HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٠٠٠

حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ. حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عمرو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «تَصَدَّقْنَ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ! وَلَوْ مِنْ حليكن» قالت: فرحعت إِلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقُلْتُ: إِنَّكَ رَجُلٌ خَفِيفُ ذَاتِ الْيَدِ. وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ. فَأْتِهِ فَاسْأَلْهُ. فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يَجْزِي عَنِّي وَإِلَّا صَرَفْتُهَا إِلَى غَيْرِكُمْ. قَالَتْ: فَقَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ: بَلِ ائْتِيهِ أَنْتِ. قَالَتْ: فَانْطَلَقْتُ. فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ بِبَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. حَاجَتِي حَاجَتُهَا. قَالَتْ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أُلْقِيَتْ عَلَيْهِ الْمَهَابَةُ. قَالَتْ: فَخَرَجَ عَلَيْنَا بِلَالٌ فَقُلْنَا لَهُ: ائْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. فأخبره أن امرأتين بالباب تسألانك: أتجزي الصَّدَقَةُ عَنْهُمَا، عَلَى أَزْوَاجِهِمَا، وَعَلَى أَيْتَامٍ فِي حُجُورِهِمَا؟ وَلَا تُخْبِرْهُ مَنْ نَحْنُ. قَالَتْ: فَدَخَلَ بِلَالٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَسَأَلَهُ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ هُمَا؟» فَقَالَ: امْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ وَزَيْنَبُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَيُّ الزَّيَانِبِ؟» قَالَ امْرَأَةُ عبد الله. فقال له رسول اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَهُمَا أَجْرَانِ أَجْرُ الْقَرَابَةِ أجر الصدقة».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج3 ص80
ج ٢ ص ٦٩٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, سنن النسائي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٩ ص٢٧٨
١ - (منها): الاعتناء بأقارب الأم؛ إكرامًا بحقها، وهو زيادة في برّها. ٢ - (ومنها): جواز تبرعّ المرأة بما لها بغير إذن زوجها. ٣ - (ومنها): بيان أن المرأة ليس عليها استئمار زوجها في التبرّع بمالها؛ إذا كانت رشيدة؛ لأن ميمونة - ﵂ - أعتقت قبل أن تستأمر النبيّ -ﷺ-، فلم يستدرك ذلك عليها، بل أرشدها إلى ما هو الأولى، فلو كان لا ينفُذُ لها تصرّف في مالها لأبطله. ٤ - (ومنها): بيان فضيلة صلة الأرحام، والإحسان إلى الأقارب، وأنه أفضل من العتق، قال في «الفتح»: قال ابن بطال ﵀: فيه أن هبة ذي الرحم أفضل من العتق، ويؤئده ما رواه الترمذيّ، والنسائيّ، وأحمد، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، من حديث سلمان بن عامر الضبيّ -﵁- مرفوعًا: «الصدقة على المسكين صدقةٌ، وعلى ذي الرحم صدقة وصلةٌ»، لكن لا يلزم من ذلك أن تكون هبة ذي الرحم أفضل مطلقًا؛ لاحتمال أن يكون المسكين محتاجًا، ونفعه بذلك متعذيًا، والآخر بالعكس، وقد وقع في رواية النسائيّ: «فقال: أفلا فَدَيتِ بها بنت أخيك من رِعاية الغنم»، فبَيَّن الوجه في الأولوية المذكورة، وهو احتياج قرابتها إلى مَن يخدُمها، وليس في الحديث أيضًا حجة على أن صلة الرحم أفضل من العتق؛ لأنها واقعة عين، والحقّ أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٣١٨] (١٠٠٠) - (حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ زينَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللهِ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «تَصَدَّقْنَ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُن»، قَالَتْ: فَرَجَعْتُ إِلَى عَبْدِ اللهِ، فَقُلْتُ: إِنَّكَ رَجُل خَفِيفُ ذَاتِ الْيَدِ، وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-: قَدْ أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ، فَأْتِهِ، فَاسْأَلهُ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يَجْزِي عَنَي، وَإِلَّا صَرَفْتُهَا إِلَى غَيْرِكُمْ، قَالَتْ: فَقَالَ لِي عَبْدُ اللهِ: بَلِ ائْتِيهِ أَنتِ، قَالَتْ: فَانْطَلَقْتُ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ الأنصَارِ بِبَابِ رَسُول اللهِ -ﷺ- حَاجَتِي حَاجَتُهَا، قَالَتْ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- قَدْ ألْقِيَتْ عَلَيْهِ الْمَهَابَةُ، قَالَتْ: فَخَرَجَ عَلَيْنَا بِلَالٌ، فَقُلْنَا لَهُ: ائْتِ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، فَأَخْبِرْهُ أَنَّ امْرَأتيْنِ بِالْبَابِ، تَسْأَلانِكَ أَتُجْزِئُ الصَّدَقَةُ عَنْهُمَا عَلَى أَزْوَاجِهِمَا، وَعَلَى أَيْتَام في حُجُورِهِمَا؟، وَلَا تُخْبِرْهُ مَنْ نَحْنُ، قَالَتْ: فَدَخَلَ بلَالٌ عَلَى رَسُول الله -ﷺ -، فَسَأَلهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله -ﷺ-: «مَنْ هُمَا؟»، فَقَالَ: امْرَأَةٌ مِنَ الْأنصَارِ، وَزينَبُ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «أَيُّ الزَّيَانِبِ؟»، قَالَ: امْرَأَةٌ عَبْدِ اللهِ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ الله -ﷺ-: «لَهُمَا أَجْرَانِ: أَجْرُ الْقَرَابَةِ، وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ»). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ) الْبَجَليّ، أبو عليّ الكوفيّ الْبُورَانيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٠ أو ٢٢١) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٦. ٢ - (أَبُو الأَحْوَصِ) سلّام بن سُليم الْحَنَفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ حافظٌ [٧] ١٧٩) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٥. ٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ ورعٌ، لكنّه يُدلس [٥] (ت ٧ أو ١٤٨) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٢٩٧. ٤ - (أَبُو وَائِلٍ) شقيق بن سَلَمة الأسديّ الكوفيّ، مخضرمٌ ثقةٌ [٢] (ت ٨٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٧. ٥ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن أبي ضِرَار -بكسر الضاد المعجمة- ابن حبيب بن عائذ بن مالك بن جُذَيمة -وهو المصطلق- ابن سعد بن كعب بن عمرو- وهو خزاعة- الخزايئ المصطلقيّ، أخو جويرية، أم المؤمنين -﵂-، صحابيّ قليل الحديث. روى عن النبيّ -ﷺ-، وعن أبيه الحارث، وله صحبة، وعن ابن مسعود، وزينب امرأة ابن مسعود، وقيل: عن ابن أخيها، عنها. ورَوَى عنه مولاه دينار، وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، وأبو إسحاق السبيعيّ، وأبو وائل، وزياد بن الجعد. قال ابن أبي داود: كان الحارث بن أبي ضِرَار، صهر عبد الله بن مسعود. ورجّح ابن القظان أن عمرو بن الحارث الراوي عن زينب غير صاحب الترجمة؛ لأن في كثير من الروايات: عن عمرو بن الحارث ابن أخي زينب، وزينب ثقفيّة، فيكون ثقفيًّا، قال: اللَّهمّ إلا أن يكون ابن أخيها لأمّ، أو للرضاعة، فالله أعلم. روى له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٦ - (زينَبُ امْرَأَةُ عَبْدِ اللهِ) هي: زينب بنت معاوية. وديل: بنت أبي معاوية. وقيل: بنت عبد الله بن معاوية بن عتّاب بن الأسعد بن غاضرة بن خُطَيط بن قسيّ - وهو ثقيف- وقيل: اسمها رائطة، تقدّمت في «الصلاة» ٣١/ ١٠٠١. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيّين. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية صحابي عن صحابية، وتابعيّ، عن تابعيّ مخضرم، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ) بن أبي ضِرَار -﵁-، قال في «الفتح»: ووقع عند الترمذيّ عن هَنّاد، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عمرو بن الحارث بن المصْطَلِق، عن ابن أخي زينب، امرأة عبد الله، عن امرأة عبد الله، فزاد في الإسناد رجلًا، والموصوف بكونه ابن أخي زينب هو عمرو بن الحارث نفسه، وكأنّ أباه كان أخا زينب لأمها؛ لأنها ثقفيّة، وهو خزاعيّ. ووقع عند الترمذىّ أيضًا، من طريق شعبة، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله بن عمرو بْن الحارث ابن أخي زينب امرأة عبد الله، عن زينب، فجعله عبد الله بن عمرو، هكذا جزم به المزّيّ، وعقد لعبد الله بن عمرو في «الأطراف» ترجمة لم يزد فيها على ما في هذا الحديث، قال الحافظ: ولم أقف على ذلك في الترمذيّ، بل وقفت على عدّة نسخ منه ليس فيها إلا عمرو بن الحارث. وقد حَكَى ابن القطّان الخلافَ فيه على أبي معاوية، وشعبة، وخالف الترمذيَّ في ترجيح رواية شعبة في قوله: «عن عمرو بن الحارث، عن ابن أخي زينب»؛ لانفراد أبي معاوية بذلك، قال أبن القطّان: لا يضرّه الانفراد؛ لأنه حافظٌ، وقد وافقه حفص بن غياث في رواية عنه، وقد زاد في الإسناد رجلًا، لكن يلزم من ذلك أن يتوقّف في صحّة الإسناد؛ لأن ابن أخي زينب حينئذ لا يُعرف حاله. وقد حَكَى الترمذيّ في «العلل» المفرد أنه سأل البخاريّ عنه، فحكم على رواية أبي معاوية بالْوَهَم، وأنّ الصواب رواية الجماعة، عن الأعمش، عن شقيق، عن عمرو بن الحارث ابن أخي زينب، قال الحافظ: ووافقه منصور، عن شقيق؛ أخرجه أحمد، فإن كان محفوظًا، فلعلّ أبا وائل حمله عن الأب، والابن، وإلا فالمحفوظ عن عمرو بن الحارث، وقد أخرجه النسائيّ، من طريق شعبة على الصواب، فقال: «عن عمرو بن الحارث». انتهى . (عَنْ زينَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللهِ) هي زينب بنت معاوية، ويقال لها: رائطة -كما تقدّم- لكن قال في «تهذيب التهذيب» (٤/ ٦٧٥): فرّق أبو سعيد، وابن حبّان، والعسكريّ، وأبن منده، وأبو نُعيم، وغير واحد بين زينب، ورائطة امرأتي ابن مسعود. انتهى. وقال في «الفتح»: ويقال لها أيضًا: رائطة، وقع ذلك في «صحيح ابن حبّان» في نحو هذه القصّة، ويقال: هما اثنان عند الأكثرين، وممن جزم به ابن سعد، وقال الكلاباذيّ: رائطة هي المعروفة بزينب، وبهذا جزم الطحاويّ، فقال: رائطة هي زينب، لا يُعْلَم أن لعبد الله امرأة في زمن رسول الله -ﷺ- غيرها. (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «تَصَدَّقْنَ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ) وفي رواية حفص بن غياث، عن الأعمش التالية:»قالت: كنت في المسجد، فرآني النبيّ -ﷺ-، فقال: تصدّقنَ، ولو من حليّكنّ«، وللنسائيّ في»عِشْرة النساء«من طريق أبي معاوية، عن الأعمش:»قالت: خطبنا رسول الله -ﷺ-، فقال: يا معشر النساء، تصدّقن، ولو من حُليّكنّ، فإن أكثركنّ أهلُ جهنّم يوم القيامة». (وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُن») بضمّ الحاء المهملة، وكسر اللام، وتشديد الياء جمعًا، ويجوز فتح الحاء، وسكون اللام مفردًا. (قَالَتْ) زينب (فَرَجَعْتُ إِلَى عَبْدِ اللهِ) أي: ابن مسعود زوجِهَا -﵄- (فَقُلْتُ: إِنَّكَ رَجُلٌ خَفِيفُ ذَاتِ الْيَدِ) كناية عن الفقر، وقلّة المال (وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-: قَدْ أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ، فَأَتِهِ، فَاسْأَلهُ) وفي نسخة: «فَسَلْهُ» (فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ) قال الطيبيّ ﵀: الفاء تفصيل للمقدّر المسئول عنه؛ أي: اسأله هل يجزي عني أن أتصدّق عليك، وعلى أولادك أم لا؟، فإن كان يجزي عني صرفتها إليكم، وإن لم يجز صرفتها إلى غيركم. انتهى . وقوله: (فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يَجْزِي عَنِّي) جواب الشرط محذوف دلّ عليه ما بعده: أي: صرفتها إليكم. وقوله: «يَجْزي» بفتح حرف المضارعة: أي: يكفي، وكذا قولها بعدُ: «أتَجْزي الصدقةُ عنهما؟» بفتح التاء، أفاده النوويّ ﵀ . وقال الفيّوميّ ﵀: جَزَى الأمرُ يَجْزي جزاءً، مثلُ قَضَى يَقْضي قَضَاءً وزنًا ومعنًى، وفي التنزيل: ﴿يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ الآية [البقرة: ٤٨]، وفي الدعاء: «جزاه الله خيرًا»؛ أي: قضاه له، وأثابه عليه، وقد يُستَعْمل أجزأ بالألف والهمز بمعنى جَزَى، ونقلهما الأخفش بمعنى واحدٍ، فقال: الثلاثيّ من غير همز لغة الحجاز، والرباعيّ المهموز لغة تميم. انتهى . وقوله: (وَإِلَّا) مركبّ من «إِن» الشرطيّة، و«لا» النافية؛ أي: وإن لم يَجْزِ عنّي (صَرَفْتُهَا) أي: الصدقة (إِلَى غَيْرِكُمْ) أي: إلى من يجوز لي صرفه له، والضمير لعبد الله بن مسعود، ولأيتام لها، كما يتبيّن مما سيأتي. وفي رواية البخاريّ: «وكانت زينب تنفق على عبد الله، وأيتام في حجرها، فقالت لعبد الله: سَلْ رسولَ الله -ﷺ- أيجزئ عنّي أن أنفق عليك، وعلى أيتام في حجري من الصدقة؟ فقال: سلي أنت رسول الله -ﷺ- …». وفي رواية النسائيّ: «أَيَسَعُنِي أَنْ أَضَعَ صَدَقَتِي فِيكَ، وَفِي بَنِي أَخٍ لِي، يَتَامَى؟»، قال الحافظ ﵀: لم أقف على تسمية الأيتام الذين كانوا في حَجْرها. (قَالَتْ) زينب (فَقَالَ لِي عَبْدُ اللهِ) بن مسعود -﵁- (بَلِ ائْتِيهِ أَنْتِ) قيل: سبب امتناع ابن مسعود -﵁- عن السؤال ما بُيِّنَ بعد هذا في قولها: «وكان رسول الله -ﷺ-، قد أُلقيت عليه المهابة»، فكما أن زينب هابت أن تسأله فكذلك عبد الله هاب أن يسأله، وقيل: لعلّ امتناعه لأن سؤاله يُنبئ عن الطمع، والأول أظهر، والله تعالى أعلم. (قَالَتْ: فَانْطَلَقْتُ) أي: ذهبت إلى النبيّ -ﷺ- لأسأله عنه ذلك (فَإِذَا امْرَأةٌ) «إذا» هي الْفُجَائيّة؛ أي: ففاجاني وجود امرأة (مِنَ الأنصَارِ بِبَابِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- حَاجَتي حَاجَتُهَا) قال الأبيّ ﵀: هو مثلُ قولهم: زَيدٌ زُهيرٌ شعرًا؛ أي: مثله. انتهى . وفي رواية النسائيّ: «فإذا امرأة من الأنصار، يُقَالُ لَهَا: زيْنَبُ، تسأل عما أسأل عنه»، وزينب هذه هي امرأة أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاريّ البدريّ -﵁-، ففي رواية النسائيّ في «عشرة النساء» من طريق علقمة، عن عبد الله، قال: انطلقت امرأة عبد الله، وامرأة أبي مسعود إلى رسول الله -ﷺ-، كلّ واحدة تكتم صاحبتها أمرها … قال الحافظ: لم يذكر ابن سعد لأبي مسعود امرأة أنصاريّةً سوى هُزَيلة بنت ثابت بن ثعلبة الخزرجيّة، فلعلّ لها اسمين، أو وَهِمَ من سمّاها زينب، انتقالًا من اسم امرأة عبد الله إلى اسمها. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الثاني بعيد، لا ينبغي اعتماده؛ لأن عدم ذكر ابن سعد لها لا يدُلّ على عدمها، مع ثبوته في رواية النسائيّ المذكورة، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (قَالَتْ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- قَدْ ألْقِيَتْ عَلَيْهِ الْمَهَابَةُ) بفتح الميم: أي: المخافة، قال في «القاموس»، و«شرحه»: الهَيْبَةُ: الإِجلالُ، والمَخَافَة، وعن ابنِ سِيدهْ: الهَيْبَةُ: التَّقِيَّةُ من كُلِّ شَيءٍ، كالمَهابَةِ، وقد هابَهُ يهابُهُ، كخَافَهُ يَخَافُهُ هَيْبًا، وهَيْبَةً، ومَهَابَةً: خافَهُ، وراعَهُ، كاهْتَابَهُ، قال [من البسيط]: ومَرْقَبٍ تَسْكُنُ العِقْبَانُ قُلَّتَهُ … أَشْرَفْتُهُ مُسْفِرًا والشَّمْسُ مُهْتَابَهْ وفي «كتاب الأَفعال»: هابَه، من باب تَعِبَ: حَذِرَه، ويُقال: هَابَه يَهِيبُه، من باب ضرب، نقله الفَيُّوميُّ في «المصباح». وقال الطيبيّ ﵀: قوله: «وكان -ﷺ- قد أُلقيت عليه المهابة»: «كان» هذه هي التي تفيد الاستمرار، ومن ثَمَّ كان أصحابه -ﷺ- في مجلسه كأن على رؤوسهم الطير، وذلك عزّةٌ منه -ﷺ-، لا كبر، وسوء خُلُق، وإن تلك العزّة ألبسها الله تعالى إياه -ﷺ-، لا من تلقاء نفسه. انتهى . [فائدة]: ذكر ابن