HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٩٨٤

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. قَالَا: حَدَّثَنَا مَالِكٌ. ح وحدثنا يحيى بن يحيى (واللفظ له) قال: قرأت على مالك عن نافع، عن ابن عمر؛ أن رسول الله ﷺ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ. صَاعًا مِنْ تَمْرٍ. أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ. عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ. ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى. مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج3 ص68
ج ٢ ص ٦٧٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٨ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٩ ص٨٦
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٧٨] (٩٨٤) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ، قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النّاسِ، صًاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ، أَوْ عَبْدٍ، ذَكَرٍ، أَوْ أُنْثَى، مِنَ الْمُسْلِمِينَ». رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) القعنبيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، مدنيّ الأصل، وقد سكنها مدّةً، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ، من صغار [٩] (ت ٢٢١) بمكة (ع) تقدم في «الطهارة» ١٧/ ٦١٧. ٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب. ٣ - (مَالِكُ) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم قبل باب أيضًا. ٤ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) تقدّم قبل باب أيضًا. ٥ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهور [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٨/ ٢٢٢. ٦ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد الله بن عمر بن الخطاب العدويّ، أبو عبد الرحمن الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، مات سنة (٣ أو ٧٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رُباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو أعلى الأسانيد له، كما سبق غير مرّة، وهو (١٤٢) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه يحيى، فما أخرج أبو داود، وابنُ ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير يحيى، فنيسابوريّ، وقتيبة، فبغلانيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه ابن عمر - ﵄ - أحد المكثرين السبعة من الصحابة، روى (٢٦٣٠) من الأحاديث، وهو أحد العبادلة الأربعة، وهم: ابن عمر، وابن عبّاس، وابن الزبير، وابن عمرو بن العاص - ﵁ -، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - ﵄ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَرَضَ)؛ أي: أوجب، وألزم، وما فرضه - ﷺ - إلا عن أمر من الله ﷿، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣، ٤]. قال الطيبيّ: دلّ قوله: «فَرَض» على أن صدقة الفطر فريضة، والحنفيّة على أنها واجبة، قال القاري: لعدم ثبوتها بدليل قطعيّ، فهو فرض عمليُّ، لا اعتقاديّ، وقال السنديّ: الحديث من أخبار الآحاد، فمؤدّاه الظنّ، فلذلك قال بوجوبه دون افتراضه من خصّ الفرض بالقطع، والواجب بالظنّ. انتهى. وقال ابن حجر الهيتميّ: في الحديث دليلٌ لمذهبنا، ولَمّا رأى الحنفيّة الفرق بين الفرض والواجب بأنّ الأول ما ثبت بدليل قطعيّ، والثاني ما ثبت بدليل ظنّيّ، قالوا: إن المراد بالفرض هنا الواجب، وفيه نظر؛ لأنّ هذا قطعيّ؛ لما علمت أنه مجمع عليه، فالفرض فيه باق على حاله، حتى على قواعدهم، فلا يحتاج لتأويلهم الفرض بالواجب. انتهى. قال القاري: وفيه أن الإجماع على تقدير ثبوته إنما هو في لزوم هذا الفعل، وأما أنه على طريق الفرض، أو الواجب بناءً على اصطلاح الفقهاء المتأخّرين، فغير مسلّم، وأما قوله: ووجوبها مجمع عليه، كما حكاه المنذريّ، والبيهقيّ، فمنقوض بأن جمعًا حكوا الخلاف فيها. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حمل كلام الشارع على الحقيقة الشرعيّة ما أمكن هو المتعيّن، وأما حمله على المصطلح الحادث فغير صحيح، فإن الصحابة - ﵃ - ما كانوا يعرفون هذا الاصطلاح الحادث في الفرق بين الفرض والواجب، كما يقول به الحنفيّة، فعبد الله بن عمر - ﵄ - حين قال: فرض رسول الله - ﷺ - زكاة الفطر ما كان يقصد أنه دون فرض زكاة المال، وفرض صوم رمضان، بل كان يعتقد أنه من الفروض التي كَلَّف الله تعالى بها المكلّفين، من غير فرق بين فرض، وفرض، فمن فرض صوم رمضان، هو الذي فرض زكاة رمضان. والحاصل أن ما ذهب إليه الأئفة الثلاثة من أن صدقة الفطر فريضة هو الحقّ، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ)؛ أي: الزكاة الواجبة عند الفطر من صوم شهر رمضان، فإضافة الزكاة إلى «الفطر» من إضافة الشيء إلى سببه، كما سبق أوّل الباب. فـ «زكاة» منصوب على المفعوليّة لـ «فَرَضَ»، وقوله: (عَلَى النَّاسِ) متعلّق بـ «فرَضَ»، قال السنديّ: «على» بمعنى «عن»؛ إذ لا وجوب على العبد، والصغير، كما في بعض الروايات؛ إذ لا مال للعبد، ولا تكليف على الصغير، نعم يجب على العبد عند بعض، والمولى نائبٌ عنه. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أن «على» على بابها، فهي تدلّ على الوجوب على الجميع، فكون الأداء عن الصغير والعبد على الوليّ، والسيّد لا ينافي وجوبها عليهما، فتأمل، والله تعالى أعلم. (صَاعًا) منصوب على البدلتة من «زكاةَ الفطر»، أو حال منه، أو «زكاة» منصوب على نزع الخافض؛ أي: في زكاة الفطر، والمفعول «صاعًا»، أفاده السنديّ - ﵀ -، وقال السيوطيّ - ﵀ -: قيل: إن «صاعًا» منصوب على أنه مفعول ثان، وقيل: على التمييز، وقيل: خبر «كان» محذوفًا، وقيل: على سبيل الحكاية. انتهى . وقوله: (مِنْ تَمْرٍ) متعلّق بصفة لـ «صاعًا» (أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ) «أو» هنا للتخيير، فيُخيّر بين أن يخرج صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير (عَلَّى كُلَّ حُرًّ، أَوْ عَبْدٍ) ظاهره إخراج العبد عن نفسه، ولم يقل به إلا داود، فقال: يجب على السيّد أن يمكّن العبد من الاكتساب لها، كما يجب عليه أن يمكّنه من الصلاة، وخالفه أصحابه، والناس، واحتجّوا بحديث أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا: «ليس على المسلم في عبده صدقة، إلا صدقة الفطر»، رواه مسلم، وقد تقدّم تمام البحث في ذلك قبل باب، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. وقوله: (ذَكَرٍ، أَوْ أُنْثَى) مجرور على البدليّة، وظاهره وجوبها على المرأة، سواء كان لها زوج أم لا، وبه قال الثوريّ، وأبو حنيفة، وابن المنذر، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك قريبًا - إن شاء الله تعالى -. وقوله: (مِنَ الْمُسْلِمِينَ) لأئمة الحديث كلام طويل في هذه اللفظة، سنحققه قريبًا - إن شاء الله تعالى - وهو حجة لمن قال: لا تجب زكاة الفطر على سيّد العبد الكافر، وسيأتي أيضًا تحقيق الخلاف فيه - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر بهذا متّفَقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٢٢٧٨ و٢٢٧٩ و٢٢٨٠ و٢٢٨١ و٢٢٨٢] (٩٨٤)، و(البخاريّ) في «الزكاة» (١٥٠٣ و١٥٠٤ و١٥٠٧ و١٥٠٩ و١٥١١ و١٥١٢)، و(أبو داود) في «الزكاة» (١٦١١ و١٦١٣ و١٦١٤)، و(الترمذيّ) في «الزكاة» (٦٧٥ و٦٧٦ و٦٧٧)، و(النسائيّ) في «الزكاة» (٢٥٠٠ و٢٥٠١ و٢٥٠٢ و٢٥٠٣ و٢٥٠٤ و٢٥٠٥ و٢٥١٦ و٢٥٢١) و«الكبرى» (٢٢٧٩ و٢٢٨٠ و٢٢٨١ و٢٢٨٢ و٢٢٨٣ و٢٢٨٤ و٢٢٩٥ و٢٣٠٠)، و(ابن ماجه) في «الزكاة» (١٨٢٥ و١٨٢٦)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٦٦ و١٠٢ و١٣٧)، و(مالك) في «الموطأ» (٦٢٧)، و(الدارميّ) في «سننه» (١٦٦١ و١٦٦٢)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٦٢)، و(الحاكم) في «المستدرك» (١/ ٥٦٩)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٤/ ٨٠ و٨٣ و٨٥)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ٦٠ و٦١ و٦٢ و٦٦)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (٢/ ١٣٩ و١٤٠ و١٤٤)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (١/ ٩٢ و٩٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في الكلام على زيادة «من المسلمين» في هذا الحديث: [اعلم]: أنه ذَكَرَ غير واحد أن مالكًا تفرّد بها من بين الثقات، فقال الترمذيّ في «العلل» التي في آخر «الجامع»: وربّ حديث إنما يُستغرب لزيادة تكون في الحديث، وإنما يصحّ إذا كانت الزيادة ممن يُعتمد على حفظه، مثل ما رَوَى مالك، عن نافع، عن ابن عمر، فذكر هذا الحديث، قال: وزاد مالكٌ في هذا الحديث: «من المسلمين». قال: وقد رَوَى أيوب السختيانيّ، وعُبيد الله بن عُمر، وغير واحد من الأئمّة هذا الحديث، عن نافع، عن ابن عُمر، ولم يذكروا فيه «من المسلمين». وقد روى بعضهم عن نافع مثل رواية مالك، ممن لا يُعتمد على حفظه. وتبعه على ذلك ابن الصلاح في «علوم الحديث». قال الحافظ العراقيّ - ﵀ - في «شرح الترمذيّ»: ولم ينفرد مالك بقوله: «من المسلمين»، بل قد رواه جماعة ممن يُعتمد على حفظهم، واختُلف على بعضهم في زيادتها، وهم عشرة، أو أكثر ، منهم: عمر بن نافع، والضحّاك بن عثمان، وكَثِير بن فَرْقَد، والمعلّى بن إسماعيل، ويونس بن يزيد، وابن أبي ليلى، وعبد الله بن عمر العمريّ، وأخوه عُبيد الله بن عمر، وأيوب السختيانيّ، على اختلاف عنهما في زيادتها. فأما رواية عمر بن نافع، عن أبيه، فأخرجها البخاريّ في «صحيحه». وأما رواية الضحّاك بن عثمان، فأخرجها مسلم في «صحيحه». وأما رواية كثير بن فَرْقَد، فرواها الدارقطنيّ في «سننه»، والحاكم في «المستدرك»، وقال: إنه صحيح على شرطهما. وأما رواية المعلّى بن إسماعيل، فرواها ابن حبّان في «صحيحه»، والدارقطنيّ في «سننه». وأما رواية يونس بن يزيد، فرواها الطحاويّ في «بيان المشكل». وأما رواية ابن أبي ليلى، وعبد الله بن عمر العمريّ، وأخيه عبيد الله بن عمر التي أتى فيها بزيادة قوله: «من المسلمين»، فرواها الدارقطنيّ في «سننه». وأما رواية أيوب السختيانيّ، فذكرها الدارقطنيّ في «سننه»، وأنها رُويت عن ابن شَوْذَب، عن أيوب، عن نافع. انتهى كلام الحافظ العراقيّ رحمه الله تعالى. وقال الحافظ في «الفتح»: قال ابن عبد البرّ: لم يَختلف الرواة عن مالك في هذه الزيادة، إلا أن قتيبة بن سعيد، رواه عن مالك بدونها، وأطلق أبو قلابة الرقَاشِيّ، ومحمد بن وضّاح، وابن الصلاح، ومن تبعه أن مالكاَ تفرّد بها، دون أصحاب نافع. وهو متعقّبٌ برواية عمر بن نافع المذكورة في «صحيح البخاريّ». وكذا أخرجه مسلمٌ من طريق الضحّاك بن عثمان، عن نافع بهذه الزيادة. وقال أبو عوانة في «صحيحه»: لم يقل فيه: «من المسلمين» غير مالك، والضحّاك. ورواية عمر بن نافع تردّ عليه أيضًا. وقال أبو داود بعد أن أخرجه من طريق مالك، وعمر بن نافع: رواه عبد الله العمريّ، عن نافع، فقال: «على كلّ مسلم». ورواه سعيد بن عبد الرحمن الْجُمَحِيّ، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، فقال فيه: «من المسلمين». والمشهور عن عبيد الله، ليس فيه «من المسلمين». انتهى. وقد أخرجه الحاكم في «المستدرك» من طريق سعيد بن عبد الرحمن المذكورة. وأخرج الدارقطنيّ، وابن الجارود من طريق عبد الله العمريّ. وقال الترمذيّ في «الجامع» بعد رواية مالك: رواه غير واحد عن نافع، ولم يذكروا فيه «من المسلمين». وقال في «العلل» التي في آخر «الجامع»: روى أيوب، وعُبيد الله بن عمر، وغير واحد من الأئمّة هذا الحديث عن نافع، ولم يذكروا فيه «من المسلمين». وروى بعضهم عن نافع مثل رواية مالك، ممن لا يُعتمد على حفظه. انتهى. وهذه العبارة أولى من عبارته الأولى، ولكن لا يُدرى مَن عَنَى بذلك. وقال النوويّ في «شرح مسلم»: رواه ثقتان غير مالك: عمر بن نافع، والضحّاك. انتهى. قال الحافظ: وقد وقع لنا من رواية جماعة غيرهما، منهم: كثير بن فَرْقَد، عند الطحاويّ، والدارقطنيّ، والحاكم. ويونسُ بن يزيد عند الطحاويّ. والْمُعَلَّى بن إسماعيل عند ابن حبّان في «صحيحه». وابنُ أبي ليلى عند الدارقطنيّ، أخرجه من طريق عبد الرزّاق، عن الثوريّ، عن ابن أبي ليلى، وعبيدِ الله بنِ عمر، كلاهما عن نافع. وهذه الطريق تردّ على أبي داود في إشارته إلى أنّ سعيد بن عبد الرحمن تفرّد بها عن عبيد الله بن عمر، لكن يحتمل أن يكون بعض رواته حمل لفظ ابن أبي ليلى على لفظ عبيد الله. وقد اختُلف فيه على أيوب أيضًا، كما اختُلف على عبيد الله بن عمر، فذكر ابن عبد البرّ أن أحمد بن خالد ذكر عن بعض شيوخه، عن يوسف القاضي، عن سليمان بن حرب، عن حمّاد، عن أيوب، فذكر فيه «من المسلمين». قال ابن عبد البرّ: وهو خطأٌ، والمحفوظ فيه عن أيوب ليس فيه «من المسلمين». انتهى. وقد أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» من طريق عبد الله بن شَوْذَب، عن أيوب، وقال فيه أيضًا: «من المسلمين». قال الحافظ: وذكر شيخنا سراج الدين ابن الملَقّن في «شرحه» تبعًا لمغلطاي أن البيهقيّ أخرجه من طريق أيوب بن موسى، وموسى بن عقبة، ويحيى بن سعيد، ثلاثتهم، عن نافع، وفيه الزيادة. وقد تتبعّتُ تصانيف البيهقيّ، فلم أجد فيها هذه الزيادة من رواية أحد من هؤلاء الثلاثة. وفي الجملة ليس فيمن رَوَى هذه الزيادة أحدٌ مثلُ مالك؛ لأنه لم يُتّفق على أيوب، وعبيد الله في زيادتها، وليس في الباقين مثل يونس، لكن في الراوي عنه، وهو يحيى بن أيوب مقال. انتهى كلام الحافظ - ﵀ -. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق من أقوال الحفّاظ أن القول بأن مالكًا - ﵀ - تفرّد بزيادة «من المسلمين» غير صحيح، فقد تابعه جماعة من الرواة الذين تقدم ذكرهم آنفًا، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم في حكم صدقة الفطر: قال الإمام ابن المنذر - ﵀ -: أجمع عوامّ أهل العلم على وجوب زكاة الفطر، وقال إسحاق -يعني ابن راهويه - هو كالإجماع من أهل العلم، وقال الخطّابيّ: قال به عامّة أهل العلم. وقال الحافظ ابن عبد البرّ - ﵀ -: فأما قوله في حديث ابن عمر: «فرض رسول الله - ﷺ - …» فمعناه عند أكثر أهل العلم: أوجب رسول الله - ﷺ -، وما أوجبه رسول الله - ﷺ -، فبأمر الله أوجبه، وما كان لينطق عن الهوى، فأجمعوا على أن رسول الله - ﷺ - أمر بزكاة الفطر، ثم اختلفوا في نسخها. فقالت فرقةٌ: هي منسوخة بالزكاة، ورووا عن قيس بن سعد بن عُبَادة: أن رسول الله - ﷺ - كان يأمر بها قبل نزول الزكاة، فلما نزلت آية الزكاة لم يأمرنا بها، ولم ينهنا عنها، ونحن نفعله . وقال جمهور من أهل العلم من التابعين، ومن بعدهم: هي فرضٌ واجبٌ على حسب ما فرضها رسول الله - ﷺ -، لم ينسخها شيء. وممن قال بهذا: مالك بن أنس، وسفيان الثوريّ، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد، وأبو ثور، وأحمد بن حنبل، وإسحاق ابن راهويه. قال إسحاق: هو الإجماعُ. وقال أشهب: سألت مالكًا عن زكاة الفطر، أواجبة هي؟ قال: نعم. وذكر أبو التَمَّام، قال: قال مالك: زكاة الفطر واجبة. قال: وبه قال أهل العلم كلّهم إلا بعض أهل العراق، فإنه قال: هي سنّة مؤكّدةٌ. قال أبو عمر: اختلف المتأخّرون من أصحاب مالك في وجوبها، فقال بعضهم: هي سنّةٌ مؤكّدة. وقال بعضهم: هي فرضٌ واجبٌ. وممن ذهب إلى هذا أصبغ بن الفَرَج. واختلف أصحاب داود في ذلك على قولين أيضًا: أحدهما: أنها فرض واجبٌ. والآخر أنها سنّةٌ مؤكّدةٌ. وسائر العلماء على أنها واجبةٌ. انتهى كلام ابن عبد البرّ في «الاستذكار» . وقال في «التمهيد»: وأما قول ابن عمر في هذا الحديث: «فرضَ إلخ» فإنه يحتمل وجهين: أحدهما -وهو الأظهر- فرض بمعنى أوجب، والآخر فرض بمعنى قدّر من المقدار، كما تقول: فرض القاضي نفقة اليتيم؛ أي: قدّرها، وعرف مقدارها. والذي أذهبُ إليه أن لا يزال قوله: فَرَضَ على معنى الإيجاب، إلا بدليل الإجماع، وذلك معدوم في هذا الموضع، وقد فَهِمَ المسلمون من قوله ﷿: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ الآية [النساء: ١١]، ونحو ذلك أنه شيء أوجبه، وقدّره، وقضى به، وقال الجميع للشيء الذي أوجبه الله: هذا فرض، وما أوجبه رسول الله - ﷺ -، فعن الله أوجبه، وقد فرض الله طاعته، وحذر مخالفته، ففَرْضُ الله، وفَرْضُ رسوله سواء، إلا أن يقوم الدليل على الفرق بين شيء من ذلك، فيسلّم للدليل الذي لا مدفع فيه. قال: والقول بوجوبها من جهة اتباع سبيل المؤمنين واجبٌ أيضًا؛ لأنّ القول بانها غير واجبة شذوذ، أو ضرب من الشذوذ. قال: ولعلّ جاهلًا يقول: إن زكاة الفطر لو كانت فريضة، لكُفِّرَ من قال: إنها ليست بفرض، كما لو قال في زكاة المال المفروضة، أو في الصلاة المفروضة: إنها ليست بفرض، كُفِّرَ. فالجواب عن هذا ومثله أنّ ما ثبت فرضه من جهة الإجماع الذي يَقطَعُ العذر، كُفِّرَ دافعه؛ لأنه لا عذر له فيه. وكلّ فرض ثبت بدليل، لم يُكَفَّر صاحبه، ولكنّه يُجَهَّل، ويُخطَّأُ، فإن تمادى بعد البيان له هُجِر، وإن لم يُبئن له عُذِر بالتأويل، ألا ترى أنه قد قام الدليل الواضح على تحريم المسكر، ولسنا نُكَفَّر من قال بتحليله، وقد قام الدليل على تحريم نكاح المتعة، ونكاح السّرّ، والصلاة بغير قراءة، وبيع الدرهم بالدرهمين يدأ بيد … إلى أشياء يطول ذكرها من فرائض الصلاة، والزكاة، والحجّ، وسائر الأحكام، ولسنا نُكَفِّر من قال بتحليل شيء من ذلك؟ لأن الدليل في ذلك يوجب العمل، ولا يَقطع العذر، والأمر في هذا واضح لمن فهم. انتهى كلام ابن عبد البرّ - ﵀ - . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الحافظ ابن عبد البرّ - ﵀ - كلام نفيسٌ جدًّا. والحاصل أن الحقّ ما عليه جمهور أهل العلم، من أن صدقة الفطر فريضة، كفرض زكاة المال، وغيرها من فرائض الله تعالى، ولا ينافي هذا تفاوت درجات فرضيّتها فيما بينها، فإن الفرائض تختلف، فمنها ما يُكفّر جاحده، ومنها ما ليس كذلك، كما بيّنه رحمه الله تعالى آنفًا، ولكن يجمع الكلّ كونها مما فرضه الله تعالى، يجب اعتقاده، والعمل به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): لم يُقَيَّد في الحديث افتراض زكاة الفطر باليسار، لكن لا بدّ من القدرة على ذلك؛ لما عُلِم من القواعد العامّة، وقد قال ابن المنذر: أجمعوا على أن لا شيء على من لا شيء له. انتهى. واختَلَف العلماء في ضابط ذلك، فذكر الشافعيّة، والحنابلة أنّ ضابط ذلك أن يملك فاضلًا عن قوته، وقوت من تلزمه نفقته ليلة العيد، ويومه ما يؤدي في زكاة الفطر، وحكاه العبدريّ عن أبي هريرة، وعطاء، والشعبيّ، وابن سيرين، وأبي العالية، والزهريّ، ومالك، وابن المبارك، وأحمد، وأبي ثور. انتهى. وغاير ابن المنذر في ذلك بين مذهبي مالك، والشافعيّ، فقال: كان أبو هريرة يراه على الغنيّ، والفقير، وبه قال أبو العالية، والشعبيّ، وعطاء، وابن سيرين، ومالك، وأبو ثور، وقال ابن المبارك، والشافعيّ، وأحمد: إذا فضل عن قوت المرء، وقوت من يجب عليه أن يقوته مقدارُ زكاة الفطر، فعليه أن يؤدّي. انتهى. قال وليّ الدين: وما حكاه ابن المنذر أقرب إلى مذهب مالك، فإن ابن شاس قال في «الجواهر»: لا زكاة على معسر، وهو الذي لا يفضل له عن قوت يومه صاع، ولا وجد من يُسلفه إيّاه. انتهى. فقوله: ولا من يُسلفه إياه لا يُوافق عليه الشافعيّ، وأحمد، ثم قال ابن شاس: وقيل: هو الذي يُجحِف به في معاشه إخراجها. وقيل: من يَحلّ له أخذها، ثم قيل فيمن يحلّ له أخذها: إنه الذي يحلّ له أخذ الزكاة. وقيل: الفقير الذي لم يأخذ منها في يومه ذلك. انتهى. وقال أبو حنيفة: لا تجب إلا على من ملك نصابًا من الذهب أو الفضّة، أو ما قيمته قيمة نصاب، فاضلًا عن مسكنه، وأثاثه الذي لا بدّ منه. قال العبدريّ: ولا يُحفَظ هذا عن أحد غير أبي حنيفة. وحكى ابن حزم عن سفيان الثوريّ أنه قال: من كان له خمسون درهمًا فهو غنيّ، وإلا فهو فقير. قال: وقال غيره: أربعون درهمًا. انتهى. وفي «مسند أحمد» عن أبي هريرة - ﵁ - في زكاة الفطر: «على كلّ حرّ، وعبد، ذكرٍ، وأنثى، صغير، أو كبير، فقير، أو غنيّ، صاع من تمر، أو نصف صاع من قَمْحٍ» ، قال معمر: وبلغني أن الزهريّ كان يرويه إلى النبيّ - ﷺ -. وروى الدارقطنيّ عن عبد الله بن ثعلبة بن أبي صُعَير، عن أبيه أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «أدّوا صاعًا من قَمح، أو قال: برّ، عن الصغير، والكبير، والذكر والأنثى، والحرّ والمملوك، والغنيّ والفقير، أما غنيّكم، فيزكّيه الله، وأما فقيركم، فيردّ عليه أكثر مما أعطى» . ومال ابن العربيّ المالكيّ إلى مقالة أبي حنيفة في ذلك، فقال: والمسألة له قوئة، فإن الفقير لا زكاة عليه، ولا أمر النبيّ - ﷺ - بأخذها منه، وإنما أمر بإعطائها له، وحديث ثعلبة لا يُعارض الأحاديث الصحاح، ولا الأصول القويّة، وقد قال: «لا صدقة إلا عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول»، وإذا لم يكن هذا غنيًّا، فلا تلزمه الصدقة. انتهى. قال الحافظ وليّ الدين: وهو ضعيف، وليس التمسّك في ذلك بحديث ثعلبة، وإنما التمسّك بالعموم الذي في قوله: (فرض رسول الله - ﷺ - زكاة الفطر من رمضان على الناس»، وقد ذكر هو في أول كلامه: إلا أنا اعتبرنا القدرة على الصاع؛ لما عُلِم من القواعد العامّة، فأخرجنا عن ذلك العاجز عنه، والله أعلم. انتهى كلام وليّ الدين - ﵀ - . وقال الشوكانيّ - ﵀ - في«النيل»: قد اختُلف في القدر الذي يُعتبر ملكه لمن تلزمه الفطرة، فقال أبو حنيفة، وأصحابه: إنه يُعتبر أن