وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١١٢] (٩٠٩) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ، كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَبِيبٌ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ صَلَّى فِي كُسُوفٍ، قَرَأَ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ قَرَأَ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ قَرَأَ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ قَرَأَ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، قَالَ: وَالْأُخْرَى مِثْلُهَا).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدَّم قبل باب.
٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ) هو: محمَّد بن خلّاد بن كثير الباهليّ البصريّ، ثقة [١٠] (ت ٢٤٠) على الصحيح (م د س ق) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣١.
٣ - (يَحْيَى الْقَطَّانُ) هو ابن سعيد، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ متقنٌ حافظ حجة إمام، كبار [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدَّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨٥.
والباقون ذُكرُوا قبله، وكذا الكلام على الحديث قد استوفيته هناك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
(٥) - (بَابُ النِّدَاءِ فِي الْكُسُوفِ بِـ «الصَّلَاةَ جَامِعَةٌ»)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١١٣] (٩١٠) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَهُوَ شَيْبَانُ النَّحْوِيُّ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنْ خَبَرِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - نُودِيَ بِـ «الصَّلَاةَ جَامِعَةً»، فَرَكَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - رَكْعَتَيْنِ
فِي سَجْدَةٍ، ثُمَّ قَامَ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي سَجْدَةٍ، ثُمَّ جُلِّيَ عَنِ الشَّمْسِ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: مَا رَكَعْتُ رُكُوعًا قَطُّ، وَلَا سَجَدْتُ سُجُودًا قَطُّ كَانَ أَطْوَلَ مِنْهُ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) تقدَّم قبل باب.
٢ - (أَبُو النَّضْرِ) هاشم بن القاسم بن مسلم الليثيّ مولاهم، مشهورٌ بكنيته، ولقبه قيصر، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢٠٧) وله (٧٣) سنة (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٣٦.
٣ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَهُوَ شَيْبَانُ النَّحْوِيُّ) هو: شيبان بن عبد الرحمن التميميّ البصريّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ صاحب كتاب [٧] (ت ١٦٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٨.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ الدَّارِمِيُّ) أبو محمَّد السَّمَرْقَنْدي الحافظ، ثقةٌ ثبتٌ فاضل متقنٌ [١١] (ت ٢٥٥) وله (٧٤) (م د ت) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٩.
٥ - (يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ) التِّنِّيسيّ البصريّ، نزيل تنِّيس، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٨) (خ م د ت س) تقدم في «الحيض» ٧/ ٧٢٣.
٦ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ) - بتشديد اللام - بن أبي سلّام، أبو سلّام الدمشقيّ، نزيل حِمْصَ، ثقةٌ [٧] مات في حدود (١٧٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٩/ ٣٠٩.
٧ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) صالح بن المتوكّل الطائيّ مولاهم، أبو نصر البصريّ، نزيل اليمامة، ثقةٌ ثبتٌ يدلّس ويُرسل [٥] (ت ١٣٢) أو قبل ذلك (ع) تقدَّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٢٤.
٨ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقةٌ ثبتٌ مكثرٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدَّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٢٣.
٩ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) بن وائل بن هاشم بن سُعيد السَّهميّ، أبو محمَّد، أوأبو عبد الرحمن الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، مات في ذي الحجة ليالي الْحَرَّة على الراجح (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنَّه من سداسيات المصنف - ﵀ -، وله فيه إسنادان فرّق بينهما بالتحويل.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخيه، ويحيى بن حسّان، كما أسلفته آنفًا.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.
٤ - (ومنها): أن أبا سلمة من الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) - ﵄ - (أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) أي: في زمانه (نُودِيَ) بالبناء للمجهول؛ أي: أمر النبيّ - ﷺ - بالنداء، وهو الإعلام بهذه الجملة، وقد تقدَّم التصريح في حديث عائشة - ﵂ - بأن النبيّ - ﷺ - هو الذي بعث مناديًا، فنادى بذلك، وفي رواية النسائيّ: «فأمر النبيّ - ﷺ - مناديًا ينادي أن الصلاة جامعة». (بِـ «الصَّلَاةَ جَامِعَةً») وفي رواية البخاريّ: «أن الصلاة جامعة» بفتح الهمزة، وتخفيف النون، وهي «أن» المفسّرة، وروي بتشديد النون، والخبر محذوف، تقديره: أنّ الصلاة ذاتَ جماعة حاضرةٌ .
وقوله: «الصلاةَ جامعةً» برفع الجزأين على أنهما مبتدأ وخبر، ونصبهما، الأوّل على الإغراء، والثاني على الحال، ورفع الأوّل، ونصب الثاني، وبالعكس، وتقدم الكلام على ذلك مُستوفًى في شرح حديث عائشة - ﵂ -[٢٠٩٢]. (فَرَكَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - رَكْعَتَيْنِ فِي سَجْدَةٍ) المراد بالسجدة هنا الركعة بتمامها، وبالركعتين الركوعان، وهو موافق لروايتي عائشة، وابن عبّاس - ﵄ - المتقدّمتين في أن في كلّ ركعة ركوعين، وسجودين، ولو ترك على ظاهره لاستلزم تثنية الركوع، وإفراد السجود، ولم يصر إليه أحد، فتعيّن تأويله، قاله في «الفتح».
