HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٩٠٧

حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ. حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ مَعَهُ. فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا قَدْرَ نَحْوِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ. ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا. ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ. ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ. ثُمَّ سَجَدَ. ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا. وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ. ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا. وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ. ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ. ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ. ثُمَّ سَجَدَ. ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدِ انْجَلَتِ الشَّمْسُ. فَقَالَ: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ. لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ. فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ هَذَا. ثُمَّ رَأَيْنَاكَ كففت. فقال «إني رأيت الجنة. قتناولت مِنْهَا عُنْقُودًا. وَلَوْ أَخَذْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا. وَرَأَيْتُ النَّارَ. فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ مَنْظَرًا قَطُّ. وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ»قَالُوا: بِمَ؟ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ «بِكُفْرِهِنَّ» قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ؟ قَالَ «بِكُفْرِ الْعَشِيرِ. وَبِكُفْرِ الْإِحْسَانِ. لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قط».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج3 ص33
ج ٢ ص ٦٢٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر سنن أبي داود, سنن الدارمي, سنن النسائي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٨ ص٩١
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٠٩] (٩٠٧) - (حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَالنَّاسُ مَعَهُ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، قَدْرَ نَحْوِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ انْصَرَفَ، وَقَدِ انْجَلَتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ، فَاذْكُرُوا اللهَ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ هَذَا، ثُمَّ رَأَيْنَاكَ كَفَفْتَ، فَقَالَ: «إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ، فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا، وَلَوْ أَخَذْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا، وَرَأَيْتُ النَّارَ، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ مَنْظَرًا قَطُّ، وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ»، قَالُوا: بِمَ يَا رَسُولَ اللهِ؟، قَالَ: «بِكُفْرِهِنَّ»، قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِاللهِ؟ قَالَ: «بِكُفْرِ الْعَشِيرِ، وَبِكُفْرِ الْإِحْسَانِ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ) الْحَدثانيّ، هَرَويّ الأصل، صدوقٌ عَمِي فتلقّن، من قدماء [١٠] (ت ٢٤٠) وله مائة سنة (م ت) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٨٧. ٢ - (حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ) الْعُقيليّ، أبو عمر الصنعانيّ، نزيل عَسْقلان، ثقةٌ ربّما وَهِمَ [٨] (ت ١٨١) (خ م مد س ق) تقدم في «الإيمان» ٨٧/ ٤٦١. ٣ - (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) الْعَدويّ مولاهم، أبو عبد الله، أوأبوأسامة المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ يُرسل [٣] (ت ١٣٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٣٦/ ٢٥٠. ٤ - (عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ مولاهم، أبو محمَّد المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ واعظٌ عابدٌ، من صغار [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١٣. ٥ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) - ﵄ - تقدَّم في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنَّه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، وحفص، كما أسلفته آنفًا. ٣ - (ومنها): أنَّه مسلسلٌ بالمدنيين ومن زيد بن أسلم. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وابن عبّاس - ﵄ - سبق الكلام فيه. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) هكذا في «الموطأ»، وفي جميع من أخرجه من طريق مالك، ووقع في رواية اللؤلؤيّ في «سنن أبي داود» «عن أبي هريرة» بدل «ابن عباس»، وهو غلط، قاله في «الفتح». أنَّه (قَالَ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ) وفي رواية النسائيّ: «خَسَفَت الشمس»، وهو بمعناه (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَالنَّاسُ مَعَهُ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، قَدْرَ نَحْوِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا في النسخ: «قدرَ نحوِ»، وهو صحيح، ولو اقتصر على أحد اللفظين لكان صحيحًا. انتهى . وهذا يدلّ على استحباب تطويل القراءة في صلاة الكسوف، وقد ثبت في حديث عائشة - ﵂ -، قالت: «فحَسِبْتُ قَرأَ سورةَ البقرة» (ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ) أي: سجدتين (ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ) فيه أن الركعة الثانية أقصر من الأولى (ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ انْصَرَفَ) أي: سلّم من الصلاة (وَقَدِ انْجَلَتِ الشَّمْسُ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (فَقَالَ: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ، فَاذْكُرُوا اللهِ») - ﷿ - (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ) قال في «الفتح»: في حديث جابر - ﵁ - عند أحمد بإسناد حسن: «فلما قضى الصلاة، قال له أُبيّ بن كعب: شيئًا صنعته في الصلاة لم تكن تصنعه»، فذكر نحو حديث ابن عباس، إلا أن في حديث جابر أن ذلك كان في الظهر، أو العصر، فإن كان محفوظًا فهي قصة أخرى، ولعلها التي حكاها أنس، وذكر أنها وقعت في صلاة الظهر، لكن فيه: «عُرضت عليّ الجنة والنار في عُرْض هذا الحائط»، حسبُ، وأما حديث جابر فهو شبيه بسياق ابن عباس في ذكر العنقود، وذكر النساء، والله تعالى أعلم. انتهى . (رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ) بصيغة الماضي، ووقع عند البخاريّ في رواية الكشميهني «تناولُ» بصيغة المضارع بضم اللام، وبحذف إحدى التاءين، وأصله تتناول (شَيْئًا فِي مَقَامِكَ هَذَا، ثُمَّ رَأَيْنَاكَ كَفَفْتَ) بفاءين خفيفتين، يقال: كفّ عن الشيء كفًّا، من باب قتل: إذا تركه، وكففته كفًّا: إذا منعتَهُ، فكفّ يتعدّى ويلزم ، وهنا الموافق هو اللزوم، وفي رواية مالك الآتية: «ثمَّ رأيناك تكعكعت» أي: توقّفت، وأحجمت. (فَقَالَ: (إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ) قد سبق أنهم اختلفوا في هذه الرؤيا، هل هي رؤية حقيقيّة، أم رؤية مجازيّة؟ وقدّمنا أن الصواب أنها رؤية حقيقية، فتنبّه (فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا) قال في «المصباح»: «العُنقُود» من الَعِنَب ونحوه فُنْعُول بضمّ الفاء، والْعِنْقَاد مثله. انتهى. (وَلَوْ أَخَذْتُهُ) وفي رواية البخاريّ: «ولو أصبته» قال في «الفتح»: واستُشكل مع قوله: «تناولت»، وأُجيب بحمل التناول على تكلّف الأخذ، لا حقيقة الأخذ. وقيل: المراد تناولت لنفسي، ولو أخذته لكم، حكاه الكرمانيّ، وليس بجيّد، وقيل: المراد بقوله: «تناولت» أي: وضعت يدي عليه، بحيث كنت قادرًا على تحويله، لكن لم يقدّر لي قطفه، ولوأصبته؛ أي: لو تمكنت من قطفه، ويدلّ عليه قوله في حديث عقبة بن عامر عند ابن خزيمة: «أهوى بيده ليتناول شيئًا»، وللبخاري في حديث أسماء - ﵂ -: «حتى لو اجترأت عليها»، وكأنه لم يُؤْذَن له في ذلك، فلم يجترئ عليه، وقيل: الإرادة مقدّرة؛ أي: أردت أن أتناول، ثمَّ لم أفعل، ويؤيده حديث جابر - ﵁ - المتقدّم عند المصنّف: «ولقد مددت يدي، وأنا أريد أن أتناول من ثمرها، لتنظروا إليه، ثمَّ بدا لي أن لا أفعل»، ومثله للبخاريّ في حديث عائشة - ﵂ -، ولفظه: «حتى لقد رأيتني أريد أن آخذ قطفًا من الجنّة، حين رأيتموني جعلت أتقدّم»، ولعبد الرزاق من طريق مرسلة: «أردت أن آخذ منها قطفًا لأريكموه، فلم يقدّر»، ولأحمد من حديث جابر: «فحيل بيني وبينه». قال ابن بطال - ﵀ -: لم يأخذ العُنقود؛ لأنه من طعام الجنة، وهو لا يَفنى، والدنيا فانية، لا يجوز أن يؤكل فيها ما لا يفنى، وقيل: لأنه لو رآه الناس لكان إيمانهم بالشهادة، لا بالغيب، فيخشى أن يقع رفع التوبة، فلا ينفع نفسًا إيمانها، وقيل: لأنَّ الجنّة جزاء الأعمال، والجزاء بها لا يقع إلا في الآخرة. وحكى ابن العربيّ - ﵀ - في «قانون التأويل» عن بعض شيوخه، أنَّه قال: معنى قوله: «لأكلتم منه … إلخ» أن يخلق في نفس الآكل مثل الذي أكل دائمًا، بحيث لا يغيب عن ذوقه. وتعقّب بأنّه رأيٌ فلسفيّ مبنيّ على أن دار الآخرة لا حقائق لها، وإنما هي أمثال. والحقّ أن ثمار الجنة لا مقطوعة، ولا ممنوعة، وإذا قُطعت خلقت في الحال، فلا مانع أن يخلق الله مثل ذلك في الدنيا إذا شاء، والفرق بين الدارين في وجوب الدوام وجوازه. [فائدة]: بيّن سعيد بن منصور في روايته من وجه آخر، عن زيد بن أسلم أن التناول المذكور كان حين قيامه الثاني من الركعة الثانية. انتهى. (لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ) قال الطيبيّ - ﵀ -: الخطاب عامّ في كلّ جماعة يتأتّى منهم السماع والأكل إلى يوم القيامة بدليل قوله: «ما بقيت الدنيا». انتهى . (مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا) «ما» مصدرية ظرفية؛ أي: مُدّةَ بقاء الدنيا؛ أي: لعدم فناء فواكه الجنة، وقول البيضاويّ: وجه ذلك إما بأن يخلق الله تعالى مكان كلّ حبّة تُقتطف حبّة أخرى، كما هو المرويّ في خواصّ ثمر الجنّة، أو بأن يتولّد منه مثله في الزرع، فيبقى نوعه ما بقيت الدنيا، فيؤكل منه. انتهى . (وَرَأَيْتُ النَّارَ) وقع في رواية عبد الرزّاق المذكورة أن رؤيته النار كانت قبل رؤيته الجنة، وذلك أنَّه قال فيه: «عُرضت على النبيّ - ﷺ - النارُ، فتأخر عن مصلاه، حتى إن الناس ليركب بعضهم بعضًا، وإذا رجع عُرضت عليه الجنة، فذهب يمشي حتى وقف في مصلّاه»، ولمسلم من حديث جابر المتقدّم: «لقد جيء بالنار حين رأيتموني تأخّرت، مخافة أن يصيبني من لَفْحها»، وفيه: «ثمَّ جيء بالجنة، وذلك حين رأيتموني تقدّمت، حتى قمت في مقامي»، وزاد فيه: «ما من شيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاتي هذه»، وفي حديث سمرة عند ابن خزيمة: «لقد رأيت منذ قمت أصلي ما أنتم لاقون في دنياكم وآخرتكم». (فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ مَنْظَرًا قَطُّ) «منظرًا» تمييز محوَّل عن المضاف؛ أي: كمنظر اليوم، والمراد باليوم الوقت، فالمعنى: كالمنظر الذي رأيته الآن، وقال في «الفتح»: المراد باليوم الوقت الذي هو فيه؛ أي: لم أر منظرًا مثل منظرٍ رأيته اليوم، فحَذَف المرئيّ، وأدخل التشبيه على اليوم لبشاعة ما رأى فيه، وبُعْده عن المنظر المألوف، وقيل: الكاف اسم، والتقدير: ما رأيت مثل منظر