يكون المخرج غنيًّا غنى شرعيًّا، واستُدلّ لهم بقوله - ﷺ -:«إنما الصدقة ما كان عن ظهر غنى»، أخرجه أحمد، من حديث أبي هريرة - ﵁ -، مرفوعًا، وبالقياس على زكاة المال. ويجاب بأن الحديث لا يفيد المطلوب؛ لأنه بلفظ:«خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى»، كما أخرجه أبو داود. انتهى. وأخرجه البخاريّ أيضًا بهذا اللفظ، وهو مشعر بان النفي في رواية أحمد للكمال، لا للحقيقة، فالمعنى: لا صدقة كاملة إلا عن ظهر غنى. قال الشوكانيّ: وأما الاستدلال بالقياس، فغير صحيح؛ لأنه قياس مع الفارق؛ إذ وجوب الفطرة متعلّق بالأبدان، والزكاة بالأموال. وقال مالكٌ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق: إنه يعتبر أن يكون مخرج الفطرة مالكًا لقوت يوم وليلة؛ لما روي أنه طهرة للصائم، ولا فرق بين الغنيّ، والفقير في ذلك، ويؤيّد ذلك ما روي من تفسيره - ﷺ - من لا يحلّ له السؤال بمن يملك ما يُغدّيه، ويعشّيه، وهذا هو الحقّ؛ لأن النصوص أطلقت، ولم تخصّ غنيًّا، ولا فقيرًا، ولا مجالَ للاجتهاد في تعيين المقدار الذي يعتبر أن يكون مخرج الفطرة مالكًا له، ولا سيّما والعلّة التي شُرعت لها الفطرة موجودةٌ في الغنيّ والفقير، وهي التطهّر من اللغو، والرفث، واعتبار كونه واجدًا لقوت يوم وليلة أمرٌ لا بدّ منه؛ لأن المقصود من شرع الفطرة إغناء الفقراء في ذلك اليوم، كما أخرجه البيهقيّ، والدارقطنيّ، عن ابن عمر - ﵄ -، مرفوعًا، وفيه: «أغنوهم في هذا اليوم». وفي رواية للبيهقيّ: «أغنوهم عن طواف هذا اليوم». وأخرجه أيضًا ابن سعد في «الطبقات» من حديث عائشة، وأبي سعيد - ﵄ -، فلو لم يُعتبر في حقّ المخرِج ذلك لكان ممن أُمرنا بإغنائه في ذلك اليوم، لا من المأمورين بإخراج الفطرة، وإغناء غيره. انتهى كلام الشوكانيّ - ﵀ -. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الشوكانيّ - ﵀ - كلام حسنٌ جدًّا. والحاصل أنّ ما ذهب إليه الجمهور من وجوبها على الفقير؛ إذا كان له ما يفضل عن قوته، وقوت من تلزمه نفقته في ذلك اليوم هو الصواب؛ لعموم قوله - ﷺ -: «على كلّ حرّ، أو عبد، ذكر، أو أنثى، صغير، أو كبير». فالفقير داخل في جملة هؤلاء، فيلزمه ما يلزمهم، إلا إذا أتى نصّ صريحٌ يُخرجه من العموم، ولم يوجد ذلك، وأما كونه لا يلزمه شيء إذا لم يفضل عن قوت يومه شيء، فبالإجماع، وبقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ الآية [البقرة: ٢٨٦]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في إيجاب زكاة الفطر على المملوك: استدلّ بظاهر حديث الباب داود بن عليّ الظاهريّ على وجوب إخراج العبد صدقة الفطر عن نفسه، قال وليّ الدين العراقيّ: لا نعلم أحدًا قال به سواه، ولم يتابعه على ذلك ابن حزم، ولا أحد من أصحابه، ويبطله قوله - ﷺ -: «ليس على المسلم في عبده، ولا في فرسه صدقةٌ، إلا صدقة الفطر في الرقيق»، والاستثناء في «صحيح مسلم» بلفظ: «إلا صدقة الفطر»، وذلك يقتضي أن زكاة الفطر ليست على العبد نفسِهِ، وإنما هي على سيّده. قال ابن المنذر: أجمع عوامّ أهل العلم على أنّ على المرء أداء زكاة الفطر عن مملوكه الحاضر، غير المكاتب، والعبد المغصوب، والآبق، والعبد المشترى للتجارة، وقال ابن قُدامة: لا نعلم فيه خلافًا. انتهى. قال الجامع عفا الثه تعالى عنه: ما ذهب إليه الجمهور هو الصواب، فتجب زكاة الفطر على السيّد عن عبده؛ لصحّة الحديث المتقدّم، وما استدلّ به داود من عموم حديث الباب يُقَدّم عليه خصوص هذا الحديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): أنهم اختلفوا في أشياء، من مسألة وجوب زكاة الفطر على السيّد عن عبده، أشار ابن المنذر - ﵀ - في عبارته السابقة إلى بعضها، فلنذكرها: (فمنها): العبد الغائب، فمذهب الشافعيّ وجوب فطرته، وإن لم تُعلم حياته، بل انقطع خبره، ولم يكن في طاعته، بل كان آبقًا، ولم يكن في يده، بل كان مغصوبًا، ولم يعرف موضعه، بل كان ضالًّا، ويجب إخراجها عن هؤلاء في الحال، وفي هذه الصور خلاف ضعيف عندهم، وكذلك مذهب أحمد، إلا في منقطع الخبر، فإنه لم يوجب فطرته، لكنه قال: لو علم بذلك حياته لزمه الإخراج لما مضى، ولم يوجب أبو حنيفة زكاة الآبق، والأسير، والمغصوب المجحود، وعنه رواية بوجوب زكاة الآبق، وفصّل مالك، فأوجب في كلّ من المغصوب، والآبق الزكاة؛ إذا كانت غيبته قريبة، وهو يُرجَى حياته، ورجعته، فإن بعدت غيبته، وأُيس منه سقطت الزكاة عن سيّده. قال ابن المنذر: أكثر من يُحفظ عنه من أهل العلم يرون أن تؤدّى زكاة الفطر عن الرقيق غائبهم، وحاضرهم، وهو مذهب مالك، والشافعيّ، والكوفيين، وكان ابن عمر يُخرج عن غلمانه الذين بوادي القرى وخيبر. قال الجامع عفا الله عنه: هذا المذهب هو الحقّ عندي؛ لظهور حجته، والله تعالى أعلم. ثم حَكَى ابن المنذر الخلاف عن الآبق، فحكى عن الشافعيّ، وأبي ثور وجوبها، دمان لم يعلم مكانه. وعن الزهريّ، وأحمد، وإسحاق وجوبها إذا عُلم مكانه، وعن الأوزاعيّ وجوبها إذا كان في دار الإسلام، وعن عطاء، والثوريّ، وأصحاب الرأي عدم وجوبها، وعن مالك وجوبها إذا كانت غيبة قريبة ترجى رجعته، فهذه خمسة أقوال. (ومنها): المكاتب، فذهب عطاء، ومالك في المشهور عنه، والشافعيّ في قول، وأبو ثور، وابن المنذر إلى أنها تجب على سيّده. قال الجامع عفا الله عنه: هذا المذهب هو الحقّ عندي؛ لعموم النصّ، والله تعالى أعلم. وذهب أبو حنيفة، والشافعيّ في أصح الأقوال عنه، إلى أنها لا تجب عليه، ولا على سيّده. وذهب أحمد، وهو أحد الأقوال للشافعيّ إلى أنها تجب عليه في كسبه، كنفقته. وذهب إسحاق ابن راهويه إلى أن سيّده يعطي عنه إن كان في عياله، وإلا فلا، حكاه ابن المنذر عن إسحاق. وذهب ابن حزم إلى أنّ السيّد يخرج عنه إن لم يؤدّ شيئًا من كتابته، فإن أدّى شيئًا من كتابته، وإن قلّ فهي عليه. (ومنها): العبد المشترى للتجارة، فالجمهور على أنّه يجب على السيّد فطرته كغيره؛ لعموم الحديث، وبه قال مالك، والشافعيّ، وأحمد، والليث بن سعد، والأوزاعيّ، وإسحاق ابن راهويه، وابن المنذر، وأهل الظاهر. قلت: وهو الحقّ عندي؛ لعموم النصّ. وقال أبو حنيفة: لا تجب فطرته؛ لوجوب زكاة التجارة فيه. وحكي عن عطاء، والنخعيّ، والثوريّ. والله تعالى أعلم. (ومنها): العبد المشترك بين اثنين، والجمهور أن الفطرة عليهما، وهو الحقّ. والعبد المرهون، والجمهور على أن الزكاة على مولاه، وهو الحقّ. وقد اختلفوا في أنواع من العبيد غير هؤلاء، كالعبد الموصى برقبته لشخص، وبمنفعته لآخر. وعبد بيت المال، والموقوف على مسجد. والعبد العامل في ماشية، أو حائط. وقد فصّل الأقوال في الجميع الحافظُ وليّ الدين العراقيّ - ﵀ - في «طرح التثريب»، فراجعه تستفد ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم في أنّ إخراج زكاة الفطر عن الأنثى على من هو؟