HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٠٦٤

حدثنا هناد بن السري. حدثنا أبو الأحوص عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعْمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ؛ قَالَ: بَعَثَ عَلِيٌّ ﵁، وَهُوَ بِالْيَمَنِ، بِذَهَبَةٍ فِي تُرْبَتِهَا، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَقَسَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ: الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ الْحَنْظَلِيُّ، وَعُيَيْنَةُ بْنُ بَدْرٍ الفزاري، وعلقمة بن علاثة العاشمري، ثُمَّ أَحَدُ بَنِي كِلَابٍ، وَزَيْدُ الْخَيْرِ الطَّائِيُّ، ثُمَّ أَحَدُ بَنِي نَبْهَانَ. قَالَ: فَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ. فَقَالُوا: أَتُعْطِي صَنَادِيدَ نَجْدٍ وَتَدَعُنَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنِّي إِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ لِأَتَأَلَّفَهُمْ» فَجَاءَ رَجُلٌ كَثُّ اللِّحْيَةِ. مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ. غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ. نَاتِئُ الْجَبِينِ مَحْلُوقُ الرَّأْسِ. فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ. يَا مُحَمَّدُ! قَالَ: فقال رسول الله ﷺ: «فَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ إِنْ عَصَيْتُهُ! أَيَأْمَنُنِي عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ وَلَا تَأْمَنُونِي؟» قَالَ: ثُمَّ أَدْبَرَ الرَّجُلُ. فَاسْتَأْذَنَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فِي قَتْلِهِ. (يُرَوْنَ أَنَّهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ مِنْ ضئضئ هذا قوما يقرأون الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ. يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ. وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ. يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ. لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قتل عاد».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج3 ص110
ج ٢ ص ٧٤١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن النسائي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٠ ص١٩٢
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٥١] (١٠٦٤) - (حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعْمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: بَعَثَ عَلِيٌّ -﵁-، وَهُوَ بِالْيَمَنِ بِذَهَبَةٍ في تُرْبَتِهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَقَسَمَهَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ: الْأَقرَعُ بْنُ حَابِسٍ الْحَنْظَلِيُ، وَعُيَيْنَةُ بْنُ بَدْرٍ الْفَزَارِيُ، وَعَلْقَمَةَ بَنُ عُلَاَثةَ الْعَامِرِيُ، ثُمَّ أَحَدُ بَنِي كِلَابٍ، وَزَيْدُ الْخَيْرِ الطَّائِيُ، ثُمَّ أَحَدُ بَنِي نَبْهَانَ، قَالَ: فَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ، فَقَالُوا: أَيُعْطِي صَنَادِيدَ نَجْدٍ، وَيَدَعُنَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «إِنِّي إِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ لأتَأَلَّفَهُمْ، فَجَاءَ رَجُلٌ كَثُّ اللِّحْيَةِ، مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ، غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ، نَاتِئُ الْجَبِينِ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ، فَقَالَ: اتَّقِ اللهَ يَا مُحَمَّدُ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-:»فَمَنْ يُطِعِ اللهَ إن عَصَيْتُهُ؟ أَيَأْمَنُنِي عَلَى أَهْلِ الأرض، وَلَا تَأْمَنُونِي؟ «قَالَ: ثُمَّ أَدْبَرَ الرَّجُلُ، فَاسْتَأْذَنَ رَجُلٌ من الْقَوْمِ في قَتْلِهِ، يُرَوْنَ أَنَّهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-:»: إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمًا يقرأون الْقُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ، يَمْرُقُونَ من الْإِسْلَامِ، كما يَمْرُقُ السَّهْمُ من الرَّمِيَّةِ، لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ«). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ) -بكسر الراء الخفيفة- ابن مصعب التميميّ، أبو السريّ الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) وله (٩١) سنةً (عخ م ٤) تقدم في«الإيمان»٦٤/ ٣٦٥. ٢ - (أَبُو الْأَحْوَصِ) سلّام بن سُلَيم الحنفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في«الإيمان»٤/ ١١٥. ٣ - (سَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقٍ) الثوريّ، والد سفيان، ثقةٌ [٦] (ت ١٢٦) أو بعدها (ع) تقدم في«صلاة المسافرين»١٩/ ١٧٣٨. ٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي نُعْمٍ) -بضم النون، وسكون المهملة- البجليّ، أبو الحكم الكوفيّ العابد، صدوقٌ [٣]. رَوَى عن أبي هريرة، وأبي سعيد، ورافع بن خَدِيج، والمغيرة بن شعبة، وابن عمر، وسفينة. ورَوَى عنه سعيد بن مسروق الثوريّ، ومحمد بن عبد الله بن أبي يعقوب الضبيّ، ويزيد بن أبي زياد، ومغيرة بن مقسم، وعُمَارة بن القعقاع، وفُضيل بن غَزْوان، وغيرهم. قال مِنْدَل بن عليّ، عن بكير بن عامر: لو قيل لعبد الرحمن: قد توجه ملك الموت إليك، يريد قبض روحك، ما كانت عنده زيادة على ما هو فيه، وقال محمد بن فضيل، عن أبيه: كان عبد الرحمن يُحْرِم من السنة إلى السنة ، وكان يقول: لبيك، لو كان رياء لاضْمَحَلَّ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: كان من عُبّاد أهل الكوفة، ممن يصبر على الجوع الدائم، أخذه الحجاج ليقتله، وأدخله بيتًا مظلمًا، وسَدَّ الباب خمسة عشر يومًا، ثم أمر بالباب ففُتِحَ ليخرجَ، فيُدْفَنَ، فدخلوا عليه فإذا هو قائم يصلي، فقال له الحجاج: سِرْ حيث شئت، وروى عبد الرحمن بن أحمد في «زيادات الزهد» من طريق مغيرة بن مقسم، قال: دخل ابن أبي نُعْم على الحجاج أيام الجماجم فوعظه، وقال ابن سعد: كان يُحْرِم من السنة إلى السنة، وكان ثقةً، وله أحاديث، وقال ابن أبي حاتم: ذكر أبي عبدَ الرحمن بن أبي نُعْم، فذَكَر له فضلًا وعبادةً، وقال النسائيّ في «التمييز»: ثقةٌ، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ضعيف. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (١٠٦٤) وأعاده بعده، و(١٥٣٨) و(١٥٨٨) و(١٦٦٠). ٥ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سِنَان بن عُبيد الأنصاريّ الصحابي ابن الصحابيّ، مات -﵁- بالمدينة سنة ثلاث، أو أربع، أو خمس وستين، وقيل: سنة أربع وسبعين (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٨٥. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له البخاريّ في «الصحيح». ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى الصحابيّ، فمدنيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه أبا سعيد -﵁- أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) سعد مالك بن سِنَان -﵄- أنه (قَالَ: بَعَثَ عَلِيٌّ -﵁-) ابن أبي طالب (وَهُوَ بِالْيَمَنِ) جملة في محلّ نصب على الحال؛ أي حال كونه كائنًا باليمن؛ لأن النبيّ -ﷺ- ولّاه قاضيًا بها. (بِذَهَبَةٍ) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في جميع نُسخ بلادنا «بذَهَبَة» -بفتح الذال- وكذا نقله القاضي عن جميع رُواة مسلم، وفي رواية ابن ماهان: «بذُهيبة» على التصغير. انتهى . وبالتصغير وقع عند البخاريّ، قال الخطابيّ: إنما أنّثها على نية القطعة من الذهب، وقد يؤنث الذهب في بعض اللغات، وقال ابن الأثير: قيل: هي تصغير ذهب، وأدخل الهاءَ فيها؛ لأن الذهب يؤنّث، والمؤنّث الثلاثيّ إذا صُغِّر أُلْحِق في تصغيره الهاءُ، نحو فُريسة، وشُميسة، وقيل: هو تصغير ذَهَبة على نيّة القطعة منها، فصغّرها على لفظها. انتهى . وقال الفيّوميّ ﵀: «الذهب»: معروف، ويؤنَّث، فيقال: هي الذهب الحمراء، ويقال: إن التأنيث لغة الحجاز، وبها نزل القرآن، وقد يؤنَّث بالهاء، فيقال: ذهبةٌ، وقال الأزهريّ: الذهب مذكَّرٌ، ولا يجوز تأنيثه، إلا أن يُجْعَل جمعًا لذَهَبَةٍ، والجمع: أَذْهابٌ، مثلُ سبب وأسباب، وذُهْبان، مثلُ رُغْفَان، وأذهبته بالألف: مَوَّهْتُهُ بالذهب. انتهى . [تنبيه]: هذه القصة غير القصة المتقدمة في غزوة حنين، ووَهِمَ مَن خَلَطها بها، واختُلِف في هذه الذَّهَبَة، فقيل: كانت خمس الخمس، وفيه نظرٌ، وقيل: من الخمس، وكان ذلك من خصائصه -ﷺ- أنه يضعه في صنف من الأصناف للمصلحة، وقيل: من أصل الغنيمة، وهو بعيدٌ، قاله في «الفتح» . (في تُرْبَتِهَا) لغة في التراب؛ إذ فيها لغات، جمعتها بقولي: اعْلَمْ بِأنَّ لِلتُّرَابِ سُمِعَا … مِنَ اللُّغَاتِ مَا يَلِي فَانْتَفِعَا تُرَابٌ التُّرْبَةُ وَالتَّرْبَاءُ جَا … وَتَيْرَبٌ وَتُرَبَاءُ أُدْرِجَا وَتَوْرَبٌ وَتَيْرَبٌ تَيْرَابُ … كَذَا تَرِيبٌ مَعَهُ تَوْرَابُ وَيُجْمَعُ التُّرَابُ بِالأتْرِبَةِ … كَذَا بِتُرْبَانٍ بِغَيْرِ مِرْيَةِ وفي رواية البخاريّ: «لم تُحَصَّل من ترابها»؛ أي لم تُخَلَّص من تراب المعدن، فكأنها كانت تِبْرًا، وتخليصها بالسَّبْك. (إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-) متعلّق بـ «بَبَعَثَ» (فَقَسَمَهَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ) قال الفيّوميّ ﵀: «النفر»-بفتحتين-: جماعة الرجال من ثلاثة إلى عشرة. وقيل: إلى سبعة، ولا يقال: نفرٌ فيما زاد على العشرة. انتهى. (الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ) بالجرّ بدل من «أربعة»، أو من «نفر»، أو عطف بيان، ويجوز الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف: أي أحدهم الأقرع، والنصب على أنه مفعول لفعل مقدّر؛ أي أعني. و«الأقرع»- بفتح الهمزة، وسكون القاف، وبالراء، وبالعين المهملة -ابن حابس- بالحاء المهملة، وكسر الباء الموحّدة، وبالسين المهملة- ابن عقال بن محمد بن سفيان بن مُجاشع المجاشعيّ الدارميّ أحدُ المؤلفة قلوبهم، وقد تقدّم الكلام فيه مطوّلًا في شرح حديث رافع بن خَدِيج -﵁- الماضي. وقوله: (الْحَنْظَلِيُ) نسبة إلى حنظل بن مالك بن زيد مناة بن تميم، زاد في رواية للبخاريّ: «ثم المجاشعيّ»، نسبة إلى مجاشع بن دام بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم. [تنبيه]: وقع في رواية البخاريّ: «وأقرع بن حابس»، بدون «أل»، فقال ابن مالك ﵀: فيه شاهد على أن ذا الألف واللام من الأعلام الغالبة قد يُنزعان عنه في غير نداء، ولا إضافة، ولا ضرورة، وقد حَكَى سيبويه عن العرب: هذا يومُ اثنين مباركٌ، وقال: ومما جاء منه في الشعر قول مسكين الدارميّ [من الطويل]: وَنَابِغَةُ الْجَعْدِيُّ فِي الرَّمْلِ بَيْتُهُ … عَلَيْهِ صَفِيحٌ مِنْ رِجَامٍ مُوَضَّعِ وإلى القاعدة المذكورة أشار في «الخلاصة» بقوله: وَقَدْ يَكُونُ عَلَمًا بِالْغَلَبَهْ … مُضَافٌ اوْ مَصْحُوبُ «أَلْ» كَالْعَقَبَهْ وَحَذْفَ «أَلْ» ذِي إِنْ تُنَادِ أَوْ تُضِفْ … أَوْجبْ وَفِي غَيْرِهِمَا قَدْ تَنْحَذِفْ (وَعُيَيْنَةُ بْنُ بَدْرٍ) كذا نُسِب لجدّه الأَعلى، وهو عيينة بن حِصْن بن حُذيفة بن بدر الفزاريّ. وقال النوويّ ﵀: قوله: «عيينة بن بدر الفزاريّ»، وكذا في الرواية التي بعد هذه، روايةِ قتيبة قال فيها: «عيينة بن بدر»، وفي بعض النسخ في الثانية: «عيينة بن حِصْن»، وفي معظمها: «عيينة بن بدر»، ووقع في الرواية التي قبل هذه، وهي الرواية التي فيها الشعر: «عيينة بن حِصْن» في جميع النسخ، وكله صحيحٌ، فحصن أبوه، وبدر جد أبيه، فنُسب تارة إلى أبيه، وتارة إلى جد أبيه؛ لشهرته، ولهذا نسبه إليه الشاعر في قوله: فَمَا كَانَ بَدْرٌ وَلَا حَابِسٌ وقد تقدّم الكلام فيه مطوّلًا في شرح حديث رافع بن خديج -﵁- أيضًا. وقوله: (الْفَزَارِيُ) بفتح الفاء، وتخفيف الزاي، وبالراء نسبة إلى فزارة المذكورة في نسبه. (وَعَلْقَمَةُ بَنُ عُلَاَثَةَ) -بضم العين المهملة، وتخفيف اللَّام، وبالثاء المثلثة- ابن عوف بن الأحوص بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، كان من أشراف قومه حليمًا عاقلًا، ولم يكن فيه ذلك الكرم، وارتدَّ لما رجع رسول الله -ﷺ- إلى الطائف، ثم أسلم أيام الصديق -﵁-، وحسن إسلامه، واستعمله عمر -﵁- على حُوران، فمات بها. ووقع في رواية البخاريّ من طريق عبد الواحد بن زياد، عن عُمارة بن القعقاع، عن ابن أبي نُعْم: «إما علقمة، وإما عامر بن الطفيل». فقال في «الفتح»: وجزم في رواية سعيد بن مسروق بأنه علقمة بن عُلاثة العامريّ، ثم أحد بني كلاب، وهو من أكابر بني عامر، وكان يتنازع الرياسة هو وعامر بن الطفيل، وأسلم علقمة، فحسن إسلامه، واستعمله عمر على حَوْران، فمات بها في خلافته، وذكرُ عامر بن الطفيل غلطٌ من عبد الواحد، فإنه كان مات قبل ذلك. انتهى . وقوله: (الْعَامِرِيُ) منسوب إلى عامر بن صعصعة بن مالك المذكور في نسبه. (ثُمَّ أَحَدُ بَنِي كِلَابٍ) هو كلاب بن ربيعة المذكور في نسبه. (وَزَيْدُ الْخَيْرِ) قال النوويّ ﵀: كذا هو في جميع النسخ «الخير» بالراء، وفي الرواية التي بعدها «زيد الخيل» باللام، وكلاهما صحيح، يقال بالوجهين، كان يقال له في الجاهلية: زيد الخيل؛ لكرائم الخيل التي كانت له، فسماه رسول الله -ﷺ- في الإسلام: زيد الخير. انتهى . وهو: زيد الخيل بن مُهَلهل بن زيد بن منهب بن عبد رضا بن أفصى بن المختلس بن ثوب بن كنانة بن مالك بن نابل بن عمرو بن الغوث بن طيّئ الطائيّ، كان شاعرًا خطيبًا، شُجاعًا كريمًا، قدم على رسول الله -ﷺ- سنة تسع، وسمّاه رسول الله -ﷺ- زيد الخير، وأقطع له أرضين في ناحيته، يكنى أبا منذر، مات منصرفه من عند رسول الله -ﷺ-، وقيل: في خلافة عمر -﵁-. وقال في «الفتح»: وقيل له: زيد الخيل؛ لكرائم الخيل التي كانت له، وسماه النبيّ -ﷺ- زيد الخير بالراء بدل اللام، وأثنى عليه، فأسلم، فحسن إسلامه، ومات في حياة النبيّ -ﷺ-. انتهى. وذكر في «القاموس» أن زيد الخير كان يُدعى زيد الخيل؛ لشجاعته، فسمّاه -ﷺ- لَمَّا وَفَدَ زيد الخير؛ لأنه بمعناه، وأيضًا أزال توهّم أنه سُمّي به لما اتّهمه كعب بن زُهير من أخذ فرس له. انتهى . (الطَّائِيُ) نسبة إلى طيّئ المذكور في نسبه، وهو من النسب الشواذّ؛ لأن القاعدة أنه إذا نُسب إلى نحو طيّب، وطيّئ تُحذف الياء الثانية، فيقال: طَيْبيّ، وطَيْئِي، لكن ثبت عن العرب أنهم قالوا: طاليّ بإبدال الياء ألفًا، وإلى هذا أشار في «الخلاصة» بقوله: وَثَالِثٌ مِنْ نَحْوِ طَيِّبٍ حُذِفْ … وَشَذَّ طَائِيٌّ مَقُولًا بِالأَلِفْ (ثُمَّ أَحَدُ بَنِي نَبْهَانَ) -بفتح النون، وسكون الباء الموحّدة- ونبهان هو: ابن أسودان بن عمرو بن الغوث بن طيء. (قَالَ: فَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ) وفي رواية البخاريّ: «فغضبت قريش، والأنصار» (فَقَالُوا) وفي الرواية التالية: «فقال رجل من أصحابه» (أَيُعْطِي) الاستفهام للإنكار، وفي نسخة «يُعطي» بحذف همزة الاستفهام (صَنَادِيدَ نَجْدٍ) بالصاد المهملة، والنون: جمع صِنْديد، وهم الأشراف، والعظماء، والرؤساء، وكلُّ عظيم غالبٍ صِنْدِيدٌ، أفاده في «النهاية» . وقال في «القاموس»: «الصِّنْدِدُ» كزِبْرِجٍ: السيّد الشجاع، كالصِّنْدِيد، أو الحليم، أو الجواد، أو الشريف. انتهى . و«نَجْد» -بفتح النون، وسكون الجيم- هو ما بين الحجاز إلى الشام، إلى الْعُذيب، فالطائف من نجد، والمدينة من نجد، وأرض اليمامة والبحرين إلى عمان إلى العروض، وقال ابن دريد: نجد بلد للعرب، وإنما سُمِّي نجدًا؛ لعلوه عن انخفاض تهامة. انتهى . (وَيَدَعُنَا) أي يتركنا (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «إِنِّي إِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ) أي إعطاء صناديد نجد (لأَتَأَلَّفَهُمْ) من التألّف، وهو المداراة، والإيناس؛ ليثبتوا على الإسلام رغبةً فيما يَصِل إليهم من المال؛ يعني أنه إنما أعطاهم ليستميل قلوبهم بالإحسان والمودّة. [فائدة]:«المؤلّفة»بصيغة اسم المفعول، و«قلوبُهُم»بالرفع على أنه نائب الفاعل: أي المستمالَةُ قلوبهم بالإحسان، والمودّة، وكان النبيّ -ﷺ- يعطيهم من الصدقات، وكانوا من أشراف العرب، فمنهم من كان يُعطيه دفعًا لأذاه، ومنهم من كان يعطيه طَمَعًا في إسلامه، وإسلام أتباعه، ومنهم من كان يُعطيه ليَثْبُت على إسلامه؛ لقرب عهده بالجاهليّة، قاله الفيّوميّ ﵀. وقال العلّامة القرطبيّ ﵀ في«تفسيره»: هم قوم كانوا في صدر الإسلام ممن يُظهر الإسلام، يُتَألّفون بدفع سهم من الصدقة إليهم لضعف يقينهم، قال الزهريّ: المؤلّفة مَن أسلم من يهوديّ، أو نصرانيّ، وإن كان غنيًّا. وقال بعض المتأخّرين: اختُلِف في صفتهم؛ فقيل: هم صنف من الكفّار يُعطَون ليتألّفوا على الإسلام، وكانوا لا يُسلمون بالقهر والسيف، ولكن يسلمون بالعطاء والإحسان. وقيل: هم قوم أسلموا في الظاهر، ولم تستيقن قلوبهم، فيُعْطَون ليتمكّن الإسلام في صدورهم. وقيل: هم قوم من عظماء المشركين لهم أتباع يُعطَون ليتألفوا أتباعهم على الإسلام. قال: وهذه الأقوال متقاربة، والقصد بجميعها الإعطاءُ لمن لا يتمكّن إسلامه حقيقةً إلا بالعطاء؛ فكأنه ضربٌ من الجهاد، والمشركون ثلاثة أصنافٌ: صنف يرجع بإقامة البرهان، وصنفٌ بالقهر، وصنفٌ بالإحسان، والإمام الناظر للمسلمين يستعمل مع كلّ صنف ما يراه سببًا لنجاته، وتخليصه من الكفر. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . (فَجَاءَ رَجُلٌ) هذا الرجل هو ذو الْخُويصرة التميميّ، كما سيأتي صريحًا بعد أربعة أحاديث، وعند أبي داود اسمه نافع، ورجحه السهيليّ، وقيل: اسمه حُرْقوص بن زهير السعديّ (كَثُّ اللِّحْيَةِ) بفتح الكاف، وتشديد الثاء المثلّثة: أي كثير شعرها، غير مسبلة، وقال ابن الأثير: الكثاثة في اللحية أن تكون غير رقيقة، ولا طويلة، ولكن فيها كثافة، يقال: رجل كَثّ اللحية، بفتح الكاف، وقوم كُثٌّ بالضم. انتهى . (مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ) بشين معجمة، وفاء: أي بارزهما، و«الوجنتان»: العظمان المشرِفان على الخدين . وقال النوويّ: «الوجنة»: بفتح الواو، وضمّها، وكسرها، ويقال أيضًا: أُجنة، وهي لحم الخدّ. وقال الفيّوميّ: الوجنة من الإنسان ما ارتفع من لحم خدّه، والأشهر فتح الواو، وحكي التثليث، والجمع وَجَنَات، مثلُ سَجْدة وسَجَدَات. انتهى. وقال في «اللسان»: الوجنة مثلّثةً، والوَجَنَة محرّكةً، والأُجْنة مثلثةً: ما انحدر من الْمَحْجِرِ ، ونَتَأَ من الوجه، وقيل: ما نتأ من لحم الخدّ بين الصدغين، وكَنَفي الأنف. وقيل: هو فَرَقُ ما بين الخدّين والْمَدْمع من العظم الشاخص في الوجه؛ إذا وضعت عليه يدك وجدت حجمه. وحكى اللحيانيّ: إنه لحسن الوَجَنَات، كأنه جعل كلّ جزء منها وجنة، ثم جمع على هذا. انتهى. وقال في «العمدة»: قوله: «مشرف الوجنتين»: أي غليظهما، ويقال: أي ليس بسهل الخدّ، وقد أشرفت وجنتاه؛ أي عَلَتا، وأصله من الشرف، وهو العلوّ، و«الوجنتان»: العظمان المشرفان على الخدّين، وقيل: لحم الخدّ، وكل واحدة وجنة، فإذا عظمتا فهو موجنٌ، والوجنة مثلثة الواو، حكاها يعقوب، وبالألف بدل الواو، فهذه أربع لغات، وقال ابن جني: أرى الرابعة على البدل، وفي الجيم لغتان: فتحها، وكسرها، حكاهما في «البارع» عن كراع، والإسكان هو الشائع، فصار ثلاث لغات في الجيم، وقال ثابت: هما فوق الخدين إذا وضعت يدك، وجدت حجم العظم تحتها، وحجمه نتؤه، وقال أبو حاتم: هو ما نتئ من لحم الخدين بين الصُّدْغين، وكنفي الأنف. انتهى . (غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ) بِالغين المعجمة، والتحتانية، من اْلَغْور، والمراد أن عينيه داخلتان في مَحَاجرهما، لاصقتين بقعر الْحَدَقة، وهو ضدّ الجحوظ. (نَاتِئُ الْجَبِينِ) بهمز ناتئ: أي مرتفع الجبين، والجبين -بفتح الجيم، وكسر الموحّدة-: جانب الجبهة، ولكلّ إنسان جبينان يكتنفان الجبهة، وجمعه جُبُن -بضمّتين-، مثل بريد وبُرُد، وأَجْبِنة، مثلُ أَسْلِحَة. وفي «الكبرى»: «قاني الجبين» بالقاف بدل «ناتئ»، والظاهر أنه بمعناه؛ لأن قَنَا الأنفِ: ارتفاع أعلاه، واحْدِيدَاب وسطه، كما في «القاموس». (مَحْلُوقُ الرَّأْسِ) وفي رواية للبخاريّ في «التوحيد» من طريق معبد بن سيرين، عن أبي سعيد -﵁-: «قيل: ما سيماهم؟ قال: سيماهم التحليق»، أو قال: «التسبيد»، و«التسبيد» بمعنى التحليق، أو أبلغ منه. قال في «الفتح»: وكان السلف يُوَفِّرون شعورهم، لا يَحلقونها، وكانت طريقة الخوارج حلق جميع رؤوسهم. انتهى . قال الكرمانيّ ﵀: فيه إشكالٌ، وهو أنه يلزم من وجود العلامة وجود ذي العلامة، فيستلزم أنّ كلّ من كان محلوق الرأس، فهو من الخوارج، والأمر بخلاف ذلك اتفاقًا، ثم أجاب بأنّ السلف كانوا لا يحلقون رؤوسهم، إلا للنسك، أو في الحاجة، والخوارج اتخذوه دَيْدنًا، فصار شِعَارًا لهم، وعُرفوا به، قال: ويَحْتَمِل أن يُراد به حلق الرأس واللحية، وجميع شعورهم، وأن يراد به الإفراط في القتل، والمبالغة في المخالفة في أمر الديانة. انتهى. قال الحافظ ﵀: الأول باطل؛ لأنه لم يقع من الخوارج، والثاني مُحْتَمِلٌ، لكن طرق الحديث المتكاثرة كالصريحة في إرادة حلق الرأس، والثالث كالثاني، والله أعلم. انتهى . وزاد في رواية: «مشمّر الإزار». (فَقَالَ) ذلك الرجل (اتَّقِ اللهَ يَا مُحَمَّدُ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «فَمَنْ يُطِعِ اللهَ) هكذا النسخ التي عندي بجزم»يُطع«، والوجه أن يُرفع؛ لأن»من«هنا استفهاميّة، لا شرطيّة، والاستفهاميّة لا تجزم، وكذا وقع عند النسائيّ في»المجتبى«، فقال السنديّ ﵀ في»شرحه«:»من«استفهاميّة لا شرطيّة، فالوجه إثبات الياء؛ أي من يطيعُ الله، كما في«الكبرى». والمعنى: أيُّ شخص يتّقيه؟؛ أي لا أحد يتقي الله إذا عصاه النبيّ -ﷺ-؛ إذ الخلق مأمورون باتباعه -ﷺ-، فإذا عصى يتبعونه في العصيان، فلا أحد يتّقيه. (إن عَصَيْتُهُ) أي مع عصمتي، وثبوت نبوّتي، وفي الرواية التالية:«أوَ لست أحقّ أهل الأرض أن يَتّقِيَ اللهَ؟ ». (أَيَأْمَنُنِي) أي أيجعلني أمينًا (عَلَى أَهْلِ الأرض) أي يجعلني الله تعالى مؤتمنًا على شرعه الذي يُنزله على أهل الأرض، حيث بعثني رسولًا إليهم، ومعلوم أن مدار الرسالة على الأمانة. (وَلَا تَأْمَنُونِي؟») يَحْتَمِل أن يكون بتشديد النون الثانية، وتخفيفها؛ أي ألا تعتقدون كوني أمينًا؛ إذ آمنتم برسالتي؛ لأن ذلك مقتضى الإيمان بها، والخطاب على وجه العتاب لذي الخويصرة وأصحابه. (قَالَ) أبو سعيد -﵁- (ثُمَّ أَدْبَرَ الرَّجُلُ) أي ولّى عن مجلس رسول الله -ﷺ- (فَاسْتَأْذَنَ رَجُلٌ من الْقَوْمِ في قَتْلِهِ) أي قتل ذلك الرجل (يُرَوْنَ) يَحْتَمِل أن يكون «يَرَوْن» بالبناء للفاعل بمعنى يعلمون، ويَعتقدون، وَيحْتَمِل أن يكون بالبناء للمفعول بمعنى يظنّون؛ أي يظنّون الرجل المستأذِن (أَنَّهُ خَالِدُ بْنُ الْوَليدِ) هكذا في هذه الرواية بالشكّ، وفي الرواية التالية: «فقال خالد بن الوليد: يا رسول الله ألا أضرب عُنُقه؟» بدون شكّ، وفي الرواية الثالثة: «فقام إليه عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول الله إلخ»، ولا تنافي بين الروايتين؛ لاحتمال أن يكون كلّ منهما استأذن في ذلك. وفي الرواية التالية: لَمّا استأذن خالد في ضرب عنقه، قال -ﷺ-: «لا، لعله أن يكون يصلّي»، فقال خالد: وكم من مصلّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه؟، قال رسول الله -ﷺ-: «إنّي لم أومر أَن أَنقُب عن قلوب الناس، ولا أشُقّ بطونهم»، قال: ثم نظر إليه، وهو مُقَفٍّ، فقال: «إنه يخرج من ضئضئ هذا إلخ». قال في «الفتح»: قال القرطبي: إنما منع قتله، وإن كان قد استوجب القتل؛ لئلا يتحدّث الناس أنه يقتل أصحابه، ولا سيّما من صلّى، كما ثبت نظيره في قصّة عبد الله بن أُبيّ. وقال المازريّ: يَحْتَمِل أن يكون النبيّ -ﷺ- لم يفهم من الرجل الطعن في النبوّة، وإنما نسبه إلى ترك العدل في القسمة، وليس ذلك كبيرة، والأنبياء معصومون من الكبائر بالإجماع، واختُلف في جواز وقوع الصغائر منهم، أو لعلّه لم يعاقب هذا الرجل؛ لأنه لم يثبت ذلك عنه، بل نقله عنه واحدٌ، وخبر الواحد لا يُراق به الدم. انتهى. وأبطله عياض بقوله في الحديث: «اعدل يا محمّد»، فخاطبه في الملأ بذلك حتى استأذنوه في قتله، فالصواب ما تقدّم. انتهى. (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا) قال النوويّ ﵀: هو بضادين معجمتين، مكسورتين، وآخره مهموز، وهو أصل الشيء، وهكذا هو في جميع نسخ بلادنا، وحكاه القاضي عن الجمهور، وعن بعضهم أنه ضبطه بالمعجمتين، والمهملتين جميعًا، وهذا صحيحٌ في اللغة، قالوا: ولأصل الشيء أسماءٌ كثيرةٌ، منها: الضئضئ بالمعجمتين، والمهملتين، والنَّجَار، بكسر النون، والنِحَاس ، والسِّنْخ، بكسر السين، وإسكان النون، وبخاء معجمة، والعُنْصَر بضم العين، وضمّ الصاد، وتُفتح، والعِيصُ بكسر العين، والأرومة بفتح الهمزة، وضمّها. انتهى بزيادة . وقد نظمت هذا فقلت: لِلأَصْلِ أَسْمَاءٌ فَقُلْ ضِئْضِيئُ … بِمُعْجَمَيْنِ وَكَذَا الصِّئْصِيئُ بِمُهْملَيْنِ وَالنِّحَاسُ وَالنِّجَارْ … كَذَلِكَ السِّنْخُ فَخُذْهَا بِاخْتِصَارْ وقال في «الفتح»: قوله: «من ضئضئ» كذا للأكثر بضادين معجمتين، مكسورتين، بينهما تحتانية مهموزة ساكنة، وفي آخره تحتانية مهموزة أيضًا، وفي رواية الكشميهني بصادين مهملتين، فأما بالضاد المعجمة فالمراد به النسل والعقب، وزعم ابن الأثير أن الذي بالمهملة بمعناه، وحكى ابن الأثير أنه رُوي بالمدّ بوزن قِنديل، وفي رواية للبخاريّ في «أحاديث الأنبياء» أنه «من ضئضئ هذا، أو من عقب هذا». انتهى . وعبارة ابن الأثير ﵀: «الضِّئْضِئ: الأصلُ، يقال: ضِئضئُ صِدْقٍ، وضُوضُؤُ صِدْق، وحَكَى بعضهم ضِئْضئ، بوزن قِنْدِيل، يريد أنه يخرُج من نسله وعَقِبِهِ، ورواه بعضهم بالصاد المهملة، وهو بمعناه. انتهى . (قَوْمًا يقرأون الْقُرْآنَ) وفي الرواية التالية:«يتلون كتاب الله رَطْبًا»، وفي الرواية الثالثة:«يتلون كتاب الله لَيِّنًا رَطْبًا»(لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ) أي حلقهم بالصعود إلى محل القبول، أو بالنزول إلى القلوب؛ ليفقهوه. وقال في«العمدة»:«الحناجر»: جمع حَنْجَرة، وهي رأس الْغَلْصَمة، حيث تراه ناتئًا من خارج الحلق، وقال ابن التين: معناه لا يُرْفَع في الأعمال الصالحة، وقال عياض: لا تَفْقَهُهُ قلوبهم، ولا ينتفعون بما يتلو منه، ولا لهم حظٌّ سوى تلاوة الفم، وقيل: معناه لا يَصْعَد لهم عَمَلٌ، ولا تلاوةٌ، ولا تُتَقَبَّل . (يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ، وَيَدَعُونَ) أي يتركون (أَهْلَ الْأَوْثَانِ) جمع وَثَن، وهو كلُّ ما له جُثّةٌ معمولة من جواهر الأرض، أو من الخشب والحجارة، كصورة الآدميّ، يُعْمَل، ويُنْصَب، فيعبد، وهذا بخلاف الصنم، فإنه الصورة بلا جُثّة، ومنهم من لم يفرّق بينهما، قاله في «العمدة» . وهذا مما أخبر به النبيّ -ﷺ- من المغيبات، فوقع كما قال -ﷺ-. قيل: لَمّا خرج إليهم عبد الله بن خَبّاب رسولًا من عند عليّ -﵁-، فجعل يَعِظهم، فمَرَّ أحدهم بتمرة لمعاهد، فجعلها في فيه، فقال بعض أصحابه: تمرة معاهد، فيم استحللتها؟ فقال لهم عبد الله بن خباب: أنا أدلكم على ما هو أعظم، حرمةُ رجل مسلم؛ يعني نفسه، فقتلوه، فأرسل إليهم عليّ -﵁- أن أقيدونا به، فقالوا: كيف نُقيدك به، وكلنا قتله؟ فقاتلهم عليّ، فقتل أكثرهم، قيل: كانوا خمسة آلاف، وقيل: كانوا عشرة آلاف . (يَمْرُقُونَ) من باب قعد (من الْإِسْلَامِ) أي يخرجون منه، وفي الرواية التالية: «يمرقون من الدين»، قال في «الفتح»: وفي قوله: «من الإسلام» رَدٌّ على من أَوَّلَ الدين هنا بالطاعة، وقال: إن المراد أنهم يخرجون من طاعة الإمام، كما يخرج السهم من الرَّمِيّة، وهذه صفة الخوارج الذين كانوا لا يُطيعون الخلفاء، والذي يظهر أن المراد بالدين الإسلام، كما فسرته الرواية الأخرى، وخرج الكلام مخرج الزجر، وأنهم بفعلهم ذلك يخرجون من الإسلام الكامل. انتهى . (كما يَمْرُقُ السَّهْمُ من الرَّمِيَّةِ) أي يخرجون من الإسلام خروجَ السهم إذا نَفَذَ من الصيد من جهة أخرى، ولم يتعلق بالسهم من دمه شيءٌ، وبهذا سُمِّيت الخوارج: الْمُرَّاق. و«الرمِيَّة» بفتح الراء، على وزن فَعِيلة، من الرمي، بمعنى مفعولة، فقال الداوديّ: الرّمِيّة: الصيد المرميّ، وهذا الذي ذكره صفات الخوارج الذين لا يدينون للأئمة، ويخرجون عليهم. (لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ») أي قتلًا عامًّا، مستأصلًا، كما قال تعالى: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨)﴾ [الحاقة: ٨]، وفي الرواية التالية:«قتل ثمود». قال القرطبيّ ﵀: ووجه الجمع أن يكون النبيّ -ﷺ- قال كليهما، فذكر أحد الرواة أحدهما، وذكر الآخرُ الآخرَ، ومعنى هذا أنه كان يقتلهم قتلًا عامًّا، بحيث لا يُبقِي منهم أحدًا في وقت واحد، لا يؤخّر قتل بعضهم عن بعضٍ، ولا يُقيل أحدًا منهم، كما فَعَل الله بعاد، حيث أهلكهم بالريح العقيم، وبثمود، حيث أهلكهم بالصَّيْحَة. انتهى . وقال في«الفتح»: وقد استُشكل قوله:«لئن أدركتهم لأقتلنّهم»مع أنه نهى خالدًا عن قتل أصلهم. وأجيب بأنه أراد إدراك خروجهم، واعتراضهم على المسلمين بالسيف، ولم يكن ظهر ذلك في زمانه ﷺ، وأوّل ما ظهر في زمان عليّ -﵁-، كما هو مشهور. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٥/ ٢٤٥١ و٢٤٥٢ و٢٤٥٣ و٢٤٥٤] (١٠٦٤)، و(البخاريّ) في«أحاديث الأنبياء»(٣٣٤٤) و«المغازي»(٤٣١٥) و«التوحيد»(٧٤٣٢)، و(أبو داود) في«السنّة»(٤١٣٦)، و(النسائيّ) في«الزكاة»(٢٥٧٨) و«تحريم الدم»(٤١٠١) و«الكبرى»(٢/ ٤٦ و٣١١ و٦/ ٣٥٦)، و(أبو داود الطيالسيّ) في«مسنده»(١/ ٢٩٦)، و(أحمد) في«مسنده»(٣/ ٤ و٦٨ و٧٣)، و(أبو نعيم) في«مستخرجه»(٣/ ١٢٨)، و(أبو يعلى) في«معجمه»(١/ ٤٤)، و(البيهقيّ) في«الكبرى»(٦/ ٣٣٩ و٧/ ١٨ و٨/ ١٦٩)، و(سعيد بن منصور) في«سننه»(٢/ ٣٧٤)، و(عبد الرزّاق) في«مصنّفه»(١٠/ ١٥٦)، و(الطبرانيّ) في«الكبير» (١/ ٥٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن المؤلّفة قلوبهم من مصارف الزكاة، فيُعطون منها؛ استمالة لقلوبهم إلى الإسلام، وفيه خلاف بين العلماء، سيأتي بيانه في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. ٢ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ -ﷺ- من العفو، والصفح، والتجاوز، وإن كانت الإساءة إليه كبيرة. ٣ - (ومنها): أنّ ملازمة قراءة القرآن لا يدلّ على صدق إيمان الشخص حتى يقوم بالعمل به كما ينبغي. ٤ - (ومنها): أن فيه بيانَ صفات الخوارج التي يتميّزون بها عن المسلمين، فهم كثيرو العبادة، وعداوتهم للمسلمين أكثر من عداوة غيرهم. ٥ - (ومنها): مشروعيّة قتال الخوارج، سواء قلنا: إنهم مرتدّون عن الإسلام، أو قلنا: إنهم بُغَاة، خرجوا على أهل العدل. ٦ - (ومنها): أن فيه عَلَمًا من أعلام النبوّة، قال القرطبيّ ﵀: هذا منه -ﷺ- إخبار عن أمرٍ غيبٍ، وقع نحوَ ما أخبر عنه، فكان دليلًا من أدلّة نبوّته -ﷺ-، وذلك أنهم لَمّا حَكَموا بكفر مَن خَرَجُوا عليه من المسلمين، استباحوا دماءهم، وتركوا أهل الذّمّة، وقالوا: نفي بذمّتهم، وعَدَلُوا عن قتال المشركين، واشتغلوا بقتال المسلمين عن قتال المشركين. وهذا كلّه من آثار عبادات الجهّال الذين لم يشرح الله صدورهم بنور العلم، ولم يتمسّكوا بحبل وثيق، ولا صَحِبهم في حالهم ذلك توفيق، وكفى بذلك أن مُقَدَّمهم ردّ على رسول الله -ﷺ- أمره، ونَسَبَه إلى الْجَوْر، ولو تبصّر لأبصر عن قرب أنه لا يُتَصَوَّر الظلم والْجَوْر في حقّ رسول الله -ﷺ-، كما لا يُتصوّر في حقّ الله تعالى؛ إذ الموجودات كلّها ملكٌ لله تعالى، ولا يستحقّ أحد عليه حقًّا، فلا يُتصوّر في حقّه شيءٌ من ذلك، والرسول مُبلّغٌ حكمَ الله تعالى، فلا يُتصوّر في حقّه من ذلك ما لا يتصوّر في حقّ مُرْسِلِه. ويكفيك من جهلهم، وغُلُوّهم في بدعتهم حكمُهُم بتكفير مَن شهد له رسول الله -ﷺ- بصحّة إيمانه، وبأنه من أهل الجنّة، كعليّ، وغيره، من صحابة رسول الله -ﷺ-، مع ما وَقَعَ في الشريعة، وعُلم على القطع والثبات من شهادات الله، ورسوله لهم، وثنائه على عليّ، والصحابة عمومًا وخصوصًا. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ ، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. ٧ - (ومنها): ما قال ابن هُبيرة ﵀: إن قتال الخوارج أولى من قتال المشركين، والحكمة فيه أن في قتلهم حفظ رأس مال الإسلام، وفي قتال أهل الشرك طلب الربح، وحفظُ رأس المال أولى. ٨ - (ومنها): التحذير من الغلوّ في الديانة، والتنطّع في العبادة، وقد وَصَف الشارع الشريعة بأنها سهلة سمحة، وإنما ندب إلى الشدّة على الكفّار، والرأفة بالمؤمنين، فعكس ذلك الخوارج، فقتلوا المؤمنين، وتركوا الكفّار. ٩ - (ومنها): أن فِيهِ الزَّجْرَ عَنْ الأَخْذ بِظَوَاهِر جَمِيع الآيَات الْقَابِلَة لِلتَّأْوِيلِ، الَّتِي يُفْضِي الْقَوْل بِظَوَاهِرِهَا، إِلَى مُخَالَفَة إِجْمَاع السَّلَف؛ لأن هؤلاء الخوارج ما خرجوا عن جادّة الإسلام إلا عن هذا الطريق. ١٠ - (ومنها): جواز قتال من خرج عن طاعة الإمام العادل، ونَصَبَ الحرب، فقاتل على اعتقاد فاسد. ١١ - (ومنها): بيان أن من المسلمين مَن يخرج من الدِّين من غير أن يقصد الخروج منه، ومن غير أن يختار دينًا على دين الإسلام. ١٢ - (ومنها): أن فيه منقبةً لعمر بن الخطّاب، وخالد بن الوليد -﵁-؛ لشدّة غيرتهما على الدين حيث استأذنا بقتل ذلك الرجل. ١٣ - (ومنها): أنه لا يُكتَفَى في التعديل بظاهر الحال، ولو بلغ الشهود بتعديله الغاية في العبادة، والتقشّف، والورع حتى يُختَبَرَ باطن حاله. ١٤ - (ومنها): ما قيل: إن فيه ذَمَّ اسْتِئْصَال شَعْر الرَّأس، قال الحافظ ﵀: وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لاحْتِمَالِ أَنْ يَكُون الْمُرَاد بَيَان صِفَتهمْ الْوَاقِعَة، لا لإِرَادَةِ ذَمّهَا، وَتَرْجَمَ أَبُو عَوَانَة فِي «صَحِيحه» لِهَذِهِ الأَحَادِيث: «بَيَان أَنَّ سَبَب خُرُوج الْخَوَارِج، كَانَ بِسَبَبِ الأَثَرَة فِي الْقِسْمَة، مَعَ كَوْنهَا كَانَتْ صَوَابًا، فَخَفِيَ عَنْهُمْ ذَلِكَ». ١٥ - (ومنها): أن فيه إِبَاحَةَ قِتَال الْخَوَارِج بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَة، وَقَتْلهمْ فِي الْحَرْب، وَثُبُوت الأَجْر لِمَنْ قَتَلَهُمْ. ١٦ - (ومنها): ما قيل: إنَّ الْخَوَارِج شَرّ الْفِرَق الْمُبْتَدِعَة، مِن الأُمَّة الْمُحَمَّدِيَّة، وَمِن الْيَهُود وَالنَّصَارَى. قال الحافظ ﵀: وَالأَخِير مَبْنِيّ عَلَى الْقَوْل بِتَكْفِيرِهِمْ مُطْلَقًا. ١٧ - (ومنها): أنه احتجّ به من قال بتكفير الخوارج، وإليه ميل الإمام البخاريّ ﵀ في «صحيحه»، حيث قرنهم بالملحدين، وبذلك صرّح ابن العربيّ في شرح الترمذيّ، فقال: الصحيح أنهم كفّار؛ لقوله -ﷺ-: «يمرقون من الإسلام»، ولقوله: «لأقتلنّهم قتل عاد»، وفي لفظ: «ثمود»، وكلّ منهما إنما هلك بالكفر، وبقوله: «هم شرّ الخلق»، ولا يوصف بذلك إلا الكفّار، ولقوله: «إنهم أبغض الخلق إلى الله تعالى». وذهب كثير من أهل العلم إلى أن الخوارج فُسّاق، وأنهم يُجرَى عليهم حكم الإسلام؛ لتلفّظهم بالشهادتين، ومواظبتهم على أركان الإسلام. قال القرطبيّ ﵀ في «المفهم»: والقول بتكفيرهم أظهر في الحديث، قال: وباب التكفير باب خطر، ولا نعدل بالسلامة شيئًا. انتهى. وسيأتي تحقيق الخلاف في هذه المسألة، وبيان حجة كلّ قول، وترجيح الراجح بدليله في المسألة الخامسة- إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في معنى الخوارج، ومتى خرجوا؟، وبيان سبب خروجهم: (اعلم): أن الخوارج جمع خارجة؛ أي طائفة، وهم قوم مبتدعون، سُمُّوا بذلك لخروجهم عن الدين، وخروجهم على خيار المسلمين، وأصل بدعتهم فيما حكاه الرافعيّ في «الشرح الكبير» أنهم خرجوا على علي -﵁- حيث اعتقدوا أنه يَعْرِف قَتَلَة عثمان -﵁- ويَقْدِر عليهم، ولا يَقْتَصّ منهم لرضاه بقتله، أو مواطأته إياهم، كذا قال، وهو خلاف ما أطبق عليه أهل الأخبار، فإنه لا نزاع عندهم أن الخوارج لم يطلبوا بدم عثمان، بل كانوا ينكرون عليه أشياء، ويتبرءون منه، وأصل ذلك أن بعض أهل العراق أنكروا سِيرة بعض أقارب عثمان، فطَعَنوا على عثمان بذلك، وكان يقال لهم: القرّاء؛ لشدة اجتهادهم في التلاوة والعبادة، إلا أنهم كانوا يتأوّلون القرآن المراد منه، ويستبدون برأيهم، ويتنطعون في الزهد والخشوع، وغير ذلك، فلما قُتِل عثمان قاتلوا مع عليّ، واعتقدوا كُفْرَ عثمان ومن تابعه، واعتقدوا إمامة عليّ وكفر من قاتله من أهل الجمل الذين كان رئيسهم طلحة والزبير، فإنهما خرجا إلى مكة بعد أن بايعا عليًا، فلقيا عائشة وكانت حجّت تلك السنة، فاتفقوا. على طلب قَتَلَة عثمان، وخرجوا إلى البصرة يدعون الناس إلى ذلك، فبلغ عليًا، فخرج إليهم، فوقعت بينهم وقعة الجمل المشهورة، وانتصر عليٌّ، وقتل طلحة في المعركة، وقُتل الزبير بعد أن انصرف من الوقعة، فهذه الطائفة هي التي كانت تطلب بدم عثمان بالاتفاق، ثم قام معاوية بالشام في مثل ذلك، وكان أمير الشام إذ ذاك، وكان عليٌّ أرسل إليه لأن يبايع له أهل الشام، فاعتَلَّ بأن عثمان قُتل مظلومًا، وتجب المبادرة إلى الاقتصاص من قَتَلته، وأنه أقوى الناس على الطلب بذلك، ويلتمس من علي أن يُمَكِّنه منهم، ثم يبايع له بعد ذلك، وعلي يقول: ادخل فيما دخل فيه الناس، وحاكمهم إليّ أحكم فيهم بالحق، فلما طال الأمر خرج علي في أهل العراق طالبًا قتال أهل الشام، فخرج معاوية في أهل الشام قاصدًا إلى قتاله، فالتقيا بصِفِّين، فدامت الحرب بينهما أشهرًا، وكاد أهل الشام أن ينكسروا، فرفعوا المصاحف على الرماح، ونادَوْا: ندعوكم إلى كتاب الله تعالى، وكان ذلك باشارة عمرو بن العاص، وهو مع معاوية، فترك جمع كثير ممن كان مع علي، وخُصُوصًا القراءُ القتالَ بسبب ذلك تديُّنًا، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية [آل عمران: ٢٣]، فراسلوا أهل الشام في ذلك، فقالوا: ابعثوا حَكَمًا منكم، وحَكَمًا مِنّا، ويحضر معهما من لم يباشر القتال، فمن رأوا الحق معه أطاعوه، فأجاب عليّ ومن معه إلى ذلك، وأنكرت ذلك تلك الطائفة التي صاروا خوارج، وكتب علي بينه وبين معاوية كتاب الحكومة بين أهل العراق والشام: هذا ما قاضى عليه أمير المؤمنين عليّ معاوية، فامتنع أهل الشام من ذلك، وقالوا: اكتبوا اسمه واسم أبيه، فأجاب علي إلى ذلك، فأنكره عليه الخوارج أيضًا، ثم انفصل الفريقان على أن يحضر الحكمان، ومن معهما بعد مدة عيّنوها في مكان وسط بين الشام والعراق، ويرجع العسكران إلى بلادهم إلى أن يقع الحكم، فرجع معاوية إلى الشام، ورجع علي إلى الكوفة، ففارقه الخوارج، وهم ثمانية آلاف، وقيل: كانوا أكثر من عشرة آلاف، وقيل: ستة آلاف، ونزلوا مكانًا، يقال له: حَرُوراء -بفتح المهملة، وراءين الأولى مضمومة- ومن ثَمَّ قيل لهم: الحرورية، وكان كبيرهم عبد الله بن الْكَوَّاء -بفتح الكاف، وتشديد الواو، مع المد -اليشكريّ، وشَبَث- بفتح المعجمة، والموحدة، بعدها مثلثة- التميميّ، فأرسل إليهم عليٌّ ابنَ عباس، فناظرهم فرجع كثير منهم معه، ثم خرج إليهم عليّ فأطاعوه، ودخلوا معه الكوفة، معهم رئيساهم المذكوران، ثم أشاعوا أن عليًا تاب من الحكومة، ولذلك رجعوا معه، فبلغ ذلك عليًّا، فخطب وأنكر ذلك، فتنادوا من جوانب المسجد: لا حكم إلا لله، فقال: كلمة حق يراد بها باطل، فقال لهم: لكم علينا ثلاث، أن لا نَمنعكم من المساجد، ولا من رزقكم من الفيء، ولا نبدؤكم بقتال ما لم تُحْدِثوا فسادًا، وخرجوا شيئًا بعد شيء إلى أن اجتمعوا بالمدائن، فراسلهم في الرجوع، فأصروا على الامتناع حتى يُشْهِد على نفسه بالكفر؛ لرضاه بالتحكيم، ويتوب، ثم راسلهم أيضًا فاستعرضوا الناس، فقتلوا من اجتاز بهم من المسلمين، ومرَّ بهم عبد الله بن خباب بن الأرت، وكان واليًا لعلي على بعض تلك البلاد، ومعه سُرِّيَّة وهي حامل، فقتلوه وبَقَروا بطن سُرِّيته عن ولد، فبلغ عليًا فخرج إليهم في الجيش الذي كان هيأه للخروج إلى الشام، فأوقع بهم بالنَّهْرَوان، ولم ينج منهم إلا دون العشرة، ولا قُتل ممن معه إلا نحو العشرة، فهذا ملخص أول أمرهم. ثم انضم إلى من بقي منهم مَنْ مال إلى رأيهم، فكانوا مختفين في خلافة علي، حتى كان منهم عبد الرحمن بن مُلْجِم الذي قَتَل عليًا بعد أن دخل علي في صلاة الصبح، ثم لَمّا وقع صلح الحسن ومعاوية ثارت منهم طائفة، فأوقع بهم عسكر الشام بمكان يقال له: النجيلة، ثم كانوا منقمعين في إمارة زياد وابنه عبيد الله على العراق، طول مدة معاوية وولده يزيد، وظفر زياد وابنه منهم بجماعة فأبادهم بين قتل وحبس طويل، فلما مات يزيد ووقع الافتراق، وولي الخلافة عبد الله بن الزبير، وأطاعه أهل الأمصار إلا بعض أهل الشام ثار مروان، فادَّعَى الخلافة، وغلب على جميع الشام إلى مصر، فظهر الخوارج حينئذ بالعراق مع نافع بن الأزرق، وباليمامة مع نَجْدَة بن عامر، وزاد نَجْدة على مُعتَقَد الخوارج أن من لم يخرج ويحارب المسلمين فهو كافر، ولو اعتقد معتقدهم، وعَظُم البلاء بهم، وتوسعوا في معتقدهم الفاسد، فأبطلوا رجم المحصن، وقطعوا يد السارق من الإبط، وأوجبوا الصلاة على الحائض في حال حيضها، وكَفَّروا من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن كان قادرًا، وإن لم يكن قادرًا فقد ارتكب كبيرة، وحُكْمُ مرتكب الكبيرة عندهم حكم الكافر، وكَفُّوا عن أموال أهل الذمة، وعن التعرض لهم مطلقًا، وفَتَكُوا فيمن ينسب إلى الإسلام بالقتل والسبي والنَّهْب، فمنهم من يفعل ذلك مطلقًا بغير دعوة منهم، ومنهم من يدعو أولًا ثم يَفتِك، ولم يزل البلاء بهم يزيد إلى أن أمر الْمُهَلَّب بن أبي صُفْرة على قتالهم فطاولهم حتى ظفر بهم، وتقلل جمعهم، ثم لم يزل منهم بقايا في طول الدولة الأموية وصدر الدولة العباسية، ودخلت طائفة منهم المغرب. وقد صنّف في أخبارهم أبو مِخْنَف -بكسر الميم، وسكون المعجمة، وفتح النون، بعدها فاء- واسمه لوط بن يحيى كتابًا لخصه الطبري في «تاريخه»، وصنّف في أخبارهم أيضًا الهيثم بن عديّ كتابًا، ومحمد بن قدامة الجوهري أحد شيوخ البخاري خارج «الصحيح» كتابًا كبيرًا، وجَمَعَ أخبارهم أبو العباس المبرد في كتابه «الكامل» لكن بغير أسانيد بخلاف المذكورين قبله. قال القاضي أبو بكر ابن العربي: الخوارج صنفان: أحدهما يزعم أن عثمان وعليًا وأصحاب الْجَمَل وصِفِّين وكلُّ من رَضِي بالتحكيم كفار، والآخر يزعم أن كل من أتى كبيرة فهو كافر مخلد في النار أبدًا. وقال غيره: بل المصنف الأول مُفَرَّع عن المصنف الثاني؛ لأن الحامل لهم على تكفير أولئك كونهم أذنبوا فيما فعلوه بزعمهم. وقال ابن حزم: ذهب نَجْدة بن عامر من الخوارج إلى أن من أتى صغيرة عُذِّب بغير النار، ومن أَدْمَن على صغيرة فهو كمرتكب الكبيرة في التخليد في النار، وذكر أن منهم من غلا في معتقدهم الفاسد، فأنكر الصلوات الخمس، وقال: الواجب صلاة بالغداة، وصلاة بالعشي، ومنهم من جوّز نكاح بنت الابن، وبنت الأخ والأخت، ومنهم من أنكر أن تكون «سورة يوسف» من القرآن، وأن من قال: لا إله إلا الله فهو مؤمن عند الله ولو اعتقد الكفر بقلبه. وقال أبو منصور البغدادي في «المقالات»: عِدَّة فِرَق الخوارج عشرون فرقة. وقال ابن حزم: أسوؤهم حالًا الغلاة المذكورون، وأقربهم إلى قول أهل الحق الإباضية، منهم بقية بالمغرب. وقد وردت بما ذُكِر من أصل حال الخوارج أخبار جياد، منها ما أخرجه عبد الرزاق، عن معمر، وأخرجه الطبري من طريق يونس كلاهما عن الزهري، قال: لَمّا نشر أهل الشام المصاحف بمشورة عمرو بن العاص، حين كاد أهل العراق أن يغلبوهم، هاب أهل الشام ذلك إلى أن آل الأمر إلى التحكيم، ورجع كل إلى بلده إلى أن اجتمع الحكمان في العام المقبل بدُومَة الجندل، وافترقا عن غير شيء، فلمّا رجعوا خالفت الحرورية عليًا، وقالوا: لا حكم إلا لله. وأخرج ابن أبي شيبة من طريق أبي رَزِين قال: لَمّا وقع الرضا بالتحكيم، ورجع علي إلى الكوفة اعتزلت الخوارج بحروراء، فبعث لهم عبدَ الله بنَ عباس فناظرهم، فلما رجعوا جاء رجل إلى علي، فقال: إنهم يتحدثون أنك أقررت لهم بالكفر؛ لرضاك بالتحكيم، فخطب وأنكر ذلك، فتنادوا من جوانب المسجد: لا حكم إلا لله. ومن وجه آخر أن رءوسهم حينئذ الذين اجتمعوا بالنهروان: عبدُ الله بن وهب الراسي، وزيد بن حِصْن الطائي، وحُرْقُوص بن زهير السعدي، فاتفقوا على تأمير عبد الله بن وهب، ذكر هذا كلّه في «الفتح» ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في تكفير الخوارج: قال النوويّ ﵀: وَفِي هَذِهِ الأَحَادِيث دَلِيل لِمَنْ يُكَفِّرُ الْخَوَارِجَ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاض ﵀: قَالَ الْمَازِرِيّ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي تَكْفِير الْخَوَارِجِ، قَالَ: وَقَدْ كَادَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَة تَكُون أَشَدّ إِشْكَالًا مِنْ سَائِر الْمَسَائِل، وَلَقَدْ رَأَيْت أَبَا الْمَعَالِي، وَقَدْ رَغِبَ إِلَيْهِ الْفَقِيه عَبْد الْحَقّ رَحِمَهُمَا الله تَعَالَى فِي الْكَلام عَلَيْهَا، فَرَهبَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَاعْتَذَرَ بِأَنَّ الْغَلَط فِيهَا يَصْعُبُ مَوْقِعُهُ؛ لأَنَّ إِدْخَال كَافِر فِي الْمِلَّة، وَإِخْرَاج مُسْلِم مِنْهَا عَظِيم فِي الدِّين، وَقَدْ اضْطَرَبَ فِيهَا قَوْل الْقَاضِي أَبِي بَكْر الْبَاقِلّانِيّ، وَنَاهِيك بِهِ فِي عِلْم الأُصُول، وَأَشَارَ ابْن الْبَاقِلّانِيّ إِلَى أَنَّهَا مِنْ الْمُعَوِّصَات؛ لأَنَّ الْقَوْم لَمْ يُصَرِّحُوا بِالْكُفْرِ، وَإِنَّمَا قَالُوا أَقْوَالًا تُؤَدِّي إِلَيْهِ، وَأَنَا أَكْشِف لَك نُكْتَة الْخِلاف، وَسَبَب الإِشْكَال، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُعْتَزِلِيَّ مَثَلًا يَقُول: إِنَّ الله تَعَالَى عَالِم، وَلَكِنْ لا عِلْمَ لَهُ، وَحَيٌّ وَلا حَيَاةَ لَهُ، يُوقِع الالْتِبَاس فِي تَكْفِيره؛ لأَنَّا عَلِمْنَا مِنْ دَيْن الأُمَّة ضَرُورَةً، أَنَّ مَنْ قَالَ: إِنَّ الله تَعَالَى لَيْسَ بِحَيٍّ، وَلا عَالِم كَانَ كَافِرًا، وَقَامَتْ الْحُجَّة عَلَى اسْتِحَالَة كَوْن الْعَالَم، لا عِلْم لَهُ، فَهَلْ نَقُول: إِنَّ الْمُعْتَزِلِيَّ، إِذَا نَفَى الْعِلْم، نَفَى أَنْ يَكُون الله تَعَالَى عَالِمًا، وَذَلِكَ كُفْر بِالإِجْمَاعِ، وَلَا يَنْفَعُهُ اعْتِرَافُهُ بِأَنَّهُ عَالِم، مَعَ نَفْيِهِ أَصْل الْعِلْم، أَوْ نَقُول: قَدْ اعْتَرَفَ بِأَنَّ الله تَعَالَى عَالِم، وَإِنْكَاره الْعِلْم لا يُكَفِّرهُ، وَإِنْ كَانَ يُؤَدِّي إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِعَالِم، فَهَذَا مَوْضِع الإِشْكَال. هَذَا كَلام الْمَازِرِيّ. وَمَذْهَب الشَّافِعِيّ، وَجَمَاهِير أَصْحَابه الْعُلَمَاء، أَنَّ الْخَوَارج لا يَكْفُرُونَ، وَكَذَلِكَ الْقَدَرِيَّة، وَجَمَاهِير الْمُعْتَزِلَة، وَسَائِر أَهْل الأَهْوَاء. قَالَ الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ الله تَعَالَى: أَقْبَلُ شَهَادَة أهْل الأَهْوَاء إِلا الْخَطَّابِيَّة، وَهُمْ طَائِفَة مِنَ الرَّافِضَة، يَشْهَدُونَ لِمُوَافِقِيهِمْ فِي الْمَذْهَب بِمُجَرَّدِ قَوْلهمْ، فَرَدَّ شَهَادَتَهُمْ لِهَذَا، لا لِبِدْعَتِهِمْ. انتهى كلام النوويّ ﵀ . وقال في «الفتح»: استُدِلّ بحديث أبي سعيد -﵁- هذا لمن قال بتكفير الخوارج، وهو مقتضى صنيع البخاريّ، حيث قَرَنهم بالملحدين، وأفرد عنهم المتاولين بترجمة، وبذلك صَرّح القاضي أبو بكر ابن العربي في «شرح الترمذي»، فقال: الصحيح أنهم كُفّار؛ لقوله -ﷺ-: «يَمْرُقون من الإسلام»، ولقوله: «لأقتُلَنَّهم قتل عاد»، وفي لفظ: «ثمود» وكل منهما إنما هلك بالكفر، وبقوله: «هم شر الخلق»، ولا يوصف بذلك إلا الكفار، ولقوله: «إنهم أبغض الخلق إلى الله تعالى»، ولحكمهم على كل من خالف مُعتَقَدَهم بالكفر، والتخليدِ في النار، فكانوا هم أحقَّ بالاسم منهم. وممن جنح إلى ذلك من أئمة المتأخرين الشيخ تقي الدين السبكي، فقال في «فتاويه»: احتَجَّ من كَفَّر الخوارج، وغُلاة الروافض بتكفيرهم أعلامَ الصحابة؛ لتضمنه تكذيب النبي -ﷺ- في شهادته لهم بالجنة، قال: وهو عندي احتجاجٌ صحيحٌ، قال: واحتَجَّ من لم يكفرهم بأن الحكم بتكفيرهم يَستَدْعِي تقدُّم علمهم بالشهادة المذكورة علمًا قطعيًّا، وفيه نظر؛ لأنا نعلم تزكية من كفَروه علمًا قطعيًا إلى حين موته، وذلك كاف في اعتقادنا تكفير من كفَّرهم، ويؤيده حديث: «مَن قال لأخيه كافر، فقد باء به أحدهما»، وفي لفظ مسلم: «مَنْ رَمَى مسلمًا بالكفر، أو قال: عدو الله إلا حاد عليه»، قال: وهؤلاء قد تحقق منهم أنهم يرمون جماعة بالكفر، ممن حصل عندنا القطع بإيمانهم، فيجب أن يُحكَم بكفرهم بمقتضى خبر الشارع، وهو نحو ما قالوه فيمن سَجَدَ للصنم ونحوه، ممن لا تصريح بالجحود فيه بعد أن فَسَّروا الكفر بالجحود، فإن احتجوا بقيام الإجماع على تكفير فاعل ذلك، قلنا: وهذه الأخبار الواردة في حق هؤلاء تقتضي كفرهم، ولو لم يعتقدوا تزكية من كَفَروه علمًا قطعيًّا، ولا يُنجيهم اعتقاد الإسلام إجمالًا، والعملُ بالواجبات عن الحكم بكفرهم، كما لا يُنجي الساجد للصنم ذلك. وممن جَنَحَ إلى بعض هذا