هذا اليوم منظرًا، ووقع في رواية المستملي، والحموي: «فلم انظر كاليوم قط أفظع». انتهى. والفظيع: الشديد الشنيع. (وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ») قال الحافظ - ﵀ -: هذا يفسّر وقتَ الرؤية في قوله لهنّ في خطبة العيد:«تصدّقن، فإني رأيتكنّ أكثر أهل النار». انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: فيما قاله نظر؛ إذ لا يتعيّن هذا تفسيرًا لما ذكره؛ إذ يحتمل أن يراهن في وقت آخر أيضًا، والله تعالى أعلم. (قَالُوا: بِمَ) وللنسائيّ:«لِمَ»باللام (يَا رَسُولَ اللهِ؟، قَالَ) - ﷺ - («بِكُفْرِهِنَّ»، قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِاللهِ؟) القائل هي: أسماء بنت يزيد بن السكن التي كانت تعرف بخطيبة النساء (قَالَ) - ﷺ -: («بِكُفْرِ الْعَشِيرِ) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا ضبطناه »بكفر« بالباء الموحّدة الجارّة، وضمّ الكاف، وإسكان الفاء، وفيه جواز إطلاق الكفر على كفران الحقوق، وإن لم يكن ذلك الشخص كافرًا بالله تعالى، وقد سبق شرح هذا اللفظ مرّات، و»العشير«: المعاشر، كالزوج وغيره، وفيه ذمّ كفران الحقوق لأصحابها. انتهى . وقال الكرمانيّ - ﵀ -: وإنما لم يُعَدّه بالباء، كما عَدّى الكفر بالله؛ لأنَّ كفر العشير لا يتضمّن معنى الاعتراف. انتهى. وقوله: (وَبِكُفْرِ الْإِحْسَانِ) كأنه بيان لقوله: «يكفرن العشير»؛ لأنَّ المقصود كفر إحسان العشير، لا كفران ذاته، والمراد بكفر الإحسان تغطيته، أو جحده، ويدلّ عليه قوله: (لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ) «لو» هنا شرطيةٌ، لا امتناعيةٌ، وقال الكرمانيّ: ويَحْتَمِل أن تكون امتناعيةً بأن يكون الحكم ثابتًا على النقيضين، والطرف المسكوت عنه أولى من المذكور، و«الدهرَ» منصوب على الظرفية، والمراد منه عمر الرجل، أو الزمان كله، مبالغةً في كفرانهنّ، وليس المراد بقوله: «أحسنت» مخطابة رجل بعينه، بل كلّ من يتأتّى منه أن يكون مخاطبًا، فهو خاصّ لفظًا، عامّ معنى (ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا) التنوين فيه للتقليل؛ أي: شيئًا قليلًا لا يوافق غرضها، من أي نوع كان. ووقع في حديث جابر - ﵁ - ما يدلّ على أن المرئيّ في النار من النساء من اتصف بصفات ذميمة ذُكرتْ، ولفظه: «وأكثر من رأيت فيها من النساء اللاتي إن ائتُمنّ أفشين، وإن سُئلن بَخِلنَ، وإن سألن ألْحَفْنَ، وإن أُعْطين لم يشكرن …» الحديث. (قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ») الظاهر أن التنوين في«خيرًا»أيضًا للتقليل؛ أي: لم أر منك قليلًا من الخير، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عباس - ﵄ - هذا مُتَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ٢١٠٩ و٢١١٠] (٩٠٧)، و(البخاريّ) في«الإيمان»(٢٩) و«الصلاة»(٤٣١) و«الأذان»(٧٤٨) و«الكسوف»(١٠٥٢) و«العمل في الصلاة»(٣٢٠٢) و«النكاح»(٥١٩٧)، و(أبو داود) في«الصلاة»(١١٨٩)، و(النسائيّ) في«الكسوف»(١٤٩٣) و«الكبرى»(١٨٧٨)، و(مالك) في«الموطأ»(١٣٢)، و(أحمد) في«مسنده»(١/ ٢٩٨ و٣٥٨)، و(الدارميّ) في«سننه»(١٥٣٦)، و(ابن خزيمة) في«صحيحه»(١٣٧٧)، و(ابن حبَّان) في«صحيحه»(٢٨٣٢)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(٢٤٥٨)، و(أبو نعيم) في«مستخرجه»(٢٠٤١ و٢٠٤٢ و٢٠٤٣)، و(البيهقيّ) في«الكبرى»(٣/ ٤٤٨ - ٤٤٩)، و(البغويّ) في«شرح السنّة» (١١٤٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): المبادرة إلى الطاعة عند رؤية ما يُحذر منه، واستدفاعُ البلاء بذكر الله تعالى، وأنواع طاعته. ٢ - (ومنها): أن فيه معجزةً ظاهرةً للنبيّ - ﷺ -. ٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ - ﷺ - من نصح أمته، وتعليمهم ما ينفعهم، وتحذيرهم مما يضرّهم. ٤ - (ومنها): مراجعة المتعلّم للعالم فيما لا يدركه فهمُهُ، وجواز الاستفهام عن علّة