HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٠٤٣

حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ وَسَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ (قَالَ سَلَمَةُ: حَدَّثَنَا. وَقَالَ الدَّارِمِيُّ: أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ، وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ الدِّمَشْقِيُّ) حَدَّثَنَا سَعِيدٌ (وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) عَنْ ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ. قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَبِيبُ الْأَمِينُ. أَمَّا هُوَ فَحَبِيبٌ إِلَيَّ. وَأَمَّا هُوَ عِنْدِي، فَأَمِينٌ. عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ. قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. تِسْعَةً أَوْ ثَمَانِيَةً أَوْ سَبْعَةً. فَقَالَ: «أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ؟» وَكُنَّا حَدِيثَ عَهْدٍ بِبَيْعَةٍ. فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! ثُمَّ قَالَ: «أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ؟» فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! ثُمَّ قَالَ «ألا تبايعون رسول الله ﷺ؟» قال: فَبَسَطْنَا أَيْدِيَنَا وَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَعَلَامَ نُبَايِعُكَ؟ قَالَ: «عَلَى أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا. وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ. وَتُطِيعُوا (وَأَسَرَّ كَلِمَةً خَفِيَّةً) وَلَا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا» فَلَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أُولَئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوْطُ أَحَدِهِمْ. فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا يُنَاوِلُهُ إِيَّاهُ. بَاب مَنْ تَحِلُّ لَهُ الْمَسْأَلَةُ
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج3 ص97
ج ٢ ص ٧٢١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن النسائي, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٩ ص٦٥٦
فسكون، وجمعه حُزَم، كغُرْفَة، وغُرَف، ما يُشَدّ به الشيء، و«الْحَطَب» بفتح المهملتين: ما أُعدّ من الشجر شَبُوبًا -أي وَقُودًا- للنار، قاله في «اللسان». وقوله: (فَيَبِيعَهَا) بالنصب عطفًا على «يحتزم». وقوله: (يُعْطِيهِ أَوْ يَمْنَعُهُ) في محلّ نصب نعتٌ لـ«رجلًا». والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٠٣] (١٠٤٣) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، وَسَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، قَالَ سَلَمَةُ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ الدَّارِمِيُّ: أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ، وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثنَا سَعِيدٌ، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ أَبِي مُسْلِم الْخَوْلَانِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَبِيبُ الْأَمِينُ، أمَّا هُوَ فَحَبِيبٌ إِلَيَّ، وَأمَّا هُوَ عِنْدِي فَأَمِينٌ، عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُول اللهِ -ﷺ- تِسْعَةً، أَوْ ثَمَانِيَةً، أَوْ سَبْعَةً، فَقَالَ: «ألَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟»وَكُنَّا حَدِيثَ عَهْدٍ بِبَيْعَةٍ، فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ، ثُمَّ قَالَ: «ألَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟»، فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ، ثُمَّ قَالَ: «ألَا تُبايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟»، قَالَ: فَبَسَطْنَا أَيْدِيَنَا، وَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَعَلَامَ نُبايِعُكَ؟ قَالَ: «عَلَى أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَتُطِيعُوا -وَأَسَرَّ كَلِمَةً خَفِيَّةً- وَلَا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا»، فَلَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أُولَئِكَ النَّفَرِ، يَسْقُطُ سَوْطُ أَحَدِهِمْ، فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا يُنَاوِلُهُ إَيَّاهُ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) أبو محمد السَّمَرْقَنديّ، ثقةٌ حافظٌ إمامٌ، صاحب «المسند» [١١] (ت ٢٥٥) عن (٧٤) سنةً (م دت) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٩. ٢ - (سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ) الْمِسْمَعيّ النيسابوريّ، نزيل مكة، ثقةٌ، من كبار [١١] مات سنة بضع و(٢٤٠) (م ٤) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٦٠. ٣ - (مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّمَشْقِيُّ) الطّاطَرِيّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢١٠) (م ٤) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٩. ٤ - (سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) التَّنُوخِيُّ الدمشقي، ثقةٌ إمام، سَوَّاه أحمد بالأوزاعي، وقَدَّمَه أبو مسهر، لكنه اختلط في آخر عمره [٧] (ت ١٦٧) أو بعدها (بخ م ٤) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٩. ٥ - (رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ) الدمشقيّ، أبو شُعَيبٍ الإياديّ القَصِيرُ، ثقةٌ عابد [٤] (ت ١ أو ١٢٣) (ع) تقدم في «الطهارة» ٦/ ٥٥٩. ٦ - (أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ) عائذ الله بن عبد الله، ولد في حياة النبيّ -ﷺ- يوم حُنَين، وسمع من كبار الصحابة، كان عالم الثام بعد أبي الدرداء -﵁-[٢] (ع) تقدم في «الطهارة» ٦/ ٥٥٩. ٧ - (أَبُو مُسْلِم الْخَوْلَانِيُّ) عبد الله بن ثُوَب -بضم المثلثة وفتح الواو بعدها موحدة- وقيلً: ابن ثَوَاب بفتح الثاء، وتخفيف الواو، وقيل: ابن أثْوَب -وزان أحْمَر- ويقال: ابن عبد الله، ويقال: ابن عوف، أو ابن مِشْكَم، ويقال: اسمه يعقوب بن عوف الشامي الزاهد، ثقةٌ عابد [٢]. رَحَلَ إلى النبيّ -ﷺ-، فمات النبيّ -ﷺ- وهو في الطريق، فلقي أبا بكر، وذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من تابعي أهل الشام، وقال: كان ثقةٌ، توفي زمن يزيد بن معاوية، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقةٌ، وقال العجلي: شامي تابعي ثقةٌ من كبار التابعين. وقال ابن عبد البر: أدرك الجاهلية، وأسلم قبل وفاة النبيّ -ﷺ-، وهو معدود في كبار التابعين، وكان ناسكًا عابدًا، له كرامات، ثقةٌ مخضرم [٢]. ورَوَى ابن سعد في «الطبقات» عن شُرَحْبِيلَ بن مسلم، أن الأسود بن قيس ذا الحمار تَنَبَّا في اليمن، فبعث إلى أبي مسلم، فلما جاء قال: أتشهد أني رسول الله؛ قال: ما أسمع، قال: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ قال: نعم، قال: فردد ذلك مرارًا، فأمر بنار عظيمة، فأجّجَتْ، ثم ألقي فيها، فلم تضرّه، فأمره بالرحيل، فأتى المدينة، وقد مات النبيّ -ﷺ-، واستُخْلف أبو بكر فذكر قصة الحديث في قول عمر لأبي بكر: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني في أمة محمد -ﷺ- مَن فُعِل به كما فُعِل بإبراهيم ﵇. اهـ. وقال النوويّ ﵀: هو مشهور بالزهد، والكرامات الظاهرة، والمحاسن الباهرة، أسلم في زمن النبيّ -ﷺ-، وألقاه الأسود العنسيّ في النار، فلم يحترق، فتركه، فجاء مهاجرًا إلى رسول الله -ﷺ-، فتوفي النبيّ -ﷺ-، وهو في الطريق، فجاء إلى المدينة، فلقي أبا بكر الصديق وعمر وغيرهما من كبار الصحابة -﵃-، هذا هو الصواب المعروف، ولا خلاف فيه بين العلماء، وأما قول السمعانيّ في «الأنساب»: إنه أسلم في زمن معاوية، فغلط باتفاق أهل العلم، من المحدثين، وأصحاب التواريخ والمغازي والسير وغيرهم. انتهى . أخرج له المصنّف، والأربعة، وله عندهم هذا الحديث عن عوف بن مالك -﵁- فقط، وعند الترمذي حديث آخر عن معاذ -﵁-. ٨ - (عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ) أبو حَمَّاد، ويقال غير ذلك، صحابيّ مشهور، من مُسْلِمَةِ الفتح، وسكن دمشق، ومات سنة (٧٣) (ع) تقدم في «الجنائز» ٢٥/ ٢٢٣٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف اخنهُ. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالدمشقيين سوى شيخيه، فالأول سمرقنديّ، والثاني نيسابوريّ، نزيل مكة. ٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين رَوَى بعضهم عن بعض: ربيعة، عن أبي إدريس، عن أبي مسلم، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ) عبد الله بن ثُوَب، وقيل غيره (الْخَوْلَانِيِّ) - بفتح الخاء المعجمة، وسكون الواو- نسبة إلى خَوْلان قبيلة نَزَلَتِ الشام، أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَبِيبُ الْأَمِينُ) فعيل بمعنى مفعول؛ أي: المحبوب المأمون، قال أبو مسلم ﵀: (أمَّا هُوَ) أي الشخص الموصوف بأنه الحبيب الأمين (فَحَبِيبٌ إِلَيَّ) أي محبوب عندي (وَأمَّا هُوَ عِنْدِي فَأَمِينٌ) أي مأمون في دينه، وأمانته، وقوله: (عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ) بالرفع بدل من الحبيب، أو عطف بيان له (الْأَشْجَعِيُّ) نسبة إلى أشجع بن ريث بن غَطَفَان بن سعد بن قيس عَيْلان، قبيلة مشهورة، قاله في «اللباب» . وقول: (قَالَ) بدل من «حدّثني»، أو في محل نصب على الحال من «الحبيب» (كُنَّا عِنْدَ رَسُول اللهِ -ﷺ- تِسْعَةً، أَوْ ثَمَانِيَةً، أَوْ سَبْعَة، فَقَالَ: «ألا تُبَايِعونَ)»ألا«هنا للعرض والتحضيص، ومعناهما طلب الشيء، لكن العرض طلب بلين، والتحضيض طلب بحَث، وتختص»ألا«هذه بالجملة الفعلية، نحو: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢]، ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ [التوبة: ١٣]. قاله ابن هشام الأنصاريّ ﵀ . ففيه الحثّ على مبايعة النبيّ -ﷺ-. (رَسُولَ الله؟») مفعول «تبايعون»، وإنما قال: «رسول الله» ولم يقل «تبايعوني» تنبيهًا على أن العلة الباعثة على المبايعة هي الرسالة. زاد في رواية النسائيّ: لفظة «-ﷺ-»، فقال السنديّ ﵀: جملة «-ﷺ -» يَحْتَمِل أن تكون منه -ﷺ-، وأن تكون من غيره. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر كونها من غيره -ﷺ؛ - ولذا لم تقع في رواية مسلم هنا، فتأمل، والله تعالى أعلم. (وَكُنَا حَدِيثَ عَهْدٍ ببَيْعَةٍ) أي قريب زمن بمبايعته -ﷺ- (فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ، ثُمَّ قَالَ: «ألا تُبايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟»، فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ، ثُمَّ قَالَ: «ألا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟») يعني أنه -ﷺ- كرّر عليهم عرض المبايعة تأكيدًا (قَالَ) عوف -﵁- (فَبَسَطْنَا أَيْدِيَنَا) أي للمبايعة له -ﷺ-؛ امتثالًا لأمره (وَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ) وإنما قالوا ذلك لظنهم نسيانه ﷺ كونهم مبايعين له، حيث إنهم كانوا قريبي عهد بالمبايعة، فأرادوا تذكيره بذلك، أو أنهم أرادوا أن يستوضحوا ما هي البيعة المطلوبة منهم الآن؟ كما يدل عليه قولهم (فَعَلَامَ نُبَايِعُكَ؟) أي على أيّ شيء نبايعك الآن؟، فـ «ما» استفهاميّة حُذفت ألفها؛ لدخول حرف الجرّ عليها، كما قال في «الخلاصة»: وَ«مَا» فِي الاسْتِفْهَامِ إِنْ جُرَّتْ حُذِفْ … أَلِفُهَا وَأَوْلهَا الْهَا إِنْ تَقِفْ وَلَيْسَ حَتْمًا فِي سِوَى مَا انْخَفَضَا … بِاسْمٍ كَقَوْلِكَ «اقْتِضَاءَ مَا اقْتَضَى» (قَالَ) -ﷺ- («عَلَى أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ) متعلق بمحذوف دلّ عليه السؤال؛ أي تبايعوني على عبادة الله تعالى؛ أي طاعته (وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) يَحْتَمِل أن يكون»شيئًا«مفعولًا به؛ أي لا تشركوا به شيئًا من الأشياء من غير فرق بين حيّ وميت وجَماد وحيوان، وَيحْتَمِل أن يكون مفعولًا مطلقًا؛ أي لا تشركوا به شيئًا من الشرك الأكبر، والأصغر، والجليّ، والخَفِيّ (وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ) بالجرّ عطفًا على قوله»أن تعبدوا الله«؛ أي وعلى إقامة الصلوات الخمس (وَتُطِيعُوا) وفي رواية أبي داود:»وتسمعوا، وتطيعوا«؛ أي تسمعوا، وتطيعوا أمر وُلاة الأمور الذين ولاهم الله تعالى عليكم إذا أمروكم بغير