«يخوّف بها عباده»، فحذف العائد مع جارّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ - ﵁ - هذا مُتَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٢١١٧] (٩١٢)، و(البخاريّ) في «الكسوف» (١٠٥٩)، و(النسائيّ) في «الكسوف» (١٥٠٣)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١٣٧١)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢٤٣٢)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٢٠٤٧)، وفوائده تقدّمت غير مرّة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١١٨] (٩١٣) - (وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ حَيَّانَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا أَرْمِي بِأَسْهُمِي فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - إِذِ انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَنَبَذْتُهُنَّ، وَقُلْتُ: لَأَنْظُرَنَّ إِلَى مَا يَحْدُثُ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي انْكِسَافِ الشَّمْسِ الْيَوْمَ، فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ، وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ يَدْعُو، وَيُكَبِّرُ، وَيَحْمَدُ، وَيُهَلِّلُ، حَتَّى جُلِّيَ عَنِ الشَّمْسِ، فَقَرَأَ سُورَتَيْنِ، وَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ) أبو سعيد البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٥) على الأصحّ وله (٨٥) سنةً (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧٥.
٢ - (بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ) بن لاحق الرَّقَاشيّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٤٥.
٣ - (الْجُرَيْرِيُّ) سعيد بن إياس، أبو مسعود البصريّ، ثقة اختلط قبل موته بثلاث سنين [٥] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٠/ ٢٦٦.
٤ - (أَبُو الْعَلَاءِ حَيَّانَ بْنِ عُمَيْرٍ) الْقَيسيّ الْجُريريّ البصريّ، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن عبد الرحمن بن سمرة، وعبد الله بن عباس، وسمرة بن جندب، وقَطَن بن قَبِيصة بن الْمُخارق على خلاف فيه، وغيرهم.
وروى عنه سليمان التيميّ، وسعيد الْجُريريّ، وقتادة، وعوف الأعرابيّ على خلاف فيه.
قال النسائيّ في «الكنى»: أبو العلاء حيّان بن عمير بصريّ ثقةٌ، وذكره ابن سعد، وقال: كان ثقةً قليل الحديث، وذكره ابن حبَّان في «الثقات»، وذكره البخاري في «فصل من مات بين التسعين والمائة».
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده بعده.
٥ - (عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ سَمُرَةَ) بن حبيب بن عبد شمس الْعَبْشميّ، أبو سعيد، أسلم يوم الفتح، يقال: اسمه عبد كُلال، وقيل: غير ذلك، فسماه النبيّ - ﷺ - عبد الرحمن، سكن البصرة، وهو الذي افتتح سِجِسْتان، وكابُل، وغيرهما، وشهد غزوة مُؤتة.
رَوَى عن النبيّ - ﷺ -، وعن معاذ بن جبل، وعنه حيّان بن عُمير، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وهِصّان بن كاهن، والحسن البصريّ، وأبو لَبِيد لِمَازَة بن زَبّار، وآخرون.
قال ابن سعد: استعمله عبد الله بن عامر على سِجِسْتان، وغزا خُراسان، ففتح بها فتوحًا، ثمَّ رجع إلى البصرة، فمات بها سنة خمسين، وكذا أرخه أبو موسى وغيره، وقال ابن عُفير: مات سنة خمسين، ويقال: سنة إحدى وخمسين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث، هذا برقم (٩١٣) وأعاده بعده، وحديث (١٦٤٨): «لا تحلفوا بالطواغي، ولا بآبائكم»، و(١٦٥٢): «لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها …»، وأعاده بعده.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنَّه من خُماسيّات المصنّف - ﵀ -.