: ذهب أبو حنيفة، وسفيان الثوريّ، وابن المنذر، وداود، وابن حزم، وابن الأشرس من المالكيّة إلى أن على المرأة إخراجَ زكاة الفطر من مال نفسها، سواء كانت متزوّجة، أم غير متزوّجة؛ عملًا بظاهر النصّ. وذهب مالكٌ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، والليث بن سعد إلى أن المتزوّجة تجب فطرتها على زوجها، وفي معناها الرجعيّة، والبائن، إن كانت حاملًا، دون ما إذا كانت حاملًا، فلو نشزت وقت الوجوب سقطت فطرتها عن الزوج. وقال أبو الخطّاب الحنبليّ: لا تسقط. فلو كان الزوج معسرًا، فالأصحّ في مذهب الشافعيّ أنه إن كانت الزوجة أمة وجبت فطرتها على سيّدها، وإن كانت حرّة لم يجب عليها شيء، وهو الذي نصّ عليه الشافعيّ. وفرّقوا بينهما بكمال تسليم الحرّة نفسها، بخلاف الأمة. وأوجبت الحنابلة على الحرّة فطرة نفسها في هذه الصورة. وتمسّك هؤلاء الذين أوجبوها على الزوج بالقياس على النفقة، واستأنسوا بما رُوي عن ابن عمر - ﵄ - قال: «أمر رسول الله - ﷺ - بزكاة الفطر عن الصغير، والكبير، والحرّ، والعبد، ممن تمونون»، رواه الدارقطنيّ، والبيهقيّ، وقال: إسناده غير قويّ، ورواه البيهقيّ أيضًا من رواية جعفر بن محمد، عن أبيه، عن النبيّ - ﷺ -، مرسلًا، وفي رواية عن عليّ - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ -، مرسلًا أيضًا، قال النوويّ في «شرح المهذّب»: الحاصل أن هذه اللفظة: «ممن تمونون» ليست بثابتة. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الأولون من أن إخراج زكاة الفطر على المرأة في مالها، لا على الزوج، هو الصواب؛ لأن الوجوب عليها بنصّ الحديث، فلا يجب الإخراج على غيرها، وهو الزوج، وحجة من أوجب على الزوج هو القياس على النفقة، والقياس في مقابلة النصّ غير صحيح، ومن حجتهم أيضًا الحديث المذكور، وقد عرفت أنه لا يثبت، فلا يصلح للاحتجاج به، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة التاسعة): في اختلاف أهل العلم في إخراج زكاة الفطر عن الصغير الذي لم يبلغ، هل هي في ماله، إن كان له مالٌ، أو هي على أبيه؟: ذهب مالكٌ، والشافعيّ، وأحمد، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، والجمهور إلى أنها في ماله، إن كان له مالٌ، فإن لم يكن له مالٌ، فعلى من عليه نفقته، من أبٍ وغيره. وقال محمد بن الحسن: هي على الأب مطلقًا، ولو كان للصغيًر مالٌ. وقال ابن حزم: هي في مال الصغير، إن كان له مالٌ، فإن لم يكن له شيء سقطت عنه، ولا تجب على أبيه. وقد حكى ابن المنذر الإجماع على خلافه. وقال ابن العربيّ: لا خلاف بين الناس أن الابن الصغير إذا كان له مالٌ أن زكاة الفطر تُخرج من ماله. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الأولون من أنها تجب في مال الصبيّ، إن كان له مالٌ، وإلا فعلى من تلزمه نفقته هو الأرجح عندي، والله تعالى أعلم. وقال الشافعيّة: لا يختصّ ذلك بالصغير، بل متى وجبت نفقة الكبير بزمانه، ونحوها، وجبت فطرته، فلو كان الابن الكبير في نفقة أبيه، فوجد قُوْتَه ليلة العيد ويومه لم تجب فطرته على الأب؛ لسقوط نفقته عنه في وقت الوجوب، ولا على الابن؛ لإعساره، وكذا الابن الصغير؛ إذا كان كذلك في الأصحّ. وحكوا عن سعيد بن المسيّب، والحسن البصريّ أنها لا تجب إلا على من صلّى، وصام. وعن عليّ بن أبي طالب - ﵁ - أنها لا تجب إلا على من أطاق الصوم والصلاة. قال الماورديّ: وبمذهبنا قال سائر الصحابة، والتابعين، وجميع الفقهاء. انتهى. ذكره وليّ الدين . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحكاية المذكورة عن عليّ، وابن المسيّب، والحسن ما أظنها تصحّ، وإن صحّت فلا يُلتفت إليها؛ حيث إنها تصادم صريح النصّ عن رسول الله - ﷺ -، بقوله: «على الكبير والصغير» من غير فرق بين من أطاق الصوم والصلاة، ومن لم يطق، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: من أغرب ما ذكره ابن حزم في هذه المسألة أنه قال: تجب زكاة الفطر على الجنين، مستدلًّا بذكر الصغير في هذا الحديث، وقال: الجنين يقع عليه اسم صغير، ثم استدلّ بحديث ابن مسعود - ﵁ - في «الصحيحين»: يُجمَع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون عَلَقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكًا … وفيه: ثم ينفخ فيه الروح … الحديث. ثم قال: هو قبل ما ذكرنا موات، فلا حكم على ميت، وأما إذا كان حيًّا، فكلّ حكم وجب على الصغير، فهو واجب عليه، ثم ذكر من رواية بكر بن عبد الله المزنيّ، وقتادة أن عثمان - ﵁ - كان يُعطي صدقة الفطر عن الصغير، والكبير، حتى عن الحمل في بطن أُمّه. وعن أبي قلابة، قال: كان يعجبهم أن يُعطوا زكاة الفطر عن الصغير، والكبير، حتى عن الحمل في بطن أمّه. قال: وأبو قلابة أدرك الصحابة، وصحبهم، ورَوَى عنهم. وعن سليمان بن يسار أنه سئل عن الحمل؛ أيُزكَّى عنه؟ قال: نعم. قال: ولا يُعرف لعثمان في هذا مخالف من الصحابة. انتهى. فتعقّبه الحافظ العراقيّ - ﵀ - في «شرح الترمذيّ» - وأصاب في ذلك - فقال: إنّ استدلالة بما استدلّ به على وجوب زكاة الفطر على الجنين في بطن أُمّه في غاية العجب: أما قوله: «على الصغير، والكبير»، فلا يَفهَم عاقلٌ منه إلا الموجودين في الدنيا، أما المعدوم، فلا نعلم أحدًا أوجب عليه. وأما حديث ابن مسعود، فلا يَطّلع على ما في الرحم إلا الله، كما قال: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ الآية [لقمان: ٣٤]، وربما يُظنّ حملها، وليس بحمل، وقد قال إمام الحرمين: لا خلاف في أنّ الحمل لا يُعلم، وإنما الخلاف في أنه يعامل معاملة المعلوم، بمعنى أنه يؤخّر له ميراث؛ لاحتمال وجوده، ولم يختلف العلماء في أنّ الحمل لا يملك شيئًا في بطن أمّه، ولا يُحكم على المعدوم حتى يظهر وجوده. قال: وأما استدلاله بما ذكر عن عثمان وغيره، فلا حجّة فيه؛ لأن أثر عثمان منقطع، فإن بكرًا، وقتادة روايتهما عن عثمان مرسلةٌ، والعجب أنه لا يحتجّ بالموقوفات، ولو كانت صحيحة متّصلة. وأما أثر أبي قلابة فَمَنِ الذين يُعجبهم ذلك؟، وهو لو سمّى جمعًا من الصحابة لما كان ذلك حجّة. وأما سليمان بن يسار، فلم يثبت عنه، فإنه من رواية رجل لم يُسمّ، عنه، فلم يثبت فيه خلاف لأحد من أهل العلم، بل قول أبي قلابة: «كان يُعجبهم» ظاهر في عدم وجوبه، ومن تبرعّ بصدقة عن حمل، رجاء حفظه، وسلامته، فليس عليه فيه بأس. وقد نُقِلَ الاتفاقُ على عدم الوجوب قبل مخالفة ابن حزم، فقال ابن المنذر: ذَكَرَ كلُّ من يُحفظ عنه العلم، من علماء الأمصار أنه لا يجب على الرجل إخراج زكاة الفطر عن الجنين في بطن أمّه، وممن حُفظ ذلك عنه: عطاء بن أبي رباحٍ، ومالكٌ، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وكان أحمد بن حنبل يستحبّ ذلك، ولا يوجبه، ولا يصحّ عن عثمان خلاف ما قلناه. انتهى. وعن أحمد بن حنبل رواية أخرى بوجوب إخراجها عن الجنين . وقال ابن عبد البرّ فيمن وُلد له مولود بعد يوم الفطر: لم يختلف قول مالك أنه لا يلزم فيه شيء، قال: وهذا إجماع منه، ومن سائر العلماء، ثم أشار إلى أن ما ذُكر عن مالك، وغيره من الإخراج عمن وُلد في بقيّة يوم الفطر محمول على الاستحباب. وكذا ما حكاه عن الليث فيمن وُلد له مولود بعد صلاة الفطر أن على أبيه زكاة الفطر عنه، قال: وأُحِبّ ذلك للنصرانيّ يُسلم ذلك الوقت، ولا أراه واجبًا عليه. قال الحافظ العراقيّ: فقد صرّح الليث فيه بعدم الوجوب، ولو قيل بوجوبه لم يكن بعيدًا؛ لأنه يمتدّ وقت إخراجها إلى آخر يوم الفطر، قياسًا على الصلاة، يُدرَك وقت أدائها. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في قوله: يمتدّ وقت إخراجها قياسًا إلخ نظر لا يخفى؛ لأن النبيّ - ﷺ - قال: «من أدّاها قبل الصلاة، فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة، فهي صدقة من الصدقات»، رواه أبو داود وابن ماجه بإسناد حسن، وهو ظاهر في كون ما بعد الصلاة ليس وقتًا لها، والقياس في مقابلة النصّ فاسد الاعتبار. فشْبّه. والله تعالى أعلم. قال: ومع كون ابن حزم قد خالف الإجماع في وجوبها على الجنين، فقد تناقض كلامه، فقال: إن الصغير لا يجب على أبيه زكاة الفطر عنه، إلا أن يكون له مالٌ، فيُخرج عنه من ماله، فإن لم يكن له مالٌ لم يجب عليه حينئذ، ولا بعد ذلك، فكيف لا يوجب زكاته على أبيه، والولد حيّ موجود، ويوجبها، وهو معدوم، لم يوجد؟. فإن قلت: يُحمل كلامه على إذا كان للحمل مالٌ. قلت: كيف يمكن أن يكون له مالٌ، وهو لا يصحّ تمليكه، ولو مات من يرثه الحمل لم نملّكه، وهو جنين، فلا يوصف بالملك إلا بعد أن يولد، وكذلك النفقة الصحيح أنها تجب للأمّ الحامل، لا للحمل، ولو كانت للحمل لسقطت بمضيّ الزمان، كنفقة القريب، وهي لا تسقط. انتهى كلام الحافظ العراقيّ رحمه الله تعالى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة العاشرة): في اختلاف أهل العلم في وجوب زكاة الفطر على الكافر: [اعلم]: أن زيادة «من المسلمين» في حديث الباب تدلّ على اشتراط الإسلام في وجوب زكاة الفطر، ومقتضاه أنها لا تجب على الكافر، عن نفسه، وهو متّفقٌ عليه، وهل يُخرجها عن غيره، كمستولدته المسلمة مثلًا؟ نقل ابن المنذر فيه الإجماع على عدم الوجوب، لكن فيه وجه للشافعيّة، ورواية عن أحمد، وهل يُخرجها المسلم عن عبده الكافر؟ قال الجمهور: لا، خلافًا لعطاء، والنخعيّ، والثوريّ، والحنفيّة، وإسحاق، واستدلُّوا بعموم قوله: «ليس على المسلم في عبده صدقةٌ، إلا صدقة الفطر». وأجاب الآخرون بأن الخاصّ يقضي على العامّ، فعموم قوله: «في عبده» مخصوصٌ بقوله: «من المسلمين». وقال الطحاويّ: قوله: «من المسلمين» صفةٌ للمخرجِين، لا للمخرَجِ عنهم. وظاهر الحديث يأباه؛ لأن فيه العبد، والصغير في رواية عمر بن نافع، وهما ممن يُخرَجُ عنه، فدلّ على أنّ صفة الإسلام لا تختصّ بالمخرِجِين. ويؤيّده رواية الضّحّاك عند مسلم، بلفظ: «على كلّ نفسٍ، من المسلمين، حرًّ، أو عبدٍ …» الحديث. وقال القرطبيّ: ظاهر الحديث أنه قصد بيان مقدار الصدقة، ومن تجب عليه، ولم يقصد فيه بيان من يُخرجها عن نفسه، ممن يُخرجها عن غيره، بل شمل الجميع. ويؤيّده حديث أبي سعيد الآتي ، فإنه دالّ على أنهم كانوا يُخرجون عن أنفسهم، وعن غيرهم؛ لقوله فيه: «عن كلّ صغير، وكبير». لكن لا بدّ من أن يكون بين المخرِج، وبين الغير ملابسةٌ، كما بين الصغير ووليّه، والعبد وسيّده، والمرأة وزوجها. وقال الطيبيّ: قوله: «من المسلمين» حال من العبد، وما عُطف عليه، وتنزيلها على المعاني المذكورة أنها جاءت مزدوجة على التضادّ؛ للاستيعاب، لا للتخصيص، فيكون المعنى: فرض على جميع الناس، من المسلمين. وأما كونها فيم وجبت، وعلى من وجبت؟ فيُعلم من نصوص أخرى. انتهى. ونقل ابن المنذر أن بعضهم احتجّ بما أخرجه من حديث ابن إسحاق: واستُدلّ بعموم قوله:«من المسلمين»على تناولها لأهل البادية -وهو الحقّ-، خلافًا للزهريّ، وربيعة، والليث في قولهم: إنّ زكاة الفطر تختصّ بالحاضرة. ذكره في«الفتح». قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الجمهور من عدم وجوب إخراج زكاة الفطر عن العبد الكافر هو الأرجح عندي؛ عملًا بالحديثين، فيُخصَّصُ عموم قوله - ﷺ -:«ليس على المسلم في عبده صدقة، إلا صدقة الفطر»بقوله - ﷺ -:«من المسلمين» في حديث الباب، فالعمل بهما متعيّنٌ بالوجه المذكور، وإلا أدّى إلى إلغاء أحد النصّين، مع إمكان العمل بهما، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الحادية عشرة): في اختلاف أهل العلم في مقدار المخرَج في زكاة الفطر: ذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد، وجمهور العلماء، من السلف، والخلف إلى أن الواجب إخراجه في زكاة الفطر صاع، من أيّ جنس أُخرج. وحكاه ابن المنذر عن الحسن البصريّ، وأبي العالية، وجابر بن زيد، وإسحاق ابن راهويه. قال ابن قُدامة: وروي عن أبي سعيد الخدريّ. انتهى. وقال أبو حنيفة: إنما يُخرِج صاعًا؛ إذا أَخرج تمرًا، أو شعيرًا، فأما إذا أخرج قَمْحًا، أو دقيقه، أو سويقه، فالواجب نصف صاع، وعنه في الزبيب روايتان: أشهرهما عنه أنه مثل القَمْح، فيُخرج منه نصف صاع. والثانية: أنه كالشعير، فيخرج منه صاعًا، وبه قال أبو يوسف، ومحمد. وحكاه ابن المنذر عن سفيان الثوريّ، وأكثر أهل الكوفة، غير أبي حنيفة. قال: وروينا عن جماعة من الصحابة، والتابعين أنه يجزئ نصف صاع من البرّ، روينا ذلك عن أبي بكر، وعثمان، وليس يثبت ذلك عنهما، وعن عليّ، وابن مسعود، وجابر بن عبد الله، وأبي هريرة، وابن الزبير، ومعاوية، وأسماء. وبه قال سعيد بن المسيّب، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وعمر بن عبد العزيز، ورُوي ذلك عن سعيد بن جبير، وعروة بن الزبير، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وأبي قلابة، وعبد الله بن شدّاد، ومصعب بن سعد. واختُلف فيه عن عليّ، وابن عبّاس، والشعبيّ، فروي عن كلّ منهم القولان جميعًا. انتهى. قال وليّ الدين: وهو قول في مذهب مالك أنه يُجزئ من القمح نصف صاع. واحتجّ هؤلاء بما في «سنن أبي داود» عن ثعلبة بن أبي صُعير، عن أبيه، عن النبيّ - ﷺ -، أنه قال: «صاع من قَمْح، على كلّ اثنين» . وعن ابن عبّاس - ﵄ -: «فرض رسول الله - ﷺ - هذه الصدقة، صاعًا من تمر، أو شعير، أو نصف صاع قَمْح». وروى الترمذيّ عن عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جدّه، أن النبيّ - ﷺ - بعث مناديًا في فِجاج مكّة: ألا إن صدقة الفطر واجبة على كلّ مسلم، ذكر، أو أنثى، حرّ، أو عبد، صغير، أو كبير، مدّان من قَمْحٍ، أو سواه صاعٌ من طعام. قال الترمذيّ: حسن غريبٌ . واحتجّ الأوّلون بأن في بعض طرُق حديث ابن عمر: «صاعًا من بُرّ»، وهذه زيادة يجب الأخذ بها. وروي أيضًا من حديث عليّ، وزيد بن ثابت. وفي «الصحيحين» عن أبي سعيد الخدريّ - ﵀ -: كنّا نعطيها في زمان رسول الله - ﷺ - صاعًا من طعام، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من زبيب، فلما جاء معاوية، وجاءت السَّمْرَاء، قال: أرى مدًّا من هذا يعدل مدّين. قال ابن عبد البرّ: ولم يختلف مَن ذكر الطعام في هذا الحديث أنه أراد به الحنطة. وثبت في «الصحيحين» في حديث ابن عمر: «أمر النبيّ - ﷺ - بزكاة الفطر صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، فعجل الناس عدله مدّين من حنطة». وهذا صريح في أنّ إخراج نصف صاع من القَمح لم يكن في زمن النبيّ - ﷺ -، وإنما حدث بعده. وأجابوا عن أحاديث نصف الصاع من القمح بأنها لا تثبت عن النبيّ - ﷺ -. قاله ابن المنذر . وقال في «الفتح»: وقال ابن المنذر أيضًا: لا نعلم في القَمْح خبرًا ثابتًا عن النبيّ - ﷺ -، يُعتَمد عليه، ولم يكن البرّ بالمدينة ذلك الوقت إلا الشيء اليسير منه، فلما كثر في زمن الصحابة رأوا أن نصف صاع