HadithLab
RU

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٨ ص٦٥٠
الصائغ يكنيه، وأما الأكثر فقالوا: ابن ميسرة، منهم أحمد، ويحيى بن معين، وقد ترجم البخاري لعطاء الخراساني ترجمتين: أحدهما عطاء بن عبد الله، قال: وهو ابن أبي مسلم، والثاني عطاء بن ميسرة، وقال الخطيب في: «الموضح»: هما واحد. وقال ابن سعد: كان ثقة، روى عنه مالك. وقال الطبراني: لم يسمع من أحد من الصحابة إلا من أنس. وقال عبد الرحمن بن يزيد بن جابر: كان يُحيي الليل. وعن عطاء: قال: أوثق أعمالي في نفسي نشر العلم. قال ابنه عثمان بن عطاء: مات سنة خمس وثلاثين ومائة، وقال أبو نعيم الحافظ: كان مولده سنة (٥٠). أخرج له الجماعة، سوى البخاريّ، وليس في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: رواية عطاء الخراسانيّ، عن عبد الله بن بُريدة هذه ساقها الإمام أحمد ﵀ في «مسنده»، فقال: (٢٢٤٩٦) - حدّثنا عبد الرزاق، حدّثنا معمر، عن عطاء الخراسانيّ، حدّثني عبد الله بن بُريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإنها تذكر الآخرة، ونهيتكم عن نبيذ الجرّ، فانتبذوا في كل وعاء، واجتنبوا كل مسكر، ونهيتكم عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث، فكلوا، وتزوّدوا، وادَّخِرُوا». انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣٥) - (بَابُ تَرْكِ الصَّلَاةِ عَلَى قَاتِلِ نَفْسِهِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٦٢] (٩٧٨) - (حَدَّثَنَا عَوْنُ بْنُ سَلَّامٍ الْكُوفِيُّ، أَخْبَرَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: أُتِى النَّبِيُّ - ﷺ - بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عَوْنُ بْنُ سَلَّامٍ الْكُوفِيُّ) أبو جعفر، مولى بني هاشم، ثقةٌ [١٠] (٢٣٠) (م) تقدم في «الإيمان» ٣٠/ ٢٢٨. ٢ - (زُهَيْرُ) بن معاوية، أبو خيثمة المذكور في الباب الماضي. ٣ - (سِمَاكُ) بن حرب بن أوس، تقدّم قريبًا. ٤ - (جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ) بن جُنادة - ﵄ -، تقدّم قريبًا أيضًا. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٤١) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فمن أفراده، وسماك علّق له البخاريّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) - ﵄ - أنه (قَالَ: أُتِيَ النَّبِىُّ - ﷺ - بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ) قال صاحب «التنبيه»: لا أعرفه . (بِمَشَاقِصَ) جمع مِشْقَص بكسر الميم، وفتح القاف: هو نَصْلُ السهم؛ إذا كان طويلًا، غيرَ عريض (فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ) ولفظ النسائيّ: أن رجلًا قتل نفسه بمشاقص، فقال رسول الله - ﷺ -: «أما أنا فلا أصلي عليه». قال النوويّ ﵀: في هذا الحديث دليل لمن يقول: لا يُصلَّى على قاتل نفسه؛ لعصيانه، وهذا مذهب عمر بن عبد العزيز، والأوزاعيّ، وقال الحسن، والنخعيّ، وقتادة، ومالك، وأبو حنيفة، والشّافعيّ، وجماهير العلماء: يصلَّى عليه، وأجابوا بأن النبيّ - ﷺ - لم يصلّ عليه بنفسه زجرًا للناس عن مثل فعله، وصلّت عليه الصحابة، وهذا كما ترك النبيّ - ﷺ - في أول الأمر الصلاة على من عليه دَين، زجرًا لهم عن التساهل في الاستدانة، وعن إهمال وفائه، وأمر أصحابه بالصلاة عليه، فقال - ﷺ -: «صلّوا على صاحبكم». انتهى . وقال القاضي عياض ﵀: مذهب العلماء كافّة الصلاة على كل مسلم، ومحدود، ومرجوم، وقاتل نفسه، وولد الزنى، وعن مالك وغيره أن الإمام يجتنب الصلاة على مقتول في حدّ، وأن أهل الفضل لا يصلون على الفُسّاق؛ زجرًا لهم. وعن الزهريّ: لا يصلى على مرجوم، ويصلى على المقتول في قصاص. وقال أبو حنيفة: لا يصلى على محارب، ولا على قتيل الفئة الباغية. وقال قتادة: لا يصلى على ولد الزنى، وعن الحسن لا يصلى على النفساء تموت من زنًا، ولا على ولدها. ومنع بعض السلف الصلاة على الطفل الصغير، واختلفوا في الصلاة على السقط، فقال بها فقهاء المحدثين، وبعض السلف إذا مضى عليه أربعة أشهر، ومنعها جمهور الفقهاء حتى يَسْتَهِلّ، وتُعرَف حياته بغير ذلك. قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أن السقط يُصلّى عليه؛ لما أخرجه أحمد، وأصحاب السنن، عن المغيرة بن شعبة - ﵁ - مرفوعًا: «والسقط يُصَلَّى عليه، ويُدْعَى لوالديه بالمغفرة والرحمة»، وهو