قَيِّم الجَوْزِيَّةِ ﵀ فِي الفرْق بين المَهَابَة والكِبْر ما نَصُّه: إِنّ المَهابةَ أَثرُ امتلاءِ القلْبِ بمهابةِ الرَّبّ ومحبَّته، وَإِذا امتلأَ بذلك حلَّ فيه النُّورُ، ولَبِس رِداءَ الهَيْبة، فاكتسَى وَجهُهُ الحَلاوةَ والمَهَابَةَ، فحَنَّت إِليهِ الأَفئدةُ، وقَرَّتْ بها العُيُونُ، وأَمّا الكِبْرُ فهو أَثَرُ العُجْبِ في قلْب مملوءٍ جهلًا وظُلُماتٍ، رانَ عليه المَقْتُ، فنَظَرُهُ شَزْرٌ، ومِشْيَتُهُ تَبخْتُرٌ، لا يبْدأُ بسَلام، ولا يَرى لأَحَدٍ حَقًّا عليه، وَيرى حَقَّهُ على جميع الأَنامِ، فلا يزدادُ من اللهِ تعالى إِلّا بُعْدًا، ولا من النّاس إِلا حَقارًا وبُغْضًا. انتهى. تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا . وقال الطيبيّ ﵀: (قَالَتْ) زينب -﵂- (فَخَرَجَ عَلَيْنَا بِلَال) بن رَبَاح، مؤذّن رسول الله -ﷺ- المتوفّى سنة (٧ أو ٨ أو ٢٠ هـ) وله بضع وستّون سنة، تقدّمت ترجمته في «الطهارة» ٢٣/ ٦٤٣. (فَقُلْنَا لَهُ: ائْتِ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، فَأَخْبِرْهُ أَنَّ امْرَأتيْنِ بِالْبَابِ، تَسْأَلَانِكَ أَتجْزِئُ الصَّدَقَةُ عَنْهُمَا عَلَى أَزْوَاجِهِمَا) ووقع في بعض النسخ بلفظ: «على زوجيهما» بالتثنية، قال النوويّ ﵀: يقال: على زوجيهما، وعلى زوجهما، وعلى أزواجهما، وهي أفصحهنّ، وبها جاء القرآن العزيز في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، وكذا قولها: «في حُجُورهما»، وشبه ذلك مما يكون لكلّ واحد من الاثنين منه واحد. انتهى . (وَعَلَى أَيْتَام فِي حُجُورِهِمَا؟) وفي رواية للنسائي، من طريق علقمة: «فقالتا لبلال: ايتً رسول الله -ﷺ-، فقل: امرأتان لإحداهما فضلُ مال، وفي حجرها بنوأخ لها أيتام، وقالت الأخرى: إن لي فضل مال، ولي زوجٌ خفيف ذات اليد …». (وَلَا تُخْبِرْهُ) «لا» ناهيةٌ، ولذا جُزم بها الفعل بعدها (مَنْ نَحْنُ؟) أي: لا تعيّق اسمنا، بل قل: تسأل امرأتان، إرادةَ الإخفاء؛ مبالغةً في نفي الرياء، أو رعاية للأفضل، وهذا أيضًا يصلح أن يكون وجهًا لعدم دخولهما، وقيل: المعنى: لا تخبره؛ أي: بلا سؤال، وإلا فعند السؤال يجب الإخبار، فلا يمكن المنع عنه، ولذلك أخبر بلال بعد السؤال (قَالَتْ) زينبُ (فَدَخَلَ بِلَالٌ) -﵁- (عَلَى رَسُول الله -ﷺ-، فَسَأَلهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «مَنْ هُمَا؟») أي: من السائلتان؟ (فَقَالَ) بلالٌ -﵁- مخبرًا عنهما، ومعيّنًا لهما لوجوبه عليه بطلب الرسول -ﷺ-، واستخباره، وقوله: (امْرَأةُ مِنَ الأنصَارِ، وَزَيْنَبُ) خبر لمحذوف دلّ عليه السؤال؛ أي: هما: امرأة من الأنصار، وزينب، ووقع في رواية النسائيّ بأن أجاب بقوله: «زينب»، وعليه فالمعنى أن اسم كلّ منهما زينب. (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «أَيُّ الزَّيَانِبِ؟») وإنما لم يقل: «أيّةُ» بالتأنيث؛ لأنه يجوز التذكير والتأنيث، كما قال الله تعالى: ﴿بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤] (قَالَ) بلالٌ (امْرَأةُ عَبْدِ اللهِ) وفي رواية النسائيّ المذكورة: «زينَبُ امْرَأَةُ عَبْدِ اللهِ، وَزَيْنَبُ الْأَنْصَارِيَّةُ»؛ يعني: امرأة أبي مسعود، كما تقدّم. قال النوويّ ﵀: قد يقال: إنه إخلاف للوعد، وإفشاء للسرّ، وجوابه أنه عارض ذلك جواب رسول الله -ﷺ-، وجوابه واجب محتمٌ، لا يجوز تأخيره، ولا يُقَدَّم عليه غيره، وقد تقرر أنه إذا تعارضت المصالح بُدئ بأهمها. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: ليس إخبار بلال -﵁- بالسائلتين اللتين استكتمتاه مَنْ هما بكشف أمانة سرّ؛ لوجهين: [أحدهما]: أن بلالًا فَهِمَ أن ذلك ليس على الإلزام، وإنما كان ذلك منهما على أنهما رأتا أنه لا ضرورة تُحْوِج إلى ذلك. [الثاني]: أنه إنما أخبر بهما جوابًا لسؤال النبي -ﷺ-، فرأى أنّ إجابة رسول الله -ﷺ- أهمّ، وأوجب من كتمان ما أمرتاه به. وهذا كلّه بناء على أنهما أمرتاه به، وَيحْتَمِل أن يكون سؤالًا للإسراع، ولا يجب إسعاف كلّ سؤال. انتهى. (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «لَهُمَا) أي: لكلّ واحدة منهما (أَجْرَانِ: أجْرُ الْقَرَابَةِ) أي: أجر صلة الرحم (وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ») أي: أجر منفعة الصدقة، وهذا ظاهره أنها لم تشافهه بالسؤال، ولا شافهها بالجواب، وحديث أبي سعيد الخدريّ الذي أخرجه الشيخان، وغيرهما، يدلّ أنها شافهته، وشافهها ؛ لقولها فيه: «يا نبيّ الله إنك أمرت»، وقوله فيه: «صدق ابن مسعود، زوجك وولدك أحقّ»، فيَحْتَمِل أن يكونا قصّتين، وَيحْتَمِل أن يقال: تُحمَل هذه المراجعة على المجاز، وإنما كانت على لسان بلال، قاله في «الفتح». قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الاحتمال الأول هو الأرجح، ومما يرجّحه، اختلاف سياق القصّتين، ففي حديث الباب أن السؤال عن أيتام هم بنوأخيها، لا عن ولدها، وفي حديث أبي سعيد أن الولد لها من ابن مسعود -﵄-، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث زينب امرأة ابن مسعود -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا [١٤/ ٢٣١٨ و٢٣١٩] (١٠٠٠)، و(البخاري) في «الزكاة» (١٤٦٦)، و(الترمذيّ) في «الزكاة» (٦٣٥)، و(ابن ماجه) في «الزكاة» (١٨٣٤)، و(النسائيّ) في «الزكاة» (٢٥٨٣)، و«الكبرى» (٩٢٠٠ و٩٢٠١ و٩٢٠٢ و٩٢٠٣)، و(أحمد) في «مسند» (٣/ ٥٠٢ و٦/ ٣٦٣)، و(الدارمي) في «سننه» (١٦٥٤)، (وابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٤٦٣ و٢٤٦٤)، (وأبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٨٢)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٢٤٨)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٢٤/ ٧٢٦ و٧٢٧ و٧٢٩)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١٦٥٣)، و(الطحاويّ) في «معاني الآثار» (٢/ ٢٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز صرف الصدقة على الأقارب، وفيه اختلاف بين العلماء سنحفقه في المسألة التالية -إن شاء الله تعالى-. ٢ - (ومنها): الحثّ على الصدقة على الأقارب. ٣ - (ومنها): الحثّ على صلة الرحم. ٤ - (ومنها): جواز تبرعّ المرأة بمالها بغير إذن زوجها. ٥ - (ومنها): مشروعيّة عِظَةِ الإمام النساء. ٦ - (ومنها): ترغيب وليّ الأمر في أفعال الخير للرجال والنساء. ٧ - (ومنها): جواز تحدّث الرجل مع النساء الأجانب في الأمور المهمّة عند الحاجة. ٨ - (ومنها): التخويف من المؤاخذة بالذنوب، وما يُتوقّع بسببها من العذاب، فإن النبيّ -ﷺ- قال: «يا معشر النساء تصدّقن، فإني رأيتكنّ أكثر أهل النار». ٩ - (ومنها): جواز فُتيا العالم مع وجود من هو أعلم منه، حيث أفتى ابن مسعود -﵁- بجواز صرف صدقة امرأته له، وقال النبيّ -ﷺ-: «صدق ابن مسعود»، كما في حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁-. ١٠ - (ومنها): طلب الترقّي في تحمّل العلم، حيث ذهبت زينب -﵄- إلى رسول الله -ﷺ- بعد أن أفتاها زوجها ابن مسعود -﵁-، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في جواز دفع الزكاة إلى الأقارب: قال الإمام ابن قدامة نقلًا عن ابن المنذر -رحمهما الله تعالى-: أجمع أهل العلم على أن الزكاة لا يجوز دفعها إلى الوالدين في الحال التي يُجبر الدافع إليهم على النفقة عليهم؛ لأن دفع زكاته إليهم تُغنيهم عن نفقته، وتُسقطها عنه، ويعود نفعها إليه، فكانه دفعها إلى نفسه، فلم تجز، كما أَبُو قضى بها دينه. قال: ونصّ أحمد، فقال: لا يعطي الوالدين من الزكاة، ولا الولد، ولا ولد الولد، ولا الجدّ، ولا الجدّة، ولا ولد البنت. قال: وأما سائر الأقارب، فمن لا يُوَرَّثُ منهم يجوز دفع الزكاة إليه، سواء كان انتفاء الإرث لانتفاء سببه، لكونه بعيد القرابة، أو لمانع، مثل الأخ المحجوب بالابن، فيجوز دفع الزكاة إليه؛ لأنه لا قرابة جزئيّة بينهما، ولا ميراث، فأشبها الأجانب، وإن كان بينهما ميراث، كالأخوين الذين يرث أحدهما الآخر، ففيه روايتان عن أحمد: [إحداهما]: يجوز دفع زكاته إلى الآخر، وهي الظاهرة عنه، رواها عنه جماعة، فقد سئل: أيُعطِي الأخَ، والأختَ، والخالة من الزكاة؟ قال: يعطي كلَّ القرابة إلا الأبوين والولد، وهذا قول أكثر أهل العلم، قال أبو عبيد: هو القول عندي؛ لقول النبيّ -ﷺ-: «الصدقة على المسكين صدقةٌ، وهي لذي الرحم اثنان، صدقة وصلة»، فلم يشرَط نافلة، ولا فريضة، ولم يفرّق بين الوارث وغيره. [الرواية الثانية]: لا يجوز دفعها إلى الْمُوَرَّثِ؛ لأنه يلزمه مؤنته، فيغنيه بزكاته عن مؤنته، ويعود نفع زكاته إليهم، فلم يجز، كدفعها إلى والده، أو قضاء دينه بها، والحديث يحتمل صدقة التطوّع، فيُحمل عليها. انتهى مختصر كلام ابن قدامة ﵀ بتصرف. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي القول الراجح هو الأول، كما اختاره أبو عبيد، واحتجّ لى بإطلاق حديث: «الصدقةُ على المسكين إلخ»، وكذلك إطلاق حديث زينب المذكور في الباب، فإن ترك الاستفصال ينزّل منزلة العموم، كما هو مبيّن في محلّه. والحاصل أن الحقّ جواز دفع الزكاة لعموم الأقارب، فإن صحّ الإجماع على أنه لا يجوز دفعها للوالدين -كما ادعاه ابن المنذر- قلنا به، وإلا فهما داخلان في عموم النصوص أيضًا. قال العلامة الشوكانيّ ﵀: ويؤيّد الجواز، والإجزاء الحديث الذي تقدّم عند البخاريّ، بلفظ: «زوجك، وولدك أحقّ من تصدّقت عليهم»، وترك الاستفصال في مقام الاحتمال، ينزّل منزلة العموم في المقال، ثم الأصل عدم المانع، فمن زعم أن القرابة، أو وجوب النفقة مانعان، فعليه الدليل، ولا دليل. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الشوكانيّ ﵀ تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في جواز دفع زكاة أحد الزوجين إلى الآخر: قال الإمام ابن المنذر ﵀: أجمعوا على أنّ الرجل لا يعطي زوجته من الزكاة شيئًا؛ لأن نفقتها واجبةٌ عليه. قال الصنعانيّ: وعندي فيه توقّف؛ لأن غنى المرأة بوجوب النفقة على زوجها، لا يصئرها غنيّة، الغِنَى الذي يمنع من حهلّ الزكاة لها. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الصنعانيّ متّجهٌ؛ إذ التعليل بوجوب نفقتها على الزوج، لا يوجب امتناع الصرف إليها؛ لأن نفقتها واجبة عليه، غنيّة كانت، أو فقيرة، فالصرف إليها لا يسقط عنه شيئًا، فتأمّل حقّ التامّل، والله تعالى أعلم. وأما دفع الزوجة زكاتها إلى زوجها، فذهب الشافعيّ، والثوريّ، وابن المنذر، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وإحدى الروايتين عن مالك، وأحمد إلى جوازه. وحجّتهم حديثُ زينب المذكور في الباب، ووجه الاحتجاج به أنها سالته عن الصدقة على زوجها، وعلى الأيتام في حجرها، فأجابها بأن لها أجرَ الصلة، وأجر الصدقة، ولم يستفسر، هل هي صدقة واجبة، أم تطوّعٌ؟، وترك الاستفصال في حكاية الحال ينزّل منزلة العموم في المقال. وذهب أبو حنيفة، ومالك، وأحمد في رواية إلى منعه، واحتجّوا بانها تنتفع بدفعها إليه؛ لأنه إن كان عاجزًا عن الإنفاق عليها تمكّن باخذ الزكاة من الإنفاق فيلزمه، وإن لم يكن عاجزًا، ولكنه أيسر بها، لزمه نفقة الموسرين، فتنتفع بها في الحالين. ورُدَّ هذا بأنه يلزم منه منع دفعها له صدقة التطوّع أيضًا؛ للعلّة المذكورة؛ مع أنه يجوز دفعها إليه اتفاقًا. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أنّ المذهب الأول هو الأرجح؛ لأمرين: (الأول): أن الزوج داخل في الأصناف المنصوص عليها في مصارف الزكاة؛ لأنه فقير. (الثاني): أنه ليس في المنع نصّ، ولا إجماعٌ، ولا قياس صحيح. قال العلّامة الشوكانيّ ﵀: الظاهر أنه يجوز صرف زكاتها إليه: (أما أوّلًا): فلعدم المانع من ذلك، ومن قال: إنه لا يجوز فعليه الدليل. (وأما ثانيًا): فلأن ترك استفصاله -ﷺ- لها ينزل منزلة العموم، فلما لم يستفصلها عن الصدقة، هل هي تطوّع، أم واجبٌ؟ فكانه قال: يجزي عنك فرضًا كان، أو تطوّعًا. انتهى. وهو بحث نفيس جدًّا. والحاصل أن الأرجح جواز دفع الزكاة لزوجها، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، صماليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٣١٩] (…) - (حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْأزدِيُّ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، حَدَّثَنِي شَقِيقٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ زَينَبَ امْرَأةِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: فَذَكَرْتُ لإِبْرَاهِيمَ، فَحَدَّثَنِي عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ الله، بِمِثْلِهِ سَوَاءً؛ قَالَ: قَالَتْ: كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ، فَرَاَنِي النَّبِيُّ -ﷺ-، فَقَالَ: «تَصَدَّقْنَ، وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُن»، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ أَبِي الْأَحْوَصِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الأزدِيُّ) أبو الحسن النيسابوريّ المعروف بحمدان، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٦٤) وله (٨٥) سنةً (م د س ق) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٩٠. ٢ - (عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) أبو حفص الكوفيّ، ثقةٌ ربّما وَهِمَ [١٠] (٢٢٢) (ع) (خ م دت س) تقدم في «الطهارة» ٣٢/ ٦٧٥. ٣ - (أَبُوهُ) حفص بن غياث بن طلق النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ القاضي، ثقةٌ ثبت فقيهٌ تغيّر حفظه قليلًا في الآخر [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) وقد قارب (٨٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٦. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (قَالَ: فَذَكَرْتُ لِإِبْرَاهِيمَ) أي: ذكرت حديث شقيق المذكور، والقائل: «فذكرت إلخ» هو الأعمش، وإبراهيم هو ابن يزيد النخعيّ، وأبو عُبيدة هو ابن عبد الله بن مسعود، ففي الطريق ثلاثة من التابعين، ورجال الطرُق الثلاثة كلهم كوفيّون. وقوله: (بِمِثْلِهِ سَوَاءً) أي: حدّثني إبراهيم، عن أبي عُبيدة عن عمرو بن الحارث بمثل حديث شقيق، عن عمرو بن الحارث المتقدّم. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ أَبِي الْأَحْوَصِ) فاعل «ساق» ضمير
مصادر المؤلف (١٢)

١. وفي نسخة: «فسله».

٢. «الفتح» ٤/ ٣٠٥ - ٣٠٦.

٣. «الكاشف»٤/ ١٥٦٣.

٤. «شرح النوويّ» ٧/ ٨٧.

٥. «المصباح المنير»١/ ١٠٠.

٦. «شرح الأبيّ» ٣/ ١٤٠.

٧. «الفتح» ٤/ ٣٠٧.

٨. «الكاشف عن حقائق السنن» ٤/ ١٥٦٣.

٩. راجع: «تاج العروس من جواهر القاموس» ٤/ ٤٠٩.

١٠. «شرح النوويّ» ٧/ ٨٧.

١١. «شرح النوويّ» ٧/ ٨٧.

١٢. هو ما أخرجه البخاريّ في «صحيحه»: (١٤٦٢) حدّثنا ابن أبي مريم، أخبرنا محمد بن جعفر، قال: أخبرني زيد، هو ابن أسلم عن عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد الخدريّ -﵁-: خرج رسول الله -ﷺ- في أضحى، أو فطر إلى المصلى، ثم انصرف، فوعظ الناس، وأمرهم بالصدقة، فقال: «أيها الناس تصدقوا»، فمرّ على النساء، فقال: «يا معشر النساء تصدقن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار»، فقلن: وبم ذلك يا رسول الله؟ قال: «تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين، أذهب للبّ الرجل الحازم من إحداكن يا معشر النساء»، ثم انصرف، فلما صار إلى منزلة جاءت زينب امرأة ابن مسعود، تستأذن عليه، فقيل: يا رسول الله هذه زينب، فقال: «أي الزيانب؟» فقيل: امرأة ابن مسعود، قال: «نعم ائذنوا لها»، فإذن لها، قالت: يا نبي الله إنك أمرت اليوم بالصدقة، وكان عندي حلي لي، فأردت أن أتصدق به، فزعم ابن مسعود أنه وولده أحقّ من تصدقت به عليهم، فقال النبيّ -ﷺ-: «صدق ابن مسعود، زوجك وولدك أحقّ من تصدقتِ به عليهم». انتهى.