HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٩٧٦

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ (وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى) قَالَا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنْ يَزِيدَ (يَعْنِي ابْنَ كَيْسَانَ) عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي. وَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فأذن لي».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج3 ص65
ج ٢ ص ٦٧١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٨ ص٦٢٧
و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ٧٩)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (١٥٥٥)، وفوائد الحديث تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣٤) - (بَابُ اسْتِئذَانِ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي زِيَارةِ قَبْرِ أُمِّهِ) وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٥٨] (٩٧٦) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أيُوبَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى، قَالَا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيةَ، عَنْ يَزِيدَ، يَعْنِي ابْنَ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي حَازِم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «اسْتَأذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأُمِّي ، فَلَمْ يَأَذَنْ لي، وَاسْتَأَذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا، فَأَذِنَ لي»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُوبَ) المقابريّ البغداديّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ) بن الزَّبْرِقان المكيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ يَهِم [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م ت س ق) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٩. ٣ - (مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيةَ) بن الحارث بن أسماء الفزاريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل مكة، ثم دمشق، ثقةٌ حافظٌ، يدلّس أسماء الشيوخ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٨. ٤ - (يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ) اليشكريّ، أبو إسماعيل، أو أبو مُنين الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ [٦] (بخ م ٤) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤٢. ٥ - (أَبُو حَازِم) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤٢. ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لما سبق غير مرّة. ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخيه، فبغداديّان، والصحابيّ، فمدنيّ. ٣ - (ومنها): أن أبا هريرة -﵁-، رَأسُ المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: (اسْتَأَذَنْتُ رَبِّي)؛ أي: طلبت منه الإذن، وكان ذلك عام الفتح (أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأُمِّي) وفي نسخة: «في أن أستغفر لأمي»؛ أي: أطلب لها أن يغفر ذنوبها (فَلَمْ يَأَذَنْ لِي) بالبناء للفاعل، وفي الرواية التالية: «فلم يؤذن لي» بالبناء للمفعول. قال ابن الملك ﵀: إنما لم يأذن له؛ لأنها كافرة، والاستغفار للكافرين لا يجوز؛ لأن الله لا يغفر لهم أبدًا، وقال النووي ﵀: فيه النهي عن الاستغفار للكفّار، وقال الشوكانيّ ﵀: فيه دليل على عدم جواز الاستغفار لمن مات على غير ملة الإسلام. وقال القرطبيّ ﵀: يَحْتَمِلُ أن يكون هذا الاستئذان قبل نزول قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ الآية [التوبة: ١١٣]، ويَحْتَمِل أن يكون بعد ذلك؛ وارتجى خصوصية أمه بذلك، والله تعالى أعلم، وهذا التأويل الثاني أولى. انتهى . (وَاسْتَاذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا) وكان بالأبواء، بين مكة والمدينة. و«الزيارة» -بكسر الزاي، وتخفيف الياء-: معناه القَصْدُ، يقال: زاره، زِيارةً، وزَوْرًا -بالفتح-: قصده، فهو زائرٌ، وزَوْرٌ -بفتح، فسكون-، وقَوم زَوْرٌ أيضًا، وزُوّارٌ، مثلُ سافرٍ، وسَفْرٍ، وسُفَار، ونسوةٌ زَوْرٌ أيضًا، وزُوَّرٌ، وزائرات، والْمَزَار -بفتح الميم- يكون مصدرًا، وموضعُ الزيا رة، والزيَارةُ في الْعُرْف قَصْدُ المزور؛ إكرامًا له، واستئناسًا به، أفاده في «المصباح» . (فَأَذِنَ لِي«) بالبناء للفاعل، قال القاضي عياض ﵀: سبب زيارته -ﷺ- قبرها أنه قصد الموعظة والذكرى بمشاهدة قبرها، ويؤيّده قوله -ﷺ- في آخر الحديث:»فزوروا القبور، فإنها نها تذكر الموت لا، وقيل: زيارته -ﷺ- قبرها مع أنها كافرة تعليم منه للأمة حقوق الوالدين، والأقارب، فإنه لم يترك قضاء حقها مع كفرها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤/ ٢٢٥٨ و٢٢٥٩] (٩٧٦)، و(أبو داود) في «الجنائز» (٣٢٣٤)، و(النسائيّ) في «الجنائز» (٢٠٣٤) و«الكبرى» (٢١٦١)، و(ابن ماجه) في «الجنائز» (١٥٦٩ و١٥٧٢)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٣/ ٣٤٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٤٤١)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣١٦٩)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٥٥)، و(الحاكم) في «مستدركه» (١/ ٣٧٥)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ٧٦)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (١٥٥٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز زيارة قبر المشرك. ٢ - (ومنها): أن فيه دلالةً على جواز زيارة المشركين في الحياة، وقبورهم بعد الوفاة؛ لأنه إذا جازت زيارتهم بعد الوفاة، وقد انقطع الأمل في إسلامهم ففي الحياة أولى؛ لأنه يمكن أن يُدعَوْا إلى الإسلام، ويشرح لهم محاسنه، وتكشف شبهاتهم، ويرغّبون في الدخول فيه، فيُرجَى بذلك إنقاذهم من النار، وقد ثبت في «الصحيح» أن غلامًا يهوديًّا كان يخدم النبيّ - ﷺ -، فمرض، فعاده النبيّ - ﷺ -، ودعاه إلى الإسلام، فأسلم. ٣ - (ومنها): بيان جواز البكاء عند حضور المقابر؛ لما في الرواية التالية من كونه - ﷺ - بكى، وأبكى من حوله. ٤ - (ومنها): بيان النهي عن الاستغفار للمشركين. ٥ - (ومنها): بيان تأكُّد بِرِّ الوالدين، وأن إسلامهما ليس شرطًا في وجوب بِرّهما، بل يلزم برّهما ولو كانا مشركين، كما قال الله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ الآية [لقمان: ١٥]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قال صاحب «المرعاة في شرح المشكاة»: الحديث بظاهره يدلّ على أن أمه - ﷺ - ماتت على غير الإسلام، وهو مذهب جمهور العلماء في شأن أبويه - ﷺ -، وقد ترجم النسائيّ، وابن ماجه لهذا الحديث: «باب زيارة قبر المشرك». قال السنديّ في حاشية النسائيّ: كأنه أخذ ما ذَكَرَ في الترجمة من المنع عن الاستغفار، أو من مجرّد أنه الظاهر على مقتضى وجودها في وقت الجاهليّة، لا من قوله: «فبكى، وأبكى»؛ إذ لا يلزم من البكاء عند الحضور في ذلك المحلّ العذاب، أو الكفر، بل يمكن تحققه مع النجاة، والإسلام أيضًا، لكن من يقول بنجاة الوالدين لهم ثلاث مسالك في ذلك: مَسلَكُ أنهما ما بلغتهما الدعوة، ولا عذاب على من لم تبلغه الدعوة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] فلعلّ من سلك هذا المسلك يقول في تأويل الحديث: إن الاستغفار فرع تصوّر الذنب لهم، وذلك في أوان التكليف، ولا يُعقل ذلك فيمن لم تبلغه الدعوة، فلا حاجة إلى الاستغفار لهم، فيمكن أنه ما شُرع الاستغفار إلا لأهل الدعوة، لا لغيرهم، وإن كانوا ناجين، وأما من يقول بأنهما أُحييا له - ﷺ -، فآمنا به، فيَحمِل هذا الحديث على أنه كان قبل الإحياء، وأما من يقول بأنه تعالى يوفقهما للخير عند الامتحان يوم القيامة، فهو يقول: بمنع الاستغفار لهما قطعًا، فلا حاجة له إلى تأويل، فاتضح وجه الحديث على جميع المسالك، والله تعالى أعلم. انتهى كلام السنديّ . قال صاحب «المرعاة»: ولا يخفى ما في الوجوه الثلاثة من الضعف؛ لأن حديث إحياء أبويه - ﷺ - ضعيف جدًّا حتى حكم عليه بعض الأئمة بالوضع، كالدارقطنيّ، والجوزقانيّ، وابن الجوزيّ، وابن دحية، وصرّح بضعفه فقط غير واحد، كابن