HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٩٨٥

حَدَّثَنَا يَحْيَي بْنُ يحيى. قال: قرأت على مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عِيَاضِ بن عبد الله بن سعد بن أبي سَرْحٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا من زبيب.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج3 ص69
ج ٢ ص ٦٧٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٩ ص١١٣
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٨٢] (…) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، «أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ، عَلَى كُلَّ نَفْسٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، حُرٍّ، أَوْ عَبْدٍ، أَوْ رَجُلٍ، أَوِ امْرَأَةٍ، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ) محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فُديك المدنيّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (الضَّحَّاكُ) بن عثمان بن عبد الله بن خالد الحِزاميّ المدنيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقيان ذُكرا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٨٣] (٩٨٥) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، يَقُولُ: كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ، صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) العدويّ مولاهم، أبو عبد الله، أوأبوأسامة المدنيّ، ثقةٌ فقيةٌ، يرسل [٣] (ت ١٣٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٣٦/ ٢٥٠. ٢ - (عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ) القرشيّ العامريّ المكيّ، ثقةٌ [٣] مات على رأس المائة (ع) تقدم في «الإيمان» ٣٦/ ٢٥٠. ٣ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان - ﵄ -، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. والباقيان ذُكرا في الباب، وسيأتي شرح الحديث، ومسائله في الحديث التالي، وإنما أخّرته إليه؛ لكونه أتمّ مما هنا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٨٤] (…) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ، يَعْنِي ابْنَ قَيْسٍ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، قَالَ: كُنَّا نُخْرِجُ إِذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - زَكَاةَ الْفِطْرِ، عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، حُرًّ أَوْ مَمْلُوكٍ، صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، فَلَمْ نَزَلْ نُخْرِجُهُ حَتَّى قَدِمَ عَلَيْنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا، فَكَلَّمَ النَّاسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَكَانَ فِيمَا كَلَّمَ بِهِ النَّاسَ، أَنْ قَالَ: إِنِّي أَرَى أَنَّ مُدَّيْنِ مِنْ سَمْرَاءِ الشَّامِ، تَعْدِلُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، فَأَخَذَ النَّاسُ بِذَلِكَ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَمَّا أَنَا فَلَا أَزَالُ أُخْرِجُهُ، كَمَا كُنْتُ أُخْرِجُهُ أَبَدًا مَا عِشْتُ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ) الفَرّاء الدبّاغ، أبو سليمان القرشيّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٥] مات في خلافة أبي جعفر (خت م ٤) تقدم في «الصلاة» ٤٢/ ١٠٨٤. والباقون ذُكروا في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (١٤٤) من رباعيّات الكتاب. ٢ - ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى القعنبيّ، كما أخرج له ابن ماجه، وداود عَلَّق عنه البخاريّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، سوى عياض، فمكيّ، والقعنبيّ، مدنيّ، ثم بصريّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه أبا سعيد الخدريّ - ﵁ - من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) - ﵁ - أنه (قَالَ: كُنَّا نُخْرِجُ إِذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) «إذ» ظرفيّة؛ أي: وقت كون النبيّ - ﷺ - فينا، وفي رواية للبخاريّ: «كنّا نعطيها في زمان النبيّ - ﷺ -»، وفي أخرى له أيضًا: «كنّا نُخرج في عهد النبيّ - ﷺ -». قال الحافظ: هذا حكمه الرفع؛ لإضافته إلى زمنه - ﷺ -، ففيه إشعار باطلاعه - ﷺ - على ذلك، وتقريرِهِ له، ولا سيّما في هذه الصورة التي توضع عنده، وتُجمع بأمره، وهو الآمر بقبضها، وتفرقتها. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وإلى كون هذا ونحوه من المرفوع حكمًا أشار السيوطيّ - ﵀ - في «ألفية الحديث» حيث قال: وَلْيُعْطَ حُكْمَ الرَّفْعِ فِي الصَّوَابِ … نَحْوُ مِنَ السُّنَّةِ مِنْ صَحَابِي كَذَا أُمِرْنَا وَكَذَا كُنَّا نَرَى … فِي عَهْدِهِ أَوْ عَنْ إِضَافَةٍ عَرَى ثَالِثُهَا إِن كَانَ لَا يَخْفَى وَفِي … تَصْرِيحِهِ بِعِلْمِهِ الْخُلْفُ نُفِي وفيه ردٌّ على ابن حزم في زعمه أن حديث أبي سعيد ليس مسندًا؛ لأنه ليس فيه أن رسول الله - ﷺ - عَلِم بذلك، وأقرّه. ووجه الردّ أن ألفاظ الحديث تدلّ على أن ذلك كان معلومًا معروفًا على عهد رسول الله - ﷺ -، ولا يخفى مثلُ ذلك على رسول الله - ﷺ - . (زَكَاةَ الْفِطْرِ) منصوب على المفعوليّة لـ «نُخرج»، وقوله: (عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ) متعلّق بـ «نُخرِج»، وقوله: (حُر أَوْ مَمْلُوكٍ) مجرور على البدليّة (صَاعمًا مِنْ طَعَامٍ) قال السنديّ - ﵀ - في «حاشية ابن ماجه»: يَحْتَمِل أن صاعًا من طعام أريد به صاع من الحنطة، فإن