حديث صحيح. قال: وأما الشهيد المقتول في حرب الكفار، فقال مالك، والشافعيّ، والجمهور: لا يُغْسَل، ولا يصلى عليه، وقال أبو حنيفة: يُغْسَل ولا يصلى عليه، وعن الحسن يغسل ويصلى عليه. انتهى كلام القاضي باختصار . قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح قول من قال بجواز الصلاة على الشهيد، قال الإمام أحمد ﵀: الصلاة عليه أجود، وإن لم يصلّوا عليه أجزأ، وقال أبو محمد بن حزم ﵀: إن صُلِّي على الشهيد فحسنٌ، وإن لم يصلّ عليه فحسن، وقد حقّقت المسألة بما فيه الكفاية في «شرح النسائيّ» ، فراجعه، تستفد علمًا جمًّا، وبالله تعالى التوفيق. وقال القرطبيّ ﵀: لعلّ هذا القاتل لنفسه كان مستحلًّا لقتل نفسه، فمات كافرًا، فلم يصلّ عليه لذلك، وأما المسلم القاتل لنفسه فيُصلَّى عليه عند كافّة العلماء. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: يردّ قول القرطبىّ: كان مستحلًّا … إلخ قولُهُ - ﷺ -: «أما أنا فلا أصلي عليه»؛ لأن تقديره: وأما أنتم فصلّوا عليه؛ لأن «أما» للتفصيل، فيكون المراد تفصيل حال المصلين عليه بين من لا يصلّي، وهو النبيّ - ﷺ -، وبين من يصلّي، وهم الصحابة - ﵃ -، فدلّ على أنه مسلم، وليس بكافر، وأما تركه - ﷺ - الصلاة عليه مع كونه مسلمًا؛ زجرًا لغيره؛ لئلّا يتجاسروا بقتل أنفسهم. وقال الإمام ابن المنذر ﵀: واختلفوا في الصلاة على من قتل نفسه، فكان الحسن، والنخعيّ، وقتادة يرون الصلاة عليه، وقال الأوزاعيّ: لا يصلى عليه، وذكر أن عمر بن عبد العزيز لم يُصلّ عليه. قال ابن المنذر ﵀: سَنَّ رسول الله - ﷺ - الصلاة على المسلمين، ولم يستثن منهم أحدًا، وقد دخل في جملتهم الأخيار والأشرار، ومن قُتل في حدّ، ولا نعلم خبرًا أوجب استثناء أحد ممن ذكرناهم، فيُصَلَّى على من قتل نفسه، وعلى من أصيب في أيّ حدّ أصيب فيه، وعلى شارب الخمر، وولد الزنا، لا يُستثنَى منهم إلا من استثناه النبيّ - ﷺ - من الشهداء الذين أكرمهم الله بالشهادة، وقد ثبت أن نبيّ الله - ﷺ - صلى على من أصيب في حدّ. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ باختصار . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر ﵀ حسنٌ جدًّا، وهو أن يصَلَّى على جميع المسلمين، إلا من صحّ استثناؤه منهم، كالشهيد، إلا أن للإمام خاصّةً أن لا يصلي على من يَحِيف في الوصيّة ، وعلى من غَلّ، وعلى من عليه دَين، وعلى من قَتَلَ نفسه، إن رأى ذلك؛ لأجل أن ينزجر الناس عن مثل أفعالهم، وقد استوفيت بيان أدلّة ما ذُكر في «شرح النسائيّ»، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصوب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير محمد ابن الشيخ العلامة علىّ بن آدم بن موسى خُويدم العلم بمكة المكرّمة: قد انتهيتُ من كتابة الجزء الثامن عشر من «شرح صحيح الإمام مسلم» المسمَّى «البحرَ المحيطَ الثّجّاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج» والمؤذّن يؤذّن لصلاة الظهر يوم الاثنين المبارك (٢٥/ ١/ ١٤٢٨ هـ الموافق ١٣ فبراير - شباط ٢٠٠٧ م). أسأل الله العليّ العظيم ربّ العرش العظيم أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز بجنات النعيم لي ولكلّ من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رءوف رحيم. وآخر دعوانا: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ الآية [الأعراف: ٤٣]. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٣]. (اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد».«السلام على النبيّ ورحمة الله وبركاته». ويليه -إن شاء الله تعالى- الجزء التاسع عشر مفتتحًا بـ ١٢ - كِتَاب الزكاة، (١) - (بَابُ بَيَانِ مَا تَجِبُ فيهِ الزَّكَاةُ، وكَمْ مِقْدَارُ ما يُخْرَجُ) رقم الحديث [٢٢٦٣] (٩٧٩).«سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك». * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ليلة الجمعة المباركة ٢٩/ ١/ ١٤٢٨ هـ أول الجزء التاسع عشر من شرح«صحيح الإمام مسلم»المسمّى، البحر المحيط الثجّاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج، رحمه الله تعالى. ١٢ - (كِتَابُ الزَّكَاةِ) أي هذا كتاب تُذكر فيه الأحاديث الدّالة على أحكام الزكاة. وإنما ذَكَر«كتاب الزكاة»عقيب«كتاب الصلاة»؛ لأن الزكاة ثالثة الإيمان، وثانية الصلاة في الكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ [البقرة: ٣]، وأما السنة فقوله - ﷺ -:«بُنى الإسلام على خمس … »الحديث . مسائل تتعلّق بهذه الترجمة: (المسألة الأولى): في بيان ما يتعلّق بلفظ«الزكاة»من حيث اشتقاقها، ومعناها لغةً وشرعًا: قال العلامة ابن الأثير ﵀: قد تكرّر في الحديث ذكر«الزكاة»، و«التزكية»، وأصل«الزكاة» في اللغة: الطهارة، والنماء، والبركة، والمدح، وكلّ ذلك قد استُعمِل في القرآن، والحديث، ووزنها فَعَلَة كالصدقة، فلما تحركت الواو، وانفتح ما قبلها انقلبت ألفًا، وهي من الأسماء المشتركة بين الْمُخرَج، والفعل، فتُطلَق على العين، وهي الطائفة من المال الْمُزَكَّى بها، وعلى المعنى، وهو التزكية. ومن الجهل بهذا البيان أُتِي من ظَلَم نفسه بالطعن على قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤)﴾ [المؤمنون: ٤] ذاهبًا إلى العين، وإنما المراد المعنى الذي هو التزكية، فالزكاة طُهْرة للأموال، وزكاة الفطر طُهرة للأبدان. انتهى . وقال الفيّوميّ ﵀: والزكاء بالمدّ: النماء، والزيادة، يقال: زكا الزرع والأرض تزكو زُكُوًّا، من باب قعد، وأزكى بالألف مثله، وسُمّي القدرُ الْمُخرَج من المال زكاةً؛ لأنه سبب يُرجى به الزكاءُ، وزكَّى الرجلُ ماله -بالتشديد- تزكيةً، والزكاةُ اسم منه، وأزكى الله المالَ، وزكّاه بالألف، والتثقيل. وإذا نسبت إلى الزكاة وجب حذفُ الهاء، وقلبُ الألف واوًا، فيقال: زكويّ، كما يقال في النسبة إلى حصاة حَصَويّ؛ لأن النسبة تردّ إلى الأصول، وقولهم: زكاتيّةٌ عاميّ، والصواب زكويّة. انتهى . وقال النوويّ ﵀ في «المجموع»: قال الإمام أبو الحسن الواحديّ: الزكاة تطهير للمال، وإصلاح له، وتمييز، وإنماء، كلّ ذلك قد قيل، قال: والأظهر أن أصلها عن الزيادة، يقال: زكا الزرع يزكو زَكَاءً ممدود، وكلّ شيء ازداد فقد زكا، قال: والزكاة أيضًا الصلاح، وأصلها من زيادة الخير، يقال: رجلٌ زَكِىٌّ؛ أي: زائد الخير، من قوم أزكياء، وزَكَّى القاضي الشهودَ: إذا بيّن زيادتهم في الخير، وسمي ما يُخرَج من المال للمساكين بإيجاب الشرع زكاةً؛ لأنها تزيد في المال الذي أُخرِجت منه، وتوفّره في المعنى، وتقيه الآفات، هذا كلام الواحديّ. وأما الزكاة في الشرع، فقال صاحب «الحاوي» وآخرون: هو اسم لأخذ شيء مخصوص، من مال مخصوص، على أوصاف مخصوصة، لطائفة مخصوصة. و[اعلم]: أن الزكاة لفظة عربيّة معروفة قبل ورود الشرع، مستعملة في أشعارهم، وذلك كثير من أن يُستدلّ له، قال صاحب «الحاوي»: وقال داود الظاهريّ: لا أصل لهذا الاسم في اللغة، وإنما عُرف بالشرع، قال صاحب «الحاوي»: وهذا القول -وإن كان فاسدًا- فليس الخلاف فيه مؤثّرًا في أحكام الزكاة. انتهى كلام النوويّ . وقال الحافظ ﵀ في «الفتح»: والزكاة في اللغة: النماء، يقال: زكا الزرع: إذا نما، وتَرِد أيضًا في المال، وترد أيضًا بمعنى التطهير. وشرعًا بالاعتبارين معًا. أما بالأول فلأن إخراجها سبب للنماء في المال، أو بمعنى أن الأجر بسببها يكثر، أو بمعنى أن متعلّقها الأموال، ذات النماء، كالتجارة، والزراعة، ودليل الأول: «ما نقص مالٌ من صدقة» ، ولأنها يضاعف ثوابها، كما جاء: «إن الله يربّي الصدقة» . وأما بالثاني: فلأنها طهرة للنفس من رذيلة البخل، وتطهير من الذنوب. وهي الركن الثالث من الأركان التي بني الإسلام عليها. وقال ابن العربيّ: تطلق الزكاة على الصدقة الواجبة، والمندوبة، والنفقة، والحقّ، والعفو. وتعريفها في الشرع: إعطاء جزء من النصاب الحوليّ إلى فقير ونحوه، غير هاشميّ، ولا مطّلبيّ. ثم لها ركنٌ، وهو الإخلاص، وشرطٌ، هو السبب، وهو ملك النصاب الحوليّ، وشرطُ من تجب عليه، وهو العقل، والبلوغ، والحرّيّة. ولها حكم، وهو سقوط الواجب في الدنيا، وحصول الثواب في الأخرى. وحكمة: وهي التطهير من الأدناس، ورفع الدرجة، واسترقاق الأحرار، فإن الإنسان عبد الإحسان. انتهى. وهو جيّدٌ لكن في شرط من تجب عليه اختلاف. والزكاة أمر مقطوع به في الشرع، يَستغني عن تكلّف الاحتجاج له، وإنما وقع الاختلاف في فروعه، وأما أصل فرضية الزكاة فمن جحدها كفر. انتهى كلام الحافظ ﵀ . وقال العلامة ابن الملقّن ﵀ في كتابه «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام»: الزكاة في اللغة: النماء، والتطهير. فمن الأول قولهم: زَكَى الزرعُ؛ أي: نما، فالمال ينمو بإخراج الزكاة