شاهين، والخطيب، وابن عساكر، والسهيليّ، والمحبّ الطبريّ، وابن سيّد الناس، وقد اعترف بضعفه السيوطيّ أيضًا، حيث قال: وروى ابن شاهين حديثًا مسندًا في ذلك، لكن الحديث مضعّف. وأما الآية الكريمة: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾ فهي مكيّة، وزيارته - ﷺ - لقبر أمه كانت عام الفتح، وقيل: عام الحديبية، سنة ستّ من الهجرة، وقيل: الآية في حقّ الأمم السالفة السابقة خاصّة، وقيل: المنفيّ فيها عذاب الاستئصال في الدنيا، لا عذاب الآخرة، وقيل: المراد: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾ في الأعمال التي لا سبيل إلى معرفتها إلا بعد مجيء الشرع، من أنواع العبادات والحدود. وأما القول بأنه تعالى يوفقهما للخير عند الامتحان يوم القيامة، فهي دعوى مجرّدة، من غير برهان، فلا يُلتفت إليه. قال النوويّ في شرح حديث أنس - ﵁ - أن رجلًا قال: يا رسول الله أين أبي؟ قال: «في النار»، قال: فلما قَفَّى دعاه، فقال: «إن أبي وأباك في النار»، ما نصّه: فيه أن من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان، فهو من أهل النار، وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة، فإن هؤلاء قد بلغتهم دعوة إبراهيم، وغيره من الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم. انتهى كلام النوويّ ﵀. وهذا يدلّ على أن النوويّ يكتفي في وجوب الإيمان على كلّ أحد ببلوغه دعوة من قبله من الرسل، وإن لم يكن مرسلًا إليه، وإلى هذا ذهب الْحَلِيميّ، كما صرّح به في «منهاجه». وقال القاري: الجمهور على أن والديه - ﷺ - ماتا كافرين، وهذا الحديث أصحّ ما ورد في حقّهما، وقول ابن حجر -يعني الهيتمي-: وحديث إحيائهما حتى آمنا به، ثم توفيا حديث صحيح، وممن صححه الإمام القرطبيّ، والحافظ ابن ناصر الدين ، فعلى تقدير صحته لا يصلح أن يكون معارضًا لحديث مسلم، مع أن الحفاظ طعنوا فيه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قول ابن حجر: حديث صحيح، غير صحيح، وكذا نسبته التصحيح إلى القرطبيّ، وابن ناصر الدين غير صحيحة أيضًا، فقد ذكر السيوطيّ مَن مال إلى القول بإحيائهما، وإيمانهما من العلماء: الخطيبَ، والسهيليّ، والقرطبيّ، والمحب الطبريّ، والعلامة ناصر الدين ابن المنيّر، وغيرهم، وذكر استدلالةم بالحديث المذكور، ثم قال: هذا الحديث ضعيف باتفاق المحدثين، بل قيل: إنه موضوع إلى آخر كلامه، والسيوطىّ من أشدّ من حاول في إثبات النجاة لهما، ولكن عمدته في ذلك عموم الآيات، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾ الآية، وغيرها، والأدلة العقلية، فلو كان أحد من حفاظ الحديث قال بصحة هذا الحديث لذكره، ونصره، وهو مع شدة بحثه للأدلة في المسألة لم يستطع أن يصححه بكل ما أوتيه من العلم، وإنما دافع عن القول بوضعه فقط، ولم يبرهن على ذلك. وبالجملة، فالحديث ما صححه عالم له عناية بالحديث، وإنما صححه من يَعْتَمِد على الرؤيا المنامية، والطرق الكشفية، التي لم يأذن الله تعالى بها في التشريع، وإنما غايتها إن كانت صحيحة أن يُستأنس بها في تثبيت ما ثبت حَبَا اللهُ النَّبِىَّ مَزِيدَ فَضْلٍ … عَلَى فَضْلٍ وَكَانَ بِهِ رَؤُوفَا فَأَحْيَا أُمَّهُ وَكَذَا أَبَاهُ … لإِيمَانٍ بِهِ فَضْلًا لَطِيفَا فَسَلِّمْ فَالْقَدِيمُ بِذَا قَدِيرٌ … وَإنْ كَانَ الْحَدِيثُ بِهِ ضَعِيفَا فبان بهذا أن الحافظ ابن ناصر الدين ممن ضعّف الحديث، لا ممن صححه، فتنبه. شرعًا، لا في إثبات ما أبطله علماء الحديث، وغيرهم ممن أوجب الله تعالى اتباعهم على الأمة، وجعلهم مرجعًا لها في المعضلات، حيث قال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، والله تعالى أعلم بالصواب. وقال القاري ﵀: ومنعوا جوازه أيضًا بأن إيمان اليأس غير مقبول إجماعًا، كما يدلّ عليه الكتاب والسنّة، وبأن الإيمان المطلوب من المكلّف إنما هو الإيمان الغيبيّ، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ الآية [الأنعام: ٢٨]. وهذا الحديث الصحيح صريح أيضًا في ردّ ما تشبث به بعضهم بأنهما كانا من أهل الفترة، ولا عذاب عليهم، مع اختلاف في المسألة . قال صاحب «المرعاة»: واعلم أن هذه المسألة كثر النزاع والخلاف بين العلماء فيها، فمنهم من نصّ على عدم نجاة الوالدين، كما رأيت في كلام النوويّ، والقاري، وقد بسط الكلام في ذلك القاري في «شرح الفقه الأكبر»، وفي رسالة مستقلّة له، ومنهم من شَهِد لهما بالنجاة، كالسيوطيّ، وقد ألّف في هذه المسألة سبع رسائل ، بسط الكلام فيها، وذكر الأدلة من الجانبين، من شاء رجع إليها، والأسلم، والأحوط عندي هو التوقّف، والسكوت. انتهى كلام صاحب «المرعاة». قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأولى، والأسلم الوقوف مع النصوص الصحيحة، كحديث الباب، وحديث مسلم المذكور: «إن أبي وأباك في النار»، مع عدم التوسع والخوض بزيادة ما ليس في النصوص، وأما تصحيح حديث إحياء أبوي النبيّ - ﷺ -، كما قال ابن حجر الهيتميّ فمما لا يُلتفت إليه، فإن جلّ الحفّاظ من المحدثين على أنه موضوع، كما أشرت إليه فيما تقدّم. ثم إن هذه المسألة ما رأيت للمتقدّمين فيها كلامًا، بل إنما أثارها، وتنازع فيها، وخاض غَمْرَتَها المتأخرون، من أمثال السيوطي، ومن سار على دَرْبه فما وَسِع الأولين من السكوت، وعدم الخوض، وترك التنازع، والتخاصم هو الصواب لمن كان حريصًا على دينه، فلو كان في هذا الخوض خير لكان المتقدّمون أسبق إليه، وأحرص من المتأخرين عليه، فسلوك سبيلهم فيه السلامة في الدنيا والآخرة، فالواجب الوقوف على ما صحّ عن رسول الله - ﷺ -، وعدم التوسّع، ونصبِ الخلاف فيما وراءه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٥٩] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: زَارَ النَّبِيُّ - ﷺ - قَبْرَ أُمِّهِ، فَبَكَى، وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، فَقَالَ: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا، فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي ، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا، فَأُذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ، فَإنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ) بن أبي أميّة الطنافسيّ الكوفيّ الأحدب، ثقة حافظٌ [٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٣٢/ ٢٣٤. والباقون ذُكروا في الباب، والباب الماضي. وقوله: (زَارَ النَّبِيُّ - ﷺ - قَبْرَ أُمِّهِ، فَبَكَى، وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ) قال القاضي: بكاؤه - ﷺ - على ما فاتها من إدراكه، والإيمان به، وقيل: على عذابها، وفيه دليل على جواز البكاء عند حضور المقابر. انتهى. وقوله: (فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي) بالبناء للمفعول، وفي بعض النسخ: «فلم يأذن لي» بالبناء للفاعل. وقوله: (فَزُورُوا الْقُبُورَ، فَإنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ)؛ أي: وذكرُ الموت يزهّد في الدنيا، ويرغّب في العقبى. وقال القاضي عياض ﵀ : قوله: «فزوروها» بَيان في نسخ النهي عن زيارة القبور، وفي علّة الإباحة، وهو أن يكون للتذكر والاعتبار، لا للفخر والمباهاة، ولا لإقامة النوح والمآتم عليه، كما قال - ﷺ -: فزوروها، ولا تقولوا هُجْرًا . [تنبيه]: قال النوويّ ﵀: هذا الحديث وُجِد في رواية أبي العلاء بن ماهان لأهل المغرب، ولم يوجد في روايات بلادنا من جهة عبد الغافر الفارسيّ، ولكنه يوجد في كثير من الأصول في آخر «كتاب الجنائز»، ويُضَبَّب عليه، وربما كتب في الحاشية: رواه أبو داود في «سننه» عن محمد بن سليمان الأنباريّ، عن محمد بن عبيد بهذا الإسناد، ورواه النسائي عن قتيبة، عن محمد بن عبيد، ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن محمد بن عبيد، وهؤلاء كلهم ثقات، فهو حديث صحيح بلا شك. انتهى كلام النوويّ ﵀ . وقال الحافظ ﵀ في «النكت الظراف» بعد نقل كلام النوويّ المذكور ما نصّه: قلت: قد ذكره الحميديّ في «الجمع»، من «صحيح مسلم» من طريق الجلوديّ، شيخ عبد الغافر، وكذا سبقه أبو مسعود في «أطراف الصحيحين»، وأخرجه البغويّ في «شرح السنّة» من طريق عبد الغافر الفارسيّ. قال: وأقرب من هذا أن يُجمع بين الكلامين بأنه سقط من النسخ
مصادر المؤلف (١٢)

