HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٩٣٥

وحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ أَبِي عُمَرَ. قَالَ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ. قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: أَخْبَرَتْنِي عَمْرَةُ؛ أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ تَقُولُ: لَمَّا جَاءَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قتل ابن الحارثة وَجَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ، جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ. قَالَتْ: وَأَنَا أَنْظُرُ مِنْ صَائِرِ الْبَابِ (شَقِّ الْبَابِ) فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ. وذكر بكائهن. فَأَمَرَهُ أَنْ يَذْهَبَ فَيَنْهَاهُنَّ. فَذَهَبَ. فَأَتَاهُ فَذَكَرَ أَنَّهُنَّ لَمْ يُطِعْنَهُ. فَأَمَرَهُ الثَّانِيَةَ أَنْ يَذْهَبَ فَيَنْهَاهُنَّ. فَذَهَبَ. ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ: وَاللَّهِ! لَقَدْ غلبنا يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَتْ فَزَعَمَتْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «اذْهَبْ فَاحْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ مِنَ التُّرَابِ». قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَكَ. وَاللَّهِ! مَا تَفْعَلُ مَا أَمَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. وَمَا تَرَكْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ من العناء.
ج ٢ ص ٦٤٤

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٨ ص٢٦٧
الوجه، وإلقاء التراب على الرأس، والدعاء بالويل والثبور، قال إمام الحرمين، وآخرون: والضابط أنه يَحْرُم كلُّ فعل يتضمن إظهار جزع، وينافي الانقياد والتسليم لقضاء الله تعالى، قالوا: ومن ذلك تغيير الزِّيِّ، ولبس غير ما جرت العادة بلبسه؛ أي: وإن اعتيد لبسه عند المصيبة. انتهى. ٢ - (ومنها): تحريم الطعن في الأنساب، قال الله - ﷿ -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ الآية [الحجرات: ١١]. ٣ - (ومنها): تحريم التفاخر في الأحساب قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ الآية [الحجرات: ١٣]. ٤ - (ومنها): تحريم الاستسقاء بالأنواء، وقد تقدّم البحث في هذا في «كتاب الإيمان» مستوفي، فراجعه تستفد. ٥ - (ومنها): صحة التوبة وقبولها ما لَمْ يمت المكلّف، أو يصل إلى حدّ الغرغرة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٦١] (٩٣٥) - (وَحَدَّثنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنى: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: سَمِعْت يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَتْنِي عَمْرَةُ، أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ، تَقُولُ: لَمَّا جَاءَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَتْلُ ابْنِ حَارِثَةَ ، وَجَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ، جَلَسَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ، قَالَتْ: وَأنا أَنْظُرُ مِنْ صَائِرِ الْبَابِ، شَقِّ الْبَابِ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ، وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَذْهَبَ، فَيَنْهَاهُنَّ، فَذَهَبَ، فَأَتَاهُ فَذَكَرَ أَنَّهُنَّ لَمْ يُطِعْنَهُ، فَأَمَرَهُ الثَّانِيَةَ أَنْ يَذْهَبَ فَيَنْهَاهُنَّ، فَذَهَبَ ثُمَّ أَتَاهُ، فَقَالَ: وَاللهِ لَقَدْ غَلَبْنَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَتْ: فَزَعَمَتْ أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «اذْهَبْ فَاحْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ مِنَ التُّرَابِ»، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: أَرْغَمَ اللهُ أَنْفَكَ، وَاللهِ مَا تَفْعَلُ مَا أَمَرَكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَمَا تَرَكْتَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مِنَ الْعَنَاءِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (ابْنُ الْمُثَنَّى) هو: محمد، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر المذكور قبل حديث. ٣ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ) بن عبد المجيد بن الصَّلْت الثقفيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٩٤) عن نحو (٨٠) سنة (ع) تقدم في «الإيمان» ١٧/ ١٧٣. ٤ - (يَحْيَى بْنَ سَعِيدِ) بن قيس الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في «الطهارة» ١٧/ ٦١٧. ٥ - (عَمْرَةُ) بنت عبد الرَّحمن الأنصاريّة، تقدّمت في الباب الماضي. ٦ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين - ﵂ -، تقدّمت في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحاد كيفيّة أخذه عنهما، ثم فرّق بينهما بالتفصيل؛ لاختلافهما فيها. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة، سوى شيخه ابن أبي عمر، فما أخرج له البخاريّ وأبو داود، وأما ابن المثنّي، فهو أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من يحيى، وابن أبي عمر مكيّ، والباقيان بصريّان. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث والسماع من أوله إلى آخره. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعية. ٦ - (ومنها): أن فيه عائشةَ - ﵂ - من المكثرين السبعة، روت من الأحاديث (٢٢١٠)، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: عن عمرة بنت عبد الرَّحمن الأنصاريّة (أنَهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ) - ﵂ - (تَقُولُ: لَمَّا جَاءَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -) بالنصب على المفعوليّة، والفاعل قوله: (قَتْلُ ابْنِ حَارِثَةَ) وفي بعض النسخ: «زيد بن حارثة». وهو: زيد بن حارثة بن شَرَاحيل الكلبيِّ، أبوأسامة، مولى رسول الله - ﷺ - شَهِدَ المشاهد كلها، وكان من الرماة المذكورين. رَوَى عن النبيّ - ﷺ -، وعنه ابنه أسامة، والبراء بن عازب، وابن عباس، وأرسل عنه أبو العالية، وعليّ بن عبد الله بن عباس، وهُزيل بن شرحبيل، آخى رسول الله - ﷺ - بينه وبين حمزة بن عبد المطلب، وقال سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلَّا زيد بن محمد، حتى أنزل القرآن: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥]، وقال عبد الله البهيّ، عن عائشة: ما بعث رسول الله - ﷺ - زيد بن حارثة في جيش قطّ إلَّا أَمّره عليهم، استُشْهِد يوم مؤتة، سنة ثمان من الهجرة، وهو ابن خمس وخمسين سنةً، ونعاه النبيّ - ﷺ - لأصحابه في اليوم الذي قُتل فيه، وعيناه تذرفان. قال ابن إسحاق: كان أول ذَكَر آمن بالله، وصلى بعد عليّ بن أبي طالب زيد بن حارثة، وقال أبو علي بن السكن: كان قصيرًا شديد الأُدمة، في