HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٠٣٣

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ. فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ إن رسول الله ﷺ قَالَ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَهُوَ يَذْكُرُ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَفُّفَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى. وَالْيَدُ الْعُلْيَا الْمُنْفِقَةُ. وَالسُّفْلَى السائلة».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج3 ص94
ج ٢ ص ٧١٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر سنن أبي داود, سنن الدارمي, صحيح البخاري, مسند أحمد وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٩ ص٥٧١
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٣٨٤] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ جَرِيرٍ، غَيْرَ أنَهُ قَالَ: (أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ «). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ) فضيل بن حسين البصريّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٣٧) (خت م د ت س) تقدم في«المقدمة»٦/ ٥٧. ٢ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ) بن زياد العبديّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٦) أو بعدها (ع) تقدم في«الطهارة»١١/ ٥٨٤. والباقي ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية عبد الواحد بن زياد، عن عُمارة بن القعقاع هذه ساقها أبو داود ﵀ في«سننه»، فقال: (٢٨٦٥) - حدّثنا مسدّد، حدّثنا عبد الواحد بن زياد، حدّثنا عُمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة، قال: قال رجل للنبيّ -ﷺ-: يا رسول الله أيُّ الصدقة أفضل؟ قال:«أن تصدّق وأنت صحيحٌ حريصٌ، تأمل البقاء، وتخشى الفقر، ولا تُمْهِل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣٣) - (بَابُ بَيَانِ أَنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَأَنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا هِيَ الْمُنْفِقَةُ، وَالسُّفْلَى هِيَ الآخِذَةُ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٣٨٥] (١٠٣٣) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَهُوَ يَذْكُرُ الصَّدَقَةَ، وَالتَّعَفُّفَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ: «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَالْيَدُ الْعُلْيَا الْمُنْفِقَةُ، وَالسُّفْلَى السَّائِلَةُ»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٢ - (مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة الفقيه الحجة الثبت [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٧٨. ٣ - (نَافِعٌ) أبو عبد الله المدنيّ، مولى ابن عُمر، ثقةٌ ثبتٌ فقيه مشهورٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٨/ ٢٢٢. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطاب -﵄-، مات (٣ أو ٧٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٤٩) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فبَغْلانيّ، وقد دخل المدينة. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه -﵁- أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى (٢٦٣٥) حديثًا. ٥ - (ومنها): أن هذا السند أصحّ الأسانيد على الإطلاق، على ما نقل عن الإمام البخاريّ ﵀، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) -﵁- (أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَهُوَ يَذْكُرُ الصَّدَقَةَ) الجملتان حاليّتان؛ أي والحال أنه -ﷺ- قائم، على المنبر النبويّ، وهو يذكر للناس الصدقة وفضلها، ويحضّ الأغنياء عليها (وَالتَّعَفُّفَ عَنِ الْمَسْأَلةِ) بالنصب عطفًا على «الصدقة»؛ أي ويذكر للفقراء