منه يقوم مقام صاع من شعير، وهم الأئمّة، فغير جائز أن يُعدل عن قولهم إلا إلى قول مثلهم، ثم أسند عن عثمان، وعليّ، وأبي هريرة، وجابر، وابن عبّاس، وابن الزبير، وأمّه أسماء بنت أبي بكر بأسانيد صحيحة أنهم رأوا أن في زكاة الفطر نصف صاع من قمح. انتهى. وهذا مصيرٌ منه إلى اختيار ما ذهب إليه الحنفيّة. لكن حديث أبي سعيد دالّ على أنه لم يوافق على ذلك، وكذلك ابن عمر، فلا إجماع في المسألة، خلافًا للطحاويّ. وكأن الأشياء التي ثبت ذكرها في حديث أبي سعيد لَمّا كانت متساويةً في مقدار ما يخرج منها مع ما يُخالفها في القيمة دلّ على أنّ إخراج هذا المقدار من أيّ جنس كان، فلا فرق بين الحنطة وغيرها. هذه حجّة الشافعيّ. وأما من جعله نصف صاع منها بدل صاع من شعير، فقد فعل ذلك بالاجتهاد بناءً منه على أن قيم ما عدا الحنطة متساوية، وكانت الحنطة إذ ذاك غالية الثمن، لكن يلزم على قولهم أن تعتبر القيمة في كلّ زمان، فيختلف الحال، ولا ينضبط، وربّما لزم في بعض الأحيان إخراج آصُعٍ من حنطة، ويدلّ على أنهم لحظوا ذلك ما رَوَى جعفر الفريابيّ في «كتاب صدقة الفطر» أن ابن عبّاس لما كان أمير البصرة أمرهم بإخراج زكاة الفطر، وبيّن لهم أنها صاع من تمر، إلى أن قال: أو نصف صاع من برّ. قال: فلما جاء عليّ، ورأى رخص أسعارهم، قال: اجعلوها صاعًا من كلِّ. فدلّ على أنه كان ينظر إلى القيمة في ذلك، ونظر أبو سعيد إلى الكيل. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأحوط أن يُخرج من الحنطة صاعًا، وإن أخرج نصف صاع تبعًا لما نُقل عن جلّ الصحابة، كما تقدّم، فلا مانع؛ لأنه اجتهاد منهم لم يصادم نصًّا صحيحًا؛ إذ لم يصحّ عن النبيّ - ﷺ - في صاع البر، ولا نصفه شيء يُعتمد عليه. وأما دعوى الإجماع من الصحابة على نصف صاع من برّ، كما زعمه الزيلعيّ وغيره فغير صحيح؛ لصحة مخالفة أبي سعيد الخدريّ، وابن عمر - ﵃ -، فلا إجماع مع مخالفتهما، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٧٩] (…) - (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - زَكَاةَ الْفِطْرِ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ عَبْدٍ، أَوْ حُرًّ، صَغِيرٍ، أَوْ كَبِيرٍ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الهمدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٥. ٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل بابين. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٥. ٤ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥١. ٥ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٥] مات سنة بضع (١٤٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٨/ ٢٢٢. والباقيان ذُكرا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث السابق، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٨٠] (…) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «فَرَضَ النَّبِيُّ - ﷺ - صَدَقَةَ رَمَضَانَ، عَلَى الْحُرَّ، وَالْعَبْدِ، وَالذَّكَرِ، وَالْأُنْثَى، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ»، قَالَ: فَعَدَلَ النَّاسُ بِهِ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَزِيدُ بْنُ زُريْعٍ) أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣٢. ٢ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة السَّخْتيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيةٌ عابدٌ [٥] (ت ١٣١) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٠٥. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (قَالَ: فَعَدَلَ النَّاسُ بِهِ) فاعل «قال» ضمير ابن عمر - ﵄ -. وقوله: (فَعَدَلَ النَّاسُ)؛ أي: جعلوه مثله، قال الفيّوميّ - ﵀ -: وعِدْلُ الشيءِ بالكسر مثلُهُ من جنسه، أو مقدارِهِ، قال ابن فارس: والْعِدْلُ: الذي يُعادل في الوزن والقدر، وعَدْلُهُ بالفتح: ما يقوم مقامه من غير جِنسه، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥]، وهو مصدر في الأصل، يقال: عَدَلْتُ هذا بهذا عدْلًا، من باب ضرب: إذا جعلته مثله، قائمًا مقامه، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]. انتهى . قمال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن المناسب هنا فتح العين؛ لأنه من غير الجنس، فتنبّه، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: المراد بالناس هنا معاويةُ - ﵁ -، ومن تبعه، فقد وقع التصريح به في حديث أيوب، عن نافع، أخرجه الحميديّ، في «مسنده»، عن سفيان بن عُيينة: حدّثنا أيوب، ولفظه: «صدقة الفطر صاع من شعير، أو صاع من تمر»، قال ابن عمر: فلما كان معاوية عدل الناس نصف صاع برّ بصاع من شعير. وهكذا أخرجه ابن خُزيمة في «صحيحه» من وجه آخر عن سفيان، وهو المعتمد، وهو موافق لقول أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - الآتي بعد ثلاثة أحاديث، وهو أصرح منه. وأما ما وقع عند أبي داود من طريق عبد العزيز بن أبي روّاد، عن نافع، قال فيه: فلما كان عمر كثرت الحنطة، فجعل عمر نصف صاع حنطة مكان صاع من تلك الأشياء، فقد حكم مسلم في «كتاب التمييز» على عبد العزيز فيه بالوَهَم، وأوضح الردّ عليه، وقال ابن عبد البرّ: قول ابن عُيينة عندي أولى. وزعم الطحاويّ أن الذي عدل عن ذلك عمر، ثم عثمان، وغيرهما، فأخرج عن يسار بن نُمير أن عمر قال له: إني أحلف لا أعطي قومًا، ثم يبدو لي، فأفعل، فإذا رأيتني فعلت ذلك، فأطعم عنّي عشرة مساكين، لكلّ مسكين نصف صاع من حنطة، أو صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شعير. ومن طريق أبي الأشعث، قال: خطبنا عثمان، فقال: أدّوا زكاة الفطر مدّين من حنطة، وسيأتي الكلام على ذلك، إن شاء الله تعالى. وقوله: (بِهِ) متعلّق بـ «عَدَل»؛ أي: بما ذُكر من صاع تمر، أو صاع من شعير. وقوله: (نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ) يعني أنهم جعلوا نصف صاع من برّ يقوم مقام صاع من تمر، أو شعَير، فيجزئ أداؤه عن صدقة الفطر. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٨١] (…) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَمَرَ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ، صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ»، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَجَعَلَ النَّاسُ عَدْلَهُ مُدَّيْنِ مِنْ حِنْطةٍ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَدُ بْنُ رُمْحٍ) بن المهاجر المصريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد الإمام المصريّ المشهور، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (١٤٣) من رباعيّات الكتاب، فتنبّه. وقوله: (عَدْلَهُ) تقدّم أن المناسب هنا فتح العين المهملة؛ أي: جعلوه مثله. وقوله: (مُدَّيْنِ مِنْ حِنْطَةٍ) هو بمعنى قوله الماضي: «نصف صاع»؛ لأن الصاع أربعة أمداد. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، فلا تكن من الغافلين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
مصادر المؤلف (٢٠)