المحبّ الطبري في «تهذيبه»، فقال بعد أن سرد أحاديث الباب: فيه الرذُ على قول من قال: لا يَخرُج أحد من الإسلام من أهل القبلة بعد استحقاقه حكمه إلا بقصد الخروج منه عالمًا فإنه مبطل؛ لقوله في الحديث: «يقولون الحقّ، ويقرءون القرآن، وَيمرُقون من الإسلام، ولا يتعلقون منه بشيء»، ومن المعلوم أنهم لم يرتكبوا استحلالَ دماء المسلمين وأموالهم إلا بخطإ منهم فيما تأولوه من آي القرآن المرادَ منه، ثم أخرج بسند صحيح عن ابن عباس، وذَكَرَ عنده الخوارج، وما يَلْقَون عند قراءة القرآن، فقال: يؤمنون بمحكمه، وَيهْلِكون عند متشابهه. ويؤيد القول المذكور الأمرُ بقتلهم مع ما تقدم من حديث ابن مسعود -﵁-: «لا يحل قتل امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث»، وفيه: «التارك لدينه المفارقُ للجماعة». قال القرطبي في «المفهم»: يؤيد القول بتكفيرهم التمثيل المذكور في حديث أبي سعيد -﵁يعني الآتي بعد حديث، فإن ظاهر مقصوده أنهم خَرَجُوا من الإسلام، ولم يتعلقوا منه بشيء، كما خرج السهم من الرَّمِيَّة؛ لسرعته، وقُوَّة راميه، بحيث لم يتعلق من الرَّمِيَّة بشيء، وقد أشار إلى ذلك بقوله: «سَبَقَ الفَرْثَ والدمَ». وقال صاحب «الشفاء» فيه: وكذا نقطع بكفر كُلِّ من قال قولًا يتوصل به إلى تضليل الأمة، أو تكفير الصحابة، وحكاه صاحب «الروضة» في «كتاب الردة» عنه، وأقرّه. وذهب أكثر أهل الأصول من أهل السنة إلى أن الخوارج فُسَّاق، وأن حكم الإسلام يجري عليهم؛ لتلفظهم بالشهادتين، ومواظبتهم على أركان الإسلام، وإنما فَسَقُوا بتكفيرهم المسلمين، مُستندين إلى تأويل فاسد، وجَرَّهم ذلك إلى استباحة دماء مخالفيهم، وأموالهم، والشهادة عليهم بالكفر والشرك. وقال الخطابي: أجمع علماء المسلمين على أن الخوارج مع ضلالتهم فرقة من فِرَق المسلمين، وأجازوا مناكحتهم، وأكل ذبائحهم، وأنهم لا يُكَفَّرون ما داموا متمسكين بأصل الإسلام. وقال عياض: كادت هذه المسألة تكون أشدَّ إشكالا عند المتكلمين من غيرها، حتى سأل الفقيه عبد الحق الإمامَ أبا المعالي عنها، فاعتذر بأن إدخال كافر في الملة، وإخراج مسلم عنها عظيم في الدين، قال: وقد توقف قبله القاضي أبو بكر الباقلاني، وقال: لم يُصَرِّح القوم بالكفر، وإنما قالوا أقوالًا تؤدي إلى الكفر. وقال الغزالي في «كتاب التفرقة بين الإيمان والزندقة»: والذي ينبغي الاحترازُ عن التكفير ما وَجَدَ إليه سبيلًا، فإن استباحة دماء المصلين المقرين بالتوحيد خطا، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك دم لمسلم واحد. ومما احتج به من لم يُكَفِّرهم قوله في حديث أبي سعيد أيضًا بعد وصفهم بالمروق من الدين كمروق السهم: «فينظر الرامي إلى سهمه …» إلى أن قال: «فيتمارى في الفُوقة هل عَلِقَ بها شيء». قال ابن بطال: ذهب جمهور العلماء إلى أن الخوارج غير خارجين عن جملة المسلمين؛ لقوله: «يتمارى في الفُوق»؛ لأن التماري من الشك، وإذا وقع الشك في ذلك لم يُقطَع عليهم بالخروج من الإسلام؛ لأن من ثبت له عقد الإسلام بيقين، لم يَخرُج منه إلا بيقين، قال: وقد سئل علي -﵁- عن أهل النَّهْرِ، هل كفروا؟ فقال: مِنَ الكفر فَرُّوا. قال الحافظ: وهذا إن ثبت عن علي -﵁- حُمِل على أنه لم يكن يتحقق على معتقدهم الذي أوجب تكفيرهم عند من كَفَّرهم، وفي احتجاجه بقوله: «يتمارى في الفوق» نظر؛ فإن في بعض طرق الحديث المذكور: «لم يَعلَق منه بشيء»، وفي بعضها: «سبق الفرث والدم». وطريق الجمع بينهما أنه تردد هل في الفوق شيء أو لا؟ ثم تحقق أثه لم يَعلَق بالسهم ولا بشيء منه من الرمي بشيء. ويمكن أن يُحمَل الاختلاف فيه على اختلاف أشخاص منهم، ويكون في قوله: «يتمارى» إشارة إلى أن بعضهم قد يبقى معه من الإسلام شيء. قال القرطبي في «المفهم»: والقول بتكفيرهم أظهر في الحديث، قال: فعلى القول بتكفيرهم يُقاتَلون، ويُقتلون، وتُسبَى أموالهم، وهو قول طائفة من أهل الحديث في أموال الخوارج، وعلى القول بعدم تكفيرهم يُسلَك بهم مسلك أهل البغي إذا شَقُّوا العصا، ونَصَبُوا الحرب، فأما من استسرّ منهم ببدعة، فإذا ظهر عليه هل يُقتَل بعد الاستتابة، أو لا يُقتَل بل يُجتَهد في رد بدعته، اختُلِف فيه بحسب الاختلاف في تكفيرهم، قال: وباب التكفير باب خطر، ولا نَعْدِل بالسلامة شيئًا. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لا يخفى رُجحان قول من قال بتكفير الخوارج؛ لقوّة أدلّته، ووُضوحها، لكن السلامة لا يعادلها شيءٌ -كما قال القرطبيّ ﵀- فالتوقّف في مثل هذا أولى للحريص على دينه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٥٢] (…) - (حَدَّثنَا قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الزَحْمَنِ بْنُ أَبِي نُعْم، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: بَعَثَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ إِلَى رَسُولَ اللهِ -ﷺ- مِنْ الْيَمَنِ بِذَهَبَةٍ، فِي أَدِيمٍ مَقْرُوظٍ، لَمْ تُحَصَّلْ مِنْ تُرَابِهَا، قَالَ: فَقَسَمَهَا بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ، بَيْنَ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ، وَالْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ، وَزيدِ الْخَيْلِ، وَالرَّابعُ إِمَّا عَلْقَمَةُ بْنُ عُلَاثَةَ، وَإِمَّا عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: كُنَّا نَحْنُ أَحَقَّ بِهَذَا مِنْ هَؤُلَاءِ، قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ -ﷺ-، فَقَالَ: «أَلا تَأْمَنُونِي، وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ، يَأْتِينِي خَبَرُ السَّمَاءِ صَبَاحًا وَمَسَاءً»، قَالَ: فَقَامَ رَجُلٌ، غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ، مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ، نَاشِزُ الْجَبْهَةِ، كَثُّ اللِّحْيَةِ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ، مُشَمَّرُ الْإِزَارِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اتَّقِ اللهَ، فَقَالَ: «ويلَكَ، أَوَ لَسْتُ أَحَقَّ أَهْلِ الْأَرْضِ أَنْ يَتَّقِيَ اللهَ؟»، قَالَ: ثُمَّ وَلِى الرَّجُلُ، فَقَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ فَقَالَ: «لَا، لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ يُصَلِّي»، قَالَ خَالِدٌ: وَكَمْ مِنْ مُصَلٍّ يَقُولُ بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﵇: «إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أنقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ، وَلَا أَشُق بُطُونَهُمْ»، قَالَ: ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهِ، وَهُوَ مُقَفٍّ، فَقَالَ: «إِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمٌ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ رَطْبًا، لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ، كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ»، قَالَ: أَظُنُّهُ قَالَ: «لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ ثَمُودَ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (٢٤٠) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٢ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ) بن زياد الْعَبديّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٦) (ع) تقدم في «الطهارة» ١١/ ٥٨٤. ٣ - (عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ) بن شُبْرُمة الضبيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٨. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (فِي أَدِيمٍ مَقْرُوظٍ) «الأديم»: الجلد. و«المقروظ»: المدبوغ بالقَرَظ، وهو شجر يُدبَغ به. قاله في «المفهم» . وقوله: (لَمْ تُحَصَّلْ مِنْ تُرَابِهَا) أي لم تُخلّص من تراب معدنها، فكانها كانت تِبْرًا، وتخليصها بالسبك. وقوله: (وَالرَّابعُ إِمَّا عَلْقَمَةُ بْنُ عُلَاثَةَ، وَإِمَّا عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ) قال العلماء: ذِكْرُ عامر هنا غلط ظاهرٌ؛ لأنه تُوُفِّي قبل هذا بسنين، والصواب الجزم بأنه علقمة بن عُلاثة كما هو مجزوم في باقي الروايات، قاله النوويّ ﵀ . وقوله: (فَقَالَ رَجُل مِنْ أَصْحَابِهِ) قال الحافظ ﵀: لم أقف على اسمه. وقوله: («أَلَا تَأْمَنُونِي … إلخ) في رواية سعيد بن مسروق الماضية أنه -ﷺ- إنما قال هذا عقب قول الخارجيّ الذي يُذكر بعد هذا، وهو المحفوظ، قاله في«الفتح». وقوله: (وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ … الخ) قال القرطبيّ في«المفهم»: لا حجّة فيه لمن يرى أن الله مختصّ بجهة فوقُ؛ لما تقدّم من استحالة الجسميّة، وأيضًا فيَحْتَمِل أن يراد بـ«من في السماء» الملائكة، فإنه أمين عندهم، معروف بالأمانة، والسماء بمعنى العلوّ والرفعة المعنويّة. وهكذا القول في قوله تعالى تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦]، وقد تقدم أن التسليم في المشكلات أسلم. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذكره القرطبيّ في معنى هذا الحديث غير صحيح، والصواب إثبات الفوقية لله تعالى على ما يليق بجلاله، فهو سبحانه تعالى استوى على عرشه استواء حقيقيًا، يليق بجلاله، كما أخبر به في عدّة آيات الكتاب، وكما أخبر به النبيّ -ﷺ- في الأحاديث الصحيحة. ولا يلزم من ذلك تجسيم، ولا تكييف، فإن قياس الغائب بالشاهد باطلٌ، فربنا ﷾ هو الأعلى «سبحان ربي الأعلى»، وكلّ ما ثبت في النصّ من صفاته العليا فهو ثابت له على ظاهره، من غير تشبيه، ولا تمثيل، ولا تأويل، ولا تعطيل، وقد أشبعت الكلام على هذه المسألة في غير هذا الموضع، والله سبحانه هو الهادي إلى سواء السبيل. وقوله: (فَقَامَ رَجُلٌ … الخ) هذا الرجل تقدّم أنه ذو الْخُويصرة التميميّ. وقوله: (نَاشِزُ الْجَبْهَةِ) بِنُونٍ، وَشِيْنٍ مُعْجَمَة، وَزَاي: أَيْ مُرْتَفِعهَا، فِي رِوَايَة سَعِيد بْن مَسْرُوق الماضية: «نَاتِئ الْجَبِين»، وهو بمعناه. وقوله: (مُشَمَّرُ الْإِزَارِ) التشمير في الأمر: السُّرْعة فيه، والخفّةُ، وشَمّر ثوبَهُ: رفعه، ومنه قيل: شَمَّر في العبادة: إذا اجتهد، وبالغ، وشَمَّر السهمَ: أرساه مُصَوَّبًا على الصيد . وقوله: (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ) تقدّم في رواية سعيد بن مسروق: «فقال: يا محمد»، ولعلّ ما هنا من الرواية بالمعنى، والله تعالى أعلم. وقوله: (فَقَالَ: «لَا، لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ يُصَلِّي») فيه استعمال «لَعَلَّ» استعمال «عَسَى»، نبَهَ عليه ابن مالك. وقوله: (يَكُونَ يُصَلِّي) قيل: فيه دلالة من طريق المفهوم على أن تارك الصلاة يُقْتَلُ، وفيه نظر، قاله في «الفتح» . قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «فيه نظرٌ» فيه نظرٌ، فإن الاستدلال المذكور صحيح، تؤيّده الأدلة الأخرى التي تدلّ على قتل تارك الصلاة، فتبصّر، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «لعله يكون يصلي» هو مردود للمعنى الذي قدّمناه من أنه إنما امتنع من قتله؛ لئلا يُتَحَدَّث أنه يَقتُل أصحابه المصلِّين، فيكون ذلك منفِّرًا، وإلا فقد صَدَر عنه ما يوجب قتله لولا المانع. انتهى . وقوله: («إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ … إلخ) بنون، وقاف ثقيلة، بعدها موحدة، يقال: نَقَبتُ الحائط ونحوه نَقْبًا، من باب نصر: إذا خرقته؛ أي إنما أمرت أن آخذ بظواهر أمورهم، والله تعالى يتولّى سرائرهم، كما قال -ﷺ-:»أُمرتُ أن أُقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عَصَمُوا منّي دماءهم وأموالهم إلا بحقّها، وحسابهم على الله«، وفي الحديث:»هلّا شَقَقت عن قلبه« . قال القرطبيّ ﵀: إنما مَنَعَ قتله، وإن كان قد استوجب القتل؛ لئلا يتحدث الناس أنه يَقْتُل أصحابه، ولا سيما من صلى، كما تقدم نظيره في قصة عبد الله بن أبيّ. وقال المازريّ ﵀: يَحْتَمِل أن يكون النبيّ -ﷺ- لم يفهم من الرجل الطعن في النبوة، وإنما نسبه إلى ترك العدل في القسمة، وليس ذلك كبيرة، والأنبياء معصومون من الكبائر بالإجماع، واختُلِف في جواز وقوع الصغائر، أو لعله لم يعاقب هذا الرجل لأنه لم يثبت ذلك عنه، بل نقله عنه واحد، وخبر الواحد لا يراق به الدم. انتهى. وأبطله القاضي عياض بقوله في الحديث: «اعدل يا محمد» فخاطبه في الملإ بذلك حتى استأذنوه في قتله، فالصواب ما تقدم . وقوله: (وَهُوَ مُقَفٍّ) أي مولٍّ، مدبرٌ، قد أعطانا قفاه. وقوله: (فَقَالَ: «إِنَّهُ يَخْرُجُ … إلخ) الهاء ضمير الشأن؛ أي إن الشأن والحال. وقوله: (يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ رَطْبًا) قال القرطبيّ ﵀: فيه ثلاثة أقوال: [أحدها]: أنه الْحِذْق بالتلاوة، والمعنى أنهم يأتون به على أحسن أحواله. [والثاني]: يواظبون على تلاوته، فلا تزال ألسنتهم رطبة به. [والثالث]: أن يكون من حسن الصوت بالقراءة. انتهى . وقوله: (لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ») جمع حَنْجَرَة، وهي رأس الْغَلْصَمة ، حيث تراه ناتئًا من خارج الحلق . قال القاضي عياض ﵀: فيه تأويلان: [أحدهما]: معناه: لا تفهمه قلوبهم، ولا ينتفعون بما تلوا منه، ولا لهم حظّ سوى تلاوة الفم، والحنجرة، والحلق؛ إذ بهما تقطيع الحروف. [والثاني]: معناه: لا يصعد لهم عملٌ، ولا تلاوةٌ، ولا يُتقبّل. انتهى . وقوله: (قَالَ: أَظُنُّهُ قَالَ: «لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ …» إلخ) القائل: «أظنّ … إلخ» هو عمارة بن القعقاع، كما بيّنته الرواية التالية. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٥٣] (…) - (حَدَّثنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَ: وَعَلْقَمَةُ بْنُ عُلَاثَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ عَامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ، وَقَالَ: نَاتِئُ الجَبْهَةِ، وَلَمْ يَقُلْ: نَاشِزُ، وَزَادَ: فَقَامَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطابِ -﵁-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ألا أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ قَالَ: «لَا»، قَالَ: ثُمَّ أَدْبَرَ، فَقَامَ إِلَيْهِ خَالِدٌ سَيْفُ اللهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ألا أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ قَالَ: «لَا»، فَقَالَ: إِنَّهُ سَيَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِى هَذَا قَوْمٌ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ لَيِّنًا رَطْبًا«، وَقَالَ: قَالَ عُمَارَةُ: حَسِبْتُهُ قَالَ:»لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقتُلَنَّهُمْ قَتْلَ ثَمُودَ«). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) العبسيّ، أبو الحسن الكوفيّ ثقةٌ حافظٌ شهيرٌ، وله أوهام [١٠] (ت ٢٣٩) (خ م د س ق) تقدم في«الإيمان»٣٥/ ٢٤٦. ٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيحُ الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في«المقدمة»٦/ ٥٠. و«عُمارة» ذُكر قبله. وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ عَامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ) تقدّم أن عدم ذكره هو الصواب. وقوله: (نَاتِئُ الْجَبْهَةِ) بِنُونٍ وَمُثَنَّاة عَلَى وَزْن فَاعِل مِنَ النُّتُوء، أَيْ أَنَّهُ مرْتَفِع عَلَى مَا حَوْله. وقوله: (فَقَامَ إِلَيْهِ خَالِدٌ سَيْفُ اللهِ) هذه الرواية فيها بيان أن كلًّا من عمر، وخالد -﵄- طلبا قتله، فأما عمر فطلب حينما تكلّم الرجل، وأنكر عليه النبيّ -ﷺ-، وأما خالد فطلب بعد أن ولَّى، ولعله ما علم بطلب عمر -﵁-. وقوله: (يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ لَيِّنًا رَطْبًا) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في أكثر النسخ «لَيِّنًا» بالنون: أي سهلًا، وفي كثير من النسخ «لَيًّا» بحذف النون، وأشار القاضي عياض إلى أنه رواية أكثر شيوخهم، قال: ومعناه: سَهْلًا؛ لكثرة حفظهم، قال: وقيل: «لَيًّا»: أي يَلْوُون ألسنتهم به؛ أي يُحَرِّفون معانيه وتأويله، قال: وقد يكون من اللَّيّ في الشهادة، وهو الميل. انتهى . وقوله: (قَالَ عُمَارَةُ: حَسِبْتُهُ … إلخ) هو عمارة بن القعقاع الراوي عن عبد الرحمن بن أبي نُعْم. [تنبيه]: رواية جرير بن عبد الحميد، عن القعقاع هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٥٤] (…) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ: زيدُ الْخَيْرِ، وَالْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ، وثنا أبو أحمد الغطريفيّ، ثنا عبد الله بن محمد بن شيرويه، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبا جرير، عن عُمارة بن القعقاع الضبيّ، عن عبد الرحمن بن أبي نُعْم، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: بعث عليّ إلى رسول الله -ﷺ- من اليمن بذهبة، في أديم مقروظ، لم تُحَصَّل من ترابها، فقسمها رسول الله -ﷺ- بين أربعة، بين الأقرع بن حابس، وعيينة بن حِصْن، وعلقمة بن عُلاثة، وزيد الخيل، فقال ناس من المهاجرين والأنصار: نحن كنا أحقّ بهذا، فبلغة ذلك، فشَقَّ عليه، فقال: «لا تأمنوني؟