١. وفي نسخة: «في أن أستغفر لأمي».

٢. «المفهم» ٢/ ٦٣٣ - ٦٣٤.

٣. «المصباح المنير» ١/ ٢٦٠.

٤. «شرح السندي على النسائيّ» ٤/ ٩٠.

٥. الظاهر أنه ابن ناصر الدين المعروف بابن المنير الآتي في كلام السيوطيّ، وليس هو المحدث الكبير الحافظ المشهور ابن ناصر الدين الدمشقيّ، بدليل أنه ضعّف الحديث، كما ذكر السيوطىّ عنه، ونصه: وقال الحافظ شمس الدين ابن ناصر الدين الدمشقيّ في كتابه المسمى «مورد الصادي في مولد الهادي» بعد إيراده الحديث المذكور، منشدًا لنفسه:

٦. «مرقاة المفاتيح» ٤/ ٢٥٠ - ٢٥١.

٧. كذا في «المرعاة»، والذي في كلام القاري «ثلاث رسائل»، فليُحرّر.

٨. وفي نسخة: «عن يزيد يعني: ابن كيسان».

٩. وفي نسخة: «يأذن لي».

١٠. «إكمال المعلم» ٣/ ٤٥٢ - ٤٥٣.

١١. حديث صحيح أخرجه النسائيّ (٢٠٣٣): أخبرني محمد بن قُدامة، قال: حدثنا جرير، عن أبي فروة، عن المغيرة بن سبيع، حدثني عبد الله بن بريدة، عن أبيه، أنه كان في مجلس فيه رسول الله - ﷺ -، فقال: «إني كنت نهيتكم أن تأكلوا لحوم الأضاحي إلا ثلاثًا، فكلوا، وأطعموا، وادّخِروا ما بدا لكم، وذكرت لكم أن لا تنتبذوا في الظروف: الدباء، والمزَفّت، والنقير، والحنتم، انتبذوا فيما رأيتم، واجتنبوا كل مسكر، ونهيتكم عن زيارة القبور، فمن أراد أن يزور فليزر، ولا تقولوا هُجْرًا».

١٢. «شرح النوويّ» ٧/ ٤٦.