أنفه فَطْسٌ ، وقال أبو نعيم: رآه النبيّ - ﷺ - بالبطحاء يُنَادَى عليه بسبعمائة درهم، فذكره لخديجة، فاشتراه من مالها، فوهبته خديجة - ﵂ - له، فتبناه، وأعتقه. أخرج له النسائيّ، وابن ماجة، وليس له في هذا الكتاب، ولا في بقيّة الكتب الستة إلَّا الذكر فقط . (وَجَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) بن عبد المطلب بن هاشم، أبو عبد الله الطيّار ابن عم رسول الله - ﷺ - أسلم قديمًا، واستعمله رسول الله - ﷺ - على غزوة مُؤتة، واستُشهد بها، وهي بارض البَلْقَاء سنة ثمان من الهجرة. رَوَى عن النبيّ - ﷺ -، وعنه ابنه عبد الله، وأم سلمة، وعمرو بن العاص، وابن مسعود. قال الحسن بن زيد: إنه أسلم بعد زيد بن حارثة، وقال مِسعر، عن عون بن أبي جُحيفة، عن أبيه: لَمّا قَدِمَ جعفر على رسول الله - ﷺ - من أرض الحبشة قَبَّل بين عينيه، وقال: ما أدري أنا بقدوم جعفر أَسَرُّ أو بفتح خيبر؟ وكانا في يوم واحد، وقال الشعبيّ: كان ابن عمر إذا حَيّا ابن جعفر، قال: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين، وقال ابن إسحاق: حدّثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، حدّثني أبي الذي أرضعني، وكان أحد بني مُرّة بن عوف، قال: والله لكأني أنظر إلى جعفر يوم مؤتة حين اقتَحَمَ عن فرسٍ له شَقْراء، فعقَرَها، ثم تقدم، فقاتل حتى قتل، قال الزبير بن بكار: كان سنّه يوم قُتِل (٤١) سنةً. رَوَى له النسائيّ في «عمل اليوم والليلة» حديثًا واحدًا من رواية ابنه عبد الله عنه، في كلمات الفرح، والمحفوظ عن عبد الله بن جعفر، عن عليّ، قصة غزوة مؤتة في «الصحيحين» من حديث عائشة وغيرها. (وَعَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ) بن ثعلبة بن امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس الأكبر بن مالك بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج، وقيل في نسبه غير ذلك، الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو محمد، ويقال: أبو رواحة، ويقال: أبو عمرو المدنيّ، شَهِد بدرًا، والعقبةَ، وهو أحد النقباء، وأحد الأمراء في غزوة مُؤتة، وبها قُتِل. رَوَى عن النبيِّ - ﷺ -، وعن بلال المؤذن، وروى عنه ابن أخته النعمان بن بشير، وأبو هريرة، وابن عباس، وأنس، وأرسل عنه عبد الرَّحمن بن أبي ليلي، وقيس بن أبي حازم، وعروة بن الزبير، وعطاء بن يسار، وزيد بن أسلم، وعكرمة، وأبو الحسن مولى بني نوفل، وأبو سلمة بن عبد الرَّحمن. قال الواقديّ: كان موته في جمادى الأولى سنة (٨)، وكذا قال غير واحد، وقيل: سنة سبعة، والأول أصحّ. روى له البخاريّ، وأبو داود في «الناسخ والمنسوخ»، والنسائيّ في «عمل اليوم والليلة»، وابن ماجة، وليس له عند المصنّف إلَّا ذكره فقط. (جَلَسَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) زاد أبو داود من طريق سليمان بن كثير، عن يحيى: «في المسجد» (يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: يَظْهر في وجهه الحزن، وهو بضم، فسكون، أو بفتحتين، والجملة حال من فاعل «جَلَس»، قال الطيبيّ - ﵀ -: كأنه كَظَمَ الحزن كَظْمًا، فظهر منه ما لا بدّ للجِبِلَّة البشريّة منه. انتهى. (قَالَتْ) عائشة - ﵂ - (وَأَنَا أَنْظُرُ مِنْ صَائِرِ الْبَابِ) قال في «الفتح»: بالمهملة، والتحتانيّ، وقع تفسيره في نفس الحديث بقوله: (شَقِّ الْبَابِ) بفتح الشين المعجمة؛ أي: الموضع الذي يُنظر منه، ولم يَرِدْ بكسر المعجمة؛ أي: الناحية؛ إذ ليست مرادةً