HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٩٧٢

وحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ. حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ جَابِرٍ، عَنْ بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ وَاثِلَةَ، عَنْ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج3 ص62
ج ٢ ص ٦٦٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن النسائي, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٨ ص٥٨١
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ) هو: عبد العزيز بن محمد الدراورديّ الْجُهنيّ مولاهم، أبو محمد المدنيّ، صدوقٌ كان يُحدّث من كتب غيره، فيُخطئ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٥. ٣ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) ابن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الزقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٣. ٤ - (أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ) محمد بن عبد الله بن الزبير بن عُمر بن درهم الأسديّ الكوفي، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٠/ ٣١٤. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: رواية الدراورديّ، عن سفيان ساقها البيهقيّ في «السنن الكبرى» (٧٩/ ٤) فقال: (٧٠٠٦) - وأخبرنا أبو صالح بن أبي طاهر العنبريّ، أنبأ جدّي، يحيى بن منصور القاضي، ثنا أحمد بن سلمة، ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا عبد العزيز؛ يعني ابن محمد، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله -ﷺ- قال: «لأن يجلس أحدكم على جمرة، أو على نار، فتحرق ثيابه، حتى تخلص إليه، خير له من أن يجلس على قبر». انتهى. وأما رواية أبي أحمد الزبيريّ عن سفيان، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. والحديث من أفراد المصنّف، وقد مضى تمام البحث فيه في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٥٠] (٩٧٢) - (وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ ابْنِ جَابِرٍ، عَنْ بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ وَاثِلَةَ، عَنْ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله -ﷺ-: «لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ، وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ) المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٢. ٢ - (الْوَليدُ بْنُ مُسْلِمٍ) القرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقةٌ، لكنه كثير التدليس والتسوية [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٤٨. ٣ - (ابْنُ جَابِرٍ) هو: عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزديّ، أبو عتبة الشاميّ الدارانيّ، ثقةٌ [٧] مات سنة بضع (١٥٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٤٨. ٤ - (بُسْرُ بْنُ عُبَيْدِ الله) الحضرميّ الشاميّ، ثقةٌ حافظٌ [٤]. رَوَى عن واثلة، وعمرو بن عَبَسَة، ورُويفع بن ثابت، وعبد الله بن مُحيريز، وأبي إدريس الخولانيّ، وغيرهم. وروى عنه عبد الله بن العلاء بن زَبْر، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وزيد بن واقد، وغيرهم. قال العجليّ، والنسائيّ: ثقةٌ، قال أبو مسهر: هو أحفظ أصحاب أبي إدريس، وقال مروان بن محمد: من كبار أهل المسجد، ثقةٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات». أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (٩٧٢) وأعاده بعده، و(١٨٤٧). ٥ - (وَاثِلَةُ) بن الأسقع الليثي -﵁-، تقدم