(ثُمَّ قَامَ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي سَجْدَةٍ، ثُمَّ جُلِّيَ) بضم الجيم، وتشديد اللام، على صيغة المجهول، من التجلية، وهو الانكشاف (عَنِ الشَّمْسِ) وفي رواية البخاريّ: «ثمَّ جَلَس، ثمَّ جُلّي عن الشمس» أي: كُشف عنها بين جلوسه في التشهّد والسلام، كما بيّنه قوله في حديث عائشة - ﵂ -: «ثمَّ انصرف، وقد تجلّت الشمس»، أفاده في «الفتح» .
وقوله: (فَقَالَتْ عَائِشَةُ) هذا يَحْتَمل أن يكون من قول أبي سلمة، ويَحْتَمِل أن يكون من قول عبد الله بن عمرو - ﵄ -، فيكون من رواية صحابيّ، عن صحابيّة، ووَهِمَ من زَعَم أنَّه معلّق . (مَا رَكَعْتُ رُكُوعًا قَطُّ، وَلَا سَجَدْتُ سُجُودًا قَطُّ كَانَ أَطْوَلَ مِنْهُ) أي: من السجود الذي سجده النبيّ - ﷺ - في تلك الصلاة، وفي رواية أبي موسى الأشعريّ - ﵁ - التالية: «فقام يصلي بأطول قيام وركوع وسجود، وما رأيته يفعله في صلاة قط».
قال النوويّ - ﵀ -: في هذين الحديثين دليل للمختار، وهو استحباب تطويل السجود في صلاة الكسوف، ولا يضرّ كون أكثر الروايات ليس فيهما تطويل السجود؛ لأنَّ الزيادة من الثقة مقبولة، مع أن تطويل السجود ثابت من رواية جماعة كثيرة من الصحابة، وذكره مسلم من روايتي عائشة وأبي موسى - ﵄ -، ورواه البخاريّ من رواية جماعة آخرين، وأبو داود من طريق غيرهم، فتكاثرت طرقه، وتعاضدت، فتعيّن العمل به. انتهى .
وقال في «الفتح»: قوله: «ولا سجدت سجودًا قط كان أطول منه»، وتقدّم في رواية عروة، عن عائشة بلفظ: «ثمَّ سجد، فأطال السجود»، وفي أوائل «صفة الصلاة» من حديث أسماء بنت أبي بكر مثله، وللنسائيّ من وجه آخر عن عبد الله بن عمرو بلفظ: «ثمَّ رفع رأسه، فسجد، وأطال السجود»، ونحوه عنده عن أبي هريرة، وللشيخين من حديث أبي موسى - ﵁ -: «بأطول قيام، وركوع، وسجود رأيته قط»، ولأبي داود والنسائيّ من حديث سمرة - ﵁ -: «كأطول ما سجد بنا في صلاة قط».
وكلّ هذه الأحاديث ظاهرة في أن السجود في الكسوف يطوّل كما يطوّل القيام والركوع، وأبدى بعض المالكية فيه بحثًا، فقال: لا يلزم من كونه أطال أن يكون بلغ به حدّ الإطالة في الركوع، قال الحافظ: وكأنه غفل عما رواه مسلم في حديث جابر - ﵁ - بلفظ: «وسجوده نحو من ركوعه».
وهذا مذهب أحمد، وإسحاق، وأحد قولي الشافعي، وبه جزم أهل العلم بالحديث من أصحابه، واختاره ابن سُريج، ثمّ النوويّ، وتعقّبه صاحب «المهذّب» بأنّه لم يُنقل في خبر، ولم يقل به الشافعيّ. انتهى.
ورُدّ عليه في الأمرين معًا، فإن الشافعيّ نصّ عليه في «البويطيّ»، ولفظه: ثمَّ يسجد سجدتين طويلتين، يقيم في كلّ سجدة نحوًا مما قام في ركوعه. انتهى .
وقال الإمام البخاريّ - ﵀ - في «صحيحه»: «باب طول السجود في الكسوف»، قال في «الفتح»: أشار بهذه الترجمة إلى الردّ على من أنكره، واستدلّ بعض المالكية على ترك إطالته بأن الذي شُرِع فيه التطويل شُرِع تكراره، كالقيام، والركوع، ولم تشرع الزيادة في السجود، فلا يشرع تطويلة، وهو قياس في مقابلة النصّ، فهو فاسد الاعتبار.
وأبدى بعضهم في مناسبة التطويل في القيام والركوع، دون السجود، أن القائم والراكع يمكنه رؤية الانجلاء، بخلاف الساجد، فإن الآية عُلْوية، فناسب طول القيام لها، بخلاف السجود، ولأن في تطويل السجود استرخاءَ الأعضاء، فقد يفضي إلى النوم، وكلُّ هذا مردود بثبوت الأحاديث الصحيحة في تطويلة. انتهى .
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن الصواب مذهب من قال بتطويل السجود في الكسوف؛ كالقيام والركوع؛ لوضوح أدلّته، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.