التعفّف عن مسألة الناس، والتعفف مصدر تعفّف بمعنى استعفّ، كتعجّل بمعنى استعجل، قال في «النهاية»: الاستعفاف: طلب العفاف، والتعفّف: هو الكفّ عن الحرام، والسؤال من الناس، وقيل: الاستعفاف: الصبر، والنزاهة عن الشيء. انتهى . وحاصل المعنى: أنه -ﷺ- خطب الناس، فحَضّ في خطبته الأغنياء على أن يتصدّقوا على الفقراء، وحضّ الفقراء على يتعفّفوا عن مسألة الناس، أو يحضّهم على التعفّف، وذمّ مسألة الناس. («الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى) هذه الجملة هي مقول»قال«. أي قال -ﷺ-، والحال أنه على المنبر، وهو يذكر الصدقة، والتعفّف عن المسألة:»اليدُ العليا خير من اليد السفلى«، ثم فسّر معنى كلامه هذا بقوله: (وَالْيَدُ الْعُلْيَا الْمُنْفِقَةُ، وَالسُّفْلَى السَّائِلَةُ») قال أبو داود ﵀: قال الأكثر عن حماد بن زيد: «المنفقة»، وقال واحد عنه: «المتعفّفة»، وكذا قال عبد الوارث، عن أيوب. انتهى. قال الحافظ ﵀: فأما الذي قال عن حماد: «المتعفّفة» -بالعين، وفاءين- فهو مسدّدٌ، كذلك رويناه في «مسنده»، رواية معاذ بن المثنّى عنه، ومن طريقه أخرجه ابن عبد البرّ في «التمهيد»، وقد تابعه على ذلك أبو الرَّبِيع الزَّهْرانيّ، كما رويناه في «كتاب الزكاة» ليوسف بن يعقوب القاضي، حدثنا أبو الربيع. وأما رواية عبد الوارث، فلم أقف عليها موصولة، وقد أخرجه أبو نُعيم في «المستخرج» من طريق سليمان بن حرب، عن حماد بلفظ: «واليد العليا يد المعطي»، وهذا يدلّ على أن من رواه عن نافع بلفظ «المتعفّفة» فقد صحّف. قال ابن عبد البرّ: ورواه موسى بن عقبة، عن نافع، فاختُلِف عليه أيضًا، فقال حفص بن ميسرة، عنه: «المنفقة»، كما قال مالك، قال الحافظ: وكذا قال فضيل بن سليمان، عنه، أخرجه ابن حبّان من طريقه، قال: ورواه إبراهيم بن طهمان، عن موسى، فقال: «المنفقة». قال ابن عبد البرّ: رواية مالك أولى، وأشبه بالأصول، ويؤيّده حديث طارق المحاربيّ، عند النسائيّ، قال: قدمنا المدينة، فإذا النبيّ -ﷺ- قائم على المنبر، يخطب الناس، وهو يقول: «يد المعطي العليا». انتهى. ولابن أبي شيبة، والبزّار، من طريق ثعلبة بن زَهْدَم مثله، وللطبرانيّ بإسناد صحيح، عن حكيم بن حِزَام، مرفوعًا: «يد الله فوق يد المعطي، ويد المعطي فوق يد المعطَى، ويد المعطَى أسفل الأيدي»، وللطبرانيّ من حديث الجذاميّ، مرفوعًا مثله، ولأبي داود، وابن خزيمة، من حديث أبي الأحوص عوف بن مالك، عن أبيه، مرفوعًا: «الأيدي ثلاثة: فيد الله العليا، ويد المعطي التي تليها، ويد السائل السفلى»، ولأحمد، والبزّار، من حديث عطيّة السعديّ: «اليد المعطية هي العليا، والسائلة هي السفلى». وقال النوويّ ﵀: قوله: «واليد العليا المنفقة»، هكذا وقع في صحيح البخاريّ ومسلم: «العليا المنفقة»، من الإنفاق، وكذا ذكره أبو داود عن أكثر الرواة، قال: ورواه عبد الوارث، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: «العليا المتعفِّفة» بالعين، من العِفّة، ورجح الخطابيّ هذه الرواية، قال: لأن السياق في ذكر المسألة والتعفف عنها، والصحيح الرواية الأولى، وَيحْتَمِل صحة الروايتين، فالمنفقة أعلى من السائلة، والمتعففة أعلى من السائلة، وفي هذا الحديث الحثّ على الإنفاق في وجوه الطاعات، وفيه دليل لمذهب الجمهور أن اليد العليا هي المنفقة، وقال الخطابيّ: المتعففة كما سبق، وقال غيره: العليا الآخذة، والسفلى المانعة، حكاه القاضي، والمراد بالعلو علوّ الفضل والمجد، ونيل الثواب. انتهى . وقال الطيبيّ ﵀ بعد نقل كلام النووي المذكور: أقول: تحرير ترجيح الخطّابيّ رواية «اليد العليا هي المتعفّفة» أن يقال: إن قوله: «وهو يذكر الصدقة، والتعفّف عن المسألة» كلام مجملٌ في معنى العفّة عن السؤال، وقوله: «اليد العليا خير من اليد السفلى» بيان له، وهو أيضًا مبهم، فينبغي أن يفسّر بالعفّ؛ ليناسب المجمل، وتفسيره باليد المنفقة غير مناسب للمجمل. وتحقيق الجواب: هذا إنما