من حيث لا يُرى، وإن كان في الظاهر يُحسّ بالنقصان، وقد صحّ أنه - ﷺ - قال: «ما نقص مال من صدقة». وقد وقع لبعض الصالحين، فوجد وزن ما عنده كما كان قبل الصدقة. وقيل: يزكو عند الله أجرها، كما صحّ أن الله تعالى يربّي الصدقة حتى تكون كالجبل. وقيل: لأن متعلقها الأموال ذات النماء، فسميت بالنماء لتعلقها به. ومن الثاني: قوله تعالى: ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ الآية [التوبة: ١٠٣]، وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩)﴾ [الشمس: ٩]؛ أي: طهّرها من دنس المعاصي والمخالفات، دليله قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ١٠]؛ أي: أخملها بالمعاصي، فالزكاة تطهّر النفس من رذيلة البخل وغيره. وقد قيل: من أذى زكاة ماله لم يُسَمّ بخيلًا، وتطهّر أيضًا من الذنوب، وتطهّر المال أيضًا من الخبث. وقيل: سميت زكاةً لأنها تزكي صاحبها، وتشهد بصحّة إيمانه؛ ولهذا قال - ﷺ -: «والصدقة بُرهان» رواه مسلم. وقد قيل في قوله تعالى: ﴿لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٧] لا يشهدون أن لا إله إلا الله. وتسمى أيضًا صدقةً؛ كما نصّ عليه القرآن والسنّة؛ لأنها دليل لتصديق صاحبها، وصحّة إيمانه ظاهرًا وباطنًا. وتسمى أيضًا حقَّا، قال تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، ونفقةً، قال تعالى: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] وعفوًا، قال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] فهذه خمسة أسماء. وقوله تعالى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ [الكهف: ٧٤]، وقوله: ﴿غُلَامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩]؛ أي: طاهرًا. وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤)﴾ [الأعلى: ١٤]، وقوله: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨)﴾ [الليل: ١٨]؛ أي: يتقرّب. وقيل: يعمل صالحًا. وجاء في القرآن بمعنى الإسلام، قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧)﴾ [عبس: ٧]. وبمعنى الحلال، قال تعالى: ﴿أَزْكَى طَعَامًا﴾ [الكهف: ١٩]. ومن العجب إنكار داود الظاهريّ وجود الزكاة لغة، وقال: إنما عُرفت بالشرع. وهي في الشرع: اسم لما يُخرج من المال طهارةً له. وشُرعت لمصلحة الدافع طهرةً له، وتضعيفًا لأجره، ولمصلحة الآخذ سدًّا لخلّته. وأفهم الشرع أنها وجبت للمساواة، وأنها لا تكون إلا في مال له بالٌ، وهو النصاب، ثم جعلها في الأموال النامية، وهي العين، والزرع، والماشية. وأجمعوا على أن وجوب الزكاة في هذه الأنواع، واختلفوا فيما سواها كالعروض، والجمهورُ على الوجوب فيها؛ خلافًا لداود، مستدلًّا بحديث: «ليس على المسلم في عبده، ولا في فرسه صدقة». متفق عليه، وحمله الجمهور على ما كان للقنية. وحدّد الشرع نصاب كل جنس بما يحتمل المواساة. فنصاب الفضّة خمس أواق، وهي مائتا درهم بنصّ الحديث. وأما الذهب، فعشرون مثقالًا بنصّ الحديث، والإجماع أيضًا، وإن كان فيه خلاف شاذّ. وأما الزرع والثمار والماشية، فنُصُبُها معلومة. ورتّب الشرع مقدار الواجب بحسب المؤنة والتعب في المال، فأعلاها، وأقلها تعبًا الركاز، وفيه الخمس؛ لعدم التعب فيه، ويليه الزرع والثمر، فإن سُقي بماء السماء، ونحوه، ففيه العشر، وإلا فنصفه؛ لأن في الأول التعبَ من طرف ، والثاني من طرفين، ويليه الذهب والفضة، والتجارة، ففيها ربع العشر؛ لأنه يحتاج إلى العمل فيه جميع السنة، ويليه الماشية، فإنه يدخلها الأوقاص ، بخلاف الأنواع السابقة. فالمأخوذ إذًا: الْخُمُس، ونصفه، وربعه، وثمنه، وهذا من حسن ترتيب الشريعة، وهو التدريج في المأخوذ. انتهى كلام ابن الملقّن . وقال القرطبىّ ﵀: وتسمى الزكاة صدقةً مأخوذة من الصدق؛ إذ هي دليل على صحّة إيمانه، وصدق باطنه مع ظاهره. قال: وشرعها الله تعالى مواساة للفقراء، وتطهيرًا للأغنياء من البخل، وإنما تجب على من كان له من المال ما له بالٌ، وأقلّ ذلك النصاب على ما يأتي بيانه. ثم موضوعها الأموال النامية؛ أي: الصالحة للنماء، وهي العين، والحرث، والماشية، ثم هذه الأصول منها ما ينمو بنفسه، كالحرث والماشية، ومنها ما ينو بتغيير عينه وتقليبه كالعين. والإجماع منعقدٌ على تعلّق الزكاة بأعيان هذه المسميات، فأما تعلّق الزكاة بما سواها من العروض، والديون، ففيها ثلاثة أقوال: اهـ. مصباح. فأبو حنيفة يوجبها على الإطلاق، وداود يُسقطها في ذلك، ومالك يوجبها في عروض التجارة، وفي الديون تفصيل يعرف في كتب الفقه، وسيأتي حجة كل فريق في تضاعيف الكلام. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله القرطبيّ من إيجاب الإمام أبي حنيفة الزكاة في الديون على الإطلاق، ليس كما قال، بل في مذهبه تفصيل، فليُرجَع لكتب مذهبه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في السنة التي فُرضت فيها الزكاة: ذهب الأكثرون إلى أنّ فرضيتها وقع بعد الهجرة، فقيل: كان في السنة الثانية، قبل فرض رمضان، أشار إليه النوويّ في «باب السير» من كتابه «الروضة». وجزم ابن الأثير في «التاريخ» بأن ذلك كان في السنة التاسعة. وهذا -كما قال الحافظ- فيه نظر، فقد ثبت في حديث ضمام بن ثعلبة، وفي حديث وفد عبد القيس، وفي عدّة أحاديث ذكر الزكاة، وكذا مخاطبة أبي سفيان مع هرقل، وكانت في أول السابعة، وقال فيها: «يأمرنا بالزكاة»، لكن يمكن تأويل كلّ ذلك، كما سيأتي في آخر الكلام. وقوّى بعضهم ما ذهب إليه ابن الأثير بما وقع في قصّة ثعلبة بن حاطب المطوّلة، ففيها: «لما أنزلت آية الصدقة بعث النبيّ - ﷺ - عاملًا، فقال: ما هذه إلا جزية، أو أخت الجزية». والجزية إنما وجبت في التاسعة، فتكون الزكاة في التاسعة. لكن الحديث ضعيف، لا يُحتجّ به. وادّعَى ابن خزيمة في «صحيحه» أن فرضها كان قبل الهجرة، واحتجّ بما أخرجه من حديث أم سلمة في قصّة هجرتهم إلى الحبشة، وفيها أن جعفر بن أبي طالب، قال للنجاشيّ في جملة ما أخبره به عن النبيّ - ﷺ -: «ويأمرنا بالصلاة، والزكاة، والصيام». انتهى. قال الحافظ: وفي استدلالة بذلك نظرٌ؛ لأن الصلوات الخمس لم تكن فُرضت بعدُ، ولا صيام رمضان، فيحتمل أن تكون مراجعة جعفر لم تكن في أول ما قدم على النجاشيّ، وإنما أخبره بذلك بعد مدّة، قد وقع فيها ما ذكر، من قصّة الصلاة، والصيام، وبلغ ذلك جعفرًا، فقال: «يأمرنا» بمعنى يأمر به أمته، وهو بعيدٌ جدًّا. وأولى ما حُمل عليه حديث أم سلمة هذا -إن سَلِمَ من قدح في إسناده- أن المراد بقوله: «يأمرنا بالصلاة، والزكاة، والصيام»؛ أي في الجملة، ولا يلزم من ذلك أن يكون المراد بالصلاة الصلوات الخمس، ولا بالصيام صيام رمضان، ولا بالزكاة هذه الزكاة المخصوصة ذات النصاب والحول. ومما يدلّ على أن فرض الزكاة كان قبل السنة التاسعة حديث أنس - ﵁ - في «الصحيح» في قصّة ضمام بن ثعلبة، وفيه قوله: أنشدك بالله، آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا، فتردها على فقرائنا؟ وكان قدوم ضمام سنة خمس، كما تقدّم، وإنما الذي وقع في التاسعة بعث العمّال لأخذ الصدقات، وذلك يقتضي تقدّم فريضة الزكاة قبل ذلك. ومما يدلّ على أن فرض الزكاة وقع بعد الهجرة اتفاقهم على أن صيام رمضان إنما فُرض بعد الهجرة؛ لأن الآية الدّالة على فرضيته مدنيّة بلا خلاف. وثبت عند أحمد، وابن خزيمة أيضًا، والنسائيّ، وابن ماجه، والحاكم، من حديث قيس بن سعد بن عُبادة، قال: «أمرنا رسول الله - ﷺ - الفطر قبل أن تنزل الزكاة، ثم نزلت الزكاة، فلم يأمرنا، ولم ينهنا، ونحنُ نفعله». إسناده صحيح، ورجاله رجال الصحيح، إلا أبا عمّار الراوي له عن قيس بن سعد، وهو كوفيّ، اسمه عَرِيب -بالمهملة المفتوحة- ابن حُميد، وقد وثّقه أحمد، وابن معين، وهو دالٌّ على أن فرض صدقة الفطر كان قبل فرض الزكاة، فيقتضي وقوعها بعد فرض رمضان، وذلك بعد الهجرة، وهو المطلوب. ووقع في «تاريخ الإسلام»: في السنة الأولى فُرِضت الزكاة. وقد أخرج البيهقيّ في «الدلائل» حديث أم سلمة المذكور من طريق «المغازي لابن إسحاق» من طريق يونس بن بُكير، عنه، وليس فيه ذكر الزكاة، وابن خزيمة أخرجه من حديث ابن إسحاق، لكن من طريق سلمة بن الفضل، عنه، وفي سلمة مقال . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما ذُكر أن الراجح أن فرض الزكاة كان بعد الهجرة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم فيمن تجب عليه الزكاة: قال الإمام محمد بن رُشد ﵀ في كتابه «بداية المجتهد، ونهاية المقتصد»: اتفقوا على أنها تجب على كل مسلم حرّ، بالغ، عاقل، مالك للنصاب، ملكًا تامًّا. واختلفوا في وجوبها على اليتيم، والمجنون، والعبيد، وأهل الذّمّة، والناقص الملك، مثل الذي عليه دينٌ، أو له الدين، ومثل المال المحبّس الأصل. فأما الصغار، فإن قومًا قالوا: تجب عليهم الزكاة في أموالهم، وبه قال عمر، وعلىّ، وابن عمر، وجابر، وعائشة، والحسن بن عليّ من الصحابة - ﵃ -، وبه قال جابر بن زيد، وابن سيرين، وعطاء، ومجاهد، وربيعة، ومالك، والشافعيّ، والثوريّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وغيرهم من فقهاء الأمصار. وقال قوم: ليس في مال اليتيم صدقة أصلًا. وبه قال النخعيّ، والحسن، وسعيد بن جبير، من التابعين. وفرّق قوم بين ما تُخرج الأرض، وبين ما لا تُخرجه، فقالوا: عليه الزكاة فيما تُخرجه الأرض، وليس عليه زكاة فيما عدا ذلك، من الماشية، والنّاضّ ، والعُرُوض، وغير ذلك. وهو قول أبي حنيفة، وأصحابه. وفرق آخرون بين النّاضّ وغيره، فقالوا: عليه الزكاة إلا في الناضّ. قال ابن رشد: وسبب اختلافهم في إيجاب الزكاة عليه، أو لا إيجابها هو اختلافهم في مفهوم الزكاة الشرعية، هل هي عبادة كالصلاة، والصيام؟ أم هي حقّ واجب للفقراء على الأغنياء؟ فمن قال: إنها عبادة اشترط فيها البلوغ، ومن قال: إنها حقّ واجبٌ للفقراء والمساكين في أموال الأغنياء، لم يَعتَبِر في ذلك بلوغًا من غيره، وأما من فرّق بين ما تُخرجه الأرض، أو لا تخرجه، وبين الخفيّ والظاهر، فلا أعلم له مستندًا في هذا الوقت. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: المذهب الأول عندي هو الأرجح؛ لعموم النصوص الصحيحة في إيجاب الزكاة، ولما روي من آثار عن الصحابة: عمر، وعليّ، وعائشة، وجابر - ﵃ -، رواها أبو عبيد، والبيهقيّ، والدارقطنىّ وغيرهم. والله تعالى أعلم. قال: وأما أهل الذمّة، فإن الأكثر على أن لا زكاة على جميعهم؛ إلا ما روت طائفة من تضعيف الزكاة على نصارى بني تغلب -أعني أن يؤخذ منهم مِثلا ما يؤخذ من المسلمين في كلّ شيء-. وممن قال بهذا: الشافعىّ، وأبو حنيفة، وأحمد، والثوريّ، وليس عن مالك في ذلك قولٌ، وإنما صار هؤلاء لهذا لأنه ثبت أنه فعل عمر بن الخطّاب بهم، وكأنهم رأوا أن مثل هذا هو توقيفٌ، ولكن الأصول تعارضه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كون هذا الذي أُخذ من نصارى بني تغلب زكاة فيه نظرٌ لا يخفى. والله تعالى أعلم. قال: وأما العبيد فإن الناس فيهم على ثلاثة مذاهب: فقوم قالوا: لا زكاة في أموالهم أصلًا، وهو قول ابن عمر، وجابر من الصحابة - ﵃ -، ومالك، وأحمد، وأبي عُبيد، من الفقهاء. وقال آخرون: بل زكاة مال العبد على سيده، وبه قال الشافعيّ، فيما حكاه ابن المنذر، والثوريّ، وأبو حنيفة، وأصحابه. وأوجبت طائفة أخرى على العبد في ماله الزكاة، وهو مرويّ عن ابن عمر، من الصحابة، وبه قال عطاء، من التابعين، وأبو ثور من الفقهاء، وأهل الظاهر، وبعضهم . وجمهور من قال: لا زكاة في مال العبد هو على أن لا زكاة في مال المكاتب حتى يعتق. وقال أبو ثور: في مال المكاتب زكاة. وسبب اختلافهم في زكاة مال العبد اختلافهم في هل يملك العبد ملكًا تامًّا أو غير تام؟ فمن رأى أنه لا يملك ملكًا تامًّا، وأن السيّد هو المالك؛ إذ كان لا يخلو مال من مالك، قال: الزكاة على السيّد، ومن رأى أنه لا واحد منهما يملكه ملكًا تامًّا، لا السيّد؛ إذ كانت يد العبد هي التي عليه، لا يد السيّد، ولا العبد أيضًا؛ لأن للسيّد انتزاعه منه، قال: لا زكاة في ماله أصلًا. ومن رأى أن اليد على المال توجب الزكاة فيه لمكان تصرّفها فيه تشبيهًا بتصرّف يد الحرّ قال: الزكاة عليه، لا سيّما من كان عنده أن الخطاب العامّ يتناول الأحرار والعبيد، وأن الزكاة عبادة تتعلّق بالمكلّف لتصرّف اليد في المال. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا القول الأخير هو الظاهر عندي؛ لأن النصوص تعمّ الحرّ والعبد، وظواهر النصوص أن العبد يملك إذا أذن له السيّد في التصرّف. والله تعالى أعلم. قال: وأما المالكون الذين عليهم الديون التي تستغرق أموالهم، أو تستغرق ما تجب فيه الزكاة من أموالهم، وبأيديهم أموال تجب فيها الزكاة، فإنهم اختلفوا في ذلك، فقال قوم: لا زكاة في مال حَبًّا كان، أو غيره حتى تُخرج منه الديون، فإن بقي ما تجب فيه الزكاة زُكّي، وإلا فلا. وبه قال الثوريّ، وأبو ثور، وابن المبارك، وجماعة. وقال أبو حنيفة وأصحابه: الدَّين لا يمنع زكاة الحبوب، ويمنع ما سواها. وقال مالك: الدَّين يمنع زكاة الناضّ فقط، إلا أن يكون له عُروض فيها وفاء من دينه، فإنه لا يَمنع. وقال قوم بمقابل القول الأول، وهو أن الدَّين لا يمنع زكاة أصلًا. والسبب في اختلافهم اختلافُهم: هل الزكاة عبادة، أو حقّ مرتّبٌ في المال للمساكين؟ فمن رأى أنها حقّ لهم قال: لا زكاة في مال من عليه الدَّين؛ لأن حقّ صاحب الدَّين متقدّم بالزمان على حقّ المساكين، وهو في الحقيقة مال صاحب الدَّين، لا للذي المالُ بيده، ومن قال: هي عبادة قال: تجب على من بيده مالٌ؛ لأن ذلك هو شرط التكليف، وعلامته المقتضية الوجوب على المكلّف، سواء كان عليه دَينٌ، أو لم يكن؛ وأيضًا فإنه قد تعارض هنالك حقّان: حقّ لله، وحقّ للآدميّ، وحقّ الله أحقّ أن يُقضى. والأشبه بغرض الشرع إسقاط الزكاة عن المديون؛ لقوله - ﷺ -: «صدقة تؤخذ من أغنيائهم، وتُردّ على فقرائهم …» والمديون ليس بغنيّ. وأما من فرّق بين الحبوب، وغير الحبوب، وبين الناضّ، وغير النّاضّ، فلا أعلم له شبهة بيّنة. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأقرب عندي أن من عليه دَين يستغرق ماله، لا زكاة عليه أصلًا، ومن عليه دين لا يستغرق لا زكاة عليه بقدر الدين، ويزكي ما عداه؛ لظاهر النصّ المذكور، فإنه شرط في أخذ الزكاة أن يكون غنيًّا، والمديون لا يسمّى غنيًّا. والله تعالى أعلم. قال: وأما المال الذي هو في الذّمّة -أعني في ذمة الغير- وليس هو بيد المالك، وهو الدَّين، فإنهم اختلفوا فيه أيضًا، فقوم قالوا: لا زكاة فيه، وإن قُبض حتى يستكمل شرط الزكاة عند القابض له، وهو الحول، وهو أحد قولي الشافعيّ، وبه قال الليث، أو هو قياس قوله. وقوم قالوا: إذا قبضه زكّاه لما مضى من السنين. وقال مالك: يزكيه لحول واحد، وإن أقام عند المديون سنين إذا كان أصله عن عوض، وأما إذا كان عن غير عوض، مثل الميراث، فإنه يستقبل به الحول. انتهى كلام ابن رشد ﵀ ببعض تصرّف . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يترجّح عندي أنه إن كان الدَّين عند مقرّ به، أو له عليه بيّنة، فإنه يزكّيه، وإلا فلا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في اشتراط الحول في الزكاة: ذكر ابن رشد ﵀ أن جمهور الفقهاء يشترطون في وجوب الزكاة في الذهب والفضّة والماشية الحولَ، لثبوت ذلك عن الخلفاء الأربعة، ولانتشاره في الصحابة - ﵃ - ولانتشار العمل به، ولاعتقادهم أن مثل هذا الانتشار من غير خلاف لا يجوز أن يكون إلا عن توقيف. وقد روي مرفوعًا من حديث ابن عمر - ﵄ -، عن النبيّ - ﷺ -، أنه قال: «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول»، وهذا مجمع عليه عند فقهاء الأمصار، وليس فيه في الصدر الأول خلاف، إلا ما روي عن ابن عباس، ومعاوية - ﵃ -، وسبب اختلافهم أنه لم يَرِد في ذلك حديث ثابت، قاله ابن رشد ﵀ . وقال النووىّ ﵀ ما معناه: هذا الأثر المذكور عن أبي بكر، وعثمان، وعليّ - ﵃ - صحيح عنهم، رواه البيهقيّ وغيره، وقد روي عن علي، وعائشة - ﵄ - عن النبىّ - ﷺ -، أنه قال: «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول». قال: وإنما لم يحتجّ المصنّف -يعني صاحب «المهذّب»- بالحديث؛ لأنه ضعيف، فاقتصر على الآثار المفسّرة. قال البيهقىّ: الاعتماد في اشتراط الحول على الآثار الصحيحة، فيه عن أبي بكر الصدّيق، وعثمان، وابن عمر، وغيرهم - ﵃ -. قال العبدريّ: أموال الزكاة ضربان: (أحدهما): ما له نماء في نفسه، كالحبوب والثمار، فهذا تجب الزكاة فيه لوجوده. (والثاني): ما هو مُرَصَّدٌ للنماء، كالدراهم، والدنانير، وعروض التجارة، والماشية، فهذا يُعتبر فيه الحول، فلا زكاة في نصابه حتى يحول عليه الحول، وبه قال الفقهاء كافّةً، قال: وقال ابن مسعود، وابن عباس - ﵄ -: تجب الزكاة فيه يوم ملك النصاب، قال: فإذا حال الحول وجبت زكاة ثانية . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: مذهب الجمهور، في اشتراط الحول عندي هو الأرجح؛ للآثار الصحيحة المذكورة، والحديث المذكور صحيح موقوفًا، لكن الموقوف في مثل هذا في حكم المرفوع، وأما رفعه فضعيف. وقد صححه بعض أهل العلم من المعاصرين، وفيه نظر لا يخفى؛ لأن فيه عنعنة أبي إسحاق السبيعىّ، وهو معروف بالتدليس، وأن جرير بن حازم خالف الثقات في رفعه، فقد رواه الثوريّ، وشريك، وزكريا بن أبي زائدة، وغيرهم عن أبي إسحاق عن علي موقوفًا . وفيه علّة أخرى، نبّه عليها ابن الموّاق، وهي أن جرير بن حازم لم يسمعه من أبي إسحاق، فقد رواه الحفاظ أصحاب ابن وهب: سحنون،
مصادر المؤلف (٢٥)