٢ - (ومنها): أنَّه مسلسل بالبصريين.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ سَمُرَةَ) - ﵁ - أنَّه (قَالَ: بَيْنَمَا) هي «بين» الظرفيّة زيدت عليها «ما»، وقد تقدَّم البحث فيها مستوفًى غير مرّة (أَنَا أَرْمِي) وفي الرواية التالية: «كنت أرتمي بأسهم لي بالمدينة»، وفي الرواية الثالثة: «بينما أنا أترمّى بأسهم لي»، وفي رواية النسائيّ: «أترامى»، قال في «اللسان»: وخَرَجْتُ أَتَرَمَّى، وَخَرَج يَتَرَمَّى: إذا خَرَج يَرْمِي في الأغراض، وأصول الشجر، وفي حديث الكسوف: «خرجت أَرْتَمِي بأسهمي»، وفي رواية: «أترامَى»، يقال: رميتُ بالسهم رَمْيًا، وارتميتُ، وتَرَاميتُ تَرَامِيًا، ورَامَيتُ مُرَاماةً: إذا رميت بالسهام الْقِسِيَّ، وقيل: خرجتُ أرتَمِي: إذا رميت الْقَنَصَ، وأترمَّى: إذا خرجت تَرمي في الأهداف، ونحوها. انتهى .
وكان يتعلم الرمي، امتثالًا للأمر في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ الآية [الأنفال: ٦٠]؛ إذ القوّة معناها الرمي، كما فسرها النبيّ - ﷺ - به، فقد أخرج مسلم من حديث عقبة بن عامر - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول وهو على المنبر: «﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ ألا إن القوّة الرمي، ألا إن القوة الرمي».
وأخرج أحمد، وأصحاب السنن عنه، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ارموا، واركبوا، وأن ترموا خير من أن تركبوا».
(بِأَسْهُمِي) جمع سَهْم: واحدُ النَّبْل، وقيل: نفسُ النَّصْل، ويُجْمَع على سهام (فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) وقوله: (إِذِ انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ) جواب «بينما»،
وفي الرواية الثالثة: «إذ خَسَفت الشمس» (فَنَبَذْتُهُنَّ) وفي الرواية التالية: «فنبذتها»؛ أي: رميت الأسهُم، وطرحتها، وتركت الاشتغال بها، وفي رواية النسائيّ: «فجمعتهنّ» أي: جمعت الأسهُم؛ لئلا تضيع عليّ لو تركتها مفرَّقةً (وَقُلْتُ: لَأَنْظُرَنَّ إِلَى مَا يَحْدُثُ) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، يقال: حدث الشيءُ حُدُوثًا، من باب قعد: إذا تجدّد وجوده، فهو حادث، وحديث ؛ أي: يتجدّد (لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي انْكِسَافِ الشَّمْسِ) «في» سببيّة؛ أي: بسبب انكسافها، أو بمعنى: «عند».
والمعنى: أن عبد الرحمن ظنّ أنَّه لا بُدّ أن يتجدّد للنبيّ - ﷺ - في هذا الكسوف شيء من السنن، فأراد أن ينظر إليه، وقد تحقّق ظنه في ذلك، كما أخبر بالآتي.
وقوله: (الْيَوْمَ) منصوب على الظرفيّة، متعلّق بـ«انكساف»، أو بـ«يحدُثُ»، وفي الرواية التالية: «فقلت: والله لأنظرنّ إلى ما حَدَثَ لرسول الله - ﷺ - في كسوف الشمس».
(فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ) أي: وصلت إلى النبيّ - ﷺ -، وفي رواية النسائيّ: «فَأَتَيْتُهُ مِمَّا يَلِي ظَهْرَهُ، وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ» (وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ) جملة في محلّ نصب على الحال (يَدْعُو، وَيُكَبِّرُ، وَيَحْمَدُ، وَيُهَلِّلُ، حَتَّى جُلِّيَ عَنِ الشَّمْسِ) أي: كُشف عنها، وفي الرواية التالية: «فأتيته، وهو قائم في الصلاة، رافع يديه، فجعل يسبّح، ويَحمَد، ويُهلّل، ويكبّر، ويدعو حتى حُسِر عنها»، فتبيّن بهذه الرواية أن التسبيح، والتكبير، والدعاء المذكور كان في الصلاة، وفيه استحباب التسبيح، والتكبير، والدعاء في صلاة الكسوف.