هنا، قاله ابن التين. وهذا التفسير الظاهر أنه من قول عائشة - ﵂ -، ويَحْتَمِل أن يكون ممن بعدها، قال المازريّ: كذا وقع في «الصحيحين» هنا «صائر» والصواب «صِير»؛ أي: بكسر أوله، وسكون التحتانيّة، وهو الشَقّ، قال أبو عبيدة في «غريب الحديث» في الكلام على حديث: «مَن نَظَر من صِيرِ الباب، ففُقِئت عينه، فهي هدر»: الصِّير الشَّقّ، ولم نسمعه إلَّا في هذا الحديث، وقال ابن الجوزيّ: صائر، وصِير بمعنى واحد، وفي كلام الخطابيّ نحوه. (فَأَتَاهُ رَجُلٌ) قال الحافظ: لَمْ أقف على اسمه، وكأنه أُبهِمَ عمدًا؛ لما وقع في حقّه من غضّ عائشة منه (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ) أي: امرأته، وهي أسماء بنت عُمَيس الخَثْعَميّةُ، ومن حضر عندها، من أقاربها، وأقارب جعفر، ومن في معناهنّ، ولم يذكر أهل العلم بالأخبار لجعفر امرأة غير أسماء، قاله في «الفتح». (وَذَكَرَ) أي: الرجل الآتي (بُكَاءَهُنَّ) قال الطيبيّ - ﵀ -: جملة «وذَكَر» حال عن الضمير المستتر في قوله: «فقال»، وحذف خبر «إنّ» من القول المحكيّ لدلالة الحال عليه، والمعنى: قال الرجل: إن نساء جعفر فَعَلْن كذا مما لا ينبغي من البكاء المشتمل على النَّوْح. انتهى. ولفظ النسائيّ: «فَقَالَ: إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ يَبْكِينَ»، ولفظ أبي عوانة من طريق سليمان بن بلال، عن يحيى: «قد كثُر بكاؤهنّ»، وعند ابن حبّان من طريق عبد الله بن عمرو، عن يحيى بلفظ: «قد أكثرن بكاءهنّ». (فَأَمَرَهُ) - ﷺ - (أَنْ يَذْهَبَ، فَيَنْهَاهُنَّ) وفي رواية النسائيّ: «فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: انْطَلِقْ، فَانْهَهُنَّ» (فَذَهَبَ) الرجل (فَأَتَاهُ) المرّة الثانية (فَذَكَرَ أَنَّهُنَّ لَمْ يُطِعْنَهُ) أي: في ترك البكاء، قال الطيبيّ: قوله: «لَمْ يُطعنه» حكاية لمعنى قول الرجل؛ أي: فذهب، فنهاهنّ، ثم أتى النبيّ - ﷺ -، وقال: نهيتهنّ، فلم يُطعنني، يدلّ عليه قوله في المرّة الثالثة: «والله غلبننا» (فَأَمَرَهُ) - ﷺ - (الثَّانِيَةَ) أي: المرة الثانية (أَنْ يَذْهَبَ فَيَنْهَاهُنَّ، فَذَهَبَ ثُمَّ أَتَاهُ) أي: فذهب إليهنّ، ونهاهن، فلم يُطعنه أيضًا، فأتاه المرّة الثالثة (فَقَالَ: وَاللهِ لَقَدْ غَلَبْنَنَا يَا رَسُولَ اللهِ) وفي رواية النسائيّ: «ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: قَدْ نَهَيْتُهُنَّ، فَأَبَيْنَ أَنْ يَنْتَهِينَ»، قال القرطبيّ - ﵀ -: كون نساء جعفر لَمْ يُطعن الناهي لهنّ عن البكاء، إما لأنه لَمْ يُصرّح لهنّ بأن النبيّ - ﷺ - نهاهنّ، فظننّ منه أنه كالمحتسب في ذلك، وكالمرشد للمصلحة، أو لأنهنّ غُلبنَ في أنفسهنّ على سماع النهي لحرارة المصيبة، والله تعالى أعلم. انتهى. (قَالَتْ) عمرة بنت عبد الرَّحمن (فَزَعَمَتْ) أي: قالت عائشة - ﵂ -؛ لأن الزعم وإن كان الغالب أن يُستعمل فيما يُشكّ فيه، ولا يُتحقَّق، بل قال بعضهم: هو كناية عن الكذب، إلَّا أنه قد يُستعمل في المحقق ، وهذا منه (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ) للرجل لما لَمْ ينتهين («اذْهَبْ فَاحْثُ) بضمّ المثلّثة، وبكسرها، يقال: حثا يَحْثُو، وَيحْثِي، قال في»المصباح«: حثا الرجلُ الترابَ يَحثوه حَثْوأ، وَيحْثيه حَثْيًا، من باب رَمَى لغةٌ: إذا هاله - أي: صبّه - بيده، وبعضهم يقول: قبضه بيده، ثمّ رماه، ومنه:»فاحثوا التراب في وجهه«، ولا يكون إلَّا بالقبض والرمي. انتهى. (فِي أفوَاهِهِنَّ مِنَ التُّرَابِ») وفي رواية: «فاحثِ في أفواههنّ التراَبَ» بحذف «من»، قيل: يؤخذ من هذا أن التأديب يكون بمثل هذا، وهذا إرشاد عظيم قلّ من يتفطّن له. وقال في «الفتح»: قال القرطبيّ - ﵀ -: هذا يدلّ على أنهنّ رفعن أصواتهنّ بالبكاء، فلما لَمْ ينتهين أمره أن يسدّ أفواههنّ بذلك، وخصّ الأفواه بذلك؛ لأنَّها محلّ النَّوْح، بخلاف الأعين مثلًا. انتهى. وَيحْتَمِل أن يكون كناية عن المبالغة في الزجر، أو المعنى: أعلمْهنّ أنهنّ خائبات من الأجر المترتّب على الصبر؛ لما أظهرن من الجزع، كما يقال للخائب: لَمْ يَحصُل في يده إلَّا التراب، لكن يُبعِد هذا الاحتمال قولُ عائشة - ﵄ - الآتي، وقيل: لَمْ يُرِد بالأمر حقيقته، قال عياض: هو بمعنى التعجيز؛ أي: إنهنّ لا يسكتن إلَّا بسدّ أفواههنّ، ولا يسدّها إلَّا أن تملأ بالتراب، فإن أمكنك فافعل. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه الاحتمالات كلها ضعيفة، والصواب أن الحديث على ظاهره من حثو الترب في أفواههنّ على حقيقته؛ إذ لا دليل، ولا داعي إلى صرف الظاهر إلى غير ظاهره، فتبصّر، والله تعالى أعلم. قال: ثم الظاهر أنه كان بكاؤهنّ زيادة على القدر المباح، فيكون النهي للتحريم بدليل أنه كرّره، وبالغ فيه، وأمر بعقوبتهنّ إن لَمْ يسكتن. ويحتمل أن يكون مجرّدًا، والنهي للتنزيه، ولو كان للتحريم لأرسل غير الرجل المذكور لِمَنعِهنّ؛ لأنه لا يُقرّ على باطل، ويبعد تمادي الصحابيات بعد تكرار النهي على فعل الأمر المحرّم، وفائدة نهيهنّ عن الأمر المباح خشية أن يسترسلن فيه، فيفضي بهنّ إلى الأمر المحرّم؛ لضعف صبرهنّ، فَيُستفاد منه جواز النهي عن المباح عند خشية إفضائه إلى ما يحرّم، كذا في «الفتح» . وقال النوويّ -﵀ -: أمره - ﷺ - بذلك مبالغة في إنكار البكاء عليهنّ ومنعهنّ منه، ثم تأوله بعضهم على أنه كان بكاء بنوح وصياح، ولهذا تأكد النهيُ، ولو كان مجرد دمع العين لَمْ ينه عنه لأنه - ﷺ - فعله، وأخبر أنه ليس بحرام، وأنه رحمة، وتأوله بعضهم على أنه كان بكاءً من غير نياحة ولا صوت، قال: ويبعد أن الصحابيات يتمادين بعد تكرار نهيهنّ على محرم، وإنما كان بكاءً مجردًا، والنهي عنه تنزيه وأدبٌ، لا للتحريم، فلهذا أصررن عليه متأولاتٍ. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: لا يبعد تماديهنّ؛ لأنهنّ في تلك الحالة مغلوبات، فتأمل، والله تعالى أعلم. (قَالَتْ عَائِشَةُ) - ﵄ - (فَقُلْتُ) للرجل (أَرْغَمَ اللهُ أَنْفَكَ) وفي رواية النسائيّ: «أَرْغَمَ اللهُ أَنْفَ الْأَبْعَدِ»، وهو بالراء، والغين المعجمة: أي ألصق الله أنفك بالرغام - بفتح الراء - وهو التراب؛ إهانة، وإذلالًا، ووصفته بـ «الأبعد» لبعده عن الصواب، حيث أحرج النبيّ - ﷺ - بكثرة المراجعة. وقال في «الفتح»: دعت عليه من جنس ما أُمر أن يفعله بالنسوة، لفهمها من قرائن الحال أنه أحرج النبيّ - ﷺ - بكثرة تردّده إليه في ذلك. وقال الطيبيّ - ﵀ -: أي أذلّك الله، فإنك آذيت رسول الله - ﵀ -، وما كففتهن عن البكاء، وهذا معنى قولها - ﵂ -: «إِنَّكَ وَاللهِ، مَا تَرَكْتَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - من العَنَاءِ»؛ أي: التَّعَب. (وَاللهِ مَا تَفْعَلُ مَا أَمَرَكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) بحذف متعلّقه؛ أي: ما أمرك به، والمراد لَمْ تفعل على وجه الكمال في الزجر، وإلا فقد قام بالأمر حيث نهاهنّ عن الضجر، قاله القاري. وقال الكرمانيّ - ﵀ -: أي لَمْ تبالغ في