الطعام، وإن كان يعمّ الحنطة وغيرها لغةً، لكن اشتَهَرَ في العرف إطلاقه على الحنطة، ويؤيّده المقابلة بما بعده. ويَحْتَمِل أن يكون صاعًا من طعام مجملًا، ويكون ما بعده بيانًا له، كانه بيّن أن الطعام الذي كانوا يعطون منه الصاع كان تمرًا، وشعيرًا، وأَقِطًا، لا حنطةً، ويؤيّده ما رواه البخاريّ عن أبي سعيد - ﵁ -: «كنّا نُخرج في عهد رسول الله - ﷺ - يوم الفطر، صاعًا من طعام، وكان طعامنا يومئذ الشعير، والزبيب، والأقط، والتمر»، وكذا ما رواه ابن خُزيمة عن ابن عمر - ﵄ -، قال: «لم تكن الصدقة على عهد رسول الله - ﷺ - إلا التمر، والزبيب، والشعير، ولم تكن الحنطة»، فينبغي أن يتعيّن الحمل على هذا المعنى، بل يُستبعد أن يكون المعلوم فيما بينهم صاعًا من الحنطة، فيتركونه إلى نصفه بكلام معاوية - ﵁ -، بل لا يبقى لقول معاوية: «إن النصف يَعْدِل الصاع» حينئذ وجهٌ، إلا بتكلّف. وبالجملة فمعنى هذا الحديث أنه ما كان عندهم نصّ منه - ﷺ - في البرّ بصاعٍ، أو بنصفه، وإلا فلو كان عندهم حديث بالصاع لما خالفوه، أو بنصفه لما احتاجوا إلى القياس، بل حكموا بذلك، ويدلّ على هذا حديث ابن عمر - ﵄ - في هذا الباب المرويّ في الصحاح. انتهى كلام السنديّ - ﵀ -. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله السنديّ - ﵀ - حسنٌ جدًّا، وسيأتي تمام الكلام عليه في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى. (أَوْ صَاعًا) اختُلف في أنّ «أو» في هذا الحديث لتخيير المؤدَّى من هذه الأشياء، أو لتعيين واحد منها، وهو الغالب، فقيل: إنها للتخيير، وبه قال أبو حنيفة، وقيل: إنها لتعيين أحد هذه الأشياء بالغلبة، وهو غالب قوت البلد، وبه قال الأكثرون، فمعنى الحديث على هذا: كنا نخرج هذه الأنواع بحسب أقواتنا، ومقتضى أحوالنا، أفاده بعضهم ، وسيأتي تمام البحث في ذلك في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى. (مِنْ أَقِطٍ) - بفتح الهمزة، مع كسر القاف، أو ضمّها، أو فتحها، أو إسكانها، وبكسر الهمزة، مع كسر القاف، وإسكانها، وبضمّ الهمزة، مع إسكان القاف فقط: وهو شيء يُتّخَذ من اللبن الْمَخيض، كأنه نوع من اللبن الجافّ، وقيل: هو لبنٌ، مجفّفٌ، يابس، جامد، مستحجرٌ، غير منزوع الزُّبْد، يُطبخ به. وقال في «اللسان»: «الأَقِط» -أي بفتح، فكسر- و«الإِقْطُ» -أي بكسر، فسكون- و«الأَقْطُ» -أي بفتح، فسكون- و«الأُقْطُ»- أي بضمّ، فسكون -: شيءٌ يُتّخذ من اللبن الْمَخِيض، يُطبخ، ثمّ يُترك حتىّ يَمْصُل، والقِطْعة منه أَقِطَةٌ. قال ابن الأعرابيّ: هو من ألبان الإبل خاصّة. وقال الجوهريّ: الأقط معروف، قال: وربّما سُكّن في الشعر، وتُنقل حركة القاف إلى ما قبلها، قال الشاعر [من الطويل]: رُوَيْدَكَ حَتَّى يَنْبُتَ الْبَقْلُ وَالْغَضَا … فَيَكْثُرَ إِقْظٌ عِنْدَهُمْ وَحَلِيبُ قال: وَأْتَقَطْتُ: اتّخذتُ الأقِطَ، وهو افتَعَلْتُ، وأَقَطَ الطّعَامَ يَأْقِطُهُ أَقْطًا: عَمِلَهُ بالأَقِطِ، فهو مأْقُوطٌ، وأنشد الأَصْمَعِيٌّ [من الرجز]: وَيَأْكُلُ الْحَيَّةَ وَالْحَيُّوتَا … وَيَدْمُقُ الأَقْفَالَ وَالتَّابُوتَا وَيَخْنُقُ الْعَجُوزَ أَوْ تَمُوتَا … أَوْ تُخْرِجُ الْمَأْقُوطَ وَالْمَلْتُوتَا انتهت عبارة «لسان العرب» باختصار. (أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرِ) - بفتح الشين المعجمة، وكسر العين المهملة-: جنس من الحبوب معروفٌ، واحدته شَعيرةٌ، وبائعه شَعِيريٌّ، قال سيبويه: وليس مما بُني على فاعل، ولا فَعّالٍ، كما يغلب في هذا النحو، وأما قول بعضهم: شِعِيرٌ، وبِعِيرٌ، ورِغِيفٌ، وما أشبه ذلك -أي بكسر أوله، وثانيه- لتقريب الصوت من الصوت، فلا يكون هذا إلا مع حروف الحلق، ذكره في «اللسان». وقال في «المصباح»: الشَّعِير: حَبّ معروف، قال الزّجّاج: أهل نجد تؤنّثه، وغيرهم يُذكّره، فيقال: هي الشعير، وهو الشعير. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أفاد ما تقدّم عن سيبويه أن الشَّعِير بفتح أوّله، وكسر ثانية، ويجوز كسر أوله أيضًا تبعًا لحركة العين، وهكذا كلّ ما أتي على فَعِيل، وكان عينه حرف حلق، كبَعِير، ورَغِيفٍ، ونحو ذلك، والله تعالى أعلم. (أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ) قال الفيّوميّ - ﵀ -: «التَّمْرُ» من ثمر النخل كالزبيب من العنب، وهو اليابس بإجماع أهل اللغة؛ لأنه يُتْرَك على النخل بعد إرطابه حتى يَجِفّ، أو يقارب، ثم يُقْطَع ويُتْرَك في الشمس حتى يَيْبَسَ، قال أبو حاتم: وربما جُدَّت النخلة، وهي باسرة بعدما أخلت؛ ليُخَفَّف عنها، أو لخوف السرقة، فتترك حتى تكون تمرًا، الواحدة تمرةٌ، والجمع تُمُور، وتُمْرَان بالضم. انتهى . (أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ) «الزبيب»: معروف، وهو اسم جمع يُذكّر ويُؤنّث، فيقال: هو الزبيب، وهو الزبيب، والواحدة زبيبة بالهاء، وزَبّبتُ العِنَبَ جعلته زَبيبًا، قاله في «المصباح»، وفي «القاموس»: الزّبيب ذَاوِي العنب والتين. انتهى؛ يعني يابس العنب والتين، وفي «اللسان»: الزبيب ذَاوِي العنب، معروفٌ، واحدته زبيبة، وقد أَزَبَّ العنب، وزَبَّبَ فلانٌ عنبه تزبيبًا، قال أبو حنيفة -يعني الدينوريّ -: واستَعْمَل أعرابيّ من أعراب السَّرَاة الزبيب في التين، فقال: الْفَيْلَحَانيُّ تِينٌ شديد السواد، جيّد الزبيب -يعني يابسه. انتهى. (فَلَمْ نَزَلْ نُخْرِجُهُ)؛ أي: ما ذُكر من صاع طعام، وما ذُكر معه (حَتَّى قَدِمَ) بكسر الدال (عَلَيْنَا مُعَاوَيةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ) - ﵄ -، زاد في رواية ابن خزيمة: «وهو يومئذ خليفة»، وقوله: (حَاجًّا) منصوب