في «صلاة المسافرين» ٥٢/ ١٩٣٠. ٦ - (أَبُو مَرْثَدٍ الْغَنَوِيُّ) كَنّاز -بفتح الكاف، وتشديد النون، آخره زاي- ابن الْحُصين بن يَرْبُوع بن عَمْرو بن يَربوع بن سَعْد بن طَرِيف بن جُلّان بن غَنْم بن غَنِيّ بن أَعْصُر بن سَعْد بن قَيس بن مُضَر بن نِزَار بن مَعَدّ، حليف حمزة بن عبد المطلب، شَهِد بدرًا، وروى عن النبيّ -ﷺ- حديث الباب فقط، روى عنه واثلة بن الأسقع، وآخى النبيّ -ﷺ- بينه وبين عُبادة بن الصامت -﵄-. قال الواقديّ: تُوُفّي سنة (١٢) من الهجرة. أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالشاميين، غير شيخه، فمروزيّ. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ -﵄ -. ٤ - (ومنها): أنه لا يُعْرَف مَن شَهِدَ بدرًا مع ابنه إلا أبو مرثد هذا وابنه مرثد، وإلى هذا أشار السيوطيّ ﵀ في «ألفية الأثر» فقال: النّوَوي مَا عَرَفُوا مَنْ شَهِدَا … بَدْرًا مَعَ الْوَالِدِ إِلَّا مَرْثَدًا ٥ - (ومنها): أن أبا مرثد من المقلِّين من الرواية، فليس له غير حديث واحد، وهو حديث الباب، عند المصنّف، وأبي داود، والترمذيّ، والنسائيّ، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي مَرْثَدٍ) كَنَّاز بن الحصين -﵁- (الْغَنَوِيِّ) - بفتح الغين المعجمة، والنون-: نسبة إلى غَنِيّ أحد أجداده كما مر في نسبه؛ لأن القاعدة في النسبة إلى فَعِيل معتلِّ اللام، كغَنِيّ، وعَديّ، وفُعَيل مصغّرًا، كقُصَي، وجوب حذف يائه، وفتح عينه، فتقول: غَنَويّ، وعَدَويّ، وقُصَويّ، كما قال في «الخلاصة»: وَفَعَلِيٌّ فِي فَعِلَةَ الْتُزِمْ … وَفُعَلِيٌّ فِي فُعَيْلَةَ حُتِمْ وَأَلْحَقُوا مُعَلَّ لَامٍ عَرِيَا … مِنَ الْمِثَالَيْنِ بِمَا التَّا أُوليَا (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله -ﷺ-: «لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ) قال السنديّ ﵀: الظاهر أن المراد بالجلوس معناه المتعارف، وقيل: كناية عن قضاء الحاجة. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أن الصواب ما عليه الجمهور من أن المراد الجلوس المتعارف، وأن الحقّ هو تحريم الجلوس على القبور، واستوفيت تمام البحث في ذلك في المسألة الثالثة من شرح حديث أبي هريرة -﵁- الماضي، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا»)؛ أي: بالاستقبال إليها؛ لما فيه من التشبه بعبادتها، قاله السنديّ ﵀. وقال النوويّ ﵀: فيه تصريح بالنهي عن الصلاة إلى قبر، قال الشافعيّ ﵀: وأكره أن يُعَظَّم مخلوق حتى يُجْعَل قبره مسجدًا، مخافة الفتنة عليه، وعلى من بعده من الناس. قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أن النهي هنا للتحريم؛ إذ لا صارف له، فلا تصح الصلاة إلى القبر مطلقًا، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الرابعة -إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي مرثد الغنويّ -﵁- هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣١/ ٢٢٥٠ و٢٢٥١] (٩٧٢)، و(أبو داود) في «الجنائز» (٣٢٢٩)، و(الترمذيّ) في «الجنائز» (١٠٥١)، و(النسائيّ) في «القبلة» (٢/ ٦٧)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ١٣٥)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٧٩٣)، و(ابن حبَّان) في «صحيحه» (٦/ ٩١)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٥١)، و(الحاكم) في «المستدرك» (٣/ ٢٤٣ - ٢٤٤)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١١/ ٩٣٩)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٣/ ٨٣)، و(عبد بن حميد) في «مسنده» (١/ ١٧٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٢/ ٤٣٥ و٤/ ٧٩) و«المعرفة» (٢/ ٢٥٥ و٣/ ٢٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم الصلاة إلى المقبرة، ومثله الصلاة فيها، وعليها: [اعلم]: أنهم قد اختلفوا في ذلك، فذهب أحمد ﵀ إلى تحريم الصلاة في المقبرة، ولم يُفَرِّق بين المنبوشة وغيرها، ولا بين أن يفرش عليها شيئًا يقيه من النجاسة، أم لا، ولا بين أن يكون في القبور، أو في مكان منفرد عنها كالبيت، وإلى ذلك ذهبت الظاهرية، ولم يفرقوا بين مقابر المسلمين والكفار. قال أبو محمد بن حزم ﵀: وبه يقول طوائف من السلف، روينا عن نافع بن جبير بن مطعم أنه قال: يُنْهَى أن يصلى وسط القبور، والحمام، والحُشّان . وعن ابن عباس -﵄- قال: لا تصلين إلى حُشّ، ولا في حمام، ولا في مقبرة. وعن إبراهيم النخعيّ، قال: كانوا يكرهون أن يتخذوا ثلاثة أبيات قبلة: الحش، والحمام، والقبر. وعن العلاء بن زياد، عن أبيه، وعن خيثمة بن عبد الرحمن أنهما قالا: لا تصلِّ إلى حمام، ولا إلى حش، ولا وسط مقبرة. وقال أحمد: من صلى في حمام أعاد أبدًا. وعن أنس قال: رآني عمر بن الخطاب أصلي إلى قبر، فنهاني، وقال: القبر أمامك. وعن ثابت البناني، عن أنس، قال: رآني عمر بن الخطاب أصلي عند قبر، فقال لي: القبر لا تصلي إليه، قال ثابت: فكان أنس يأخذ بيدي إذا أَرَدَ أن يصلي، فيتنحى عن القبور. وعن علي بن أبي طالب: من شرار الناس من يتخذ القبور مساجد. وعن ابن عباس رفعه: «لا تصلوا إلى قبر، ولا على قبر». وعن ابن جريج، أخبرني ابن شهاب، حدثني سعيد بن المسيب أنه سمع أبا هريرة يقول: قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. قال ابن جريج: قلت لعطاء: أتكره أن تصلي وسط القبور، أو إلى قبر؟ قال: نعم، كان يُنهى عن ذلك، لا تصلّ وبينك وبين القبلة قبر، فإن كان بينك وبينه سترة ذراع فصلّ. قال ابن جريج: وسئل عمرو بن دينار عن الصلاة وسط القبور؟، فقال: ذكروا أن رسول الله -ﷺ- قال: «كانت بنو إسرائيل اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، فلعنهم الله». قال ابن جريج: وأخبرني عبد الله بن طاوس، عن أبيه قال: لا أعلمه إلا أنه كان يكره الصلاة وسط القبور كراهية شديدة. وعن سفيان الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النخعي، قال: كانوا إذا خرجوا في جنازة تنخوا عن القبور للصلاة. وقال أحمد: من صلى في مقبرة، أو إلى مقبرة أعاد أبدًا. فهؤلاء عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وأبو هريرة، وأنس، وابن عباس ما نعلم لهم مخالفًا من الصحابة -﵃- . انتهى كلام ابن حزم وقال النوويّ ﵀: قال ابن المنذر: روينا عن عليّ، وابن عبّاس، وابن عمر، وعطاء، والنخعيّ أنهم كرهوا الصلاة في المقبرة، ولم يكرهها أبو هريرة، وواثلة بن الأسقع، والحسن البصريّ، وعن مالك فيه روايتان أشهرهما لا يكره ما لم يُعلم نجاستها، وقال أحمد: الصلاة فيها حرام، وفي صحّتها روايتان، وإن تحقّق طهارتها، ونقل صاحب «الحاوي» عن داود أنه قال: تصحّ الصلاة، وإن تحقّق نبشها. انتهى. «المجموع» ٣/ ١٥٨. باختصار . وذهب الشافعي إلى الفرق بين المقبرة المنبوشة، وغيرها، فقال: إذا كانت مختلطة بلحم الموتى وصديدهم، وما يخرج منهم لم تجز الصلاة فيها للنجاسة، فإن صلى رجل في مكان طاهر منها أجزأته . وذهب الثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة إلى كراهة الصلاة في المقبرة، ولم يفرّقوا كما فرّق الشافعي، ومن معه بين المنبوشة وغيرها. وذهب مالك إلى جواز الصلاة في المقبرة وعدم الكراهة، والأحاديث ترد عليه. وقد احتج له بعض أصحابه المالكية بما يقضي منه العجب ؛ فاستدل له بأنه -ﷺ- صلى على قبر المسكينة السوداء، وأحاديث النهي لا تقصر عن الدلالة على التحريم الذي هو المعنى الحقيقي له، وقد تقرر في الأصول أن النهي يدل عَلَى فساد المنهي عنه، فيكون الحق التحريم والبطلان؟ لأن الفساد الذي يقتضيه النهي هو المرادف للبطلان من غير فرق بين الصلاة على القبر وبين المقابر، وكل ما صدق عليه لفظ المقبرة، أفاده العلامة الشوكاني ﵀ . وقوله: «بلا خلاف»: أي بين أصحاب الشافعيّ، لا بين جميع أهل العلم مطلقًا، فتنبه. قال الجامع: هذه التفاصيل التي ذُكرت في مذهب الشافعي مما لا يخفى بعدها؛ لكونها مخالفة لإطلاق النصوص، فتبضر. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ ما ذهب إليه المانعون من الصلاة في المقبرة، أو إليها، أو عليها مطلقًا، وأن الصلاة باطلة؛ لأن النهي للتحريم، ولا صارف له، والنهي يقتضي الفساد والبطلان، إلا الصلاة على الميت بعدما دُفن؛ فمانها صحيحة؛ عملًا بما صح من الأحاديث في ذلك، كما تقدّم بيان ذلك، فعموم النهي عن الصلاة فيها، وإليها، مخصوص بأحاديث الصلاة على الميت، وبهذا تجتمع الأحاديث من غير تعارض، وبالله التوفيق. قال العلامة المحقّق أبو محمد بن حزم ﵀: وكل هذه الآثار حقّ، فلا تحل الصلاة حيث ذكرنا، إلا صلاة الجنازة؛ فإنها تصلى في المقبرة، وعلى القبر الذي قد دُفن صاحبه، كما فعل رسول الله -ﷺ-، نُحَرِّم ما نَهَى عنه، ونَعُدّ من القرب إلى الله تعالى أن نفعل مثل ما فعل، فأمره ونهيه حقّ، وفعله حقّ، وما عدا ذلك فباطل، والحمد لله رب العالمين. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله أبو محمد ﵀ تحقيق حقيق بالقبول؛ لموافقته لصحيح المنقول، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٥١] (…) - (وَحَدَّثنَا حَسَنُ بْنُ الزَبِيعِ الْبَجَلِيُّ، حَدَّثنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ، عَنْ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: (لَا تُصَلُّوا إِلَى الْقُبُورِ، وَلَا تَجْلِسُوا عَلَيْهَا»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ الْبَجَلِيُّ) أبو عليّ الْبُورانيّ الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٢٠ أو ٢٢١) (ع) تقدم في«المقدمة»٥/ ٢٦. ٢ - (ابْنُ الْمُبَارَكِ) هو: عبد الله الإمام الحجة الحافظ الشهير المروزيّ [٨] (ت ١٨١) (ع) تقدم في«المقدمة»٥/ ٣٢. ٣ - (أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ) عائد بن عبد الله، وُلد في حياة النبيّ -ﷺ- يوم حُنين، وسمع من كبار الصحابة [٢] مات سنة (٨٠) (ع) تقدم في«الطهارة»٦/ ٥٥٩. والباقون ذُكروا قبله، و«عبد الرحمن بن يزيد»هو:«ابن جابر»المذكور في السند الماضي. [تنبيه]: قد تكلّم العلماء في رواية ابن المبارك هذه، فقال الترمذيّ في«الجامع »بعد إخرج الحديث ما نصّه: قال محمد بن إسماعيل -يعني البخاريّ-: حديث ابن المبارك خطأ، إنما هو عن بسر بن عبيد الله عن واثلة، هكذا رَوَى غير واحد، عن ابن جابر، وبُسرٌ سمع من واثلة. وقال في«العلل الكبرى»: سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: حديث الوليد بن مسلم أصحّ، وهكذا روى غير واحد، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن بسر بن عبيد الله، عن واثلة بن الأسقع. انتهى . وقال أبو الحسن الدارقطنيّ: زاد ابن المبارك في إسناد هذا الحديث:«أبا إدريس الخولانيّ »ولا أحسبه إلا أدخل حديثًا في حديث؛ لأن وهيب بن خالد رواه عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن بسر بن عبيد الله، عن أبي إدريس، عن أبي سعيد، عن النبيّ -ﷺ-، ذكره الحافظ المزيّ ﵀ . وعبارة«العلل»للدارقطنيّ: (١١٩٩) وسئل عن حديث أبي مَرْثد الغَنَويّ، عن