، وأنا أمين من في السماء، ياتيني خبر من في السماء صباحًا ومساءً»، فقام إليه رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة، كثّ اللحية، محلوق الرأس، مُشَمِّر الإزار، فقال: يا رسول الله اتق الله، فرفع رأسه إليه، فقال: «ويلك، ألست أحقّ أهل الأرض أن أتقي الله؟»، ثم أدبر الرجل، فقال خالد بن الوليد: ألا أضرب عنقه؟ فقال رسول الله -ﷺ-: «لعله أن يكون يصلي»، فقال خالد: إنه رب مُصّلِّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال: «إني لم أُومَر أن أنقُب عن قلوب الناس، ولا أشقّ بطونهم»، فنظر إليه النبيّ -ﷺ-، وهو مقفٍّ، فقال: «إنه سيخرج من ضئضئ هذا قوم، يتلون كتاب الله، لا يجاوز حناجرهم، يَمْرُقون من الدين كما يمرق السهم من الرَّمِيَّة، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود،. انتهى. وَعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ عُلَاثَةَ، أَوْ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، وَقَالَ: نَاشِزُ الْجَبْهَةِ، كَرِوَايَةِ عَبْدِ الْوَاحِدِ، وَقَالَ:«إِنَّهُ سَيَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمٌ»، وَلَمْ يَذْكُرْ:«لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ ثَمُودَ»). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمَير الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في«المقدمة»٢/ ٥. ٢ - (ابْنُ فُضَيْلٍ) هو: محمد بن فُضيل بن غزوان الضبيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في«الإيمان»٦٣/ ٣٥٨. و«عمارة»ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية محمد بن فُضيل، عن عُمارة هذه ساقها الإمام أحمد ﵀ في«مسنده»(٣/ ٤) فقال: (١١٠٢١) - حدّثنا محمد بن فُضيل، ثنا عُمارة بن القعقاع، عن ابن أبي نُعْم، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: بَعَثَ عليّ من اليمن إلى رسول الله -ﷺ- بذهبة، في أَدِيم مقروظ، لم تُحَصَّل من ترابها، فقسمها رسول الله -ﷺ- بين أربعة، بين زيد الخير، والأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، وعلقمة بن عُلاثة، أو عامر بن الطفيل -شكّ عُمارةُ- فوجد من لك بعض أصحابه، والأنصار، وغيرهم، فقال رسول الله -ﷺ-:«ألا تأمنوني؟ وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر من السماء صباحًا ومساءً»، ثم أتاه رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة، كثّ اللحية، مُشَمِّر الإزار، محلوق الرأس، فقال: اتق الله يا رسول الله، قال: فرفع رأسه إليه، فقال:«ويحك، ألستُ أحقّ أهل الأرض أن يتقي الله أنا؟ »، ثم أدبر، فقال خالد: يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟، فقال رسول الله -ﷺ-:«فلعله يكون يصلي»، فقال: إنه رب مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال رسول الله -ﷺ-:«إني لم أومر أن أنقُب عن قلوب الناس، ولا أَشُقَّ بطونهم»، ثم نظر إليه النبيّ -ﷺ-، وهو مُقَفٍّ، فقال:«إنه سيخرج من ضئضئي هذا قوم، يقرؤون القرآن، لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين، كما يمرق السهم من الرميّة». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٥٥] (…) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّهُمَا أَتَيَا أَبا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، فَسَأَلَاهُ عَن الْحَرُورِيَّةِ: هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَذْكُرُهَا؟ قَالَ: لَا أَدْرِي مَنِ الْحَرُورِيَّةُ؟ وَلَكِني سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «يَخْرُجُ فِي هَذ الْأُمَّةِ- وَلَمْ يَقُلْ: مِنْهَا- قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاِتهِمْ، فَيَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حُلُوقَهُمْ، أَوْ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنْ الرَّمِيةِ، فَيَنْظُرُ الرَّامِي إِلَى سَهْمِهِ، إِلَى نَصْلِهِ، إِلَى رِصَافِهِ، فَيَتَمَارَى فِي الْفُوقَةِ، هَلْ عَلِقَ بِهَا مِنَ الذَمِ شَيْءٌ؟»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) التيميّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٢٠) على الصحيح (ع) تقدم في «الإيمان» ١٣/ ١٥٩. ٢ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ مكثرٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٢٣. ٣ - (عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ، صاحب مواعظ وعبادة، من صغار [٢] (ت ٩٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١٣. والباقون ذُكروا في الباب، و«عبد الوهّاب» هو: ابن عبد المجيد الثقفيّ. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، عن تابعيين. ٥ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدني، سوى شيخه، وشيخ شيخه، فبصريّان. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّهُمَا أَتَيَا أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ) -﵁- (فَسَأَلَاهُ عَنْ الْحَرُورِيَّةِ) هم الخوارج، سُمُّوا حَرُوريّةً؛ لأنهم نزلوا حَرُوراء، وتعاقدوا عندها على قتال أهل العدل، وحَرُوراء -بفتح الحاء المهملة، وبالمد-: قرية بالعراق قريبة من الكوفة، وسُمُّوا خوارج؛ لخروجهم على الجماعة، وقيل: لخروجهم عن طريق الجماعة، وقيل: لقوله -ﷺ-: «يخرج من ضئضئ هذا …» الحديث. (هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَذْكُرُهَا؟) وفي رواية محمد بن عمرو، عن أبي سلمة: قلت لأبي سعيد: هل سمعت رسول الله -ﷺ- يذكر الحرورية؟، أخرجه ابن ماجه، والطبريّ، وأخرج الطبريّ من طريق الأسود بن العلاء، عن أبي سلمة قال: جئنا أبا سعيد، فقلنا، فذكر مثله، ومن طريق أبي إسحاق، مولى بني هاشم، أنه سال أبا سعيد عن الحرورية . (قَالَ) أبو سعيد -﵁- (لَا أَدْرِي مَنْ الْحَرُورِيَّةُ؟) ولفظ البخاريّ: «ما الحروريّة»، قال في «الفتح»: هذا يغاير قوله الآتي: «وأشهد أن عليًّا قتلهم، وأنا معه»، فإن مقتضى الأول أنه لا يدري، هل ورد الحديث الذي ساقه في الحرورية أو لا؟ ومقتضى الثاني أنه ورد فيهم، ويمكن الجمع بان مراده بالنفي هنا أنه لم يَحفظ فيهم نصًّا بلفظ الحرورية، وإنما سمع قصتهم التي دلّ وجود علامتهم في الحرورية بانهم هم. انتهى . (وَلَكِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: «يَخْرُجُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ- وَلَمْ يَقُلْ: مِنْهَا-) قال في»الفتح«: لم تختلف الطرق الصحيحة على أبي سعيد في ذلك، فعند مسلم من رواية أبي نضرة، عن أبي سعيد:»أن النبيّ -ﷺ- ذكر قومًا يكونون في أمته»، وله من وجه آخر:«تمرق عند فرقة مارقة من المسلمين»، وله من رواية الضحاك المشرقيّ، عن أبي سعيد نحوه. وأما ما أخرجه الطبريّ من وجه آخر، عن أبي سعيد، بلفظ:«من أمتي»، فسنده ضعيف. لكن وقع عند مسلم من حديث أبي ذرّ بلفظ:«سيكون بعدي من أمتي قوم»، وله من طريق زيد بن وهب، عن علي -﵁-:«يخرج قوم من أمتي». وُيجْمَع بينه وبين حديث أبي سعيد بأن المراد بالأمة في حديث أبي سعيد أمة الإجابة، وفي رواية غيره أمة الدعوة. قال النوويّ: وفيه دلالة على فقه الصحابة، وتحريرهم الألفاظ، وفيه إشارة من أبي سعيد إلى تكفير الخوارج، وأنهم من غير هذه الأمة. انتهى . وعبارة النوويّ: قال المازريّ: هذا من أدلّ الدلائل على سَعَة علم الصحابة -﵃-، ودقيق نظرهم، وتحريرهم الألفاظ، وفرقهم بين مدلولاتها الخفيّة؛ لأن لفظة«مِنْ»تقتضي كونهم من الأمة، لا كفارًا، بخلاف«في»، ومع هذا فقد جاء بعد هذا من رواية عليّ -﵁-:«يخرج من أمتي قوم»، وفي رواية أبي ذرّ -﵁-:«إن بعدي من أمتي، أو سيكون بعدي من أمتى»، وقد سبق الخلاف في تكفيرهم، وأن الصحيح عدم تكفيرهم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أن القول بتكفيرهم أقوى حجةً، ولكن التوقّف هو الأسلم، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (قَوْمٌ تَحْقِرُونَ) بفتح أوله، وكسر ثالثه: أي تستقلّون (صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاِتِهِمْ) زاد في رواية الزهريّ، عن أبي سلمة التالية:«وصيامكم مع صيامهم»، وفي رواية عاصم بن شَمْخ ، عن أبي سعيد:«تحقرون أعمالكم مع أعمالهم»، ووصف عاصم أصحاب نَجْدة الحروريّ بأنهم«يصومون النهار، ويقومون الليل، ويأخذون الصدقات على السنة»، أخرجه الطبريّ، ومثله عنده من رواية يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، وفي رواية محمد بن عمرو، عن أبي سلمة عنده:«يتعبدون، يَحقِر أحدكم صلاته وصيامه، مع صلاتهم وصيامهم»، ومثله من رواية أنس، عن أبي سعيد، وزاد في رواية الأسود بن العلاء، عن أبي سلمة:«وأعمالكم مع أعمالهم»، وفي رواية سلمة بن كهيل، عن زيد بن وهب، عن عليّ:«ليست قراءتكم إلى قراءتهم بشي، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء»، أخرجه مسلم ، والطبريّ، وعنده من طريق سليمان التيميّ، عن أنس، ذكر لي عن رسول الله -ﷺ- قال:«إن فيكم قومًا يدأبون، ويعملون، حتى يُعْجِبوا الناسَ، وتَعْجَبهم أنفسهم»، ومن طريق حفص ابن أخي أنس، عن عمة، بلفظ:«يتعمقون في الدين»، وفي حديث ابن عباس، عند الطبرانيّ في قصة مناظرته للخوارج، قال:«فأتيتهم، فدخلت على قوم، لم أر أشدّ اجتهادًا منهم؛ أيديهم كأنها ثَفِنُ الإبل، ووجوههم مُعْلَمة من آثار السجود»، وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن عباس، أنه ذُكِر عنده الخوارج، واجتهادهم في العبادة، فقال:«ليسوا أشدّ اجتهادًا من الرهبان». (فَيَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حُلُوقَهُمْ) بضمّتين: هو الْحَلْقُ، وميمه زائدة، والجمع حَلاقيمُ بالياء، وبحذفها تخفيفًا . (أَوْ) للشكّ من الراوي (حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْ الذَينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنْ الرَّمِيَّةِ») -بكسر الميم، وتشديد التحتانية-: فَعِيلة بمعنى مفعولة، فأدخلت فيها الهاء، وإن كان فَعِيل بمعنى مفعول، يستوي فيه المذكر والمؤنث؛ للإشارة لنقلها من الوصفية إلى الاسمية، وقيل: إن شرط استواء المذكر والمؤنث أن يكون الموصوف مذكورًا معه، وقيل: شرطه سقوط الهاء من المؤنث قبل وقوع الوصف، نقول: خُذْ ذبيحتك؛ أي الشاة التي تريد ذبحها، فإذا ذبحتها قيل لها حينئذ: ذبيح. وفي رواية معبد بن سيرين، عن أبي سعيد عند البخاريّ في «كتاب التوحيد»: «لا يعودون فيه حتى يعود السهم إلى فُوقه»، ووقع في حديث عبد الله بن عمرو من رواية مقسم عنه: «فإنه سيكون لهذا شيعة، يتعمقون في الدين، يمرقون منه …» الحديث. (فَيَنْظُرُ الرَّامِي إِلَى سَهْمِهِ) بفتح، فسكون: واحد النبل، وقيل: السَّهْم: نفس النصل . وقوله: (إِلَى نَصْلِهِ) أي حديدة السهم، وهو بدل من«إلى سهمه»؛ أي ينظر إليه جملةً، ثم تفصيلًا، وقد وقع في رواية أبي ضمرة، عن يحيى بن سعيد، عند الطبريّ: «أينظر إلى سهمه، فلا يرى شيئًا، ثم ينظر إلى نَصْله، ثم إلى رِصَافه». (إِلَى رِصَافِهِ) -بكسر الراء، ثم مهملة، ثم فاء-: عَصَبه الذي يكون فوق مَدْخَل النّصل. والرِّصَاف جمعٌ، واحدة رَصَفَة بحركات. (فَيَتَمَارَى) أي يتشكّك الرامي (فِي الْفُوقَةِ) بضمّ الفاء: موضع الوتر من السهم، قال ابن الأنباريّ: الفُوق يُذَكَّر، ويؤنَّث، فيقال: هو الفُوقُ، وهي الفُوقُ، وقد يقال: فُوقة بالهاء (هَلْ عَلِقَ) بفتح، فكسر، يقال: عَلِق الشوك بالثوب عَلَقًا، من باب تَعِبَ، وتعلَّق به: إذا نَشِبَ به، واستمسك . (بِهَا) أي بالفوقة (مِنَ الدَّمِ شَيْءٌ؟). وحاصل معنى الحديث أنهم يخرجون من الإسلام بغتةً كخروج السهم إذا رماه رامٍ قويُّ الساعد، فأصاب ما رماه، فنفذ منه بسرعة، بحيث لا يَعْلَق بالسهم، ولا بشيء منه من المرميّ شيء، فإذا التمس الرامي سهمه وجده، ولم يجد الذي رماه، فينظر في السهم ليعرف هل أصاب، أو أخطأ؟ فإذا لم يره عَلِقَ فيه شيء من الدم ولا غيره، ظَنّ أنه لم يصبه، والفرض أنه أصابه، والى ذلك أشار بقوله: «سَبَقَ الفرث والدمَ»؛ أي جاوزهما، ولم يَتَعَلَّق فيه منهما شيء، بل خرجا بعده. ووقع في رواية أبي نضرة، عن أبي سعيد الآتي: «فضرب النبيّ -ﷺ- لهم مثلًاا لرجل يرمي الرمية …» الحديث. وفي رواية أبي المتوكل الناجيّ، عن أبي سعيد عند الطبريّ: «مَثَلُهم كمثل رجل رَمَى رَمِيَّةً، فتوخى السهم حيث وقع، فأخذه، فنظر إلى فُوقه، فلم ير به دَسَمًا، ولا دمًا، لم يتعلق به شيء من الدسم والدم»، كذلك هؤلاء لم يتعلقوا بشيء من الإسلام. وعنده في رواية عاصم بن شمخ بعد قوله: «من الرمِيَّة»: «يذهب السهم، فينظر في النصل، فلا يرى شيئًا من الفرث والدم …» الحديث، وفيه: «يتركون الإسلام وراء ظهورهم، وجعل يديه وراء ظهره». وفي رواية أبي إسحاق، مولى بني هاشم، عن أبي سعيد، في آخر الحديث: «لا يتعلقون من الدين بشيء، كما لا يتعلق بذلك السهم»، أخرجه الطبريّ. وفي حديث أنس، عن أبي سعيد، عند أحمد، وأبي داود، والطبريّ: «لا يرجعون إلى الإسلام حتى يرتدّ السهم إلى فُوقه». وجاء عن ابن عباس -﵄- عند الطبري، وأوله في ابن ماجه بسياق أوضح من هذا، ولفظه: «سيخرُج قوم من الإسلام خروج السهم من الرميّة، عَرَضَت للرجال، فرموها، فانمرق سهم أحدهم منها، فخرج، فأتاه، فنظر إليه، فإذا هو لم يتعلق بنصله من الدم شيء، ثم نظر إلى الْقُذَذ ، فلم يره تعلق من الدم بشيء، فقال: إن كنت أصبتُ فإن بالريش والفُوق شيئًا من الدم، فنظر فلم ير شيئًا تعلق بالريش والفُوق، قال: كذلك يخرجون من الإسلام». وفي رواية بلال بن بقطر، عن أبي بكرة: «يأتيهم الشيطان من قبل دينهم». وللحميدي وابن أبي عمر في «مسنديهما» من طريق أبي بكر، مولى الأنصار، عن عليّ: «أن ناسا يخرجون من الدين، كما يخرج السهم من الرميّة، ثم لا يعودون فيه أبدًا» . والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم بيان مسائله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٥٦] (…) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (ح) وَحَدَّثَني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفِهْرِيُّ، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَاب، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَالضّحَّاكُ الْهَمْدَانِيُّ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، وَهُوَ يَقْسِمُ قَسْمًا، أتاهُ ذُو الْخُويصِرَةِ، وَهُوَ رَجلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ اعْدِلْ، قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «ويلَكَ، وَمَنْ يَعْدِلُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ؟ قَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ»، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -﵁-: يَا رَسُولَ اللهِ ائْذَنْ لِي فِيهِ، أَضْرِبْ عُنُقَهُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «دَعْهُ، فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا، يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاِتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ، كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ، يُنْظَرُ إِلَى نَصْلِهِ، فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى رِصَافِهِ، فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى نَضِيِّهِ، فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ -وَهُوَ الْقِدْحُ- ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى قُذَذِهِ، فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ، آيَتُهُمْ رَجُلٌ أَسْوَدُ، إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ، أَوْ مِثْلُ الْبَضْعَةِ تتَدَرْدَرُ، يَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنْ النَّاسِ»، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِي بْنَ أَبِي طَالِبٍ -﵁- قَاتَلَهُمْ، وَأَنَا مَعَهُ، فَأَمَرَ بِذَلِكَ الرَّجُلِ، فَالْتُمِسَ، فَوُجِدَ، فَأُتِيَ بِهِ، حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهِ عَلَى نَعْتِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- الَّذِي نَعَتَ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن السَّرْح، تقدّم قريبًا. ٢ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفِهْرِيُّ) هو: أحمد بن عبد الرحمن بن وهب بن مسلم أبو عبيد الله المصريّ، لقبه بَحْشَل، صدوقٌ تغيّر بآخره [١١] (ت ٢٦٤) (م) تقدم في«المساجد ومواضع الصلاة»١٩/ ١٢٧٧. [تنبيه]: قوله:«الفِهْريّ»بكسر الفاء، وسكون الهاء، آخره راء: نسبة إلى فِهْر بن مالك بن النَّضْر بن كِنَانة، قاله في«اللباب». ٣ - (الضَّحَّاكُ الْهَمْدَانِيُّ) هو: الضحّاك بن شَرَاحيل، ويقال: ابن شُرَحْبيل الْهَمْدانيّ الْمَشْرقيّ -بكسر أوله، ثم شين معجمة، ثم قاف- صدوقٌ [٤]. رَوَى عن أبي سعيد الخدريّ، ومالك بن أوس بن الْحَدَثَان. ورَوَى عنه حبيب بن أبي ثابت، وسلمة بن كُهيل، والأعمش، والزهريّ، وعبد الملك بن ميسرة. ذكره ابن حبان في«الثقات»، وذكر أبو بكر البزار في«مسنده»أنه ارتفعت جهالته برواية الزهريّ وغيره عنه، قال: وَيرَون أنه الضحاك بن مُزَاحِم . أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ في«خصائص عليّ -﵁-»، وله عندهم حديثان ة أحدهما هذا في ذكر الخوارج، والآخر في فضل«سورة الإخلاص»، وكرّره في هذا الكتاب مرّتين. [تنبيه]: قال في«الفتح»: والضحاك الْمِشْرَقيّ -بكسر الميم، وسكون المعجمة، وفتح الراء-: نسبة إلى مِشْرَق بن زيد بن جُشَم بن حاشد، بَطْنٌ من هَمْدان، قَيَّده العسكريّ، وقال: مَن فتح الميم فقد صَحَّف، كأنه يشير إلى قول ابن أبي حاتم: مَشْرَق موضع، وقد ضبطه بفتح الميم، وكسر الراء الدارقطنيّ، وابن ماكولا، وتبعهما ابن السمعانيّ في موضع، ثم غَفَل فذكره بكسر الميم، كما قال العسكريّ، لكن جعل قافه فاء، وتعقّبه ابن الأثير، فأصاب. والضحاك المذكور هو ابن شَرَاحيل، ويقال: ابن شرَحَبِيل، وليس له في البخاريّ سوى هذا الحديث -يعني فضل سورة الإخلاص«- وآخر يأتي في»كتاب الأدب«قرنه فيه بأبي سلمة بن عبد الرحمن، كلاهما عن أبي سعيد الخدرفي، وحَكَى البزار أن بعضهم زعم أنه الضحاك بن مزاحم، وهو غلط . انتهى . والباقون تقدّموا قبل باب، وفي هذا الباب، و«يونس»: هو ابن يزيد الأيليّ، و«أبو سلمة بن عبد الرحمن»: هو ابن عوف. وقوله: (بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، وَهُوَ يَقْسِمُ قَسْمًا) زاد في رواية:«يوم حُنين»، وتقدم من طريق عبد الرحمن بن أبي نُعْم عن أبي سعيد، أن المقسوم كان ذهبةً بعثها عليّ بن أبي طالب -﵁- من اليمن، فقسمها النبيّ -ﷺ- بين أربعة أنفس … إلخ. وقوله: (أَتَاهُ ذُو الْخُويصِرَةِ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ) هكذا في رواية المصنّف، وفي رواية البخاريّ:«جاء عبد الله بن ذي الخويصرة التميميّ»، قال في«الفتح»: وفي رواية عبد الرزاق، عن معمر، بلفظ:«بينما رسول الله -ﷺ- يَقْسِم قَسْمًا إذ جاءه ابن ذي الخويصرة التميميّ»، وكذا أخرجه الإسماعيليّ من رواية عبد الرزاق، ومحمد بن ثور، وأبي سفيان الحميريّ، وعبد الله بن معاذ أربعتهم عن معمر، وأخرجه الثعلبيّ، ثم الواحديّ في«أسباب النزول»من طريق محمد بن يحيى الذُّهْليّ عن عبد الرزاق، فقال:«ابن ذي الخويصرة قال: وقد أخرجه أحمد، عن محمد بن مصعب، وأبو عوانة من طريق بشر بن بكير، كلاهما عن الأوزاعيّ، فقال فيه: عن أبي سلمة، والضحاك الْمِشْرَقيّ، وفي رواية: بشر الْهَمْدانيّ، كلاهما عن أبي سعيد. انتهى. التميميّ، وهو حُرْقُوص بن زُهير أصل الخوارج»، وما أدري من الذي قال:«وهو حرقوص إلخ»؟، وقد اعتمد على ذلك ابن الأثير في«الصحابة» فترجم لذي الخويصرة التميميّ في الصحابة، وساق هذا الحديث من طريق أبي إسحاق الثعلبيّ، وقال بعد فراغه: فقد جعل في هذه الرواية اسم ذي الخويصرة حُرْقُوصًا، والله أعلم. وقد جاء أن حُرْقُوصًا اسم ذي الثُّدَيّة، كما سيأتي. قال: وقد ذكر حرقوص بن زهير في الصحابة أبو جعفر الطبريّ، وذكر أنه كان له في فتوح العراق أثرٌ، وأنه الذي افتتح سوق الأهواز، ثم كان مع عليّ في حروبه، ثم صار مع الخوارج، فقُتِل معهم، وزعم بعضهم أنه ذو الثُّديّة الآتي ذكره، وليس كذلك، وأكثر ما جاء ذكر هذا القائل في الأحاديث مبهمًا، ووُصِف في رواية عبد الرحمن بن أبي نُعْم المتقدّمة بأنه مُشْرِف الوجنتين، غائر العينين، ناشز الجبهة، كَثُّ اللحية، محلوق الرأس، مُشَمِّر الإزار. وفي حديث أبي بكرة، عند أحمد، والطبريّ: «فأتاه رجل أسود، طويلٌ، مشمرٌ، محلوق الرأس، بين عينيه أثر السجود». وفي رواية أبي الوضي عن أبي برزة، عند أحمد، والطبريّ، والحاكم: «أُتِيَ رسولُ الله -ﷺ- بدنانير، فكان يقسمها، ورجل أسود مطموم الشعر ، بين عينيه أثر السجود»، وفي حديث عبد الله بن عمرو، عند البزار، والطبريّ: «رجل من أهل البادية، حديث عهد بأمر الله». انتهى . وقوله: (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ اعْدِلْ) في رواية عبد الرحمن بن أبي نُعْم السابقة: «فقال: اتّقِ الله يا محمد»، وفي حديث عبد الله بن عمرو: «فقال: اعدل يا محمد»، وفي لفظ له عند البزار، والحاكم: «فقال: يا محمد والله لئن كان الله أمرك أن تعدل ما أراك تعدل»، وفي رواية مقسم: «فقال: يا محمد قد رأيتُ الذي صنعت، قال: وكيف رأيتَ؟ قال: لم أرك عدلت»، وفي حديث أبي بكرة: «فقال: يا محمد والله ما تعدل»، وفي لفظ: «ما أراك عدلت في القسمة»، ونحوُهُ في حديث أبي برزة . وقوله: («ويلَكَ) وفي رواية البخاريّ:»ويحك«. وقوله: (وَمَنْ يَعْدِلُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ؟») في رواية عبد الرحمن بن أبي نُعْم السابقة: «ومن يطع الله إذا لم أطعه؟»، وفي رواية له: «أوَ لستُ أحقَّ أهل الأرض أن أطيع الله؟»، وفي حديث عبد الله بن عمرو: «عند من يُلْتَمَس العدلُ بعدي؟»، وفي رواية مقسم عنه: «فغضب -ﷺ-، وقال: العدل إذا لم يكن عندي فعند من يكون؟»، وفي حديث أبي بكرة: «فغضب حتى احمرت وجنتاه»، ومن حديث أبي برزة: «قال: فغضب غضبًا شديدًا، وقال: والله لا تجدون بعدي رجلًا هو أعدل عليكم مني». وقوله: (فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -﵁-: يَا رَسُولَ اللهِ ائْذَنْ لِي فِيهِ، أَضْرِبْ عُنُقَهُ) وفي رواية الأوزاعيّ: «فلأضرب» بزيادة لام الأمر، وفي حديث عبد الله بن عمرو، من طريق مِقْسَم عنه: «فقال عمر: يا رسول الله ألا أقوم عليه، فأضرب عنقه؟» وفي رواية عبد الرحمن بن أبي نُعْم، عن أبي سعيد الماضية: «فسأله رجلٌ، أظنه خالد بن الوليد قَتْلَهُ»، وفي رواية له: «فقال خالد بن الوليد»، بالجزم، وقد سبق الجمع بين الروايتين بأن كلًّا منهما سأل، ومما يؤيّد ذلك ما تقدّم من رواية جرير، عن عُمارة بن القعقاع، وفيه: «فقام عمر بن الخطاب، فقال يا رسول الله: ألا أضرب عنقه؟ قال: لا، ثم أدبر، فقام إليه خالد بن الوليد سيف الله، فقال: يا رسول الله أضرب عنقه؟، قال: لا»، فهذا نصّ في أن كلًّا منهما سأل. قال الحافظ ﵀: وقد استُشكل سؤال خالد في ذلك؛ لأن بعث عليّ إلى اليمن كان عقب بعث خالد بن الوليد إليها، والذهب المقسوم أرسله عليّ من اليمن، كما في صدر حديث ابن أبي نُعْم، عن أبي سعيد السابقة. ويجاب بأن عليًّا لما وصل إلى اليمن رجع خالد منها إلى المدينة، فأرسل عليٌّ الذهبَ، فحضر خالد قسمته. وأما حديث عبد الله بن عمرو، فإنه في قصة قَسْم وقع بالْجِعْرانة، من غنائم حنين، والسائل في قتله عمر بن الخطاب جزمًا، وقد ظهر أن المعترض في الموضعين واحدٌ كما مضى قريبًا. انتهى كلام الحافظ ﵀ ، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. وقوله: («دَعْهُ) وفي رواية الأوزاعيّ:»فقال: لا«، وزاد أفلح بن عبد الله في روايته:»فقال: ما أنا بالذي أقتل أصحابي«. وقوله: (فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا) قال في«الفتح»: هذا ظاهره أن ترك الأمر بقتله بسبب أن له أصحابًا بالصفة المذكورة، وهذا لا يقتضي ترك قتله، مع ما أظهره من مواجهة النبيّ -ﷺ- بما واجهه، فيَحْتَمِل أن يكون لمصلحة التألُّف، كما فهمه البخاريّ ﵀؛ لأنه وصفهم بالمبالغة في العبادة، مع إظهار الإسلام، فلو أَذِنَ في قتلهم لكان ذلك تنفيرًا عن دخول غيرهم في الإسلام، ويؤيده رواية أفلح، ولها شواهد، ووقع في رواية أفلح:«سيخرج أُناس يقولون مثل قوله». انتهى. وقوله: (يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاِتهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ) ووقع عند البخاريّ بلفظ:«يحقر أحدكم صلاته مع صلاته، وصيامه مع صيامه»، بالإفراد. وقوله: (يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ) -بمثناة، وقاف-: جمع تَرْقُوة-بفتح أوله، وسكون الراء، وضم القاف، وفتح الواو- وهي العظم الذي بين نُقْرة النَّحْر والعاتق، والمعنى أن قراءتهم لا يرفعها الله، ولا يقبلها، وقيل: لا يعملون بالقرآن، فلا يثابون على قراءته، فلا يحصل لهم إلا سَرْدُهُ، وقال النوويّ ﵀: المراد أنهم ليس لهم فيه حظّ إلا مروره على لسانهم، لا يصل إلى حلوقهم، فضلًا عن أن يصل إلى قلوبهم؛ لأن المطلوب تعقُّله، وتدبره بوقوعه في القلب. وهذا مثل قوله فيهم أيضًا: «لا يجاوز إيمانهم حناجرهم»؛ أي ينطقون بالشهادتين، ولا يعرفونها بقلوبهم. وقد تقدّم بلفظ: «يقرؤون القرآن رَطْبًا» قيل: المراد الْحِذْق في التلاوة، أي يأتون به على أحسن أحواله، وقيل: المراد أنهم يواظبون على تلاوته، فلا تزال ألسنتهم رطبةً به، وقيل: هو كناية عن حسن الصوت به، حكاها القرطبيّ، ويرجح الأول ما وقع في رواية أبي الوَدّاك، عن أبي سعيد، عند مسدد: «أيقرؤون القرآن كأحسن ما يقرؤه الناس»، ويؤيد الآخر قوله في رواية عند الطبريّ: «قومٌ أشدّاء، أحدّاءُ، ذُلْقةٌ ألسنتهم بالقرآن». قال الجامع عفا الله عنه: لا تنافي الأقوال الثلاثة، فهم جامعون بينها، حاذقون في التلاوة، مواظبون عليها، بأصوات حسان، والله تعالى أعلم. وقوله: (يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ) أي يخرجون منه كما فُسّر في الرواية الأخرى، وبهذا اللفظ سُمُّوا المارقة، والخوارج؛ لأنهم مرقوا من الدين، وخرجوا على خيار المسلمين، والخوارج جمع خارجة، بمعنى الطائفة، والجماعة . قال في «الفتح»: قوله: «يمرُقُون من الدين» إن كان المراد به الإسلام، فهو حجة لمن يُكَفِّر الخوارج، ويَحْتَمل أن يكون المراد بالدين الطاعة، فلا يكون فيه حجة، وإليه جنح الخطّابيّ. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن برواية المصنّف هذه بلفظ «من الإسلام» أن المراد بالدين هو الإسلام، لا الطاعة، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقوله: (كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ) أي الغزالة ونحوها التي رُمي إليها لصيدها، فهي فَعيلة بمعنى مفعولة، شبّه مروقهم من الدين بالسهم الذي يُصيب الصيد، فيدخل فيه، ويخرج منه، ومن شدّة سرعة خروجه؛ لقوّة الرامي، لا يَعلَق به من جسد الصيد شيء. وقوله: (يُنْظَرُ إِلَى نَصْلِهِ) هي حديدة السهم. وقوله: (إِلَى رِصَافِهِ) بكسر الراء، ثم مهملة، ثم فاء: أي عَصَبه الذي يكون فوق مدخل النصل، والرِّصَاف جمعٌ واحدة رَصَفَةٌ بالتحريك. وقوله: (إِلَى نَضِيِّهِ) -بفتح النون، وحكي ضمّها، وبكسر المعجمة، بعدها تحتانيّةٌ ثقيلة-: القِدْح -بكسر، فسكون- كما فُسّر في نفس الحديث؛ أي عود السهم قبل أن يُراش، ويُنصّل، وقيل: هو ما بين الريش والنصل، قال الخطّابيّ: قال ابن فارس: سُمّي بذلك؛ لأنه بُرِي حتى عاد نِضْوًا؛ أي هَزِيلًا، وحَكَى الجوهريّ عن بعض أهل اللغة أن النَّضيّ: النصلُ، والأول أولى. وقوله: (وَهُوَ الْقِدْحُ) وهو بكسر القاف، وسكون الدال المهملة: اسم السهم قبل أن يُرَاش، ويُركّب نصله . وقوله: (إِلَى قُذَذِهِ) -بضمّ القاف، ومعجمتين، الأولى مفتوحة-: جمع قُذّة، وهي رِيش السهم، يقال لكلّ واحدة: قُذّة، ويقال: هوأشبهُ من القذة بالقذّة؛ لأنها تُجعل على مثال واحد. قال القرطبيّ ﵀: و«الْفُوق»: هو الْحُزّ الذي يُدخل فيه الوتر، و«العَقَبة» : التي تَجمع الْفُوق هي الأطْرة ، قال ابن قُتيبة: الرُّعْظ : مدخل النصل في السهم، والرِّصاف: العَقَب الذي فوق الرُّعْظ، وقال الهرويّ: الرصفة عَقَبَة تُلوَى على مدخل النصل والسهم. انتهى . وقوله: (سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ) أي سبق السهم بحيث لم يَتَعَلّق به شيء من الفرث والدم، ولم يظهر أثرهما فيه، والفرث السِّرْجِين ما دام في الكَرِش، ويقال: الفرث ما يجتمع في الكروش مما تأكله ذوات الكروش، وقال القاضي: يعني نفذ السهم في الصيد من جهة أخرى، ولم يتعلق شيء منه به . وقال القرطبيّ ﵀: مقصود هذا التمثيل أن هذه الطائفة خرجت من دين الإسلام، ولم يتعلّق بها منه شيء، كما خرج هذا السهم من هذه الرّميّة الذي لشدّة النزع، وسُرعة السهم سبق خروجه خروج الدم، بحيث لا يتعلّق به شيء ظاهر، كما قال: «سبق الفرث والدم». وبظاهر هذا التشبيه تمسّك من حكم بتكفيرهم من أئمّتنا، وقد توقّف في تكفيرهم كثير من العلماء؛ لقوله -ﷺ-: «فيتمارى في الْفُوقة»، وهذا يقتضي بأنه يُشكّ في أمرهم، فيُتوقّف فيهم، وكان القول الأول أظهر من الحديث، فعلى القول بتكفيرهم يقاتلون، ويُقتلون، وتُسبى أموالهم، وهو قول طائفة من أهل الحديث في أموال الخوارج، وعلى قول من لا يُكفّرهم لا يُجهّز على جريحهم، ولا يُتبع منهزمهم، ولا تُقتل أَسْراهم، ولا تستباح أموالهم، وكلُّ هذا إذا خالفوا المسلمين، وشَقُّوا عصاهم، ونصبوا راية الحرب، فأما من استتر ببدعته منهم، ولم يَنصب راية الحرب، ولم يخرُج عن الجماعة، فهل يُقتل بعد الاستتابة، أو لا يُقتل، وإنما يُجتَهَدُ في ردّ بدعته، وردّه عنها؟ اختُلف في ذلك، وسبب الخلاف في تكفير من هذه حاله أن باب التكفير بابٌ خطيرٌ، أقدم عليه كثيرٌ من الناس، فسقطوا، وتوقّف فيه الفحول، فسَلِموا، ولا نعدل بالسلامة شيئًا. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ ، وهو كلام نفيسق، والله تعالى أعلم. وقوله: (آيَتُهُمْ) أي علامتهم، ووقع في رواية ابن أبي مريم، عن عليّ، عند الطبريّ: «علامتهم». وقوله: (إِحْدَى عَضُدَيْهِ) قال الفيّوميّ ﵀: «الْعَضُدُ»: ما بين الْمِرْفَق إلى الكتف، وفيها خمس لغات: وزانُ رَجُلٍ، وبضمتين، في لغة الحجاز، وقرأ بها الحسن في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف: ٥١]، ومثال كَبِلإ، في لغة بني أسد، ومثال فَلْسٍ، في لغة تميم، وبكر، والخامسة وزانُ قُفْلٍ. قال أبو زيد: أهل تهامة يؤنثون العضد، وبنو تميم يذكّرون، والجمع: أَعْضُدٌ، وأَعْضَادٌ، مثل أَفْلُسٍ، وأَقْفَالٍ، وفلانٌ عَضُدي: أي مُعْتَمَدي، على الاستعارة. انتهى . ووقع في رواية البخاريّ: «رجل إحدى يديه، أو قال: ثدييه»، قال في «الفتح»: هكذا للأكثر بالتثنية فيهما مع الشكّ، هل هي تثنية يَدٍ، أو ثَدْيٍ بالمثلثة؟ وفي رواية المستملي هنا بالمثلثة فيهما، فالشك عنده، هل هو الثدي بالإفراد، أو بالتثنية؟ ووقع في رواية الأوزاعيّ: «إحدى يديه» تثنية يَدٍ، ولم يشكّ، وهذا هو المعتمد، فقد وقع في رواية شعيب، ويونس: «إحدى عضديه». انتهى . وقوله: (مِثْلُ ثَدْي الْمَرْأَةِ) قال الفيّوميّ ﵀: الثَّدْيُ للمرأة، وقد يقال في الرجل أيضًا، قاله ابنَ السّكّيت، ويُذكّر، ويؤنّث، فيقال: هو الثدي، وهي الثدي، والجمع: أَثْدٍ، وثُدِيّ، وأصلهما أَفْعُلٌ، وفُلولٌ، مثلُ أفلس وفُلُوس، وربّما جُمع على ثِدَاءٍ، مثل سَهْم وسِهَام. انتهى . وقوله: (أَوْ مِثْلُ الْبَضْعَةِ) -بفتح الموحدة لا غير، وسكون المعجمة-: أي القطعة من اللحم، والجمع بَضَعَاتٌ، وبِضَعٌ، وبِضَاع، مثلُ تَمْرة وتَمْر، وسَجَدَ ات، وبِدَرٍ، وصِحَاف. وقوله: (تَتَدَرْدَرُ) -بفتح التاءين، ودالين مهملتين مفتوحتين، بينهما راء ساكنة، وآخره راء- وفي رواية البخاريّ: «تَدَردر» على حذف إحدى التاءين، ومعناه: تضطرب، وتتحرك، وتذهب، وتجيء، وأصله حكاية صوت الماء في بطن الوادي إذا تدافع. وفي رواية عَبِيدة بن عمرو، عن عليّ الآتية: «فيهم رجل مُخْدَج اليد، أو مُودن اليد، أو مَثْدُون اليد»، والْمُخْدَج -بخاء معجمة، وجيم- والْمُودَن بوزنه، والْمَثْدُون -بفتح الميم، وسكون المثلثة- وكلها بمعنًى، وهو الناقص، وله من رواية زيد بن وهب، عن عليّ: «وآية ذلك أن فيهم رجلًا له عضد، ليس له ذراع، على رأس عضده مثل حَلَمة الثدي، عليه شَعَرات بِيضٌ»، وعند الطبريّ من وجه آخر: «فيهم رجلٌ مُجْدَع اليد، كانها ثدي حبشية»، وفي رواية أفلح بن عبد الله: «فيها شعرات، كأنها سخلة سبع»، وفي رواية أبي بكر مولى الأنصار: «كثدي المرأة، لها حَلَمة كحلمة المرأة، حولها سبع هلبات»، وفي رواية عبيد الله بن أبي رافع، عن عليّ الآتية: «منهم أسود، إحدى يديه طُبْيُ شاة، أو حَلَمة ثدي». فأما الطُّبْيُ فهو بضم الطاء المهملة، وسكون الموحدة، وهي الثدي، وعند الطبريّ من طريق طارق بن زياد، عن عليّ -﵁-: «في يده شعرات سُودٌ»، والأول أقوى. وقد ذكر النبيّ -ﷺ- للخوارج علامات أخرى، ففي رواية معبد بن سيرين، عن أبي سعيد، «قيل: ما سيماهم؟، قال: سيماهم التحليق»، وفي رواية عاصم بن شَمْخ، عن أبي سعيد: «فقام رجل، فقال: يا نبي الله، هل في هؤلاء القوم علامة؟ قال:»يحلقون رؤوسهم، فيهم ذو ثُدَيَّة«، وفي حديث أنس، عن أبي سعيد:»هم من جِلْدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، قيل: يا رسول الله ما سيماهم؟ قال: التحليق«، هكذا أخرجه الطبريّ، وعند أبي داود بعضه، قاله في»الفتح«. وقوله: (يَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنْ النَّاسِ») قوله: «حِين» بكسر الحاء المهملة، وآخره نون، قال النوويّ ﵀: ضبطوه في «الصحيح» بوجهين: [أحدهما] «حِينِ فُرْقَةٍ» بحاء مهملة مكسورة، ونون، و«فُرْقة» بضم الفاء؛ أي في وقت افتراق الناس؛ أي افتراقٍ يقع بين المسلمين، وهو الافتراق الذي كان بين عليّ ومعاوية -﵁-. [والثاني]: «خَيْرِ فِرْقَةٍ» بخاء معجمة مفتوحة، وراء، و«فِرْقَةٍ» بكسر الفاء؛ أي أفضل الفرقتين، والأول أشهر وأكثر، ويؤيده الرواية التي بعد هذه: «يَخْرُجون في فُرْقة من الناس» فإنه بضم الفاء بلا خلاف، ومعناه ظاهر. وقال القاضي عياض ﵀: على رواية الخاء المعجمة المراد: خير القرون، وهم الصدر الأَوَّل، قال: أو يكون المراد عليًّا وأصحابه، فعليه كان خروجهم حقيقةً؛ لأنه كان الإمام حينئذ، وفيه حجة لأهل السنة أن عليًّا كان مصيبًا في قتاله، والآخرون بُغَاة، لا سيما مع قوله -ﷺ-: «يقتلهم أَولى الطائفتين بالحقّ»، وعليّ وأصحابه هم الذين قتلوهم. وفي هذا الحديث معجزاتٌ ظاهرةٌ لرسول الله -ﷺ-، فإنه أخبر بهذا، وجرى كلُّه كفَلَق الصبح، ويتضمن بقاء الأمة بعده -ﷺ-، وأن لهم شوكةً وقوّةً، خلاف ما كان المبطلون يُشيعونه، وأنهم يفترقون فرقتين، وأنه تخرج عليه طائفة مارقة، وأنهم يُشَدِّدون في الدين في غير موضع التشديد، ويبالغون في الصلاة، والقراءة، ولا يقومون بحقوق الإسلام، بل يمرقون منه، وأنهم يقاتلون أهل الحق، وأن أهل الحق يقتلونهم، وأن فيهم رجلًا صفة يده كذا وكذا، فهذه أنواع من المعجزات جَرَت كلُّها، ولله الحمد. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «يخرجون على خير فرقة من الناس» كذا للأكثر هنا، وفي «علامات النبوة»، وفي «الأدب»: «حِين»، و«فُرْقة» بضم الفاء، ووقع في رواية عبد الرزاق، عند أحمد وغيره: «حين فَتْرة من الناس» بفتح الفاء، وسكون المثناة، ووقع للكشميهنيّ في هذه المواضع: «على خير» بفتح المعجمة، وآخره راء، و«فِرْقة» بكسر الفاء، والأول المعتمد، وهو الذي عند مسلمٍ وغيره، وإن كان الآخر صحيحًا، ويؤيد الأول أن عند مسلم من طريق أبي نضْرة، عن أبي سعيد: «تَمْرُق مارقةٌ عند فُرقة من المسلمين، يقتلهم أَوْلى الطائفتين بالحقّ»، وفي لفظ له: «يكون في أمتي فرقتان، فيخرج من بينهما طائفة مارقة، يلي قتلهم أولاهم بالحقّ»، وفي لفظ له: «يخرجون في فرقة من الناس، يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحقّ»، وفيه: فقال أبو سعيد: «وأنتم قتلتموهم يا أهل العراق»، وفي رواية الضحاك الْمِشْرَقيّ، عن أبي سعيد: «يخرجون على فِرْقة مختلفة، يقتلهم أقرب الطائفتين إلى الحقّ»، وفي رواية أنس، عن أبي سعيد، عند أبي داود: «من قاتلهم كان أولى بالله منهم». انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «يخرجون على خير فرقة» كذا لأكثر الرُّواة، وعند السمرقنديّ، وابن ماهان: «على حين فُرقة» بالحاء والنون، وكلاهما صحيح، فإنهم خرجوا حين افترق الناس فرقتين، فكانت فرقة مع معاوية -﵁- ترى رأيه، وتقاتل معه، وفرقة مع عليّ -﵁- ترى رأيه، وتقاتل معه، وخرجت الطائفة على عليّ، ومعه معظم الصحابة -﵃-، ولا خلاف أنه الإمام العدل، وأنه أفضل من معاوية -﵁-، ومِن كلّ مَن كان معه، فقد صدق على فرقة عليّ -﵁- أنهم خير الفرق، وقد قال - ﷺ -: «تقتلهم أَولَى الطائفتين بالحقّ»، ولا خلاف في أن عليًّا -﵁- قتلهم، ففرقته خير فرقة، وهذا اللفظ يدلّ على أن ما وقع بين عليّ وبين معاوية فيه لله تعالى حُكْمٌ معيَّنٌ، وأن عليًّا -﵁- هو الذي أصابه، والله تعالى أعلم. انتهى . وقوله: (قَالَ أَبُو سَعِيدٍ) أي الخدريّ -﵁-، وهو متّصلٌ بالسند المذكور (فَأَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-) وفي رواية: «قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا الحديث من النبيّ -ﷺ-»، وفي رواية: «سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: يخرج في هذه الأمة»، وفي رواية: «حضرت هذا من رسول الله -ﷺ-». (وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ -﵁- قَاتَلَهُمْ، وَأَنَا مَعَهُ) ووقع في رواية أفلح بن عبد الله: «وحضرت مع عليّ يوم قتلهم بالنهروان»، ونسبة قتلهم لعليّ -﵁-؛ لكونه كان القائم في ذلك، وسيأتي من رواية سُوَيد بن غَفَلة، عن عليّ -﵁- أمر النبيّ -ﷺ- بقتلهم، ولفظه: «فأينما لقيتموهم فاقتلوهم». قال في «الفتح»: وله شواهده، ومنها حديث نصر بن عاصم، عن أبي بكرة، رفعه: «إن في أمتي أقوامًا يقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، فإذا لقيتموهم، فأنيموهم»؛ أي فاقتلوهم، أخرجه الطبريّ، وتقدم في حديث أبي سعيد: «لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد، وثمود»، وأخرج الطبريّ من رواية مسروق، قال: قالت لي عائشة: مَن قَتَل المخدَج؟ قلت: عليّ، قالت: فأين قتله؟ قلت: على نهر يقال لأسفله: النَّهْروان، قالت: ائتني على هذا ببينة، فأتيتها بخمسين نفسًا، شهدوا أن عليًّا قتله بالنهروان. أخرجه أبو يعلى، والطبريّ. وأخرج الطبرانيّ في «الأوسط» من طريق عامر بن سعد، قال: قال عمار لسعد: «أما سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: يخرج أقوام من أمتي، يمرقون من الدين مروق السهم من الرميّة، يقتلهم عليّ بن أبي طالب»؟ قال: إي والله. [تنبيه]: وأما صفة قتالهم وقتلهم، فوقعت عند مسلم في رواية زيد بن وهب الجهنيّ الآتية: «أنه كان في الجيش الذين كانوا مع عليّ حين ساروا إلى الخوارج، فقال عليّ بعد أن حدّث بصفتهم، عن النبيّ -ﷺ-: والله إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم، فإنهم قد سفكوا الدم الحرام، وأغاروا في سرح الناس، قال: فلما التقينا وعلى الخوارج يومئذ عبد الله بن وهب الراسبيّ، فقال لهم: ألقوا الرِّماح، وسُلُّوا سيوفكم من جفونها، فأني أخاف أن يناشدوكم كما ناشدوكم يوم حروراء، قال: فشجرهم الناس برماحهم، قال: فقُتل بعضهم على بعض، وما أصيب من الناس يومئذ إلا رجلان». وأخرج يعقوب بن سفيان، من طريق عمران بن جرير، عن أبي مِجْلَز قال: كان أهل النهر أربعة آلاف، فقتلهم المسلمون، ولم يُقْتَل من المسلمين سوى تسعة، فإن شئت فاذهب إلى أبي برزة، فاسأله، فإنه شهد ذلك. وأخرج إسحاق ابن راهويه في«مسنده» من طريق حبيب بن أبي ثابت، قال: أتيت أبا وائل، فقلت: أخبرني عن هؤلاء القوم الذين قتلهم عليّ، فيم فارقوه؟، وفيم استحلّ قتالهم؟ قال: لَمّا كنا بصِفِّين استحرّ القتلُ في أهل الشام، فرفعوا المصاحف، فذكر قصة التحكيم، فقال الخوارج ما قالوا، ونزلوا حَرُوراء، فأرسل إليهم عليّ، فرجعوا، ثم قالوا: نكون في ناحيته، فإن قبل القضية قاتلناه، وإن نقضها قاتلنا معه، ثم افترقت منهم فرقة، يقتلون الناس، فحَدَّث عليّ عن النبيّ -ﷺ- بأمرهم. وعند أحمد، والطبرانيّ والحاكم، من طريق عبد الله بن شداد، أنه دخل على عائشة مرجعه من العراق، ليالي قتل عليّ، فقالت له عائشة: تُحَدِّثني بأمر هؤلاء القوم الذين قتلهم عليّ، قال: إن علياَ لَمّا كاتب معاوية، وحَكَّما الحكمين، خرج عليه ثمانية آلاف من قراء الناس، فنزلوا بأرض، يقال لها حَرُوراء، من جانب الكوفة، وعَتَبُوا عليه، فقالوا: انسلختَ من قميص ألبسكه الله، ومن اسم سماك الله به، ثم حَكمت الرجال في دين الله، ولا حكم إلا لله، فبلغ ذلك عليًّا، فجمع الناس، فدعا بمصحف عظيم، فجعل يضربه بيده، ويقول: أيها المصحف حَدِّث الناس، فقالوا: ماذا إنسان؟ إنما هو مداد وورق، ونحن نتكلم بما روينا منه، فقال: كتاب الله بيني وبين هؤلاء، يقول الله في امرأة رجل: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ الآية [النساء: ٣٥]، وأمة محمد -ﷺ- أعظم من امرأة رجل، ونَقَمُوا عليّ أن كاتبتُ معاوية، وقد كاتب رسول الله -ﷺ- سهيل بن عمرو، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، ثم بعث إليهم ابن عباس -﵄-، فناظرهم، فرجع منهم أربعة آلاف، فيهم عبد الله بن الكواء، فبعث عليّ إلى الآخرين أن يرجعوا، فأَبَوْا، فأرسل إليهم: كونوا حيث شئتم، وبيننا وبينكم أن لا تَسفكوا دمًا حرامًا، ولا تقطعوا سبيلًا، ولا تظلموا أحدًا، فإن فعلتم نبذت إليكم الحرب، قال عبد الله بن شداد: فوالله ما قتلهم حتى قطعوا السبيل، وسفكوا الدم الحرام … الحديث. وأخرج النسائيّ في «الخصائص» صفة مناظرة ابن عباس لهم بطولها . «ذكر مناظرة عبد الله بن عباس -﵁- الحرورية، واحتجاجه فيما أنكروه على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب -﵁-. أخبرنا عمرو بن عليّ، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن مهديّ، قال: حدّثنا عكرمة بن عمّار، قال: حدّثني أبو زُميل، قال: حدّثني عبد الله بن عباس، قال: لما خرجت الحرورية اعتزلوا في دار، وكانوا ستة آلاف، فقلت لعليّ: يا أمير المؤمنين أبرد بالصلاة، لعلي أُكَفم هؤلاء القوم، قال: إني أخافهم عليك، قلت: كلّا، فلبِسْتُ، وترجلت، ودخلت عليهم في دارٍ نصفَ النهار، وهم يأكلون، فقالوا: مرحبًا بك يا ابن عباس، فما جاء بك؟ قلت لهم: أتيتكم من عند أصحاب النبي -﵃- المهاجرين والأنصار، ومن عند ابن عمّ النبيّ -ﷺ-، وصهره، وعليهم نزل القرآن، فهم أعلم بتأويله منكم، وليس فيكم منهم أحد، لأبلغكم ما يقولون، وأبلغهم ما تقولون، فانتحَى لي نفرٌ منهم، قلت: هاتوا ما نَقَمتم على أصحاب رسول الله -ﷺ-، وابن عمة، قالوا: ثلاث، قلت: ما هنّ؟ قال: أما إحداهنّ، فإنه حَكَّم الرجال في أمر الله، وقال الله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧]، ما شأن الرجال والحكم؟ قلت: هذه واحدة، قالوا: وأما الثانية، فإنه قاتل، ولم يَسْب سباهم، ولم يَغْنَم إن كانوا كُفّارًا، لقد حَلّ سبيهم، ولئن كانوا مؤمنين ما حَلَّ سبيهم، ولا قتالهم، قلت: هذه ثنتان، فما الثالثة؟ وذعليه السلام كلمةً، معناها: قالوا مَحَى نفسه من أمير المؤمنين، فإن لم يكن أمير المؤمنين فهوأمير الكافرين، قلت: هل عندكم شيء غير هذا؟ قالوا: حسبنا هذا. قلت لهم: أرأيتكم إن قرأت عليكم من كتاب الله جل ثناؤه، وسنة نبيه -ﷺ- ما يَرُدّ قولكم، أترجعون؟ قالوا: نعم، قلت: أما قولكم: حَكَّم الرجال في أمر الله، فإني أقرأ عليكم في كتاب الله أن قد صَيَّر حكمه إلى الرجال في ثمن ربع درهم، = وفي «الأوسط» للطبراني من طريق أبي السائغة، عن جندب بن عبد الله البجليّ قال: لما فارقت الخوارج عليًّا خرج في طلبهم، فانتهينا إلى عسكرهم، فإذا لهم دَوِيّ كدويّ النحل من قراءة القرآن، وإذا فيهم أصحاب البرانس؛ أي الذين كانوا معروفين بالزهد والعبادة، قال: فدخلني من ذلك شدّة، فنزلت عن فرسي، وقمت أُصلي، فقلت: اللهم إن كان في قتال هؤلاء القوم لك طاعة، فائذن لي فيه، فمَرّ بي عليٌّ، فقال لما حاذاني: تعوّذ بالله من الشكّ يا جندب، فلما جئته أقبل رجل على بِرْذَون يقول: إن كان لك بالقوم حاجة، فإنهم قد = فأمر الله ﵎ أن يحكموا فيه، أرأيت قول الله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥]، وكان من حكم الله أنه صَيّره إلى الرجال، يحكمون فيه، ولو شاء يحكم فيه، فجاز من حكم الرجال، أنشدكم بالله أحكم الرجال في صلاح ذات البين، وحقن دمائهم أفضل، أو في أرنب؟ قالوا: بلى، بل هذا أنضل، وفي المرأة وزوجها: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥]، فنشدتكم بالله حكم الرجال في صلاح ذات بينهم، وحقن دمائهم أفضل من حكمهم في بضع امرأة خرجت من هذه؟ قالوا: نعم، قلت: وأما قولكم: قاتل، ولم يَسْبِ، ولم يَغْنَم؟ أفتسبون أمكم عائشة، تستحلون منها ما تستحلون من غيرها، وهي أمكم؟ فإن قلتم: إنا نستحل منها ما نستحل من غيرها، فقد كفرتم، وإن قلتم: ليست بأمنا فقد كفرتم: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، فأنتم بين ضلالتين، فأتوا منها بمخرج، أفخرجتُ من هذه؟ قالوا: نعم، وأما مَحْيُ نفسه من أمير المؤمنين، فانا آتيكم بما ترضون، أن نَبِيّ الله -ﷺ- يوم الحديبية صالح المشركين، فقال لعليّ: اكتب يا عليّ: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله، قالوا: لو نعلم أنك رسول الله -ﷺ- ما قاتلناك، فقال رسول الله -ﷺ-: «امح يا عليّ، اللهم إنك تعلم أني رسول الله، امح يا عليّ، واكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله»، واللهِ لرسول الله -ﷺ- خير من عليّ، وقد مَحَى نفسه، ولم يكن محوه نفسه ذلك محاه من النبوة، أخرجتُ من هذه؟ قالوا: نعم، فرجع منهم ألفان، وخرج سائرهم، فقُتلوا على ضلالتهم، قَتَلهم المهاجرون والأنصار. انتهى. قال الجامع: إسناد هذا الحديث صحيح، ورجاله رجال الصحيح، أبو زميل أخرج له مسلم، والباقون متّفقٌ عليهم. قطعوا النهر، قال: ما قطعوه، ثم جاء آخر كذلك، ثم جاء آخر كذلك، قال: لا، ما قطعوه، ولا يقطعونه، ولَيُقْتَلُنّ من دونه، عهدُ من الله ورسوله، قلت: الله أكبر، ثم ركبنا، فسايرته، فقال لي: سأبعث إليهم رجلًا يقرأ المصحف، يدعوهم إلى كتاب الله، وسنة نبيهم، فلا يُقبِل علينا بوجهه حتى يَرشقوه بالنبل، ولا يُقْتَل منا عشرة، ولا ينجو منهم عشرة، قال: فانتهينا إلى القوم، فارسل إليهم رجلًا، فرماه إنسان، فأقبل علينا بوجهه، فقعد، وقال عليّ: دونكم القوم، فما قُتِل منا عشرة، ولا نجا منهم عشرة. وأخرج يعقوب بن سفيان بسند صحيح، عن حميد بن هلال، قال: حدّثنا رجل من عبد القيس، قال: لحقت بأهل النهر، فإني مع طائفة منهم أسير؛ إذ أتينا على قرية، بيننا نهر، فخرج رجل من القرية مُرَوَّعًا، فقالوا له: لا رَوْع عليك، وقطعوا إليه النهر، فقالوا له: أنت ابن خَبّاب صاحب النبيّ -ﷺ-؟ قال: نعم، قالوا: فحَدِّثنا عن أبيك، فحَدَّثهم بحديث: «يكون فتنة، فإن استطعت أن تكون عبد الله المقتول فكن»، قال: فقدَّموه فضربوا عنقه، ثم دَعَوا سُرّيّته، وهي حبلى، فبقروا عما في بطنها. ولابن أبي شيبة، من طريق أبي مِجْلَز لاحق بن حميد، قال: قال علي لأصحابه: لا تبدءوهم بقتال حتى يحدثوا حَدَثًا، قال: فمز بهم عبد الله بن خَبّاب، فذكر قصة قتلهم له، وبجاريته، وأنهم بَقَروا بطنها، وكانوا مَرّوا على ساقته، فأخذ واحد منهم تمرة، فوضعها في فيه، فقالوا له: تمرة معاهد، فيم استحللتها؟ فقال لهم عبد الله بن خباب: أنا أعظم حرمة من هذه التمرة، فأخذوه، فذبحوه، فبلغ عليًّا، فأرسل إليهم: أقيدونا بقاتل عبد الله بن خباب، فقالوا: كلنا قتله، فأَذِنَ حينئذ في قتالهم. وعند الطبري من طريق أبي مريم قال: أخبرني أخي أبو عبد الله، أن عليًّا سار إليهم، حتى إذا كان حذاءهم على شط النهروان، أرسل يناشدهم، فلم تزل رسله تختلف إليهم، حتى قتلوا رسوله، فلما رأى ذلك نهض إليهم، فقاتلهم حتى فرغ منهم كلِّهم .
مصادر المؤلف (٨٨)