١. «شرح السندي» ٥/ ٤٧، و«شرح السيوطيّ» ٥/ ٤٧ - ٤٨.

٢. لكن الذين ذكرهم هنا لا يتجاوزون تسعة، فليحرّر. والله تعالى أعلم.

٣. أخرجه النسائي برقم ٢٥٠٧. وأخرجه ابن ماجه برقم ١٨٢٨.

٤. «الاستذكار» ٩/ ٣٤٨ - ٣٥٠.

٥. «التمهيد» ١٤/ ٣٢٣ - ٣٢٤.

٦. هو موقوف، رجاله ثقات.

٧. ضعيف؛ لكثرة اضطرابه سندًا، ومتنًا. انظر:«نصب الراية»٢/ ٤٠٦ - ٤١٠.

٨. «طرح التثريب» ٤/ ٦٥ - ٦٦.

٩. راجع: «طرح التثريب» ٤/ ٥٥ - ٥٨.

١٠. «طرح التثريب» ٤/ ٥٩ - ٦٠.

١١. إن صحّت هذه الرواية عن أحمد تنقض دعوى الإجماع. فتنبّه.

١٢. راجع: «طرح التثريب» ٤/ ٦٠ - ٦١.

١٣. يعني: ما أخرجه مسلم في «صحيحه»، ونصّه: ٩٨٥ - حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، حدثنا داود -يعني: ابن قيس- عن عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد الخدري، قال: «كنا نخرج؛ إذ كان فينا رسول الله - ﷺ -، زكاة الفطر، عن كل صغير وكبير، حر أو مملوك، صاعًا من طعام، أو صاعًا من أقط، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من زبيب، فلم نزل نخرجه، حتى قدم علينا معاوية بن أبي سفيان، حاجًا أو معتمرًا، فكقم الناس على المنبر، فكان فيما كلّم به الناس، أن قال: إني أرى، أن مدّين من سمراء الشام، تعدل صاعًا من تمر، فأخذ الناس بذلك، قال أبو سعيد: فاما أنا فلا أزال أخرجه، كما كنت أخرجه، أبدًا ما عشت».«حدثني نافع أنّ ابن عمر كان يُخرج عن أهل بيته، حرِّهم، وعبدِهم، صغيرِهم، وكبيرهم، مسلمهم، وكافرهم، من الرقيق». قال: وابن عمر راوي الحديث، وقد كان يخرج عن عبده الكافر، وهو أعرف بمراد الحديث. وتعقّب بأنه لو صحّ حُمِل على أنه كان يخرج عنهم تطوّعًا، ولا مانع منه.

١٤. الفتح ٤/ ١٤٢ - ١٤٣.

١٥. ضعيف، وله طرق عند أحمد، وأبي داود، والدارقطنيّ، وغيرهم، إلا أن مدار الجميع على الزهريّ، عن عبد الله بن ثعلبة، وقد اختلف عليه في إسناده ومتنه، وقد أوضح هذا الاختلاف الدارقطنيّ في «علله»، ونقله الزيلعيّ في «نصب الراية»، وقال ابن التركمانيّ في «الجوهر النقيّ»: هو حديث اضطرب إسنادًا ومتنًا، وقد بيّن البيهقيّ بعض ذلك. وقال ابن عبد البرّ: هذا حديث مضطرب لا يثبت، وليس دون الزهريّ في هذا الحديث من تقوم به حجة، واختلف عليه فيه أيضًا. انتهى. انظر: «المرعاة» ٦/ ٢١١ - ٢١٢.

١٦. بل هو ضعيف؛ لأن فيه عنعنة ابن جريج، وهو مشهور بالتدليس، قال الدارقطنيّ: تجنّب تدليس ابن جريج، فإنه قبيح التدليس، لا يدلّس إلا فيما سمعه من مجروح. وقال الترمذيّ: سألت محمدًا -يعني: البخاريّ- عن هذا الحديث؟ فقال: ابن جريج لم يسمع من عمرو بن شعيب. انتهى. انظر: المرعاة ٦/ ٢٠٩.

١٧. «طرح التثريب» ٤/ ٥٢ - ٥٣.

١٨. «الفتح» ٤/ ١٤٦ - ١٤٧.

١٩. وفي نسخة: «حدّثنا».

٢٠. «المصباح المنير» ٢/ ٣٩٦.