يتمّ إذا اقتصر على قوله: «اليد العليا هي المنفقة»، ولم يعقبه بقوله: «واليد السفلى هي السائلة»؛ لدلالتهما على علوّ المنفقة، وسفالة السائلة ورذالتها، وهي مما يُستنكف منها، ويُتعفّف عن الاتصاف بها، فظهر من هذا أن رواية الشيخين أرجح من إحدى روايتي أبي داود نقلًا ودرايةً؛ لأنها حينئذ من باب الكناية، وهي أبلغ من التصريح، فيكون أرجح. انتهى . (تنبيه): هذه الأحاديث كلها واضحة في أن التفسير المذكور مرفوع، قال القرطبيّ ﵀: وقع تفسير اليد العليا والسفلى في حديث ابن عمر هذا، وهو نصّ يرفع الخلاف، ويدفع تعسّف من تعسّف في تأويله. انتهى. قال الحافظ ﵀: لكن ادعى أبو العبّاس الدانيّ في «أطراف الموطأ» أن التفسير المذكور مدرجٌ في الحديث، ولم يذكر مستنده لذلك، ثم وجدت في «كتاب العسكريّ في الصحابة» بإسناد له، فيه انقطاعٌ، عن ابن عمر أنه كتب إلى بشر بن مروان: إني سمعت النبيّ -ﷺ- يقول: «اليد العليا خير من اليد السفلى، ولا أحسب اليد السفلى إلا السائلة، ولا العليا إلا المعطية»، فهذا يشعر بأن التفسير من كلام ابن عمر، ويؤيّده ما رواه ابن أبي شيبة من طريق عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: «كنا نتحدّث أن العليا هي المنفقة». انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن دعوى الإدراج المذكور غير صحيحة؛ لأن الحديث اتَّفَقَ عليه الشيخان، مرفوعًا، وما ذكره الحافظ مما يؤيّد الدعوى المذكورة، فغير مقبول؛ لأن ما نقله من كتاب العسكري منقطع، كما اعترف هو به، وكذا ما نقله عن ابن أبي شيبة، ففي سنده سفيان الثوريّ، وهو وإن كان إمامًا، إلا أنه مدلّسٌ، وقد رواه بالعنعنة ، فكيف يُعارَض بمثل هذا ما اتَّفَقَ الشيخان على صحته مرفوعًا؟، فتبصّر بالإنصاف، ولا تسلك سبيل الاعتساف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر -﵄- هذا متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٣/ ٢٣٨٥] (١٠٣٣)، و(البخاريّ) في «الزكاة» (١٤٢٩)، و(أبو داود) في «الزكاة» (١٦٤٨)، و(النسائيّ) في «الزكاة» (٢٥٣٣) وفي «الكبرى» (٢٣١٢)، و(مالك) في «الموطّأ» (١٨٨١)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٢/ ٤٢٦ - ٤٢٧)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٢/ ٤٥٥ - ٤٥٦)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٦٧ و٩٨)، و(الدارميّ) في «سننه» (١/ ٣٨٩)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ١٠٥ - ١٠٦)، و(البزّار) في «مسنده» (٤/ ٤١ و٥/ ١٣٨ و٣٢٤)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٣٦١ و٣٣٦٤)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٣/ ١٩٢ و٢٠١ و٨/ ١٣٩ و١٨/ ١٤٩ و١٩/ ٢٨٠ و٢٢/ ٢٧٨)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١٠/ ٩٧)، و(ابن راهويه) في «مسنده» (١/ ٢٦٦)، و(الضياء المقدسيّ) في «المختارة» (٨/ ١٣٠)، و(عبد بن حميد) في «مسنده» (١/ ٢٤٨)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ١٩٧ و١٩٨)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (١٦١٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن اليد العليا هي المعطية، كما أن اليد السفلى هي السائلة، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية -إن شاء الله تعالى-. ٢ - (ومنها): إباحة الكلام للخطيب أثناء خطبته بكلّ ما يصلح من موعظة، وعلم، وقُرَبٍ. ٣ - (ومنها): الحثّ على الإنفاق في وجوه الطاعة. ٤ - (ومنها): تفضيل الغِنَى مع القيام بحقوقه على الفقر؛ لأن العطاء إنما يكون مع الغنى. ٥ - (ومنها): كراهة السؤال، والتنفير عنه، ومحلّه إذا لم تدع إليه ضرورةٌ، من خوف هلاك ونحوه، وقد روى الطبرانيّ من حديث ابن عمر بإسناد فيه مقالٌ، مرفوعًا: «ما المعطي من سَعَة بأفضل من الآخذ إذا كان محتاجًا»، قاله في «الفتح» ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الربعة): دلّت