النبيّ -ﷺ-:«لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا عليها»، فقال: يرويه عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، واختُلِف عنه، فرواه الوليد بن مسلم، وصدقة بن خالد، وبكر بن يزيد الطويل، ومحمد بن شعيب، وأيوب بن سُويد، وغيرهم، عن ابن جابر، عن بُسْر بن عبيد الله، عن واثلة بن الأسقع، عن أبي مرثد. وخالفهم عبد الله بن المبارك، وبشر بن بكر، فروياه عن ابن جابر، عن بسر، عن أبي إدريس الخولانيّ، عن واثلة بن الأسقع، عن أبي مرثد، والمحفوظ ما قاله الوليد، ومن تابعه، عن ابن جابر، لم يذكر عن أبي إدريس فيه، ورواه وهيب بن خالد، عن ابن جابر بإسناد آخر، عن القاسم بن مُخَيمرة، عن أبي سعيد الخدرفي، ولم يُتابَع عليه، والصحيح حديث واثلة، عن أبي مرثد. انتهى . وذكر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح ﵀ في «مقدمته» رواية ابن المبارك المذكورة مثالأ للمزيد في متصل الأسانيد، وهاك نصه: (النوع السابع والثلاثون معرفة المزيد في متصل الأسانيد) مثاله ما روى عبد الله بن المبارك، قال: حدثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: حدثني بسر بن عبيد الله، قال: سمعت أبا إدريس، يقول: سمعت واثلة بن الأسقع، يقول: سمعت أبا مرثد الغنوي يقول: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلّوا إليها». فذِكْرُ سفيان في هذا الإسناد زيادة وَهَم، وهكذا ذِكْرُ أبي إدريس، أما الوهم في ذكر سفيان فممن دون ابن المبارك لا من ابن المبارك؟ لأن جماعة ثقات رووه عن ابن المبارك، عن ابن جابر نفسه، ومنهم من صرّح فيه بلفظ الإخبار بينهما. وأما ذكر أبي إدريس فيه فابن المبارك منسوب فيه إلى الوهم؛ وذلك لأن جماعة من الثقات رووه عن ابن جابر، فلم يذكروا أبا إدريس بين بسر وواثلة، وفيهم من صرّح فيه بسماع بسر من واثلة. قال أبو حاتم الرازي: يرون أن ابن المبارك وَهِمَ في هذا، وكثيرًا ما يُحَدِّث بسر عن أبي إدرشى، فغَلِطَ ابن المبارك، وظنّ أن هذا مما روى عن أبي إدريس، عن واثلة، وقد سمع هذا بسر من واثلة نفسه. قال: قد ألّف الخطيب الحافظ في هذا النوع كتابًا سماه «تمييز المزيد في متصل الأسانيد» وفي كثير مما ذكره نظر؛ لأن الإسناد الخالي عن الراوي الزائد إن كان بلفظة «عن» في ذلك، فينبغي أن يحكم بإرساله، ويجعل معللًا بالإسناد الذي ذكر فيه الزائد، وإن كان فيه تصريح بالسماع، أو بالإخبار، كما في المثال الذي أوردناه فجائز أن يكون قد سمع ذلك من رجل عنه، ثم سمعه منه نفسِهِ، فيكون بُسْر في هذا الحديث قد سمعه من أبي إدريس، عن واثلة، ثم لقي واثلة، فسمعه منه، كما جاء مثله مصرحًا به في غير هذا، الفهم إلا أن توجد قرينة تدل على كونه وهمًا، كنحو ما ذكره أبو حاتم في المثال المذكور، وأيضًا فالظاهر ممن وقع له مثل ذلك أن يذكر السماعين، فإذا لم يجئ عنه ذكر ذلك حملناه على الزيادة المذكورة، والله أعلم. انتهى كلام ابن الصلاح ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: لكن الإمام مسلمًا ﵀ يرى صحة الطريقين، فلذا أخرج الحديث بالطريقين، وهو الظاهر، فإن ابن المبارك إمام حافظٌ ثبتٌ تقبل زيادته، ولم ينفرد بذلك، بل تابعه عليه بشر بن بكر، كما سبق عن الدارقطنيّ، وبشر ثقةٌ، فاتّفاقهما يدلّ على أن الحديث محفوظ بزيادة أبي إدريس، كما أنه محفوظ بحذفه، فالظاهر ما مشى عليه مسلم ﵀، من صحّة الطريقين، فتامله بالإنصاف. وقد أخرج ابن حزم ﵀ الحديث في «الْمُحَلى» (٢٩/ ٤) محتجًا به، وهاك نصه: حدثنا أحمد بن محمد بن الجسور، ثنا أحمد بن الفضل الدينوري، ثنا محمد بن جرير الطبري، ثنا محمد بن بشار بندار، ثنا عبد
مصادر المؤلف (١٤)

