وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١١٧] (٩١٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْأَشْعَرِيُّ عَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَامَ فَزِعًا، يَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ، حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ، فَقَامَ يُصَلِّي بِأَطْوَلِ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ، مَا رَأَيْتُهُ يَفْعَلُهُ فِي صَلَاةٍ قَطُّ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي يُرْسِلُ اللهُ لَا تَكُونُ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّ اللهَ يُرْسِلُهَا يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا، فَافْزَعُوا إِلَى ذِكْرِهِ، وَدُعَائِهِ، وَاسْتِغْفَارِهِ»، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْعَلَاءِ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ، وَقَالَ: «يُخَوِّفُ عِبَادَهُ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو عَامِرٍ الْأَشْعَرِيُّ عَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادِ) بن يوسف بن أبي بُرْدة بن أبي موسى الكوفيّ، صدوقٌ [١٠] (خت م ٤) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥١.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) أبو كُريب، تقدَّم قبل باب.
٣ - (أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أسامة المذكور في السند الماضي.
٤ - (بُرَيْدُ) بن عبد الله بن أبي بُردة بن أبي موسى الأشعريّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ع) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٧١.
٥ - (أَبُو بُرْدَةَ) بن أبي موسى الأشعريّ الكوفيّ، قيل: اسمه عامر، وقيل: الحارث، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٤) وقيل غير ذلك، وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٧١.
٦ - (أَبُو مُوسَى) الأشعريّ، عبد الله بن قيس بن سُليم بن حضّار الصحابيّ الشهير، مات - ﵁ - سنة (٥٠) وقيل: بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ١٦/ ١٧١.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنَّه من خماسيات المصنّف - ﵀ -، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتّفاقهما في كيفيّة التحمل والأداء، كما أسلفته غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه أبي عامر، فما أخرج له البخاريّ إلا تعليقًا، وأما شيخه الثاني، فقد اتّفق الجماعة بالرواية عنه دون واسطة.
٣ - (ومنها): أنَّه مسلسل بثقات الكوفيين من أوله إلى آخره.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن جدّه، عن أبيه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريّ - ﵁ - أنَّه (قَالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَامَ فَزِعًا) بكسر الزاي، صفة مشبهة، ويجوز الفتح على أنَّه مصدر بمعنى الصفة، قاله في «الفتح»، ويَحْتَمِل أن يكون منصوبًا على أنَّه مفعول من أجله؛ أي: من أجل فَزَعه (يَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ) بالرفع على أن «تكون» تامة؛ أي: يخشى أن تحضُر الساعة، أو ناقصة، و«الساعة» اسمها، والخبر محذوف، أو العكس.
قال الكرمانيّ - ﵀ -: وهذا تمثيل من الراوي كأنه قال: فَزِعًا كالخاشي أن تكون القيامة، وإلَّا فكان النبيّ - ﷺ - عالِمًا بأن الساعة لا تقوم، وهو بين أظهرهم، وقد وعده الله إعلاء دينه على الأديان كلها، ولم يبلغ الكتاب أجله.
ويَحْتَمِل أن يكون - ﷺ - جعل ما سيقع كالواقع إظهارًا لتعظيم شأن الكسوف، وتنبيهًا لأمته أنَّه إذا وقع بعده يخشون أمر ذلك، ويفزعون إلى ذكر الله، والصلاة، والصدقة؛ لأنَّ ذلك مما يدفع الله به البلاء، أفاده في «العمدة» .
وقال في «الفتح»: قيل: وفيه جواز الإخبار بما يوجبه الظنّ من شاهد الحال؛ لأنَّ سبب الفزع يخفى عن الْمُشاهِد لصورة الفزع، فيَحْتَمِل أن يكون الفزع لغير ما ذُكر، فعلى هذا، فيشكل الحديث من حيث إن للساعة مقدمات كثيرة، لم تكن وقعت، كفتح البلاد، واستخلاف الخلفاء، وخروج الخوارج،
ثمَّ الأشراط، كطلوع الشمس من مغربها، والدابّة، والدجّال، والدخان، وغير ذلك.
ويجاب عن هذا باحتمال أن تكون قصة الكسوف وقعت قبل إعلام النبيّ - ﷺ - بهذه العلامات، أو لعلّه خشي أن يكون ذلك بعض المقدّمات، أو أن الراوي ظنّ أن الخشية لذلك، وكانت لغيره، كعقوبة تحدث، كما كان يخشى عند هبوب الريح.