النهي، ونفته، وإن كان قد نهاهن؛ لأنه لَمْ يترتب على نهيه الامتثال، فكأنه لَمْ يفعله، وَيحْتَمِل أن تكون أرادت لَمْ تفعل؛ أي: الحثو بالتراب. انتهى. (وَمَا تَرَكْتَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مِنَ الْعَنَاءِ) بفتح المهملة، والنون، والمدّ: أي المشقّة والتعب، وفي الرواية التالية: «من العِيّ» بكسر المهملة، وتشديد التحتانية، ووقع في رواية العُذْريّ «الغَيّ» بفتح المعجمة بلفظ ضدّ الرشد. ومراد عائشة - ﵂ - أن الرجل لا يقدر على ذلك، فإذا كان لا يقدر، فقد أتعب نفسه، ومن يخاطبه في شيء لا يقدر على إزالته، ولعل الرجل لَمْ يفهم من الأمر الحتم. وقال النوويّ - ﵀ -: معناه أنك قاصر لا تقوم بما أمرت به من الإنكار لنقصك، وتقصيرك، ولا تخبر النبيّ - ﷺ - بقصورك عن ذلك حتى يرسل غيرك، ويستريح من العناء. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا مُتَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٠/ ٢١٦١ و٢١٦٢] (٩٣٥)، و(البخاريّ) في «الجنائز» (١٢٩٩ و١٣٠٥ و٤٢٦٣)، و(أبو داود) في «الجنائز» (٣١٢٢)، و(النسائيّ) في «الجنائز» (١٨٤٧) و«الكبرى» (١٩٧٤)، و(أحمد) في «مسنده» (٢٣٧٩٢ و٢٥٨٣١)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٢٠٨٦ و٢٠٨٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان النهي عن البكاء على الميت، وقد تقدّم أن مثل هذا محمول على ما إذا اشتمل البكاء على المحظور من النوح وقبيح القول والفعل. ٢ - (ومنها): جواز الجلوس للعزاء بسكينة ووقار، وقد ترجم الإمام البخاريّ - ﵀ - في «صحيحه» على هذا الحديث بقوله: «باب من جلس عند المصيبة، يُعرَف فيه الحزن»، قال الزين ابن الْمُنَيِّر - ﵀ - ما ملخّصه: موقع هذه الترجمة من الفقه أن الاعتدال في الأحوال هو المسلك الأقوم، فمن أصيب بمصيبة عظيمة، لا يُفْرِطُ في الحزن حتى يقع في المحذور، من اللَّطْم، والشَّقّ، والنَّوْح، وغيرها، ولا يُفَرِّطُ في التجلّد، حتى يفضي إلى القسوة، والاستخفاف بقدر المصاب، فيَقتدِي به - ﷺ - في تلك الحالة، بأن يَجلِس المصاب جلسة خفيفةً بوقار، وسكينة، تظهر عليه مخايل الحزن، وُيؤذن بأن المصيبة عظيمة. ثم ترجم البخاريّ - ﵀ - بعد هذا «باب من لَمْ يُظهِر حزنه عند المصيبة»، وأورد فيه قصة أبي طلحة مع زوجته أم سليم - ﵄ -، فقال في «الفتح» عند الكلام على الترجمة الأولى ما نصّه: ولم يفصح المصنف بحكم هذه المسألة، ولا التي بعدها؛ لأن كلًّا منهما قابل للترجيح، أما الأول، فلكونه من فعل النبيّ - ﷺ -، والثاني من تقريره، وما يباشره بالفعل أرجح غالبًا، وأما الثاني، فلأنه فعل أبلغ في الصبر، وأزجر للنفس، فيرجَّح، ويُحمَل فعلُهُ - ﷺ - المذكور على بيان الجواز، ويكون فعله في حقّه في تلك الحالة أَوْلَى. انتهى. وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم. ٣ - (ومنها): جواز نظر النساء المحتجبات إلى الرجال الأجانب. ٤ - (ومنها): أن المنهيّ عن المنكر إن لَمْ ينتَهِ عُوقب، وأُدّب بذلك، وإلا فالملاطفة فيه أولى إن نفعت. ٥ - (ومنها): جواز اليمين لتأكيد الخبر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢١٦٢] (…) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ (ع) وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ (ح) وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِى ابْنَ مُسْلِمٍ - كلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَهُ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: وَمَا تَرَكْتَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مِنَ الْعِيِّ). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) تقدّم قريبًا. ٢ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمر بن السرح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٠. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (مُعَاوِيةُ بْنُ صَالِحِ) بن حُدير الحضرميّ، أبو عمرو، أو أبو عبد الرَّحمن الحمصيّ، قاضي الأندلس، صدوقٌ له أوهام [٧] (١٥٨) (م ٤) تقدم في «الطهارة» ٦/ ٥٥٩. ٥ - (أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ) النُّكريّ البغداديّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٤٦) (م د ت ق) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٦٧. ٦ - (عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو سهل التَّنُّوريّ البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٨٢. ٧ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ) الْقَسْمليّ، أبو زيد المروزيّ، ثم البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، ربّما وَهِمَ [٧] (ت ١٦٧) (خ م د ت س) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٢/ ١١٨٣. والباقيان ذُكرا في الباب. وقوله: (مِنَ الْعِيِّ) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو معظم نسخ بلادنا هنا «الْعِيّ» بكسر العين المهملة؛ أي: التعب، وهو بمعنى العناء السابق في الرواية الأولى، قال القاضي عياض: ووقع عند بعضهم: «الغَيّ» بالمعجمة، وهو تصحيف، قال: ووقع عند أكثرهم «العناء» بالمد، وهو الذي نسبه إلى الأكثرين خلاف سياق مسلم؛ لأن مسلمًا روى الأول «العناء»، ثم روى الرواية الثانية، وقال إنها بنحو الأولى، إلَّا في هذا اللفظ، فيتعين أن يكون خلافه. انتهى. [تنبيه]: أما رواية عبد الله بن نمير، عن يحيى بن سعيد هذه، فساقها الإمام أحمد - ﵀ - في «مسنده»، فقال: (٢٣٧٩٢) - حدّثنا ابن نمير، حدّثنا يحيى، عن عمرة، عن عائشة، قالت: لَمّا جاء نعي جعفر بن أبي طالب، وزيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة، جلس رسول الله - ﷺ - يُعْرَف في وجهه الحزن، قالت عائشة: وأنا أَطَّلِع من شقّ الباب، فأتاه رجل، فقال: يا رسول الله، إن نساء جعفر، فذكر من بكائهن، فأمره رسول الله - ﷺ - أن ينهاهنّ، فذهب الرجل، ثم جاء، فقال: قد نهيتهنّ، حمانهن لَمْ يطعنه، حتى كان في الثالثة، فزعمت أن رسول الله - ﷺ - قال: «احثوا في وجوههنّ التراب»، فقالت عائشة: قلت: أرغم الله بأنفك، والله ما أنت بفاعل ما قال لك، ولا تركت رسول الله - ﷺ -. وأما رواية معاوية بن صالح، عن يحيى بن سعيد، فساقها النسائيّ - ﵀ -، فقال: (١٨٤٧) أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، قال: حدّثنا عبد الله بن وهب،
مصادر المؤلف (٧)

١. وفي نسخة: «قتل زيد بن حارثة».

٢. من بابي ضرب، وقعد.

٣. وأما ما قاله الحافظ في «تهذيب التهذيب» في ترجمته من: أن له حديثًا عند مسلم في قصّة تزويج النبيّ - ﷺ - زينب بنت جحش - ﵄ -، وسيأتي في «كتاب النِّكَاح» برقم (١٤٢٨) ففيه نظر لا يخفى؛ لأن الحديث حديث أنس - ﵁ -، وإنما ذكر هناك منه قصّة جرت له مع زينب، فراجعه بتأمل، والله تعالى أعلم.

٤. راجع: «المصباح» ١/ ٢٥٣.

٥. «الفتح» ٤/ ٥٤ - ٥٥.

٦. «شرح النوويّ» ٦/ ٢٣٦.

٧. «شرح النووي» ٦/ ٢٣٧.