١. بفتح الميم، وسكون الراء، بعدها مثلّثة، وآخره دال.

٢. «الْحُشّان» بالضمّ والكسر جمع حَشّ بالفتح والضمّ: النخل المجتمع، أو البستان، والمراد محلّ قضاء الحاجة.

٣. قال الشوكانيّ ﵀: قوله: «لا نعلم لهم مخالفًا إلخ» إخبار عن علمه، وإلا فقد حكى الخطابيّ في «معالم السنن» عن عبد الله بن عمر أنه رخص في الصلاة في المقبرة، وحكى أيضًا عن الحسن أنه صلى في المقبرة. انتهى. «نيل الأوطار» ٢/ ٢٣٦.

٤. «المحلى» ٤/ ٣٠ - ٣٢.

٥. ونصق النوويّ في «المجموع» باختصار: أما حكم المسألة، فإن تحقّق أن المقبرة منبوشة لم تصحّ صلاته فيها بلا خلاف إذا لم يبسط تحته شيء، وإن تحقّق عدم نبشها صحّت صلاته بلا خلاف، وهي مكروهة كراهة تنزيه، وإن شك في نبشها فقولان، أصحّهما تصحّ الصلاة مع الكراهة، والثاني لا تصحّ. انتهى. «المجموع» ٣/ ١٥٨.

٦. هكذا النسخة، ولعل الصواب: «بما لا يقضي منه العجب»، والله تعالى أعلم.

٧. «نيل الأوطار» ٢/ ٣٣٦ - ٣٣٧.

٨. «المحلّى»٤/ ٣٢.

٩. وفي نسخة:«حدّثنا».

١٠. وفي نسخة:«عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر».

١١. «علل الترمذيّ »١/ ١٥١.

١٢. «تحفة الأشراف»٨/ ٣٢٩، و«تهذيب الكمال»٢٤/ ٢٢٥.

١٣. «العلل» للدارقطنيّ ٧/ ٤٣.

١٤. «مقدّمة ابن الصلاح» (ص ٢٨٩ - ٢٩٠) بنسخة «التقييد والإيضاح».