معصية الله تعالى (وَأَسَرَّ) من الإسرار؛ أي أخفى النبيّ -ﷺ- (كَلِمَةً خَفِيَّةً) أي لم يجهر بها كما جهر بما تقدم، ثم فسّر الكلمة الخفتة بقوله: (وَلَا تَسْأَلوا النَّاسَ شَيْئًا») وفي رواية النسائيّ: «وأن لا تسألوا الناس شيئًا»، وهو في تأويل المصدر بدل من «كلمة»، أو خبر لمحذوف؛ أي هي عدم سؤال الناس شيئًا. والمراد بالسؤال: السؤال المتعلق بالأمور الدنيوية، فلا يتناول السؤال للعلم وأمور الدين، لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]. وقال في «المنهل»: والحكمة في إسرار النهي عن السؤال أن يختص به بعضهم دون بعض؛ لأنَّ مِنَ الناس مَنْ لا بُدَّ له من السؤال لحاجته، ومنهم الغني عنه بماله، أو بالتعفف. انتهى . (فَلَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أولَئِكَ النَّفَرِ، يَسْقُطُ سَوْطُ أَحَدِهِمْ، فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا يُنَاوِلُهُ إِيَّاهُ) قال النوويّ ﵀: فيه التمسك بالعموم؛ لأنهم نُهُوا عن السؤال، فحَمَلُوه على عمومه، وفيه الحثّ على التّنَزُّه عن جميع ما يُسَمَّى سؤالًا، وإن كان حقيرًا. انتهى، واللُّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عوف بن مالك الأشجعيّ -﵁- هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦/ ٢٤٠٣] (١٠٤٣)، و(أبو داود) في «الزكاة» (١٦٤٢)، و(النسائيّ) في «الصلاة» (٤٦) و«الكبرى» (٣٢٠) (٢/ ١٢١)، و(ابن ماجه) في «الجهاد» (٢/ ٩٥٧)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١٨/ ٣٩)، و(البزّار) في «مسنده» (٧/ ١٩٣)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ١١٠)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ١٩٦)، و(الرويانيّ) في «مسنده» (١/ ٣٩٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في فوائده: ١ - (منها): بيان التحذير عن مسألة الناس، والتنفير عنه، ولو يسيرًا. ٢ - (ومنها): مشروعيّة تكرار مبايعة الإمام؛ تأكيدًا. ٣ - (ومنها): مشروعية المبايعة على عبادة الله تعالى، وعدم الإشراك به. ٤ - (ومنها): مشروعيّة المبايعة على أداء الصلوات الخمس. ٥ - (ومنها): وجوب طاعة ولاة الأمور، إلا إذا أمروا بالمعصية، فلا طاعة لهم؛ لما أخرجه الشيخان عن ابن عمر -﵄-، عن النبيّ -ﷺ - أنه قال: «على المرء المسلم السمع والطاعة، فيما أحب وكَرِهَ، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة». ٦ - (ومنها): بيانُ ما كان عليه النبيّ -ﷺ- من شدّة الحرص على نشر الدعوة، وتبليغ الأحكام كُلَّمَا وَجَدَ إلى ذلك سبيلًا. ٧ - (ومنها): مشروعية التعاهد على البر والتقوى. ٨ - (ومنها): أن فيه الأخذَ بالعموم؛ لأنهم نُهُوا عن السؤال، فحملوه على العموم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير محمد ابن الشيخ العلامة علي بن آدم بن موسى خُويدم العلم بمكة المكرّمة: قد انتهيتُ من كتابة الجزء التاسع عشر من «شرح صحيح الإمام مسلم» المسمَّى «البحرَ المحيطَ الثّجّاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج» والمؤذّن يؤذن لصلاة الفجر ليلة الثلاثاء المباركة (٢٨/ ٤/ ١٤٢٨ هـ الموافق ١٦ مايو - أيار ٢٠٠٧ م). أسال الله العليّ العظيم ربّ العرش العظيم أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز بجنات النعيم لي ولكلّ من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رءوف رحيم. وآخر دعوانا: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ الآية [الأعراف: ٤٣]. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٣]. «اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد». «السلام على النبيّ ورحمة الله وبركاته». ويليه -إن شاء الله تعالى- الجزء العشرون مفتتحًا بـ (٣٧) - (بَابُ بَيَانِ مَنْ تَحِلُّ لَهُ المَسْأَلَةُ) رقم الحديث [٢٤٠٤] (١٠٤٤). «سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك». * * *
مصادر المؤلف (٥)

١. وفي نسخة: «وحدّثني».

٢. «شرح النوويّ» ٧/ ١٣٢.

٣. «اللباب في تهذيب الأنساب» ١/ ٦٤.

٤. راجع: «مغني اللبيب عن كتب الأعاريب» ١/ ٦٦.

٥. «المنهل العذب المورود» ٩/ ٢٨٠.