على الحال من الفاعل (أَوْ مُعْتَمِرًا) «أو» للشكّ، وَيحتمل أن يكون من أبِي سعيد، أو ممن دونه (فَكَلَّمَ النَّاسَ عَلَى الْمِنْبَرِ)؛ أي: النبويّ (فَكَانَ فِيمَا كَلَّمَ بِهِ النَّاسَ، أَنْ قَالَ) «أن» بالفتح مصدريّة؛ أي قوله: (إِنِّي أَرَى)؛ أي: أعتقد، وأذهب إليه (أَنَّ مُدَّيْنِ مِنْ سَمْرَاءِ الشَّامِ)؛ أي: الْقَمْح الشاميّ. قيل: هو الحنطة الجيّدة المعروفة بالشام بالجبليّ، وأُضيفت إلى الشام؛ لكثرتها بها، ولم يكن بالمدينة منها في ذلك الوقت إلا الشيء اليسير. (تَعْدِلُ) بكسر الدال، من باب ضرب، كما سبق بيانه؛ أي تساوي (صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، فَأَخَذَ النَّاسُ بِذَلِكَ)؛ أي: عَمِل أكثر أهل المدينة برأي معاوية - ﵁ -، وإلا فبعضهم، كأبي سعيد، وابن عمر - ﵃ - لم يأخذوا بقوله، كما بيّنه بقوله: (قَالَ أَبُو سَعِيدٍ) الخدريّ - ﵁ - (فَأَمَّا أَنَا فَلَا أَزَالُ أُخْرِجُهُ)؛ أي: الصاع من الأصناف المذكورة (كَمَا كُنْتُ أُخْرِجُهُ)؛ أي: في عهد النبيّ - ﷺ - (أَبَدًا) منصوب على الظرفيّة، قال الفيّوميّ - ﵀ -: الأبد: الدهر، ويقال: الدهر الطويل الذي ليس بمحدود، قال الرُّمّانيّ: فإذا قلت: لا أكلمه أبدًا، فالأبد من لدن تكلّمت إلى آخر عمرك، وجمعه آباد، مثلُ سبَبٍ وأسباب. انتهى . وقوله: (مَا عِشْتُ) «ما» مصدريّة ظرفيّة؛ أي: مدّة دوام عيشي؛ أي: طول عمري، فهو مؤكّدٌ لمعنى «أبدًا»، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد - ﵁ - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا [٥/ ٢٢٨٣ و٢٢٨٤ و٢٢٨٥ و٢٢٨٦ و٢٢٨٧] (٩٨٥)، و(البخاريّ) في «الزكاة» (١٥٠٥ و١٥٠٦ و١٥٠٨ و١٥١٠)، و(أبو داود) في «الزكاة» (١٦١٦ و١٦١٨)، و(الترمذيّ) في «الزكاة» (٦٧٣)، و(النسائيّ) في «الزكاة» (٥/ ٥١ و٥٢ و٥٣)، و(ابن ماجه) في «الزكاة» (١٨٢٩)، و(مالك) في «الموطّأ» (١/ ٢٨٤)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٧٤٢)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٧٣)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٤٠٧ و٢٤٠٨ و٢٤١٣ و٢٤١٤ و٢٤١٩)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٦٣ - ٦٤)، و(الدارميّ) في «سننه» (١٦٦٣ و١٦٦٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم زكاة الفطر من الزبيب: ذهب الجمهور إلى إجزائه، إلا أن الأئمة الثلاثة قالوا: إن الواجب منه صاع، وإليه ذهب أبو يوسف، ومحمد، وهي رواية عن أبي حنيفة، وهو الحقّ، لحديث الباب. وفي رواية عنه نصف صاع، كالقَمْح، وهي رواية ضعيفة، لمخالفتها النصوص الصحيحة. وذهب الظاهرية إلى أن الزبيب لا يجزئ، بل الواجب هو التمر أو الشعير، وأجاب ابن حزم عن حديث الباب بوجهين: [أحدهما]: أنه غير مسند - أي مرفوع إلى النبيّ - ﷺ - لأنه ليس في شيء من طرقه أن رسول الله - ﷺ - علم بذلك، فأقرّه. [والثاني]: أنه مُضطرَب فيه، فإن في بعض طرقه إثبات الزبيب، وفي بعضها نفيه، وفي بعضها ذكر الدقيق، والسُّلْت. وقد تقدم الجواب عن الوجه الأول. وأما الثاني، فقد أجاب عنه العلّامة أحمد محمد شاكر - ﵀ - في تعليقه على «المحلّى» ٦/ ١٢٥، بأن هذا ليس من الاضطراب في شيء، بل إن بعض الرواة يُطيل، وبعضهم يختصر، ومنهم من يذكر شيئًا، ويسهو عن غيره، وزيادة الثقة مقبولة، فالواجب جمع كلّ ما ورد في الروايات الصحيحة؛ إذ لا تعارض بينها أصلًا. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله العلّامة أحمد شاكر - ﵀ - حسنٌ جدًّا. والحاصل أن الحديث صحيح، وأن الأرجح ما قاله الجمهور، من إجزاء الزبيب في صدقة الفطر، وأن مقداره صاع، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في تعيين المراد بـ «الطعام» في هذا الحديث: قال الخطّابيّ رحمه الله تعالى في «المعالم» (٢/ ٥٠ - ٥١): زعم بعض أهل العلم أن المراد بالطعام هنا الحنطة، وأنه عندهم اسمٌ خاصّ للبرّ، قال: ويدلّ على صحّة ذلك أنه ذكَرَ في الخبر الشعيرَ، والأَقِطَ، والتمر، والزبيب، وهي أقواتهم التي كانوا يقتاتونها في الحضر والبدو، ولم يَذكُر الحنطةَ، وكانت أغلاها، وأفضلها كلّها، فلولا أنه أرادها بقوله: «صاعًا من طعام» لكان يجري ذكرها عند التفصيل، كما جرى ذكر غيرها من سائر الأقوات، ولا سيّما حيث عُطفت عليها بحرف «أو» الفاصلة . وقال ابن دقيق العيد في «شرح العمدة»: وقد كانت لفظة «الطعام» تستعمل في البرّ عند الإطلاق حتى إذا قيل: اذهب إلى سوق الطعام، فُهِم منه سوق البرّ، وإذا غلب العرف بذلك نُزِّل اللفظ عليه؛ لأن الغالب أن الإطلاق في الألفاظ على حسب ما يخطر في البال من المعاني، والمدلولات، وما غلب استعمال اللفظ عليه فخطوره عند الإطلاق أقرب، فيُنَزَّل اللفظ عليه، وهذا بناء على أن يكون هذا العرف موجودًا في زمن النبيّ - ﷺ -. انتهى . قال الخطّابيّ: وزعم آخرون أن هذا جملةٌ قد فُصِّلَت، والتفصيل لا يخالف الجملة، وإنما قال في أول الحديث صاعًا من طعام، ثمّ فصّله، فقال: صاعًا من أقط، أو صاعًا من شعير، أو كذا، أو كذا، واسم الطعام شاملٌ لجميع ذلك. انتهى . وقال القاري: قال علماؤنا: إن المراد بالطعام المعنى الأعمّ، لا الحنطة بخصوصها، فيكون عطف ما بعده عليه من باب عطف الخاصّ على العامّ. قال الحافظ: وقد ردّ ذلك -أي حمل الطعام على البرّ- ابنُ المنذر، وقال: ظنّ بعض أصحابنا أن قوله في حديث أبي سعيد: «صاعًا من طعام» حجة لمن قال: صاعًا من حنطة، وهذا غلطٌ منه، وذلك أن أبا سعيد أجمل الطعام، ثمّ فسّره، ثم أورد طريق حفص بن ميسرة عند البخاريّ وغيره: أن أبا سعيد قال: «كنّا نُخرج في عهد النبيّ - ﷺ - يوم الفطر