وقال النوويّ - ﵀ -: فيه دليل لأصحابنا في رفع اليدين في القنوت، وردٌّ على من يقول لا تُرفع الأيدي في دعوات الصلاة. انتهى.
(فَقَرَأَ سُورَتَيْنِ، وَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ) وفي رواية النسائيّ: «قَالَ: ثُمَّ قَامَ، فَصَلَّى
رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ»، وظاهره أنَّه صلى بعد انجلاء الشمس، وهو مخالف لسائر الأحاديث.
وقال النوويّ - ﵀ -: هذا مما يُستشكل، ويُظَنّ أن ظاهره أنَّه ابتدأ صلاة الكسوف بعد انجلاء الشمس، وليس كذلك، فإنَّه لا يجوز ابتداء صلاتها بعد الانجلاء، وهذا الحديث محمول على أنَّه وَجَده في الصلاة، كما صرح به في الرواية الثانية، ثمَّ جَمَع الراوي جميع ما جرى في الصلاة من دعاء، وتكبير، وتهليل، وتسبيح، وتحميد، وقراءة سورتين في القيامين الآخرين للركعة الثانية، وكانت السورتان بعد الانجلاء تتميمًا للصلاة، فتمّت جملة الصلاة ركعتين، أولها في حال الكسوف، وآخرها بعد الانجلاء، وهذا الذي ذكرته من تقديره لا بد منه؛ لأنه مطابقٌ للرواية الثانية، ولقواعد الفقه، ولروايات باقي الصحابة، والرواية الأولى محمولة عليه أيضًا؛ ليتفق الروايتان.
ونَقَل القاضي عن المازريّ أنَّه تأوله على صلاة ركعتين تطوعًا مستقلًّا بعد انجلاء الكسوف؛ لأنها صلاة كسوف، وهذا ضعيف، مخالف لظاهر الرواية الثانية، والله أعلم. انتهى .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما أوَّلَ به المازريّ - ﵀ - أقرب، وأما تأويل النوويّ فلا يخفى تكلّفه، بل تردّه رواية النسائيّ المذكورة بلفظ: «ثم قام، فصلى ركعتين، وأربع سجدات»، فقوله: «وأربع سجدات» صريح في ردّ تأويله بأن معناه تمم الركعة الثانية؛ إذ ليس فيها إلا سجدتان، فظهر بهذا أنَّه إنما صلى بعد الانجلاء ركعتين كاملتين، فيهما ركوعان، وأربع سجدات، شكرًا لله تعالى في إزالته كسوف الشمس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الرحمن بن سمرة - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
[فإن قلت]: كيف أخرجه المصنّف هنا، وفيه الْجُريريّ، وهو مختلطٌ، كما أسلفته آنفًا؟.
[قلت]: إنما أخرجه؛ لأنه من رواية بشر بن المفضّل، وهو ممن روى عنه قبل اختلاطه، وتابعه عبد الأعلى بن عبد الأعلى، وهو أيضًا ممن روى عنه قبل الاختلاط، وقد ذكرت في «عمدة المحتاط» أسماء الذين رووا عنه قبل اختلاطه، فقلت:
كَذَا الْجُرَيْرِيُّ سَعِيدٌ اخْتَلَطْ … ثَلَاثَةً سِنِينَ حفْظُهُ هَبَطْ
وَعَنْهُ شُعْبَةُ وُهَيْبٌ نَقَلَا … قَبْلُ وَإِسْمَاعِيلُ سُفْيَانُ تَلَا
وَمَعْمَرٌ وَعَبْدُ وَارِثٍ كَذَا … حَمَّادُ حَمَّادٌ وَبِشْرٌ قَدْ حَذَا
وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَعَبْدُ الأَعْلَى … وَالثَّقَفِيْ وَابْنُ زُرَيْعٍ أَعْلَى
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٢١١٨ و٢١١٩ و٢١٢٠] (٩١٣)، و(النسائيّ) في «الكسوف» (١٤٦٠) و«الكبرى» (١٨٤١)، و(أبو داود) في «الصلاة» (١١٩٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ٦١)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١٣٧٣)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢٤٦٢ و٢٤٦٣ و٢٤٦٤)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٢٠٤٨)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١١٩] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ حَيَّانَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ سَمُرَةَ،
وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَالَ: كُنْتُ أَرْتَمِي بِأَسْهُمٍ لِي بِالْمَدِينَةِ، فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - إِذْ كَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَنَبَذْتُهَا، فَقُلْتُ: وَاللهِ لَأَنْظُرَنَّ إِلَى مَا حَدَثَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ، وَهُوَ قَائِمٌ فِي الصَّلَاةِ، رَافِعٌ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يُسَبِّحُ، وَيَحْمَدُ، وَيُهَلِّلُ، وَيُكَبِّرُ، وَيَدْعُو، حَتَّى حُسِرَ عَنْهَا، قَالَ: فَلَمَّا حُسِرَ عَنْهَا قَرَأَ سُورَتَيْنِ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) الساميّ، أبو محمَّد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في «الطهارة» ٥/ ٥٥٧.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (كُنْتُ أَرْتَمِي بِأَسْهُمٍ لِي) أي: أرمي الغرض، يقال: رمى، وارتمى بمعنى واحد.
