: كلّ عُود معطوف الرأس فهو مِحْجَنٌ، والجمع الْمَحَاجن . (يَجُرُّ قُصْبَهُ) بضمّ، فسكون؛ أي: أمعاءه (فِي النَّارِ، كَانَ يَسْرِقُ الْحَاجَّ) أي: أمتعة الحاجّ، فهو على حذف مضاف، و«أل» للجنس، وفي رواية للنسائيّ: «سارق الحجيج» (بِمِحْجَنِهِ) وفي لفظ للنسائيّ: «وحتى رأيت فيها صاحب المحجن الذي كان يسرق الحاجّ بمحجنه متّكئًا على محجنه في النار يقول: أنا سارق الْمِحْجَن». (فَإِنْ فُطِنَ) بالبناء للمفعول، قال في «القاموس»: الْفِطْنة بالكسر: الْحِذْق، فَطِنَ به، وإليه، وله؛ كفَرِح، ونَصَرَ، وكَرُمَ فَطْنًا مثلَّثةً، وبالتحريك، وبضمّتين، وفُطُونةً، وفَطَانَةً، وفطانيةً مفتوحتين، فهو فاطنٌ، وفَطِينٌ، وفَطُونٌ، وفَطِنٌ، وفَطُنٌ؛ كنَدُسٍ، وفَطْنٌ؛ كعَدْل، جمعه فُطْنٌ بالضمّ، وهي فَطِنةٌ، وفاطنةٌ. انتهى . والمعنى: فإن انتُبهَ (لَهُ) لما فعله من السرقة بمحجنه (قَالَ: إِنَّمَا تَعَلَّقَ بِمِحْجَنى) أي: لست قاصدًا أخذه خُفيةً، وإنما مررت به فتعلّق بالمحجن. وفي رواية للنسائيّ: «فان فُطِن له قال: هذا من عَمَل الْمِحْجَن». وقال في «اللسان»: وصاحب الْمِحْجَن في الجاهليّة رجلٌ كان معه مِحْجَنٌ، وكان يقعُد في جادّة الطريق، فيأخذ بمِحجنه الشيء بعد الشيء من
مصادر المؤلف (٢٠)

١. وفي نسخة:«نحوًا من ذلك».

٢. وفي نسخة:«قد عُرِض عليّ».

٣. دعوى الإجماع في هذا غير صحيحة؛ كما سيأتي في كلام الحافظ ردًّا على الغزاليّ، فتنبّه.

٤. «شرح النوويّ»٦/ ٢٠٦ - ٢٠٧.

٥. قد ثبت صحّة الحديث، فيتعيّن العمل به، فتبصّر.

٦. «الفتح»٣/ ٢٤٠.

٧. راجع: «الفتح» ٨/ ٧٧ «كتاب المناقب» رقم (٣٥٢١).

٨. «اللباب في تهذيب الأنساب» ١/ ٢٦٦.

٩. وفي نسخة:«ليس منها».

١٠. وفي نسخة:«وركوعه نحوٌ من سجوده».

١١. وفي نسخة:«حتى تتجلّى».

١٢. «المنهل العذب المورود» ٧/ ٢٣.

١٣. «الفتح» ٣/ ٤٠٣ - ٤٠٤.

١٤. «شرح النوويّ» ٦/ ٢٠٩.

١٥. «المصباح المنير»١/ ٣٣.

١٦. «المفهم»٢/ ٥٥٩ - ٥٦٠.

١٧. «حاشية الخضريّ على شرح ابن عقيل على الخلاصة»١/ ١٥٨ - ١٥٩.

١٨. «شرح النوويّ» ٦/ ٢٠٩.

١٩. «المصباح المنير» ١/ ١٢٣.

٢٠. «القاموس المحيط» ٤/ ٢٥٦.