الأحاديث المتقدّمة المتضافرةُ على أن اليد العليا هي المنفقة المعطية، وأن السفلى هي السائلة، وهذا هو المعتمد، وهو قول الجمهور. وقيل: اليد السفلى الآخذة، سواء كان بسؤال، أم بغير سؤال، وهذا أباه قومٌ، واستندوا إلى أن الصدقة تقع في يد الله قبل يد المتصَدَّق عليه، قال ابن العربيّ: التحقيق أن السفلى يد السائل، وأما يد الآخذ فلا؛ لأن يد الله هي المعطية، ويد الله هي الآخذة، وكلتاهما يمين. انتهى. قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأن البحث إنما هو في أيدي الآدميين، وأما يد الله تعالى، فباعتبار كونه مالك كلّ شيء نسبت يده إلى الإعطاء، وباعتبار قبوله للصدقة، ورضاه بها نسبت يده إلى الأخذ، ويده العليا على كلّ حال، وأما يد الآدميّ، فهي أربعة: (أحدها): يد المعطي، وقد تضافرت الأخبار بأنها عليا. (ثانيها): يد السائل، وقد تضافرت الأخبار أيضًا بأنها سفلى، سواء أخذت، أم لا، وهذا موافق لكيفيّة الإعطاء والأخذ غالبًا، وللمقابلة بين العلو والسفل المشتقّ منهما. (ثالثها): يد المتعفّف عن الأخذ، ولو بعد أن تَمُدّ إليه يد المعطي مثلًا، وهذه توصف بكونها عُلْيا علوًا معنويًّا. (رابعها): يد الآخذ بغير سؤال، وهذه قد اختُلِف فيها، فذهب جمع إلى أنها سفلى، وهذا بالنظر إلى الأمر المحسوس، وأما المعنويّ فلا يطّرد، فقد تكون عليا في بعض الصور، وعليه يُحمل كلام من أطلق كونها عليا. قال ابن حبّان ﵀ في «صحيحه»: عندي أن اليد المتصدّقة أفضل من السائلة، لا الآخذة دون السؤال؛ إذ محالٌ أن تكون اليد التي أبيح لها استعمال فعل باستعماله، دون من فُرض عليه إتيان شيء، فأتى به، أو تقرّب إلى بارئه متنفّلًا فيه، وربما كان المعطي في إتيانه ذلك أقلّ تحصيلًا في الأسباب من الذي أتى بما أييح له، وربما كان هذا الآخذ لِمَا أُبيح له أفضل، وأورع من الذي يعطي، فلما استحال هذا على الإطلاق دون التحصيل بالتفضيل، صحّ أن معناه أن المتصدّق أفضل من الذي يسألها. انتهى . وعن الحسن البصريّ: اليد العليا المعطية، والسفلى المانعة، ولم يوافَق عليه. وأطلق آخرون من المتصوّفة أن اليد الآخذة أفضل من المعطية مطلقًا، ونقل ابن قتيبة في «غريب الحديث» ذلك عن قوم، ثم قال: وما أرى هؤلاء إلا قومًا استطابوا السؤال، فهم يحتجّون للدناءة، ولو جاز هذا لكان المولى مِن فوقُ هو الذي كان رقيقًا، فأُعتق، والمولى من أسفلُ هو السيّد الذي أعتقه. انتهى. قال الحافظ: وقرأت في «مطلع الفوائد» للعلّامة جمال الدين ابن نُباتة في تأويل الحديث المذكور معنى آخر، فقال: اليد هنا هي النعمة، وكأنّ المعنى أن العطيّة الجزيلة خيرٌ من العطيّة القليلة، قال: وهذا حثّ على المكارم بأوجز لفظٍ، ويشهد له أحد التأويلين في قوله: «ما أبقت غنى»؛ أي ما حصل به للسائل غنى عن سؤاله، كمن أراد أن يتصدّق بألف، فلو أعطاها لمائة إنسان لم يظهر عليهم الغنى، بخلاف ما لوأعطاها لرجل واحد، قال: وهو أولى من حمل اليد على الجارحة؛ لأن ذلك لا يستمرّ؛ إذ فيمن يأخذ من هو خيرٌ عند الله ممن يعطي. قال الحافظ: التفاضل هنا يرجع إلى الإعطاء والأخذ، ولا يلزم منه أن يكون المعطي أفضل من الآخذ على الإطلاق. وقد روى إسحاق في «مسنده» من طريق عمر بن عبد الله بن عروة بن الزبير: أن حكيم بن حزام، قال: يا رسول الله، ما اليد العليا؟ قال: «التي تعطي، ولا تأخذ». فقوله: «ولا تأخذ» صريحٌ في أن الآخذة ليست بعليا، والله أعلم. قال: وكلّ هذه التأويلات المتعسّفة تَضمَحِلّ عند الأحاديث المتقدّمة المصرّحة بالمراد، فأولى ما فُسّر الحديث بالحديث.
مصادر المؤلف (٨)

١. «الكاشف» ٥/ ١٥١٤.

٢. «شرح النوويّ» ٧/ ١٢٤ - ١٢٥.

٣. «الكاشف عن حقائق السنن» ٥/ ١٥١٤ - ١٥١٥.

٤. «الفتح» ٤/ ٤٩.

٥. انظر: «مصنّف ابن أبي شيبة» ٣/ ٢١١.

٦. «الفتح» ٤/ ٥١.

٧. عبارة ابن حبان «أحسن» وما هنا من «الفتح»، وهو الظاهر.

٨. صحيح ابن حبّان ٨/ ١٥٠ - ١٥١ بتحقيق شعيب الأرنؤوط.