وقوله: (حَتَّى حُسِرَ عَنْهَا) بالبناء للمفعول، وهو بمعنى قوله في الرواية الماضية: «حتى جُلّي عن الشمس». وقوله: (قَرَأَ سُورَتَيْنِ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ) ظاهر هذا الحديث أن صلاته هاتين الركعتين لم يكن لأجل أنها صلاة الكسوف؛ لأنه إنما صلى بعد الانجلاء، وهو الزمان الذي يفرغ فيه من العمل فيها؛ لأنه الغاية التي مدّ فِعْلَ صلاة الكسوف إليها بقوله: «فصلُّوا حتى ينجليا»، فلا حجة للكوفيين، غير أنَّه قد روى أبو داود من حديث النعمان بن بشير - ﵄ - قال: «كَسَفت الشمس على عهد رسول الله - ﷺ -، فجعل يصلي ركعتين ركعتين، ويسأل عنها حتى انجلت»، وهذا معتمد قويّ للكوفيين، غير أن الأحاديث المتقدّمة أصحّ وأشهر، ويصحّ حمل هذا الحديث على أنَّه بَيَّن فيه جواز مثل هذه الصلاة في الكسوف، وإن كان المتقرّر في الأحاديث المتقدّمة هو السنّة. انتهى .
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن الأولى سلوك مسلك الترجيح، لا
مسلك الجمع بما ذُكر؛ لأنَّ الأحاديث الكثيرة في «الصحيحين» وغيرهما على خلاف حديث النعمان بن بشير - ﵄ -، فتُقدّم عليه، ومما يؤيّد ذلك كون الكسوف لم يقع في عهده - ﷺ - إلا مرّة واحدةً يوم مات إبراهيم ابنه - ﷺ -.
والحاصل أن أصحّ الكيفيّات لصلاة الكسوف أن تصلى ركعتين بأربع ركوعات، على ما في أكثر الروايات، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
والحديث من أفراد المصنّف، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٢٠] (…) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدّثَنَا سَالِمُ بْنُ نُوحٍ، أَخْبَرَنَا الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ حَيَّانَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا أَتَرَمَّى بِأَسْهُمٍ لِي، عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - إِذْ خَسَفَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدَّم في الباب الماضي.
٢ - (سَالِمُ بْنُ نُوحِ) بن أبي عطاء، أبو سعيد العطّار البصريّ، صدوقٌ له أوهامٌ [٩] مات بعد المائتين (بخ م د ت س) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٥٥/ ١٥٣٢.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمَا) فاعل ذَكَر ضمير سالم بن نوح؛ يعني أن سالم بن نوح ذكر عن الْجُرَيريّ نحو رواية بشر بن المفضّل، وعبد الأعلى كلاهما عنه.
[تنبيه]: رواية سالم بن نوح، عن الْجُريريّ هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.