الحكم، وبيان العالم ما يحتاج إليه تلميذه. ٥ - (ومنها): تحريم كفران الحقوق، ووجوب شكر المنعم. ٦ - (ومنها): أن الجنة والنار مخلوقتان، موجودتان اليوم. ٧ - (ومنها): جواز إطلاق اسم الكفر على ما لا يُخرِج من الملّة. ٨ - (ومنها): إثبات تعذيب أهل التوحيد على المعاصي. ٩ - (ومنها): جواز العمل في الصلاة؛ إذا لم يكثر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١١٠] (…) - (وَحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ - يَعْنِي ابْنَ عِيسَى - أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القُشيريّ مولاهم، أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنَ عِيسَى) بن نَجِيح البغداديّ، أبو يعقوب ابن الطبّاع، نزيل أَذَنَةَ، صدوقٌ [٩]. رَوَى عن مالك، والحمادين، وشريك، وابن لَهِيعة، وهُشيم، وجرير بن حازم، وغيرهم. ورَوى عنه أحمد، وأبو خيثمة، والدارميّ، والذُّهْليّ، ويعقوب بن شيبة، ومحمد بن رافع، والحسن بن مكرم، والحارث بن أبي أسامة، وجماعة. قال البخاريّ: مشهور الحديث، وقال صالح بن محمَّد: لا بأس به، صدوقٌ، وقال أبو حاتم: أخوه محمَّد أحبّ إليّ منه، وهو صدوق، وقال الخليليّ: إسحاق ومحمد ولدا عيسى ثقتان، مُتَّفَقٌ عليهما. قال ابن قانع: مات سنة (٢١٤) وقال ابن سعد: مات سنة (٢١٥) في ربيع الأوّل، وقال ابن حبَّان في الثقات: إن مولده سنة (١١٤) وقال مطين في «تاريخه»: تُوُفّي سنة (٢١٦). أخرج له المصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط. ٣ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدَّم قبل باب. و«زيد بن أسلم» ذُكر قبله. وقوله: (فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ) «في» بمعنى «مع»؛ أي: بهذا الإسناد الماضي، وبمثل متنه. وقوله: (تَكَعْكَعْتَ) أي: تأخّرت، يقال: كعّ الرجل: إذا نَكَصَ على عقبيه، قال الخطّابيّ: أصله تكَعَّعْت، فاستثقلوا اجتماع ثلاث عينات، فأبدلوا من إحداها حرفًا مكررًا. وقال القرطبيّ - ﵀ -: يقال: تكعكع الرجل، وتكاعى، وكَعَّ كُعُوعًا: إذا أحجم، وجَبُنَ، قاله الهرويّ وغيره، وهو في هذا الحديث بمعنى كَفَفت، كما قاله في الرواية السابقة. انتهى . [تنبيه]: رواية مالك، عن زيد بن أسلم هذه ساقها البخاريّ - ﵀ - فقال: (٥١٩٧) - حدّثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عباس، أنَّه قال: خَسَفت الشمس على عهد رسول الله - ﷺ -، فصلى رسول الله - ﷺ -، والناس معه، فقام قيامًا طويلًا نحوًا من سورة البقرة، ثمَّ ركع ركوعًا طويلًا، ثمَّ رفع، فقام قيامًا طويلًا، وهو دون القيام الأوّل، ثمَّ ركع ركوعًا طويلًا، وهو دون الركوع الأوّل، ثمَّ سجد، ثمَّ قام فقام قيامًا طويلًا، وهو دون القيام الأوّل، ثمَّ ركع ركوعًا طويلًا، وهو دون الركوع الأوّل، ثمَّ رفع، فقام قيامًا طويلًا، وهو دون القيام الأوّل، ثمَّ ركع ركوعًا طويلًا، وهو دون الركوع الأوّل، ثمَّ رفع، ثمَّ سجد، ثمَّ انصرف، وقد تجلت الشمس، فقال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله»، قالوا: يا رسول الله، رأيناك تناولت شيئًا في مقامك هذا، ثمَّ رأيناك تكعكعت، فقال: «إني رأيت الجنة، أوأُريت الجنة، فتناولت منها عنقودًا، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار، فلم أر كاليوم منظرًا قط، ورأيت أكثر أهلها النساء»، قالوا: لم يا رسول الله؟ قال: «بكفرهنّ»، قيل: يكفرن بالله؟ قال: «يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهرَ، ثمَّ رأت منك شيئًا قالت: ما رأيت منك خيرًا قط». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
مصادر المؤلف (٧)

١. «شرح النوويّ» ٦/ ٢١٢ - ٢١٣.

٢. «الفتح» ٣/ ٤٢٣.

٣. «المصباح» ٢/ ٥٣٦.

٤. «الكاشف عن حقائق السنن»٤/ ١٣١٢.

٥. راجع:«الكاشف عن حقائق السنن»٤/ ١٣١٢.

٦. «شرح النوويّ»٦/ ٢١٣.

٧. «المفهم» ٢/ ٥٦١.