خسارة عليه حيث نجا من النار، وأدخل الجنّة، ففاز فوزًا عظيمًا، ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٧٤] (١٠٢٨) - (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ، يَعْنِي الْفَزَارِيَّ، عَنْ يَزِيدَ، وَهُوَ ابْنُ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ الْأَشْجَعِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا؟» قَالَ أَبُو بَكْرٍ -﵁-: أنا، قَالَ: «فَمَنْ تَبعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟» قَالَ أَبُو بَكْرٍ -﵁-: أَنَا، قَالَ: «فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟» قَالَ أَبُو بَكْرٍ -﵁-: أَنَا، قَالَ: «فَمَنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضًا؟» قَالَ أَبُو بَكْرٍ -﵁-: أَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ، إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (مَرْوَانُ الْفَزَارِيُّ) ابن معاوية بن الحارث بن أسماء، أبو عبد الله الكوفيّ، ثم المكيّ، ثم الدمشقيّ، ثقةٌ حافظ، كان يدلّس أسماء الشيوخ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٨.
٣ - (يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ) اليشكريّ، أبو إسماعيل، أوأبو مُنَين الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ [٦] (بخ م ٤) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤٢.
٤ - (أَبُو حَازِمٍ الأَشْجَعِيُّ) سلمان الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤٢.
و(أبو هُرَيْرَةَ) ذُكر قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له
البخاريّ، وأبو داود، ويزيد بن كيسان، فما أخرج له البخاريّ في «الصحيح».
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى شيخه، فعدنيّ، ثم مكيّ، والصحابيّ، فمدنيّ.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا؟») «من» استفهاميّة، و«أصبح» بمعنى صار، وخبره «صائمًا»، أو بمعنى دَخَلَ في الصباح، فتكون تامّةً، و«صائمًا» حال من ضميره (قَالَ أَبُو بَكْرٍ) الصدّيق (-﵁-: أَنَا) قال القاري ﵀: يوقف عليه بالألف، وأما وقفه بالنون المفتوحة فلحنٌ عاميّ، قال الطيبيّ ﵀: ذكر «أنا» هنا للتعيين في الإخبار، لا للاعتداد بنفسه، كما يُذْكَر في مقام المفاخرة، وهذا هو الذي يُكرَه، وقد جاء قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف: ١١٠]، وقوله: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]، وقوله: ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤)﴾ [الكافرون: ٤]، وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ [الزخرف: ٨١] إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة، وقوله -ﷺ-: «أنا سيّد ولد آدم»، وقال: «أنا أول من تنشقّ عنه الأرض»، وقال: «أنا أول شافع، وأول مشفّع»، وقال: «أنا محمد، وأحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحْشَر الناس على قدمي، وأنا العاقب»، إلى غير ذلك من الأحاديث، وكلّها في الصحاح، وقد تلفّظ بها السابق بالخيرات، صدّيق هذه الأمة -﵁- بين يدي رسول الله -ﷺ- كرّة بعد كرّة، ولم ينكر -ﷺ- عليه ذلك، فدلّت هذه النصوص كلّها على جواز قول القائل: أنا، فمن كره ذلك فلا حجة له.
[فإن قلت]: أخرج الشيخان عن جابر بن عبد الله -﵁- قال: أتيت النبيّ -ﷺ- في دَين كان على أبي، فدققت الباب، فقال: «مَنْ ذا؟» فقلت: أنا، فقال: «أنا أنا»، كأنه كرهها، فكيف يُجمع بينه وبين هذه النصوص؟.
[قلت]: يُجاب بأنه -ﷺ- إنما سأله ليُخبر عن نفسه، فيعرف مَن الوارد عليه، فيرتفع الإبهام، فلما قال جابر -﵁-: أنا لم يأت بجواب يزيل الإبهام، ويفيد معرفة عينه، بل بقي الإبهام على حاله، فأنكر عليه ذلك؛ للمعنى
المذكور، لا لتلفّظه بتلك الكلمة، فلو قال جابرٌ: أنا جابرٌ، لم ينكر النبيّ -ﷺ- عليه ذلك.
قال الجامع عفا الله عنه: ومما يؤيّد ذلك ما وقع في قصّة أم هانئ بنت أبي طالب -﵂-، في «الصحيحين» قالت: ذهبت إلى رسول الله -ﷺ- عام الفتح، فوجدته يغتسل، وفاطمة ابنته تستره، فسلمت عليه، فقال: «من هذه؟» فقلت: أنا أم هانئ بنت أبي طالب، فقال: «مرحبا بأم هانئ …»، الحديث، فقد أقرّها -ﷺ- على قولها: أنا حيث أزالت الإبهام بذكر أم هانئ بنت أبي طالب معه، فدلّ على أن إنكاره -ﷺ- على جابر -﵁-؛ لما مرّ آنفًا، فزال الإشكال، ولله الحمد.
والحاصل أن قول الإنسان: أنا، من حيث هو ليس بمذموم، وإنما هو يُذَمّ باعتبار إخباره بما يُفتَخَر به، كقول إبليس: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: ١٢]، ونحو ذلك من نحو: أنا العالم، وأنا الزاهد، وأنا العابد، بخلاف: أنا الفقير الحقير العبد المذنب، وأمثال ذلك، فتبصّر ، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) -ﷺ- («فَمَنْ تَبعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟» قَالَ أَبُو بَكْرٍ -﵁-: أَنَا، قَالَ: «فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟» قَالَ أَبُو بَكْرٍ -﵁-: أَنَا، قَالَ: «فَمَنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضًا؟» قَالَ أَبُو بَكْرٍ -﵁-: أَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ) أي ما اجتمعت هذه الخصال الأربعة المذكورة على الترتيب المذكور في يوم واحد، قال القاري: كذا قال ابن الملك، وكأن الترتيب أخذه من الفاء التعقيبية، وهو غير لازم؛ إذ يمكن حمل التعقيب على السؤال، كما ذكروا في»ثُمّ«أنه قد يكون للتراخي في السؤال، أو التقدير: إذا ذكرتم هذا فمن فعل هذا.
والحاصل أن هذه الخصال ما وُجِدت وحَصَلت في يوم واحد في امرئ (إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ») أي بلا محاسبة، وإلا فمجرد الإيمان يكفي لمطلق الدخول، أو معناه: دخل الجنة من أيّ باب شاء، كما تقدم في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨/ ٢٣٧٤] (١٠٢٨)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٥/ ٣٦)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٣/ ٣٠٤)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ١٠٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ١٨٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل المبادرة إلى فعل خصال الخير.
٢ - (ومنها): بيان فضل أبي بكر -﵁- حيث خصّه الله تعالى بتوفيقه لتلك الخصال الحميدة، فنال بذلك فضل الجنّة.
٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ -ﷺ- من متابعة أصحابه، ومسألتهم عما يتسابقون فيه من خصال الخير، حتى يبيّن للناس السابقون، فيقتدوا بهم.
٤ - (ومنها): أن قوله -ﷺ-: «وأرجو أن تكون منهم»قال العلماء: الرجاء من الله تعالى، ومن نبيه -ﷺ- واقع، وبهذا التقرير يَدخُل الحديث في فضائل أبي بكر -﵁-، ووقع في حديث ابن عباس -﵁- عند أبن حبان في نحو هذا الحديث التصريح بالوقوع لأبي بكر -﵁-، ولفظه: «قال: أجل، وأنت هو يا أبا بكر».
٥ - (ومنها): أن مَن أكثر من شيء عُرِف به.
٦ - (ومنها): أن أعمال البرّ قَلّ أن تجتمع جميعها لشخص واحد على السواء.
٧ - (ومنها): أن الملائكة يحبون صالحي بني آدم ويفرحون بهم، فإن الإنفاق كلما كان أكثر كان أفضل.
٨ - (ومنها): أن تمني الخير في الدنيا والآخرة مطلوب.
٩ - (ومنها): بيان عظيم فضل الله تعالى على عباده، حيث ييسّر لبعضهم أنواعًا من أبواب الخير حتى ينالوا بذلك الدرجات العلى، ولذا يُثنون عليه في الآخرة بذلك حيث يقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]، اللهم اجعلنا ممن اهتدى بهداك، وعمل في رضاك آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.