صاعًا من طعام، قال أبو سعيد: وكان طعامنا الشعير، والزبيب، والأقط، والتمر»، وهي ظاهرة فيما قال. وأخرج الطحاويّ نحوه من طريق أخرى، وقال فيه: «ولا يُخرَج غيره»، قال: وفي قوله: «فلمّا جاء معاوية، وجاءت السمراء» دليلٌ على أنها لم تكن قوتًا لهم قبل هذا، فدلّ على أنها لم تكن كثيرة، ولا قوتًا، فكيف يُتوهّم أنهم أخرجوا ما لم يكن موجودًا؟. انتهى كلامه. وأخرج ابن خزيمة، والحاكم في «صحيحيهما» من طريق ابن إسحاق، عن عبد الله بن عبد الله بن عثمان بن حكيم، عن عياض بن عبد الله، قال: قال أبو سعيد، وذكروا عنده صدقة رمضان، فقال: «لا أُخرج إلا ما كنت أُخرج في عهد رسول الله - ﷺ -: صاع من تمر، أو صاع حنطة، أو صاع شعير، أو صاع أقط، فقال له رجلٌ من القوم: أو مدّين من قَمْح، فقال: لا، تلك قيمة معاوية مطويّة، لا أقبلها، ولا أعمل بها»، قال ابن خزيمة: ذكر الحنطة في خبر أبي سعيد غير محفوظ، ولا أدري ممن الوَهَمُ؟. وقوله: «فقال له رجلٌ إلخ» دالٌّ على أن ذكر الحنطة في أول القصّة خطأٌ؛ إذ لو كان أبو سعيد أخبر أنهم كانوا يخرجون منها في عهد رسول الله - ﷺ - صاعًا لَمَا كان الرجل يقول له: أو مدّين من قَمْح، وقد أشار أبو داود إلى رواية ابن إسحاق هذه، وقال: إن ذكر الحنطة فيه غير محفوظ، وذكر أن معاوية بن هشام رَوَى في هذا الحديث عن سفيان: «نصف صاع من برّ» وهو وَهَمٌ، وأن ابن عيينة حدّث به عن ابن عجلان، عن عياض، فزاد فيه: «أو صاعًا من دقيق»، وأنهم أنكروا عليه، فتركه، قال أبو داود: وذِكْرُ الدقيق وَهَمٌ من ابن عيينة. وأخرج ابن خزيمة أيضًا من طريق فُضيل بن غَزْوَان، عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ -، قال: «لم تكن الصدقة على عهد رسول الله - ﷺ - إلا التمر، والزبيب، والشعير، ولم تكن الحنطة»، ولمسلم من وجه آخر، عن عياض، عن أبي سعيد: «كنّا نخرج من ثلاثة أصناف: صاعًا من تمر، أو صاعًا من أقط، أو صاعاُ من شعير»، وكأنه سكت عن الزبيب في هذه الرواية لقلّته بالنسبة إلى الثلاثة المذكورة. وهذه الطرق كلّها تدلّ على أن المراد بالطعام في حديث أبي سعيد غير الحنطة، فيَحْتَمِل أن تكون الذُّرَةَ، فإنه المعروف عند أهل الحجاز الآن، وهي قوت غالبٌ لهم. وقد روى الجوزقيّ من طريق ابن عجلان، عن عياض في حديث أبي سعيد: «صاعًا من تمر، صاعًا من سُلْت، أو ذُرَة». انتهى كلام الحافظ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: «فيَحْتَمِل أن تكون الذرة إلخ» فيه نظر، بل الصواب أن الطعام مجملٌ، فسّره ما بعده، كما سبق، والله تعالى أعلم. وأجاب البرماويّ عن رواية حفص بن ميسرة بأن الطعام فيها محمول على معناه اللغويّ الشامل لكلّ مطعوم، قال: فلا ينافي تخصيص الطعام فيما سبق بالبرّ؛ لأنه قد عطف عليه الشعير، وغيره، فدلّ على التغاير، وهذا كالوعد، فإنه عامّ في الخير والشرّ، وإذا عطف عليه الوعيد خُصّ بالخير، وليس هو من عطف الخاصّ على العامّ، نحو ﴿فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨]، ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٨]، فإن ذلك إنما هو فيما إذا كان الخاصّ أشرف، وهنا بالعكس. وقال الكرمانيّ: فإن قلت: قوله: قال أبو سعيد: «وكان طعامنا إلخ» مناف لما تقدّم من قولك: إن الطعام هو الحنطة، ثمّ أجاب بقوله: لا نزاع في أنّ الطعام بحسب اللغة عامّ لكلّ مطعوم، إنما البحث فيما يعطف عليه الشعير، وسائر الأطعمة، فإن العطف قرينة لإرادة المعنى العرفيّ منه، وهو البرّ بخصوصه. انتهى. قال صاحب «المرعاة»: ولا يخفى ما فيه من التكلّف، والظاهر عندي هو قول من قال: إن الطعام في قوله: «صاعًا من طعام» مجملٌ، وما ذُكر بعده بيان له، كما يدلّ عليه طريق حفص بن ميسرة، وحديث ابن عمر عند ابن خزيمة، وأن الصحابة ما كانوا يُخرجون البرّ في عهده - ﷺ -، كما يدلّ عليه رواية النسائيّ، والطحاويّ: «كنا نخرج في عهد رسول الله - ﷺ - صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من أقط، لا نخرج غيره»، وأنّ أبا سعيد ما أخرج البرّ في صدقة الفطر قطّ، لا في زمانه - ﷺ -، ولا فيما بعده، لا صاعًا، ولا نصفه، كما يدلّ عليه رواية مسلم: إن معاوية لَمّا جعل نصف الصاع من الحنطة عَدْلَ صاع من تمر، أنكر ذلك أبو سعيد، وقال: «لا أخرج فيها إلا الذي كنت أخرج في عهد رسول الله - ﷺ -، صاعًا من تمر، أو صاعًا من زبيب، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من أقط»، وفي رواية: قال أبو سعيد: «فأما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه أبدًا ما عِشْتُ»، وأن أبا سعيد لَمّا تحقق عنده أن الصحابة أخرجوا في زمنه - ﷺ - صاعًا من جميع ما أخرجوا من الشعير، والأقط، والتمر، والزبيب، وغيرها، ذهب إلى أن المقدار الواجب من كلّ شيء صاع، أو لَمّا رأى أنّ النبيّ - ﷺ - شرع لهم صاعًا من غير البرّ، ولم يبيّن لهم حال البرّ، فقاس عليه أبو سعيد حال البرّ، ورأى أن الواجب في البرّ أيضًا صاعٌ. وقد روى أبو داود عن عياض، قال: سمعت أبا سعيد يقول: «لا أخرج أبدًا إلا صاعًا - أي: من كلّ شيء - إنا كنّا نخرج على عهد رسول الله - ﷺ - صاع تمر، أو شعير، أو أقط، أو زبيب». وأخرج الطحاويّ في «شرح معاني الآثار» (٢/ ٤٢) عن عياض، قال: سمعت أبا سعيد، وهو يُسأل عن صدقة الفطر؟ قال: «لا أخرج إلا ما كنت أخرج على عهد رسول الله - ﷺ - صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من زبيب، أو صاعًا من أقط، فقال له رجلٌ: أو مدّين من قَمْحٍ؟ فقال: لا، تلك قيمة معاوية، لا أقبلها، ولا أعمل بها». وأخرجه أيضًا الدارقطنيّ في «سننه» (٢/ ١٤٥ - ١٤٦)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٤١١)، وابن خزيمة في «صحيحه» (٤/ ٨٩ - ٩٠)، والبيهقيّ (٤/ ١٦٦) وزادوا فيه: «أو صاعًا من حنطة» بعد قوله: «صاعًا من تمر». وقد صرّح ابن خزيمة، وأبو داود أن ذكر الحنطة فيه غير محفوظ. وأما ما أخرجه الطحاويّ بسنده (٢/ ٤٤) عن أبي سعيد أنه قال: «إنما علينا أن نعطي لكلّ رأس عند كلّ فطر صاعًا من تمر، أو نصف صاع من برّ»، فلا يوازي الروايات المتقدّمة، فلا يُلتفت إليه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أي: لأنه ضعيف؛ لأن في سنده الحسن البصريّ، عن أبي سعيد الخدريّ، والحسن لم يسمع من أبي سعيد الخدريّ ، وقد عنعنه، وهو مدلّس، والله تعالى أعلم. قال: والقول بأن حديث الباب يدلّ على أنهم كانوا يُعطون من البرّ صاعًا، لكن على سبيل التبرّع -يعني: أن أبا سعيد، وغيره من الصحابة إنما كانوا يخرجون النصف الآخر تطوّعًا، واختيارًا، وفضلًا- تأويل بعيد، لا يخفى تكلّفه. وأما ما يُذكر من الأحاديث المرفوعة في الصاع من القمح، أو في نصفه، فكلّها مدخولة. قال البيهقيّ (٤/ ١٧٠) بعد إيراد أحاديث نصف الصاع من القمح: وقد وردت أخبار عن النبيّ - ﷺ - في صاع من برّ، ووردت أخبار في نصف صاع، ولا يصحّ شيء من ذلك، قد بيّنت علّة كلّ واحد منها في «الخلافيّات». انتهى كلام صاحب «المرعاة» - ﵀ - باختصار . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذكره صاحب «المرعاة» - ﵀ - كلام نفيسٌ جدًّا، وقد اتّضح بما تقدّم أن الصواب كون الطعام في قوله: «صاعًا من طعام» مجملًا، والمعطوفات عليه تفصيلٌ له، وتوضيح للمراد منه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في النوع الذي يُجزئ في صدقة الفطر: ذهب الشافعيّة إلى أن جنس الفطرة كل ما يجب فيه العشر. وعن الشافعيّ قولٌ قديم أنه لا يجزئ فيها الحمّص، والعدَسُ، والمذهب المشهور الأول، والصحيح عندهم إجزاء الأقط أيضًا؛ لصحّة الحديث به، قال وليّ الدين: فإن جوّزناه فالأصحّ أن اللبن، والجبن الذي ليس منزوع الزّبد في معناه، والخلاف في إخراج مَنْ قوته الأقط، واللبن، والجبن، ولا يجزئ الدقيق، ولا السويق، ولا الخبز، كما لا تُجزئ القيمة. وقال الأنماطيّ: يجزئ الدقيق، قال ابن عبدان: يقتضي قوله إجزاء السويق، والخبز، وصححه. وفي الواجب من الأجناس المجزئة ثلاثة أوجه لأصحاب الشافعيّ: أصحها عند الجمهور غالب قوت البلد. والثاني: قوت نفسه، وصححه ابن عبدان. والثالث: يتخيّر بين الأجناس، وهو الأصحّ عند القاضي أبي الطيب. ثم إذا كان الواجب قوت نفسه، أو البلد، فعدل إلى ما هو دونه لم يجز، دوان عدل إلى أعلى منه جاز. وفيما يعتبر به الأعلى والأدنى وجهان: أصحّهما الاعتبار بزيادة صلاحية الاقتيات. والثاني بالقيمة. وقالت الحنابلة: هو مخيّر بين الخمسة المنصوص عليها، وهي التمر، والشعير، والبرّ، والزبيب، والأقط، قا لوا: والسُّلْت نوع من الشعير، فيجوز إخراجه لدخوله في المنصوص عليه، وهو في بعض طرق حديث ابن عمر. ونصّ أحمد على جواز إخراج الدقيق، وكذلك السويق، ولا يجزئ عندهم الخبز، قالوا: فيتخيّر بين هذه، فيخرج ما شاء منها، وإن لم يكن قوتًا له، إلا الأقط، فإنما يخرجه من هو قوته، أو لم يجد من المنصوص عليه سواه، فإن وجد سواه، ففي إجزائه عندهم روايتان، منشؤهما ورود النصّ به، وكونه غير زكويّ، قا لوا: وأفضلها التمر، وبعده البرّ، وقال بعضهم: الزبيب. قالوا: ولا يجوز العدول عن هذه الأشياء مع القدرة على أحدها، ولو كان المعدول إليه قوت بلده، فإن عجز عنها أجزأه كلّ مقتات، من كلّ حبّة وثمرة. قاله الخرقيّ. قال ابن قُدامة: وظاهره أنه لا يجزئه المقتات من غيرها، كاللحم واللبن. وقال أبو بكر: يُعطي ما قام مقام الأجناس المنصوص عليها عند عدمها. وقال ابن حامد: يجزئه عند عدمها الإخراج مما يُقتات به، كالذُّرَة، والدُّخْن، ولحوم الحيتان، والأنعام، ولا يُرَدّون إلى أقرب قوت الأمصار. وأما المالكيّة فإن المشهور عندهم أنه جنسيّة المقتات في زمنه -ﷺ-، من القَمْح، والشعير، والسُّلْت، والزبيب، والتمر، والأقط، والذُّرَة، والأرز، والدُّخْن، وزاد ابن حبيب: العلس ، وقال أشهب: من المستّ الأُوَلِ خاصّة، فلو اقتِيتَ غيره، كالقَطَانيّ ، والتين، والسويق، واللحم، واللبن، فالمشهور الإجزاء، وفي الدقيق قولان، ويخرج من غالب قوت البلد، فإن كان قوته دونه لا لشحّ، فقولان. وقال الحنفيّة: يتخيّر بين البرّ، والدقيق، والسويق، والزبيب، والتمر، والشعير، والدقيقُ أولى من البرّ، والدراهم أولى من الدقيق، فيما يُروى عن أبي يوسف، وهو اختيار الفقيه أبي جعفر؛ لأنه أدفع للحاجة. وعن أبي بكر الأعمش: تفضيل القمح؛ لأنه أبعد من الخلاف. قال وليّ الدين ﵀: من قال بالتخيير فقد أخذ بظاهر الحديث، وأما من قال بتعيين غالب قوت البلد، أو قوت نفسه، فإنه حمل الحديث على ذلك، ولم يجعله على ظاهره من التخيير، واقتصر في المشهور من روايات ابن عمر على التمر، والشعير؛ لأنهما غالب ما يُقتات بالمدينة في ذلك الوقت، فإما أن يكون محمولًا على إيجاب التمر على من يقتاته، والشعير على من يقتاته، وإما أن يكون مخيّرًا بينهما؛ لاستوائهما في الغلبة، فلا ترجيح لأحدهما على الآخر، فالمخرِج مخيّر بينهما. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح عندي حمل «أو» على معنى التخيير، وأن المؤدّي لصدقة الفطر مخيّرٌ في إخراج أيّ نوع شاء، مما صحّ ذكره في الحديث، لا من سائر أنواع الحبوب، فإنها لا تجزئ مع وجود المنصوص عليه، وإن لم يوجد شيء من المنصوص عليه أجزأ كلُّ ما كان قوتَ أهل البلد غالبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في الأفضل من الأجناس المنصوص عليها: = الحبوب، ويقيم زمانًا قِطْنيّة -بكسر القاف- على النسبة، وضمُّ القاف لغة. وفي «التهذيب»: القِطْنِيّةُ: اسم جامع للحبوب التي تطبخ، وذلك مثل العدس، والباقلَاء، واللُّوبِيَا«والحمّص، والأرز، والسمسم، وليس القمح، والشعير من الْقَطَانيّ. انتهى. ذهب الإمامان: مالك، وأحمد إلى اختيار إخراج التمر، قال ابن المنذر: واستحبّ مالك إخراج العجوة منه. وذهب الشافعيّ، وأبو عبيد إلى اختيار إخراج البرّ. وقال بعض أصحاب الشافعيّ: يَحْتَمِل أن يكون الشافعيّ قال ذلك؛ لأن البرّ كان أعلى في وقته، ومكانه؛ لأن المستحبّ أن يخرج أغلاها ثمنًا، وأنفسها؛ لقول النبيّ -ﷺ-، وقد سئل عن أفضل الرقاب؟ قال:»أغلاها ثمنًا، وأنفسها عند أهلها«، متّفق عليه. وإنما اختار أحمد إخراج التمر اقتداءَ بأصحاب رسول الله -ﷺ-، واتباعًا لهم. وروى بإسناده عن أبي مِجْلَزٍ، قال: قلت لابن عمر: إن الله قد أوسع، والبرّ أفضل من التمر، قال: إن أصحابي سلكوا طريقًا، وأنا أُحبّ أن أسلكه. وظاهر هذا أن جماعة من الصحابة كانوا يخرجون التمر، فأحبّ ابن عمر موافقتهم، وسلوك طريقتهم، وأحبّ أحمد أيضًا لاقتداء بهم، واتِّبَاعهم. ورَوَى البخاريّ عن ابن عمر، قال:»فرض النبيّ -ﷺ- صدقة الفطر … « الحديث. وفيه: كان ابن عمر يُعطي التمر، فأعوز أهلُ المدينة من التمر، فأعطى شعيرًا، قال الحافظ: فيه دلالة على أن التمر أفضل ما يُخْرَج في صدقة الفطر. وقد روى جعفر الفريابيّ من طريق أبي مِجْلَزٍ، قال: قلت لابن عمر: قد أوسع الله، والبرّ أفضل من التمر، أفلا تُعطي البرّ؟، قال: لا أعطي إلا كما كان يعطي أصحابي. ويُستَنبَطُ من ذلك أنهم كانوا يخرجون من أعلى الأصناف التي يُقتات بها؛ لأن التمر أعلى من غيره، مما ذُكر في حديث أبي سعيد، وإن كان ابن عمر فَهِمَ منه خصوصيّة التمر بذلك، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ ﵀ . قال ابن قُدامة ﵀: والأفضل بعد التمر البرّ، وقال بعض أصحابنا: الأفضل بعده الزبيب؛ لأنه أقرب تناولًا، وأقلّ كلفة، فأشبه التمر. ولنا أن البرّ أنفع في الاقتيات، وأبلغ في دفع حاجة الفقير. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي قول من فضّل الزبيب على البرّ أرجح؛ لصحّة الحديث به، دون البرّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في دفع الأقط في صدقة الفطر: (اعلم): أنهم قد اختلفوا في ذلك، فقال مالك بالإجزاء؛ إذا كان من أغلب القوت، وللشافعيّ فيه قولان: أحدهما كقول مالك. والثاني: أنه لا يجزئ، قال الحافظ: وعند الشافعيّة فيه خلاف، وزعم الماورديّ أنه يختصّ بأهل البادية، وأما الحاضرة، فلا يجزئ عنهم بلا خلاف، وتعفبه النوويّ في «شرح المهذّب»، وقال: قطع الجمهور بأن الخلاف في الجميع. انتهى. والمذكور في فروع الشافعيّة الإجزاء إذا كان غالب أقوات المخرج. قال النوويّ في «شرح مسلم»: يجزئ الأقط على المذهب. انتهى. وقال الحنفيّة: لا يُجزئ إلا بدلًا عن القيمة. قال الكاسانيّ في «البدائع»: أما الأقط، فتعتبر فيه القيمة لا يجزئ إلا باعتبار القيمة؛ لأنه غير منصوص عليه من وجه يوثق به، وجواز ما ليس بمنصوص عليه لا يكون إلا بالقيمة. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا عجيب من الكاسانيّ، فإن حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁- هذا أخرجه الشيخان، وغيرهما، فقوله: «غير منصوص عليه من وجه يوثق به» ينادي عليه بأنه بعيد كلّ البعد عن مراجعة مشاهير الكتب الحديثية، كالصحيحين، فضلًا عن غيرها، مع أنه يعدّ من كبار الفقهاء الحنفية، إن لهو العجب العُجاب. وقال ابن قدامة: يجزئ أهل البادية إخراج الأقط إذا كان قوتهم، وكذلك من لم يجد من الأصناف المنصوص عليها سواه، فأما من وجد سواه، فهل يجزئ؟ على روايتين: إحداهما: يجزئه أيضًا؟ لحديث أبي سعيد المذكور في الباب. والثانية: لا يجزئه؛ لأنه جنس لا تجب فيه الزكاة، فلا يجزئ إخراجه لمن يقدر على غيره من الأجناس المنصوص عليها، كاللحم، ويُحمل الحديث على من هو قوت له، أو لم يقدر على غيره. انتهى كلام ابن قدامة باختصار. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول الأول هو الحقّ، وأما القول الثاني، فمخالف للنصوص الصحيحة، فلا يلتفت إليه. فالحق أنه يجزئ إخراج الأقط، مطلقًا، سواء كانوا من أهل الأمصار، أو من غيرهم، قادرين على غيره، من التمر، وغيره، أو لا، وسواء كان قوتًا له، أو لا؛ لأن الحديث لم يفرّق، ولم يفصّل شيئًا من ذلك. والحاصل أن الأقط مجزئ مطلقًا؛ لحديث أبي سعيد الخدريّ -﵁- المذكور في الباب، حيث قال: «كنّا نخرج في عهد رسول الله -ﷺ- …» الحديث، فأطلق، ولم يقيّده بشيء، مما ذكروه، فدلّ على أنه يجزئ مطلقًا، كالتمر، والشعير المذكورين معه، حيث لا خلاف في إجزائهما، فكذلك هو، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم في إخراج القيمة في صدقة الفطر: ذهب الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعيّ، وأحمد -رحمهم الله تعالى- إلى أنه لا يجوز دفع القيمة في صدقة الفطر. وذهب الإمام أبو حنيفة، وأصحابه -رحمهم الله تعالى- إلى جواز ذلك. قال ابن قدامة: قال أبو داود: قيل لأحمد، وأنا أسمع: أَعطَى دراهم -يعني: في صدقة الفطر- قال: أخاف أن لا يجزئه خلاف سنّة رسول الله -ﷺ-. وقال أبو طالب: قال أحمد: لا يعطي قيمته، قيل له: قوم يقولون: عمر بن عبد العزيز كان يأخذ القيمة، قال: يدعون قول رسول الله -ﷺ-، ويقولون قال فلان، قال ابن عمر: «فرض رسول الله -ﷺ-»، وقال الله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة: ٩٢]. وقال قوم يردّون السنن: قال فلان، قال فلان. وظاهر مذهبه أنه لا يجزئه إخراج القيمة في شيء من الزكوات، وبه قال مالك، والشافعيّ. وقال الثوريّ، وأبو حنيفة: يجوز. وقد روي ذلك عن عمر بن عبد العزيز، والحسن، وروي عن أحمد مثل قولهم فيما عدا صدقةَ الفطر، وقال أبو داود: سئل أحمد عن رجل باع ثمر نخلته؟، قال: عشرة على الذي باعه، قيل له: فيخرج ثمرًا، أو ثمنه؟ قال: إن شاء أخرج ثمرًا، وإن شاء أخرج من الثمن. وهذا دليل على جواز إخراج القيم. ووجهه قول معاذ لأهل اليمن: «ايتوني بخميس، أو لبيس، آخذه منكم، فإنه أيسر عليكم، وأنفع للمهاجرين بالمدينة». وقال سعيد: حدّثنا سفيان، عن عمرو، عن طاوس، قال: لَمّا قدم معاذ اليمن، قال: «ائتوني بعرض ثياب، آخذه منكم مكان الذرة، والشعير، فإنه أهون عليكم، وخير للمهاجرين بالمدينة». قال: وحدّثنا جرير، عن ليث، عن عطاء، قال: كان عمر بن الخطّاب يأخذ العروض في الصدقة من الدراهم؛ ولأن المقصود دفع الحاجة، ولا يختلف ذلك بعد اتحاد قدر الماليّة باختلاف صور المال. قال ابن قدامة: ولنا قول ابن عمر: «فرض رسول الله -ﷺ- صدقة الفطر، صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير»، فإذا عدل عن ذلك، فقد ترك المفروض. وقال النبيّ -ﷺ-: «في أربعين شاةً شاةٌ»، وفي مائتي درهم خمسة دراهم. وهو وارد لبيان مجمل قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، فتكون الشاة المذكورة هي الزكاة المأمور بها، والأمر للوجوب. انتهى. وقد وافق الإمام البخاريّ في ذلك الحنفيّةَ، فقال بجواز إخراج العروض في الزكاة؛ إذا كانت بقيمتها؛ إذ ترجم بقوله: «باب الْعَرْضِ في الزكاة»، وذكر فيه أثر طاوس المتقدّم، وغيره من الأحاديث. وقد أجاب الجمهور عن جميع ذلك، وقد تقدّم البحث عن ذلك. وقال الشوكانيّ ﵀ في كتابه «السيل الجرّار» في شرح قول صاحب «حدائق الأزهار»: «إنما تجزئ القيمة للعذر»: أقول هذا صحيح؛ لأن ظاهر الأحاديث الواردة بتعيين قدر الفطرة من الأطعمة أنّ إخراج ذلك مما سمّاه النبيّ -ﷺ- متعيّنٌ، وإذا عرض مانع من إخراج العين، كانت القيمة مجزئة؛ لأن ذلك هو الذي يمكن مَنْ عليه الفطرة، ولا يجب عليه ما لا يدخل تحت إمكانه. انتهى كلام الشوكانيّ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الشوكانيّ ﵀ هو الأرجح عندي. وحاصله أن دفع عين ما وجب في زكاة الفطر، أو زكاة المال هو المتعيّن، فإن لم يتيسّر جازت القيمة؛ لقول الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ الآية [البقرة: ٢٨٦]، وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ الآية [التغابن: ١٦]، وقوله -ﷺ-: «إذا أمرتكم بشيء، فائتوا منه ما استطعتم …» الحديث متفق عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٨٥] (…) - (حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، يَقُولُ: كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ، وَرَسُولُ اللهِ -ﷺ- فِينَا، عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ وَكبِيرٍ، حُرٍّ وَمَمْلُوكٍ، مِنْ ثَلَاَثةِ أَصْنَافٍ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، فَلَمْ نَزَلْ نُخْرِجُهُ كَذَلِكَ، حَتَّى كَانَ مُعَاوِيَةُ، فَرَأَى أَنَّ مُدَّيْنِ مِنْ بُرٍّ، تَعْدِلُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَمَّا أَنَا فَلَا أَزَالُ أُخْرِجُهُ كَذَلِكَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ) تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: هذا الإسناد مما انتقده الدارقطنيّ على مسلم، فقال: خالف سعيد بن مسلمة معمرًا فيه، فرواه عن إسماعيل بن أميّة، عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذُباب، عن عياض، قال الدارقطنيّ: والحديث محفوظ عن الحارث. انتهى. وقد أجاب النوويّ، فقال: هذا الاستدراك ليس بلازم، فإن إسماعيل بن أميّة صحيح السماع، عن عياض. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما أجاب به النوويّ حسنٌ، ولا سيّما أن المخالف لمعمر، وهو سعيد بن مسلمة ضعفه الأئمة، فقد قال ابن معين: ليس بشيء، وقال البخاريّ: منكر الحديث، فيه نظر، وقال النسائيّ: ضعيف، وقال الدارقطنيّ: ضعيف يُعتبر به، وقال ابن حبان: فاحش الخطأ، منكر الحديث جدًّا، وقال الساجيّ: صدوق منكر الحديث . فمخالفة من هذه حاله للإمام الحجة الثبت معمر بن راشد غير مقبولة، فالحقّ أن رواية معمر صحيحة، على أنه لا مانع من أن يكون الطريقان صحيحتين، فيُحمل على أن إسماعيل بن أميّة حدّث به عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب، عن عياض، ثم سمعه من عياض نفسه، فحدّث بالوجهين . والحاصل أن رواية مسلم من طريق معمر هذه صحيحة بلا شكّ، والله تعالى أعلم بالصواب. وقوله: (حَتَّى كَانَ مُعَاوِيَةُ) «كان» هنا تامّة؛ أي: حتى جاء وقت خلافته، ويَحْتَمِل أن تكون ناقصةً، ويُقدّر خبرها؛ أي: حتى كان معاوية خليفةً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٢٨٦] (…) - (وَحَدَّثَنى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَابٍ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ، مِنْ ثَلَاَثةِ أَصْنَافٍ: الْأَقِطِ، وَا لتَّمْرِ، وَالشَّعِيرِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (الْحَارِث بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ) هو: الحارث بن عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد بن أبي ذُباب الدوسيّ المدنيّ، صدوقٌ يَهِمُ [٥] (ت ١٤٦) (عخ م مد ت س ق) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٥٤/ ١٥٢٩.
مصادر المؤلف (٢٠)

