HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٠٢٦

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ. قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رسول الله ﷺ. فذكر أَحَادِيثَ مِنْهَا. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَصُمْ الْمَرْأَةُ وَبَعْلُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ. وَلَا تَأْذَنْ فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ. وَمَا أَنْفَقَتْ مِنْ كَسْبِهِ مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ فَإِنَّ نِصْفَ أَجْرِهِ لَهُ».
ج ٢ ص ٧١١

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٩ ص٥٠٤
«الزكاة» (٢٥٣٧) وفي «الكبرى» (٢٣١٧)، و(ابن ماجه) في «التجارات» (٢٢٩٧)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ١٠٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز تصدّق العبد من مال سيّده بغير إذنه، وهذا كما تقدم، محمول على ما جرى به العرف، من الطعام، ونحوه. ٢ - (ومنها): أن العبد والسيّد يؤجران به، السيد بماله، والعبد بعمله. ٣ - (ومنها): جواز تأديب السيّد عبده إذا أساء، فإن النبيّ -ﷺ- ما لام مولى عُمير على ضربه مطلقًا، وإنما أرشده أن فعله هذا لا يستحقّ الضرب، حيث إنه مأذون له شرعًا؛ نظرًا لما جرى به العرف، وأنه يؤجر عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٣٧٠] (١٠٢٦) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُول اللهِ -ﷺ-، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «لَا تَصُمِ الْمَرْأةُ وَبَعْلُهَا شَاهِدٌ، اِلَّا بِإذْنِهِ، وَلَا تَأْذَنْ فِي بَيْتِهِ، وَهُوَ شَاهِدٌ، إِلَّا بِإذْنِهِ، وَمَا أَنْفَقَتْ مِنْ كَسْبِهِ مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ، فَإنَّ نِصْفَ أجْرِهِ لَهُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) القُشَيريّ، أبو عبد الله النيسابوريّ الزاهد، ثقة حافظٌ عابد [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٢ - (عَبْدُ الرَّزاقِ) بن همّام الْحِمْيَريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظ مصنّف مشهور، عَمِيَ في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عُرْوة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبت فاضل، من كبار [١٠] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهِ) بن كامل، أبو عُقبة الصنعانيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١٣. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ باليمنيين، سوى شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل اليمن. ٤ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة -﵁- رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ هَمَّام بْنِ مُنَبِّهٍ) بصيغة اسم الفاعل المضعَّف، أنه (قَالَ: هَذَا) إشارة إلى مجموع الأَحاديث التي ساقها همّام مساقًا واحدًا، وكلّها بإسناد واحد، وهو سند المصنّف هنا، فاسم الإشارة مبتدأ، خبره قوله: (مَا) موصولة؛ أي الذي (حَدَّثَنَا) حُذف منه العائد؛ أي حدّثناه (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- (عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُول اللهِ -ﷺ-) بالجرّ على البدليّة (فَذَكَرَ) بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير همّام (أَحَادِيثَ) وقوله: (مِنْهَا) خبر مقدّم لقوله: (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-) فهو مبتدأ مؤخّر محكيّ؛ لقصد لفظه («لَا تَصُمِ الْمَرْأةُ) هكذا عند المصنّف بصيغة النهي، فـ»لا«ناهية، والفعل مجزوم بها، ووقع عند غيره بالرفع، قال وليّ الدين -﵀-: لفظه خبر، ومعناه النهي، ووقع في»صحيح البخاريّ«بلفظ:»لا يحل للمرأة أن تصوم«، وهو صريح في تحريم ذلك، وبه صرّح الشافعية، كما حكاه النوويّ عنهم، قال: وقال بعض أصحابنا: يكره، والصحيح الأول، قال: فلو صامت بغير إذن زوجها صحّ باتفاق أصحابنا، وإن كان الصوم حرأمًا؛ لأن تحريمه لمعنى آخر، لا لمعنى يعود إلى نفس الصوم، فهو كالصلاة في دار مغصوبة. قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أن الصلاة في الدار المغصوبة لا تصحّ، كما هو مرويّ عن الإمام أحمد وغيره، فكذا هنا؛ لأن صيغة«لا يحلّ»واضحٌ في التحريم، وهو يقتضي الفساد، وقد استوفيت البحث في هذا في«التحفة المرضيّة»، و«شرحها»، فلتراجعه، والله تعالى أعلم. قال: وقال صاحب«البيان»: قبوله إلى الله تعالى، قال النوويّ: ومقتضى المذهب في نظائرها الجزم بعدم الثواب، كما في الصلاة في دار مغصوبة. انتهى. ومن قال بالكراهة احتاج إلى تأويل قوله:«لا يحلّ »على أن معناه ليس حلالًا مستوي الطرفين، بل هو راجح الترك مكروه، وهو تأويل بعيدٌ مستنكرٌ، ولو لم يرد هذا اللفظ، فلفظ النهي الذي عند مسلم هنا بلفظ:«لا تصم المرأة»ظاهر في التحريم، وكذا لفظ رواية:«لا تصوم»؛ لأن استعمال لفظ الخبر يدلّ على تأكيد النهي، وتأكدُهُ يكون بحمله على التحريم، أفاده وليّ الدين -﵀- . (وَبَعْلُهَا) بفتح، فسكون: أي زوجها، قال الفيّوميّ -﵀-:«البَعْلُ»: الزوج، يقال: بَعَلَ يَبْعَلُ، من باب قَتَلَ بُعُولةً: إذا تزوّج، والمرأة بَعْلٌ أيضًا، وقد يقال فيها: بَعْلَةٌ بالهاء، كما يقال: زوجةٌ؛ تحقيقًا للتأنيث، والجمع: الْبُعُولةُ، قال الله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. انتهى . وقال في«الفتح»: رواية«وبعلها»أفيد من رواية«وزوجها»؛ لأن ابن حزم نقل عن أهل اللغة أن البعل اسم للزوج والسيد، فإن ثبت، وإلا أُلْحِق السيد بالزوج؛ للاشتراك في المعنى. انتهى . (شَاهِدٌ) أي حاضر في البلد، قال وليّ الدين -﵀-: قَيَّد النهي عن الصوم بأن يكون بعلها؛ أي زوجها شاهدًا؛ أي حاضرًا مقيمًا في البلد، ومفهومه أن لها صوم التطوع في غيبته، وهو كذلك بلا خلاف، كما ذكره النوويّ في«شرح المهذب»، وهو واضحٌ؛ لزوال معنى النهي. قال: وما المراد بغيبته هنا؟ هل المراد الغيبة المعتبرة في أكثر المسائل الشرعية، وهي أن يكون على مسافة القصر، أو المراد أن يكون فوق مسافة الْعَدْوَى، أو المراد مطلق الغيبة عن البلد، ولو قَلَّت المسافةُ، وقَصُرَت مدّتها؟ مقتضى إطلاق الحديث ترجيح هذا الاحتمال الثالث، لكن لو ظنت قدومه في بقية اليوم بسبب من الأسباب، فينبغي تحريم صوم ذلك اليوم، وهذا لا يختص بهذا الاحتمال، بل يجري على الاحتمالات كلها، فمتى ظنت قدومه في يوم حَرُم عليها صومه، ولو بعدت بلد الغيبة، وطالت مدتها، وَيحْتَمِل أن لا يحرم استصحابًا للغيبة، والأصل استمرارها. انتهى . وقال النوويّ -﵀-: وسبب هذا التحريم أن للزوج حقّ الاستمتاع بها في كل وقت، وحقه واجب على الفور، فلا يفوته بالتطوع، ولا واجب على التراخي. [فإن قيل]: فينبغي أن يجوز لها الصوم بغير إذنه، فإن أراد الاستمتاع بها كان له ذلك، وُيفسد صومها. [فالجواب]: أن صومها يمنعه من الاستمتاع بها في العادة؛ لأن المسلم يهاب انتهاك الصوم بالإفساد. انتهى . قال في «الفتح»: لو كان مسافرًا فمفهوم الحديث في تقييده بالشاهد، يقتضي جواز التطوع لها؛ إذا كان زوجها مسافرًا، فلو صامت، وقَدِمَ في أثناء الصيام، فله إفساد صومها ذلك من غير كراهة، وفي معنى الْغَيْبة أن يكون مريضًا، بحيث لا يستطيع الجماع، وحَمَل المهلب النهي المذكور على التنزيه، فقال: هو من حسن المعاشرة، ولها أن تفعل من غير الفرائض بغير إذنه ما لا يضرّه، ولا يمنعه من واجباته، وليس له أن يبطل شيئًا من طاعة الله؛ إذا دخلت فيه بغير إذنه. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله المهلّب مما لا يُلتفت إليه؛ لمصادمته ظاهر النصّ، وهو مخالفٌ لقول أكثر العلماء من أن النهي هنا للتحريم، كما سبق بيانه في كلام النوويّ -﵀-، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (إِلَّا بإِذْنِهِ) وهل المراد إذنه صريحًا، أو يكفي ما يقوم مقامه، من احتفاف قرائنَ، تدلّ على رضاه بذلك؟ الظاهر أن احتفاف القرائن، واطّراد العادة يقوم مقام الإذن الصريح، قاله وليّ الدين -﵀-. وقال في «الفتح»: قوله: «إلا بإذنه» يعني في غير صيام أيام رمضان، وكذا في غير رمضان من الواجب إذا تضيّق الوقت. انتهى. (وَلَا تَأْذَنْ) بفتح أوله، وثالثه، من باب تَعِبَ، قال في «القاموس»: أَذِنتُ له في الشيء، كسَمِعَ إِذْنًا بالكسر، وأَذِينًا: أباحه له، واستأذنه: طلب منه الإذن. انتهى . يعني أنه لا يجوز للمرأة أن تأذن في بيت زوجها، لا لرجل، ولا لامرأة يكرهها زوجها؛ لأن ذلك يوجب سوء الظن، وَيبْعَث على الْغَيْرة التي هي سبب القطيعة . وقال وليّ الدين -﵀-: قوله: «ولا تأذن … إلخ» هو في روايتنا بالرفع، كقوله: «لا تصوم»، لفظه خبر، ومعناه النهي، وفي رواية مسلم بالجزم على النهي الصريح، كقوله في روايته: «لا تصم». انتهى . (فِي بَيْتِهِ) المراد ببيت زوجها سكنه، سواء كان ملكه أم لا . (وَهُوَ شَاهِدٌ) أي حاضرٌ، قال في «الفتح»: هذا القيد لا مفهوم له، بل خرج مخرج الغالب، وإلا فغيبة الزوج لا تقتضي الإباحة للمرأة أن تأذن لمن يدخل بيته، بل يتأكد حينئذ عليها المنع؛ لثبوت الأحاديث الواردة في النهي عن الدخول على الْمُغِيبات؛ أي مَن غاب عنها زوجها. وَيحْتَمِل أن يكون له مفهوم، وذلك أنه إذا حَضَر تيسر استئذانه، وإذا غاب تعذر، فلو دعت الضرورة إلى الدخول عليها لم تفتقر إلى استئذانه؟ لتعذره. ثم هذا كله فيما يتعلق بالدخول عليها، أما مطلق دخول البيت، بأن تأذن لشخص في دخول موضع من حقوق الدار التي هي فيها، أو إلى دار منفردة عن سكنها، فالذي يظهر أنه مُلتَحِق بالأول. انتهى . وقال في «العمدة» بعد ذكر ما تقدّم، ما نصّه: وأما عند الداعي للدخول عليها للضرورة، كالإذن لشخص في دخول موضع من حقوق الدار التي هي فيها، أو إلى دار منفردة عن مسكنها، أو الإذن لدخول موضع مُعَدّ للضيفان فلا حرج عليها في الإذن بذلك؛ لأن الضرورات مستثناة في الشرع. انتهى . وقال النوويّ -﵀-: في هذا الحديث إشارة إلى أنه لا يُفتات على الزوج بالإذن في بيته إلا بإذنه، وهو محمول على ما لا تعلم رضا الزوج به، أما لو علمت رضا الزوج بذلك، فلا حرج عليها، كمن جرت عادته بإدخال الضيفان موضعًا مُعَدًّا لهم، سواء كان حاضرًا أم غائبًا، فلا يفتقر إدخالهم إلى إذن خاصّ لذلك، وحاصله أنه لا بُدّ من اعتبار إذنه تفصيلًا أو إجمالًا. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله النوويّ -﵀- تحقيقٌ حسنٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. (إِلَّا بِإِذْنِهِ) أي الصريح، قال في «الفتح»: وهل يقوم ما يقترن به علامةُ رضاه مقام التصريح بالرضا؟ فيه نظرٌ. انتهى. (وَمَا) موصولة مبتدأ (أَنْفَقَتْ) حُذف منه العائد؛ أي الذي أنفقته المرأة (مِنْ كَسْبِهِ) أي مما كسبه الزوج (مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ) قال النوويّ -﵀-: معناه: من غير أمره الصريح في ذلك القدر المعيَّن، ولا ينفي ذلك وجود إذن سابق عامّ يتناول هذا القدر وغيره، إما بالصريح، وإما بالعرف، قال: ويتعيّن هذا التأويل؛ لأنه -ﷺ- جعل الأجر بينهما نصفين، ومعلوم أنها إذا أنفقت من ماله بغير إذنه لا الصريح، ولا المأخوذ من العرف، لا يكون لها أجرٌ، بل عليها وزرٌ، فيتعين تأويله. قال: واعلم أن هذا كله مفروض في قدر يسير يُعْلَم رضا المالك به عرفًا، فإن زاد على ذلك لم يجز، ويؤيده قوله -ﷺ- في حديث عائشة -﵂- السابق: «إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة …»، فأشار -ﷺ- إلى أنه قدرٌ يُعْلَم رضا الزوج به في العادة، قال: ونبّه بالطعام أيضًا على ذلك؛ لأنه مما يُسْمَح به عادةً، بخلافّ النقدين في حقّ كثير من الناس، وكثير من الأحوال. قال: المراد بنفقة المرأة والعبد والخازن النفقةُ على عيال صاحب المال، وغلمانه، ومصالحه، وقاصديه من ضيف، وابن سبيل، ونحوهما، وكذلك صدقاتهم المأذون فيها بالصريح أو العرف، والله أعلم. انتهى . (فَإِن نِصْفَ أَجْرِهِ لَهُ») أي والنصف الآخر لها، قال وليّ الدين -﵀-: ويدلّ لذلك قوله في رواية أبي داود:«فلها نصف أجره»، فحَصَل من مجموع الروايتين أنه بينهما نصفين، ويوافق ذلك ما في«صحيح مسلم»عن عُمير مولى آبي اللحم -﵄- قال:«كنت مملوكًا، فسألت رسول الله -ﷺ-: أتصدق من مال مواقي بشيء؟ قال: »نعم، والأجر بينكما نصفان«. قال: وهذه المناصفة المذكورة في هذين الحديثين ليست على حقيقتها وظاهرها، بل المراد أن لهذا ثوابًا ولهذا ثوابًا، وإن كان أحدهما أكثر، ولا يلزم أن يكون مقدار ثوابهما سواءً، بل قد يكون ثواب هذا أكثر، وقد يكون عكسه، وقوله هنا: «نصفان» معناه قسمان، وإن كان أحدهما أكثر، كما قال الشاعر [من الطويل]: إِذَا مُتُّ كَانَ النَاسُ نِصْفَانِ شَامِتٌ … وَآخَرُ مُثْنٍ بِالَّذِي كُنْتُ أَصْنَعُ فإذا أعطى المالك لخازنه، أو امرأته، أو غيرهما مائة درهم، أو نحوها ليوصلها إلى مستحقّ الصدقة على باب داره أو نحوه، فأجر المالك أكثر، وإن أعطاه رُمّانةً، أو رغيفًا، ونحوهما حيث ليس له كبير قيمة؛ ليذهب به إلى محتاج في مسافة بعيدة، بحيث يقابل مشي الذاهب إليه بأجرة تزيد على الرمانة والرغيف، فأجر الوكيل أكثر، وقد يكون عمله قدر الرغيف مثلًا فيكون مقدار الأجر سواءً، ذكر ذلك النوويّ، ثم قال: وأشار القاضي إلى أنه يَحْتَمِل أيضًا أن يكونا سواءً؛ لأن الأجر فضل من الله تعالى، ولا يُدْرَك بقياس، ولا هو بحسب الأعمال، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. قال النوويّ: والمختار الأول. قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أن ما قاله عياض: -﵀- وجيهٌ، حيث يدلّ له ظاهر النصّ، فتأمله، والله تعالى أعلم. وقال القاضي أبو بكر ابن العربيّ: المعنى بالمناصفة هاهنا أنهما سواء في المثوبة، كل واحد منهما له أجر كاملٌ، وهما اثنان، فكأنهما نصفان. انتهى. وقال الحافظ العراقيّ -﵀- في «شرح الترمذيّ»: ويدل عليه قوله في بقية حديث عائشة -﵂-: «لا ينقص كلُّ واحد منهما من أجر صاحبه شيئًا». انتهى . قال الجامح عفا الله عنه: حمل المناصفة على حقيقة النصف هو الأظهر، فيكون حديث عائشة -﵂- محمولًا على ما إذا أنفقت بإذن الزوج، وحديث أبي هريرة -﵁- على ما إذا أنفقت بدون إذنه، كما هو صريح قوله: «من أمره»، وتقدّم تقريره، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: وقع في رواية للبخاريّ بلفظ: «فإنه يؤدَّى إليه شطره»؛ أي نصف الأجر، قال في «الفتح»: وأغرب الخطابيّ، فحَمَل قوله: «يؤدى إليه شطره» على المال المنفَقِ، وأنه يلزم المرأة إذا أنفقت بغير أمر زوجها زيادةً على الواجب لها أن تَغْرَم القدر الزائد، وأن هذا هو المراد بالشطر في الخبر؛ لأن الشطر يُطْلَق على النصف، وعلى الجزء، قال: ونفقتها معاوضةٌ، فتقدَّر بما يوازيها من الفرض، وترُدُّ الفضل عن مقدار الواجب، وإنما جاز لها في قدر الواجب؛ لقصة هند: «خذي من ماله بالمعروف». انتهى. ويرد عليه رواية المصنف بلفظ: «فإن نصف أجره له»، قال الحافظ: وقد استَشْعَر الإيرادَ، فحَمَل الحديث الآخر على معنى آخر، وجعلهما حديثين مختلفي الدلالة، والحقّ أنهما حديث واحدٌ رُوِيا بألفاظ مختلفة. ويَحْتَمِل أن يكون المراد بالتنصيف في حديث الباب الحملُ على المال الذي يُعطيه الرجل في نفقة المرأة، فإذا أنفقت منه بغير علمه، كان الأجر بينهما، للرجل لكونه الأصل في اكتسابه، ولكونه يؤجر على ما ينفقه على أهله، كما ثبت من حديث سعد بن أبي وقاص وغيره، وللمرأة؛ لكونه من النفقة التي تختص بها، قال الحافظ -﵀-: ويؤيد هذا الحمل ما أخرجه أبو داود عقب حديث أبي هريرة -﵁- هذا قال في المرأة تصدّق من بيت زوجها، قال: «لا، إلا من قوتها، والأجر بينهما، ولا يحل لها أن تصدّق من مال زوجها إلا بإذنه»، قال أبو داود في رواية أبي الحسن بن العبد عقبه: هذا يُضَعِّف حديث همام. انتهئ ومراده أنه يُضَعِّف حمله على التعميم، أما الجمع بينهما بما دَلّ عليه هذا الثاني فلا. وأما ما أخرجه أبو داود، وابن خزيمة، من حديث سعد -﵁-، قال: قالت امرأة: يا نبي الله إنّا كَلُّ على آبائنا، وأزواجنا، وأبنائنا، فما يحل لنا من أموالهم؟ قال: «الرَّطْبُ، تأكلنه، وتهدينه». وأخرج الترمذيّ، وابن ماجه، عن أبي أُمامة -﵁- رفعه: «لا تنفق امرأة شيئًا من بيت زوجها إلا بإذنه»، قيل: ولا الطعام؟ قال: «ذاك أفضل أموالنا»، وظاهرهما التعارض، ويمكن الجمع بأن المراد بالرَّطْب ما يتسارع إليه الفساد، فأَذِن فيه، بخلاف غيره، ولو كان طعامًا. أنتهى، وهو تحقيق نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٧/ ٢٣٧٠] (١٠٢٦)، و(البخاريّ) في «البيوع» (٢٠٦٦) و«النكاح» (٥١٩٢ و٥١٩٥ و٥٣٦٠)، و(أبو داود) في «الزكاة» (١٦٨٧) و«الصوم» (٢٤٥٨)، و(ابن ماجه) في «الصيام» (١٧٦١)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٤/ ٣٠٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٣١٦)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ١٠٠)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ١٩٢ و٧/ ١٨٠ و١٩٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان النهي عن صوم المرأة التطوّع، وزوجها حاضر؛ لئلا يتضرّر بذلك. ٢ - (ومنها): أنه تقدّم أن في رواية أبي داود زيادة: «غير رمضان»، وهذا لا بد من استثنائه، فلا يحتاج في صوم رمضان إلى إذنه، ولا يمتنع بمنعه، وفي معنى صوم رمضان كلُّ صوم واجب مُضَيَّق، كقضاء رمضان؛ إذا تعدَّت بالإفطار، أو كان الفطر بعذر، ولكن ضاق وقت القضاء بأن لم يبق من شعبان إلا قدر القضاء، أو نَذَرت قبل النكاح، أو بعده بإذنه صيام أيام بعينها، والموسّع كقضاء رمضان؛ إذا كان الفطر بعذر، ولم يضق الوقت، والكفارة، والنذر الذي ليس له وقت معين، فهو كالتطوع في أن له منعها منه، كما صرّح بذلك كله الشافعيّة، كما قاله وليّ الدين. وقال النوويّ: هذا محمول على صوم التطوع والمنذور الذي ليس له زمن معيّن، قال وليّ الدين: وكذا صوم الكفارة، وقضاء رمضان إذا فات بعذر، ولم يَضِق الوقت كما تقدم. وقال ابن حزم: تصوم الفروض كلها أَحَبَّ أم كَرِهَ، قال: وصيام قضاء رمضان والكفارات، وكلُّ نذر تقدم لها قبل نكاحها إياه مضموم إلى رمضان؛ لأن الله تعالى افترض كل ذلك كما افترض رمضان، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، فأسقط الله﷿- الاختيار فيما قَضَى به، وإنما جَعَل النبيّ -ﷺ- الاستئذان فيما فيه الخيار، والله أعلم . ٣ - (ومنها): قال وليّ الدين -﵀- هذا الحديث ورد في ابتداء الصوم، أما دوامه كما لو نكحها، وهي صائمة، فهل له حقٌّ في تفطيرها، هذه مسألة قَلّ مَن تعَرَّض لها، وقد ذكرها إبراهيم المروزيّ من أصحابنا، وقال: إنه ليس له إجبارها على الإفطار، قال: وفي نفقتها وجهان. انتهى. ٤ - (ومنها): أن في سنن أبي داود -﵀- بيان سبب هذه الجملة الأولى من الحديث، عن أبي سعيد الخدريّ -﵁- قال: جاءت امرأة إلى النبيّ -ﷺ -، ونحن عنده، فقالت: يا رسول الله، إن زوجي صفوان بن المعطّل يضربني إذا صليت، ويُفَطِّرني إذا صُمْتُ، ولا يصلي صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، قال: وصفوان عنده، فسأله عما قالت … فذكر الحديث، وفيه: وأما قولها: يُفَطِّرني، فإنها تنطلق فتصوم، وأنا رجل شابّ فلا أصبر، فقال رسول الله -ﷺ- يومئذ: «لا تصوم امرأة إلا بإذن زوجها» . ٥ - (ومنها): أنه قال النوويّ -﵀- في «شرح المهذب»: الأمة المستباحة لسيدها في صوم التطوع كالزوجة، وأما الأمة التي لا تحل لسيدها بأن كانت مَحْرَمًا له، كأخته، أو كانت مجوسيًّة، أو غيرهما، والعبد فإن تضررا بصوم التطوع بضعف أو غيره، أو بنقص لم يجز بغير إذن السيد، بلا خلاف، وإن لم يتضررا ولم ينقصا جاز، وأطلق ابن حزم الظاهريّ أنه لا يجوز لذات السيد أن تصوم تطوعًا إلا بإذنه، وقال: البعل اسم للسيد، وللزوج في اللغة. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: يؤيّد ما قاله ابن حزم من إطلاق البعل على الزوج والسيّد لغة قولُهُ في «القاموس» عند تعداد معاني البعل: وربُّ الشيءِ، ومالكه، والزوج. انتهى . ٦ - (ومنها): بيان النهي عن إذن المرأة بالدخول لأيّ شخص في بيت زوجها بغير إذنه. ٧ - (ومنها): ما قاله النوويّ -﵀-: فيه إشارةٌ إلى أنه لا يُفْتَاتُ على الزوج وغيره من مالكي البيوت وغيرها بالإذن في أملاكهم، إلا بإذنهم، وهذا . محمول على ما لا يُعْلَم رضا الزوج ونحوه، فإن علمت المرأة ونحوها رضاه به جاز. انتهى. ٨ - (ومنها): أنه يَحْتَمِل أن يكون المراد الإذن في الدخول عليها، ويَحْتَمِل أن يراد مطلق دخول البيت، وإن لم يكن فيه دخول عليها، بأن أَذِنت في دخول شخص في مكان ليست فيه، إما من حقوق الدار التي هي فيها، وإما في دار أخرى منفردة عن سكنها، وهذا الاحتمال الثاني هو مقتضى اللفظ، فإنه ليس فيه تقييد ذلك بكون الدخول عليها، والله أعلم . ٩ - (ومنها): أن في رواية المصنّف تقييد المنع بكون الزوج شاهدًا؛ أي حاضرًا، ومقتضاه أن لها الإذنَ في غيبته من غير استئذانه، ولم يُذكَر هذا القيد في رواية البخاريّ، والأخذ بالإطلاق هنا أولى، فإن غيبته في ذلك كحضوره، بل أولى بالمنع، فقد يَسْمَح الإنسان بدخول الناس منزلة في حضوره، ولا يَسمَح بذلك في غيبته، وحينئذ فذكر القيد في رواية المصنف خرج مخرج الغالب في أن الإذن للضِّيفَان ونحوهم إنما يكون مع حضور صاحب المنزل، أما إذا كان مسافرًا، فالغالب أن لا يُطْرَق منزلُهُ أصلًا، ولو طُرِق لم تأذن المرأة في دخوله، وقد قال -ﷺ-: «إياكم والدخول على المغيّبات»، وهُنّ اللاتي غاب عنهن أزواجهن، وما خرج مخرج الغالب لا مفهوم له، كما تقرَّر في علم الأصول. وقد يقال: هذا القيد معمول به، فإنه إذا حضر يعسر استئذانه، وإذا غاب تعذر، وقد تدعو الضرورة إلى الدخول عليها، فيباح لها حينئذ ذلك؛ للاحتياج إليه مع عدم الاستئذان؛ لتعذره، والأول أقرب، والله أعلم . قال الجامع عفا الله عنه: كذا قال وفي الدين -﵀-، وقال القرطبيّ -﵀-: تخصيص المنع بحضور الزوج يدلّ على أن ذلك لحقّ الزوج في زوجته؛ إذ قد يكون المأذون له في تلك الحال ممن يشوّش على الزوج مقصوده، وخلوته بها، وعلى هذا تظهر المناسبة بين هذا النهي وبين النهي عن الصوم المتقدّم، وقال بعض الأئمة: إن ذلك مُعلَّلٌ بأن البيت ملك للزوج، وإذنها في دخوله
مصادر المؤلف (١٩)