هذا حاصل ما ذكره النوويّ تبعًا لغيره، وزاد بعضهم أن المراد بالساعة غير القيامة؛ أي: الساعة التي جعلت علامة على أمر من الأمور، كموته - ﷺ -، أو غير ذلك.
وفي الأوّل نظر؛ لأنَّ قصة الكسوف متأخرة جدًّا، فقد تقدَّم أن موت إبراهيم - ﵁ - كان في العاشر، كما اتَّفَقَ عليه أهل الأخبار، وقد أخبر النبيّ - ﷺ - بكثير من الأشراط، والحوادث قبل ذلك.
وأما الثالث، فتحسين الظنّ بالصحابي يقتضي أنَّه لا يجزم بذلك إلا بتوقيف.
وأما الرابع، فلا يخفى بُعْدُه، وأقربها الثاني، فلعله خشي أن يكون الكسوف مقدّمة لبعض الأشراط؛ كطلوع الشمس من مغربها، ولا يستحيل أن يتخلّل بين الكسوف والطلوع المذكور أشياء، مما ذُكر، وتقع متتالية، بعضها إثر بعض، مع استحضار قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ الآية [النحل: ٧٧].
قال الحافظ: ثمَّ ظهر لي أنَّه يَحْتَمِل أن يُخرّج على مسألة دخول النسخ في الأخبار، فإذا قيل بجواز ذلك زال الإشكال.
وقيل: لعله قدّر وقوع الممكن لولا ما أعلمه الله تعالى بأنّه لا يقع قبل الأشراط، تعظيمًا منه لأمر الكسوف، ليتبيّن لمن يقع له من أمته ذلك كيف يخشى، ويفزع، لا سيما إذا وقع لهم ذلك بعد حصول الأشراط، أو أكثرها.
وقيل: لعلّ حالة استحضار إمكان القدرة غلبت على استحضار ما تقدم من الشروط؛ لاحتمال أن تكون تلك الأشراط كانت مشروطة بشرط، لم يتقدّم
ذكره، فيقع المخوف بغير أشراط؛ لفقد الشرط، والله - ﷾ - أعلم. انتهى .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الاحتمال الأخير هو الأقرب، والله تعالى أعلم.
(حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ، فَقَامَ يُصَلِّي بِأَطْوَلِ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ، مَا رَأَيْتُهُ يَفْعَلُهُ فِي صَلَاةٍ قَطُّ) أي: في الزمان الماضي (ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ) إشارةٌ إلى الآيات التي تقع مثل الكسوف، والزلزلة، وهبوب الريح الشديدة، ونحوها، ففي كل واحدة منها تخويف الله تعالى لعباده، ويفهم من هذا أن المبادرة بالذكر والدعاء لا يختص بالكسوفين فقط.
(الَّتِي يُرْسِلُ اللهُ لَا تَكُونُ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّ اللهَ يُرْسِلُهَا يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ) هذا موافق لقوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩] (فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا، فَافْزَعُوا) أي: الجئوا (إِلَى ذِكْرِهِ) الضمير يعود على الله تعالى في قوله: «يخوف بها عباده» (وَدُعَائِهِ، وَاسْتِغْفَاره») فيه أن الدعاء، والاستغفار عند الكسوف وغيره؛ لأنه مما يُدفَع به البلاء.
واستدلّ بذلك على أن الأمر بالمبادرة إلى الذكر، والدعاء، والاستغفار، وغير ذلك لا يختصّ بالكسوفين؛ لأنَّ الآيات أعمّ من ذلك.
قال الحافظ - ﵀ -: ولم يقع في هذه الرواية ذكر الصلاة، فلا حجة فيه لمن استحبّها عند كلّ آية. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الحافظ - ﵀ - حسن جدًّا.
وحاصله أنَّه ينبغي المبادرة عند رؤية الآيات إلى الذكر، والدعاء، والاستغفار، وأما أن يُصلَّى لها على صفة صلاة الكسوف فلا؛ لعدم الدليل على ذلك، والله تعالى أعلم.
(وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْعَلَاءِ) هو محمَّد بن العلاء، شيخه الثاني (كَسَفَتِ الشَّمْسُ) بالكاف بدل قول أبي عامر: «خَسَفَت الشمس» بالخاء المعجمة، وهما بمعنى واحد (وَقَالَ) ابن العلاء أيضًا: («يُخَوِّفُ عِبَادَهُ») بدل قول أبي عامر: