HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٩٥٦

وحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ وَأَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيُّ (وَاللَّفْظُ لِأَبِي كَامِلٍ) قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ (وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ) عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ (أَوْ شَابًّا) فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. فَسَأَلَ عَنْهَا (أَوْ عَنْهُ) فَقَالُوا: مَاتَ. قَالَ «أَفَلَا كُنْتُمْ آذنتمونى». قال: فكأنهم صغروا أمرها (أوأمره). فقال: «دلوني على قبرها» فَدَلُّوهُ. فَصَلَّى عَلَيْهَا. ثُمَّ قَالَ «إِنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا. وَإِنَّ اللَّهَ ﷿ ينورها لهم بصلاتي عليهم».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج3 ص56
ج ٢ ص ٦٥٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٨ ص٤٧٢
و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ٤٦)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢١٥] (٩٥٦) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، وَأَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيُّ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي كَامِلٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، وَهُوَ ابْنُ زيدٍ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ امْرَأً سَوْدَاءَ، كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ، أَوْ شَابًّا، فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، فَسَأَل عَنْهَا، أَوْ عَنْهُ، فَقَالُوا: مَاتَ، قَالَ: (أفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي؟ «قَالَ: فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا، أَوْ أَمْرَهُ، فَقَالَ:»دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ«، فَدَلّوهُ فَصَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ:»إِن هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّ اللهَ ﷿ يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ «). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانيُّ) سليمان بن داود، تقدّم قبل بابين. ٢ - (أَبُو رَافِعٍ) نُفيع الصائغ المدنيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ ثبتٌ مشهور بكنيته [٢] (ع) تقدّم في«شرح المقدّمة»جـ ٢ ص ٤٦٢. ٣ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- تقدم في«المقدمة» ٢/ ٤. والباقون ذُكروا في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحاد كيفية أخذه عنهما. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه، والثاني ما أخرج له ابن ماجه، وأخرج له البخاريّ تعليقًا. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى الصحابيّ -﵁-، فمدنيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة -﵁- أحفظ من روى الحديث في دهره. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي رَافِعٍ) هو الصائغ التابعي الكبير، ووَهِمَ بعض الشراح، فقال: إنه أبو رافع الصحابيّ، وقال: هو من رواية صحابيّ، عن صحابيّ، وليس كما قال؛ فإن ثابتًا البنانيّ لم يدرك أبا رافع الصحابي -﵁-، قاله في «الفتح» . (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (أنَّ امْرَأةً سَوْدَاءَ) وفي رواية البخاريّ: «أن رجلًا أسود، أو امرأة سوداء»، قال في «الفتح»: الشك فيه من ثابت؛ لأنه رواه عنه جماعة هكذا، أو من أبي رافع، وجاء من وجه آخر عن حماد بهذا الإسناد، قال: «ولا أراه إلا امرأة»، ورواه ابن خزيمة من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، فقال: «امرأة سوداء»، ولم يشكّ، ورواه البيهقيّ بإسناد حسن من حديث ابن بُرَيدة، عن أبيه، فسماها أمّ مِحْجَن، وأفاد أن الذي أجاب النبيّ -ﷺ- عن سؤاله عنها أبو بكر الصديق -﵁-، وذكر ابن منده في «الصحابة» خرقاء امرأة سوداء، كانت تَقُمّ المسجد، ووقع ذكرها في حديث حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس، وذكرها ابن حبان في «الصحابة» بذلك بدون ذكر السند، فإن كان محفوظًا، فهذا اسمها، وكنيتها أم مِحْجَن. انتهى . (كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ) بقاف مضمومة؛ أي: يجمع الْقُمامة، وهو من قَمّ الشيءَ يَقُمّه قَمًّا من باب نصر: إذا كَنَسَهُ، والقُمامة بضم القاف: الْكُناسة، قاله ابن سِيدَهْ، وقال اللحيانيّ: قُمامة البيت ما كُنِس منه، فألقي بعضه على بعض، وهي لغة حجازيّةٌ، والْمِقَمّة بكسر الميم: الْمِكْنَسة . وقوله: (أَوْ شَابًّا) «أو» للشكّ من الراوي، وتقدّم آنفًا أنه من ثابت، أو من أبي رافع (فَفَقَدَهَا) يقال: فقدته فَقْدًا، من باب ضرب، وفِقْدانًا: إذا عَدِمته، فهو مفقود، وفَقِيدٌ، وافتقدته مثله، وتفقّدته: طَلَبْتُهُ عند غيبته . (رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، فَسَأَل عَنْهَا)؛ أي: عن حال تلك المرأة السوداء، ومفعول «سأل» محذوف؛ أي: الناسَ (أَوْ عَنْهُ)؛ أي: عن حال الشابّ، فـ«أو» للشكّ من الراوي، كما مرّ آنفًا (فَقَالُوا)؛ أي: الصحابة الحاضرون لديه -ﷺ- (مَاتَ، قَالَ) -ﷺ- («أفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُورنِي؟») بالمدّ: أي: أعلمتموني بموته حتى أصلي عليه. (قَالَ) الراوي (فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا)؛ أي: المرأة (أَوْ أَمْرَهُ)؛ أي: الشابّ، وفي رواية للبخاريّ: «فحَقَروا شأنه»، وفي رواية ابن خزيمة من طريق العلاء بن عبد الرحمن: «قالوا: مات من الليل، فكرهنا أن نوقظك» (فَقَالَ) -ﷺ - («دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ») زاد عند البخاريّ: «أو قال: قبرها» (فَدَلُّوهُ)؛ أي: على قبره، أو قبرها (فَصَلَّى عَلَيْهَا) وللبخاريّ: «فأتى قبرها، فصلّى عليها» (ثُمَّ قَالَ) -ﷺ- («إِن هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَة عَلَى أَهْلِهَا، وَإِن اللهَ ﷿ يُنَوِّرُهَا)؛ أي: يُضيؤها (لَهُمْ بِصَلَاِتِي عَلَيْهِمْ»)؛ أي: بسبب صلاتي عليهم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٢/ ٢٢١٥] (٩٥٦)، و(البخاريّ) في «الصلاة» (٤٥٨ و٤٦٠) و«الجنائز» (١٣٣٧)، و(أبو داود) في «الجنائز» (٣٢٠٣)، و(ابن ماجه) في «الجنائز» (١٥٢٧)، و(أبو داود الطيالسيّ) في «مسنده» (٢٤٤٦)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٣٥٣ و٣٨٨ و٤٠٦)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١٢٩٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٠٨٦)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٣٧ - ٣٨)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ٤٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في الكلام على قوله: «إن هذه القبور مملوءة ظلمة … إلخ». (اعلم): أن هذه الكلام هكذا ثبتٌ في رواية المصنّف متّصلًا بالحديث، وليس عند البخاريّ، قال في «الفتح»: وإنما لم يُخرج البخاريّ هذه الزيادة؛ لأنها مدرجة في هذا الإسناد، وهي من مراسيل ثابت، بَين ذلك غير واحد من أصحاب حماد بن زيد، وقد أوضحت ذلك بدلائله في «كتاب بيان المدرج». قال البيهقيّ: يغلب على الظن أن هذه الزيادة من مراسيل ثابت، كما قال أحمد بن عبدة، أو من رواية ثابت، عن أنس؛ يعني كما رواه ابن منده، ووقع في «مسند أبي داود الطيالسيّ» عن حماد بن زيد، وأبي عامر الخزّاز، كلاهما عن ثابت، بهذه الزيادة، وزاد بعدها: «فقال رجل من الأنصار: إن أبي، أو أخي مات، أو دُفِن، فَصَلِّ عليه، قال: فانطلق معه رسول الله -ﷺ»-. انتهى. وقد أوضح الحافظ أبو بكر الخطيب البغداديّ ﵀ هذا الإدراج في كتابه «الفصل للوصل المدرج»، فقال ما حاصله: في حديث أبي هريرة هذا كلام مدرج، وليس منه، وهو قوله: «إن هذه القبور مملوءة على أهلها ظلمةً، وإن الله ينوّرها بصلاتي عليها، أو عليهم». كان ثابت يرسل هذا الكلام عن النبيّ -ﷺ-، ولا يُسنده، بَيَّن ذلك عارم بن الفضل، وعفّان بن مسلم، ومحمد بن عُبيد بن حِسَاب، جميعًا عن حماد بن زيد. وقد روى هذا الحديث سليمان بن حرب، ومسدد، من طريق أبي داود السجستانيّ عنه، ويونس بن محمد المؤدّب، عن حماد بن زيد، فاقتصروا على ذكر المسند منه فقط، دون ما أرسله ثابت. قال: أما حديث سليمان بن حرب ومسدد بذلك، فأخبرناه القاضي أبو عمر القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشميّ، نا محمد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤيّ، نا أبو داود، نا سليمان بن حرب ومسدد، قالا: نا حماد، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، أن امرأة سوداء، أو رجلًا كان يَقُمّ المسجد، ففقده النبيّ -ﷺ-، فسأل عنه، فقيل: مات، فقال: «ألا آذنتموني به؟» قال: «دُلُّوني على قبره»، فدلّوه، فصلى عليه. قال: وأما حديث يونس بن محمد عن حماد الموافق لهذه الرواية، فأخبرناه الحسن بن علي التميميّ، أنا أحمد بن جعفر بن حمدان، نا عبد الله بن أحمد، حدّثني أبي، نا يونس بن محمد، نا حماد؛ يعني ابن زيد، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، أن امرأة سوداء، أو رجلًا كان يَقُمّ المسجد، ففقده رسول الله -ﷺ-، قالوا: مات، فقال: «ألا كنتم آذنتموني به؟»، قالوا: إنه كان، قال: فقال: «دُلُّوني على قبره»، ودَلُّوه، فأتَى قبره فصلى عليه. قال: وأما حديث عارم بن الفضل الذي أورد فيه الكلمات التي كان ثابت يرسلها، وبَيَّنها، ومَيَّزها عن الألفاظ المسندة، فأخبرناه محمد بن الحسين بن محمد بن محمد بن الفضل القطان، والحسن بن أبي بكر بن شاذان، قالا: أنا حامد بن محمد الهروفي، نا -وفي حديث ابن شاذان: أنا- على بن عبد العزيز البغويّ، نا أبو النعمان عارم بن الفضل، نا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، أن امرأة سوداء، أو رجلًا كان يكون في المسجد، يَقُمُّ المسجد، فمات، فلم يعلم النبيّ -ﷺ- بموته، فذكر ذات يوم، فقال: «ما فعل ذاك الإنسان؟» قالوا: مات يا رسول الله، قال: «أفلا آذنتموني؟» قال: فقالوا له: كان كذا