١. راجع:«طرح التثريب»٤/ ١٤٠ - ١٤١.

٢. «المصباح المنير»١/ ٥٥.

٣. «الفتح»١١/ ٦٢٧ كتاب«النكاح» رقم (٥١٩٥).

٤. «طرح التثريب» ٤/ ١٤١.

٥. «شرح النوويّ» ٧/ ١١٥.

٦. «القاموس المحيط» ٤/ ١٩٥.

٧. «عمدة القاري» ٢٠/ ١٨٥.

٨. «طرح التثريب» ٤/ ١٤٢.

٩. «الفتح» ١١/ ٦٢٧.

١٠. «الفتح» ١١/ ٦٢٨ - ٦٢٩.

١١. «عمدة القاري» ٢٠/ ١٨٥.

١٢. «شرح النوويّ» ٧/ ١١٥.

١٣. راجع: «شرح النوويّ» ٧/ ١١٢ - ١١٣.

١٤. «طرح التثريب» ٤/ ١٤٤ - ١٤٥.

١٥. راجع: «طرح التثريب» ٤/ ١٤١ - ١٤٢.

١٦. الحديث أخرجه أبو داود في «سننه» بإسناد صحيح (٢٤٥٩) عن أبي سعيد الخدريّ -﵁- قال: جاءت امرأة إلى النبيّ -ﷺ-، ونحن عنده، فقالت: يا رسول الله، إن زوجي صفوان بن المعطِّل يضربني إذا صليت، ويُفَطِّرني إذا صمتُ، ولا يصلي صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، قال: وصفوان عنده، قال: فسأله عما قالت، فقال: يا رسول الله، أما قولها: يضربني إذا صليت، فإنها تقرأ بسورتين، وقد نهيتها، قال: فقال: «لو كانت سورة واحدة لكفت الناس»، وأما قولها: يُفَطِّرني، فإنها تنطلق فتصوم، وأنا رجل شابّ فلا أصبر، فقال رسول الله -ﷺ- يومئذ: «لا تصوم امرأة إلا بإذن زوجها»، وأما قولها: إني لا أصلي حتى تطلع الشمس، فإنا أهل بيت قد عُرِفَ لنا ذاك، لا نكاد نستيقظ حتى تطلع الشمس، قال: «فإذا استيقظت فصَلِّ». انتهى.

١٧. «القاموس المحيط» ٣/ ٣٣٥.

١٨. «طرح التثريب» ٤/ ١٤٣.

١٩. «طرح التثريب» ٤/ ١٤٣.