١. راجع: «المرعاة» ٦/ ١٩٤.

٢. ذكره القاري، قائلًا: قال ميرك، نقلًا عن «الأزهار». انظر: «المرعاة» ٦/ ١٩٧.

٣. يقال: دَمَقَ يدمُقُ دُمُوقًا، من باب قعد: دخل بغير إذن، والدَّمْقُ - بفتح، فسكون -: السرقة. أفاده في «القاموس».

٤. «المصباح المنير» ١/ ٧٦ - ٧٧.

٥. يقال: ذَوَى البقلُ، كرمى، ورضي ذويًا، كصُلِيَّ: ذَبَلَ، وأذواه الحرّ. انتهى. «ق».

٦. «المصباح المنير»١/ ١.

٧. راجع: «المعالم» ٢/ ٢١٨ وهو منقول ببعض تصرّف.

٨. «إحكام الأحكام» ٣/ ٣٢٠ - ٣٢١. بنسخة الحاشية.

٩. «المعالم» ٢/ ٢١٨.

١٠. راجع: «الفتح» ٤/ ١٤٥ - ١٤٦.

١١. انظر ترجمته في: «تهذيب التهذيب» ١/ ٣٨٨ - ٣٩١، فقد عدّ بهز بن أسد أبا سعيد الخدريّ من جملة من لم يسمع منهم الحسن، من الصحابة.

١٢. انظر: «المرعاة» ٦/ ١٩٤ - ١٩٦.

١٣. «العلس» -بفتحتين-: ضرب من الحنطة، يكون في القشرة منه حبتان، وقد تكون واحدة، أو ثلاث. وقال بعضهم: هو حبة سوداء تؤكل في الجدب. وقيل: مثل البرّ، إلا أنه عَسِرُ الاستنقاء. وقيل: هو العدَس. قاله في «المصباح».

١٤. القَطَانيّ: بالفتح جمع قِطْنيّة، وهي العَدَسُ، والخُلَّرُ، والفول، والدُّجْرُ، والحمّص. اهـ. «القاموس». وفي «المصباح»: قيل لما يُدّخر في البيت من =

١٥. راجع:»طرح التثريب«٤/ ٥٠ - ٥٢.

١٦. راجع: «الفتح» ٤/ ١٤٨ - ١٥٠.

١٧. راجع: «المغني» ٤/ ٢٩١ - ٢٩٢.

١٨. راجع: «السيل الجرّار» ٢/ ٨٦.

١٩. «تهذيب التهذيب» ٢/ ٤٣.

٢٠. راجع: ما كتبه الشيخ ربيع بن هادي في دراسته «بين الإمامين: مسلم والدارقطنيّ» (ص ١٩٠ - ١٩٤).