وكذا، قال: فحقروا شأنه، قال: «فدُلُّوني على قبره» فأتى قبره، فصلى عليه. قال حماد: فأتبع ثابت هذا الحديث، قال: فنُبِّئتُ أن رسول الله -ﷺ- أتى قبرًا، وصاحبه يُدْفَن، فسأل عنه، فقالوا: فلانٌ، فقال رسول الله -ﷺ-: «إن هذه القبور مملوءة ظلمةً على أهلها، وإن الله ينوّرها بصلاتي عليها». قال: وأما حديث عفان، عن حماد الموافق لرواية عارم هذه، فأخبرناه الحسن بن عليّ التميميّ، أنا أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعيّ، نا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، نا عفان، نا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، أن إنسانًا كان يَقُمّ المسجد أسود، فمات، أو ماتت، ففقدها النبيّ -ﷺ-، فقال: «ما فعل الإنسان الذي كان يَقُمّ المسجد؟» قال: فقيل: مات، فقال: «هلا آذنتموني به؟»، فقالوا: إنه كان، قال: «فدُلُّوني على قبرها»، قال: فأتى القبر، فصلى عليها، قال ثابت عند ذاك، أو في حديث آخر: «إن هذه القبور مملوءة ظلمةً على أهلها، وإن الله ينوّرها بصلاتي عليهم». قال: وأما حديث محمد بن عُبيد بن حِسَاب، عن حماد نحو هذه الرواية، فأخبرناه أبو بكر أحمد بن محمد بن غالب الفقيه، نا أبو بكر الإسماعيليّ، أخبرني الحسن بن سفيان، نا محمد بن عُبيد بن حِسَاب، نا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، أن امرأة سوداء، أو رجلًا كان يقُمّ المسجد، توفيت، ففقدها النبيّ -ﷺ- فسأل عنها بعدُ، فقال: «ما فعل ذلك الإنسان؟» قالوا: مات، أو ماتت، قال: «فهلا كنتم آذنتموني؟» قالوا: إنه كان من أمرها، فأتى قبرها، فصلى عليها، وذكر كلام ثابت. انتهى كلام الخطيب ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة البحث أن هذا الحديث رواه جماعة عن حماد بن زيد، عن ثابت البنانيّ، فاختلفوا على حمّاد، فرواه أبو الرَّبيع الزهرانيّ، وأبو كامل الجحدريّ، عند المصنّف، وأبو داود الطيالسيّ، ومسدّد، كما قال الخطيب عن حماد بن زيد، عن ثابت البنانيّ، وفيه هذه الزيادة، قال الخطيب: وتابعهما يحيى بن الحمانيّ على رواية آخر المتن عن حماد، وقَرَن أبو داود رواية حماد برواية أبي عامر الخزّاز، عن ثابت. انتهى. وخالفهم في ذلك جماعة، منهم: عارم بن الفضل، وعفّان بن مسلم، ومحمد بن عُبيد بن حِسَاب جميعًا عن حماد بن زيد، فجعلوا قوله: «إن هذه القبور مملوءة … إلخ» من مرسل ثابت، وليس متّصلًا بالحديث. فتبيّن بهذا أن الأرجح كونها مدرجةً؛ لأمور: (الأول): ما ذكرناه اَنفًا من بيان هؤلاء الحفّاظ كونها مدرجة، حيث فصّلوها. (الثاني): أن جماعة رووا هذا الحديث عن حمّاد بن زيد، ولم يذكروا هذه الزيادة، وهم: سليمان بن حرب، عنه، وروايته هي التي أخرجها الإمام البخاريّ ﵀ في «صحيحه»، ومسدد، وروايته عند أبي داود السجستانيّ، عنه، ويونس بن محمد المؤدِّب، ثلاثتهم عن حماد بن زيد، فاقتصروا على ذكر المسند منه فقط، وهو إلى قوله: «دلّوني على قبره»، دون ما أرسله ثابت، وهو قوله: «إن هذه القبور مملوءة … إلخ». فاتّفاق هؤلاء على إسقاط هذه الزيادة يرجّح كونها مدرجةً. (الثالث): صنيع الإمام البخاريّ ﵀ في «صحيحه»، حيث أخرج الحديث من طريق من أسقط الزيادة، فلو كانت غير مدرجة لأخرجها من طريق من وصلها. (الرابع): أن الأئمة الحفّاظ مالوا إلى ذلك، منهم: الحافظ الخطيب البغداديّ، والحافظ أبو بكر البيهقيّ، والحافظ ابن حجر -رحمهم الله تعالى-. والحاصل أن إدراجها هو الأشبه، ولكن المصنّف ﵀ لم ير هذه العلّة قادحةً، فرجّح رواية الوصل؛ لكون رواتها ثقات، ولكن الذي يميل إليه القلب ما قاله الأولون، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز الصلاة على القبر، وسيأتي تمام البحث في المسألة التالية- إن شاء الله تعالى-. ٢ - (ومنها): بيان فضل تنظيف المسجد، وقال ابن بطال: وفيه الحضّ على كنس المساجد وتنظيفها؟ لأنه إنما خصه بالصلاة عليه بعد دفنه من أجل ذلك. انتهى. ٣ - (ومنها): أن فيه السؤال عن الخادم والصديق إذا غاب، وافتقاده. ٤ - (ومنها): أن فيه المكافأةَ بالدعاء، والترحم على من وقف نفسه على نفع المسلمين ومصالحهم. ٥ - (ومنها): أن فيه الترغيب في شهود جنائز الصالحين. ٦ - (ومنها): مشروعيّة الصلاة على الميت الحاضر عند قبره لمن لم يصلّ عليه. ٧ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ -ﷺ- من كمال الأخلاق، وكمال الرأفة بأمته، حيث كان يعتني بالضعفاء والمساكين أشدَّ عناية، فيسأل عن أحوالهم، ويعود مرضاهم، ويصلي على موتاهم، ويُشَيِّع جنائزهم، فكان -ﷺ- في الذروة العليا من مكام الأخلاق، كما وصفه الله ﷾ بذلك، حيث قال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]. ٨ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة -﵁- من حسن الأدب معه -ﷺ-، فلا يجترؤون على أن يوقظوه إذا نام، حتى يكون هو المستيقظَ. ٩ - (ومنها): مشروعية الإعلام بموت الإنسان حتى يجتمع المسلمون، فيصلّوا عليه، لقوله -ﷺ-: «أفلا كنتم آذنتموني». ١٠ - (ومنها): أن فيه الردّ لقول من كَرِهَ الإذن بالجنازة، فاستحبّ أن لا يُؤذَن به أحد، ولا يُشعَر بجنازته جارٌ، ولا غيره. ١١ - (ومنها): مشروعية تكرار الصلاة على الميت، ولو صُلّيَ عليه، فإن هذه المرأة، كانوا قد صَلَّوا عليها قبل الدفن، ثم صلّوا عليها مع النبي -ﷺ- بعد الدفن. ١٢ - (ومنها): مشروعية الصف في الصلاة على الجنازة. ١٣ - (ومنها): بيان أن صلاته -ﷺ- على أمته رحمة لهم، ونور يزيل ظلمة القبر عنهم. ١٤ - (ومنها): ما قاله ابن حبّان ﵀: إن بعض المخالفين احتَجَّ بقوله -ﷺ-: «وإن الله ﷿ ينوّرها لهم بصلاتي عليهم» على أن ذلك من خصائصه -ﷺ-، ثم ساق من طريق خارجة بن زيد بن ثابت نحو هذه القصة، وفيها: «ثم أتى القبر، فصففنا خلفه، وكبر عليه أربعًا»، قال ابن حبان: في ترك إنكاره -ﷺ- على من صلى معه على القبر بيان جواز ذلك لغيره، وأنه ليس من خصائصه. وتُعقِّب بان الذي يقع بالتبعية، لا ينهض دليلًا للأصالة، قاله في «الفتح» . قال الجامح عفا الله عنه: لا يخفى بُعد هذا التعقّب، والحقّ ما قاله ابن حبّان ﵀، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم. ١٥ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على ردّ التفصيل بين من صُلِّى عليه فلا يصلى عليه، بأن القصة وردت فيمن صُلِّي عليه. وأجيب بأن ذلك خصوصية له -ﷺ-، وفيه أنه لا دليل على الخصوصيّة، فتبصّر. ١٦ - (ومنها): ما قاله الكرماني ﵀: وفيه أن على الراوي التنبيه على شكّه فيما رواه مشكوكًا. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم الصلاة على القبر: قال الإمام الترمذيّ ﵀ في «جامعه» بعد إخراجه حديث الباب ما نصّه: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبيّ - ﷺ - وغيرهم، وهو قول الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وقال بعض أهل العلم: لا يُصَلَّى على القبر، وهو قول مالك بن أنس، وقال عبد الله بن المبارك: إذا دُفِن الميت، ولم يُصَلَّ عليه صُلِّي على القبر، ورأى ابن المبارك الصلاة على القبر، وقال أحمد، وإسحاق: يُصَلَّى على القبر إلى شهر، وقالا: أكثر ما سمعنا عن ابن المسيِّب أن النبيّ - ﷺ - صلى على قبر أم سعد بن عبادة بعد شهر. انتهى كلام الترمذيّ ﵀. وقال الإمام ابن المنذر ﵀: اختلفوا في الصلاة على القبر، فكان عبد الله بن عمر، وأبو موسى الأشعريّ، وعائشة أم المؤمنين - ﵃ - يرون الصلاة على القبر، وروينا عن عليّ بن أبي طالب - ﵁ - أنه أمر قَرَظَة أن يصلي على جنازة، قد صُلِّي عليها مرّة. وممن كان يرى الصلاة على القبر محمد بن سيرين، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأحمد بن حنبل، وقال أحمد: روي عن النبيّ - ﷺ - من ستة وجوه، وكان النعمان يقول: إن دُفن قبل أن يصلّى عليه، صلي عليه، وهو في القبر، وكذلك قال الحسن. وقالت طائفة: لا تعاد الصلاة على الميت، هذا قول النخعيّ، ومالك، والنعمان. قال ابن المنذر ﵀: ثبتت الأخبار عن النبيّ - ﷺ - أنه صلى على القبر. انتهى كلامه ﵀ بتصرّف . وقال أبو محمد بن حزم ﵀: والصلاة جائزة على القبر، وإن كان قد صُلي على المدفون فيه. وقال أبو حنيفة: إن دُفن بلا صلاة صُلِّي على القبر ما بين دفنه إلى ثلاثة أيام، ولا يُصلّى عليه بعد ذلك، وإن دُفن بعد أن صلي عليه لم يُصَلّ أحد على قبره. وقال مالك: لا يصلى على قبر، وروي ذلك عن إبراهيم النخعيّ. وقال الشافعيّ، والأوزاعيّ، وأبو سليمان -يعني داود الظاهري-: يصلى على القبر، وإن كان قد صُلِّي على المدفون فيه، وقد روي هذا عن ابن سيرين. وقال أحمد بن حنبل: يصلى عليه إلى شهر، ولا يُصلَّى عليه بعد ذلك. وقال إسحاق: يصلي الغائب على القبر إلى شهر، ويصلي عليه الحاضر إلى ثلاث. ثم أخرج بسنده حديث أبي هريرة - ﵁ - . قال: فادَّعَى قوم أن هذا الكلام منه - ﷺ - دليل على أنه خصوص له، قال: وليس كما قالوا، وإنما في هذا الكلام بركة صلاته - ﷺ -، وفضيلتها على صلاة غيره فقط، وليس فيه نهي غيره عن الصلاة على القبر أصلًا، بل قد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ الآية [الأحزاب: ٢١]. ثم أورد مما يدلّ على بطلان دعوى الخصوص حديث ابن عباس - ﵄ - المتقدّم، ثم قال: فهذا أبطل الخصوص؛ لأن أصحابه - ﷺ -، وعليهم رضوان الله صلّوا معه على القبر، فبطلت دعوى الخصوص، ثم أخرج عن ثابت، عن أنس - ﵁ - المذكور قبل هذا: «أن النبيَّ - ﷺ - صلى على قبر». قال: فهذه آثار متواترة لا يسع الخروج عنها. وأورد أيضًا أن عائشة قَدِمت مكة بعد أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر، فقالت: أين قبر أخي؟ فدُلَّت عليه، فوُضِعَت في هودجها عند قبره، فصلت على قبره. وعن نافع عن ابن عمر، أنه قَدِم، وقد مات أخوه عاصم، فقال: أين قبر أخي؟ فدُلّ عليه، فصلى عليه، ودعا له. وعن عليّ - ﵁ - أنه أمر قَرَظَة بن كعب الأنصاريّ أن يصلي على قبر سهل بن حُنَيف بقوم جاؤوا بعدما دفن، وصلى عليه. وعن عليّ - ﵁ - أيضًا أنه صلى على جنازة بعدما صلي عليها.
مصادر المؤلف (٨)

١. «الفتح» ٢/ ٢٠٦.

٢. «الفتح» ٢/ ٢٠٦.

٣. راجع: «عمدة القاري» ٤/ ٢٣٠.

٤. «المصباح المنير» ٢/ ٤٧٨.

٥. «الفصل للوصل المدرج» ٢/ ٦٣٦ - ٦٣٩.

٦. ٤/ ١١٣.

٧. «الأوسط» ٥/ ٤١٠ - ٤١١.

٨. وأخرجه أيضًا البخاريّ، مختصرًا.