١. بتشديد اللام.

٢. «تنبيه المعلم» ص ١٨٥.

٣. «شرح مسلم» ٧/ ٥١، كتاب الجنائز رقم الحديث ٢٢٥٩.

٤. راجع: «إكمال المعلم» ٣/ ٤٥٤ - ٤٥٥.

٥. راجع: «ذخيرة القعبى» ١٩/ ٢٠٧ - ٢١٥ رقم الحديث (١٩٥٣).

٦. الأوسط ٥/ ٤٠٦ - ٤٠٩.

٧. هذا على تقدير صحة حديثه، لكن الحديث لا يصحّ، كما بيّنته في «شرح النسائيّ»، فراجعه، تستفد، وبالله تعالى التوفيق.

٨. راجع: «عمدة القاري» ٨/ ٢٣٣.

٩. «النهاية» ٢/ ٣٠٧.

١٠. «المصباح المنير» ١/ ٢٥٤.

١١. «المجموع» ٥/ ٢٩٥.

١٢. أخرجه مسلم.

١٣. متّفقٌ عليه بنحوه.

١٤. «الفتح» ٤/ ٥.

١٥. وقع في الكتاب بلفظ «من طرفين» في الموضعين، والظاهر أن الأول خطأ.

١٦. جمع وَقَص بفتحتين، وهو ما بين الفريضتين من نُصُب الزكاة مما لا شيء فيه.

١٧. «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٥/ ٧ - ١١.

١٨. «المفهم» ٣/ ٥.

١٩. راجع: «الفتح» ٤/ ٩ - ١٠.

٢٠. أي: الدراهم والدنانير، فقد ذكر في «القاموس» من معاني «الناضّ»: الدرهم والدينار، أو إنما يسمّى ناضًّا إذا تحوّل عينًا بعد أن كان متاعًا. انتهى بتصرّف.

٢١. هكذا النسخة بالواو، ولعله (أو بعضهم) بـ (أو)، فليُحرّر.

٢٢. «بداية المجتهد» ١/ ٢٤٥ - ٢٤٦.

٢٣. «بداية المجتهد» ١/ ٢٧٠.

٢٤. «المجموع» ٥/ ٣٢٧ - ٣٢٨.

٢٥. راجع: «إرواء الغليل» للشيخ الألبانىّ ٣/ ٢٥٦ - ٢٥٧.