١. وفي نسخة:«يُعطي» بحذف الهمزة.

٢. لم أجد من ذكر اسم أبي نُعم، فليُنظر.

٣. قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى كون هذا خلاف السنّة، وخير الهدي هدي محمد -ﷺ-، فعدّ مثل هذا في مناقبه محلّ نظر، وما أكثر نقل المؤرّخين لمثل هذا؛ لجهلهم بالسنّة، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

٤. «شرح النوويّ» ٧/ ١٦١.

٥. «النهاية» ٢/ ١٧٣.

٦. «المصباح المنير» ١/ ٢١٠.

٧. «الفتح» ٩/ ٤٨٩.

٨. «الفتح» ٨/ ٣٩٥.

٩. «شرح النوويّ» ٧/ ١٦١.

١٠. «القاموس المحيط»٣/ ٣٧٣.

١١. «النهاية»٣/ ٥٥.

١٢. «القاموس المحيط»١/ ٣٠٩.

١٣. «عمدة القاري»١٥/ ٢٣٠.

١٤. «الجامع لأحكام القرآن» ٨/ ١٧٨ - ١٧٩.

١٥. «النهاية» ٤/ ١٥٢.

١٦. «الفتح» ٩/ ٤٩٠.

١٧. المحجِر مثال مجلِس: ما ظهر من النقاب من الرجل والمرأة، من الْجَفْن الأسفل، وقد يكون من الأعلى. وقال بعض العرب: هو ما دار بالعين من جميع الجوانب، وبدا من البرقع، والجمع: المحاجر. اهـ. المصباح.

١٨. «عمدة القاري» ١٥/ ٢٣٠.

١٩. «الفتح»٩/ ٤٩٠.

٢٠. راجع:«الفتح»١٥/ ٥٢٠ - ٥٢١.

٢١. «شرح السندي على سنن النسائي» ٧/ ١١٨.

٢٢. ذكر في «القاموس» ما يُفيد أن النُحاس مثلّث الأول، وبتخفيف الحاء المهملة، وذكر من معانيه: مبلغُ أصل الشيء.

٢٣. «شرح النوويّ» ٧/ ١٩٢.

٢٤. «الفتح» ٩/ ٤٩١.

٢٥. «النهاية» ٣/ ٦٩.

٢٦. «عمدة القاري» ١٥/ ٢٣٠.

٢٧. «عمدة القاري» ١٥/ ٢٣٠.

٢٨. «عمدة القاري» ١٥/ ٢٣٠.

٢٩. «الفتح»٩/ ٤٩١.

٣٠. المفهم ٣/ ١١٣.

٣١. «الفتح» ٩/ ٤٩١ - ٤٩٢.

٣٢. انظر: «المفهم» ٣/ ١١٤ - ١١٥.

٣٣. «الفتح» ١٢/ ٣٥٤ - ٣٥٧ «كتاب استتابة المرتدين» رقم الحديث (٦٩٣٠ - ٦٩٣٢).

٣٤. «شرح مسلم» ٧/ ١٦٠ «كتاب الزكاة».

٣٥. «المفهم»٣/ ١١١.

٣٦. «شرح النووي»٧/ ١٦٢ - ١٦٣.

٣٧. «الفتح» ٩/ ٤٨٩.

٣٨. راجع: «المفهم» ٣/ ١١١ - ١١٢.

٣٩. «المصباح المنير» ١/ ٣٢٢.

٤٠. «الفتح» ٩/ ٤٩٠.

٤١. «المفهم» ٣/ ١١٣.

٤٢. «شرح النوويّ» ٧/ ١٦٣.

٤٣. «الفتح» ٩/ ٤٩٠ - ٤٩١.

٤٤. انظر: «المفهم» ٣/ ١١٤.

٤٥. الغَلْصَمَة: اللحم بين الرأس والعنق، أو الْعُجْرة على مُلتقى اللهاة والْمَريء، أو رأس الحلقوم بشواربه، وحَرْقَدَته، أو أصل اللسان. انتهى. «القاموس».

٤٦. «النهاية في غريب الحديث» ١/ ٤٤٩.

٤٧. انظر: «شرح النوويّ» ٧/ ١٦٠.

٤٨. «شرح النوويّ» ٧/ ١٦٣ - ١٦٤.

٤٩. ساقها أبو نعيم ﵀ في «مستخرجه» (٣/ ١٢٨)، ولكنه يخالف ما أشار إليه المصنف ﵀، ودونك نصّه:

٥٠. «الفتح» ١٦/ ١٧٣ «كتاب استتابة المرتدّين» رقم (٦٩٣١).

٥١. المصدر المذكور.

٥٢. «الفتح» ١٦/ ١٧٤ «باب استتابة المرتدّين» رقم (٦٩٣١).

٥٣. «شرح النوويّ» ٧/ ١٦٤ - ١٦٥.

٥٤. بفتح الشين المعجمة، وسكون الميم، بعدها معجمة. انتهى. «الفتح» ١٦/ ١٨٢.

٥٥. سيأتي قريبًا في هذا الباب.

٥٦. «الثَّفِنَةُ» -بكسر الفاء- من البعير: الركبة، وما مسّ الأرض من كِرْكِرته، وسَعْدَاناته، وأصول أفخاذه. انتهى. «القاموس» ٤/ ٢٠٦.

٥٧. «الفتح» ١٦/ ١٧٤ - ١٧٥.

٥٨. راجع: «المصباح» ١/ ١٤٦.

٥٩. «المصباح» ٢/ ٢٩٣.

٦٠. «المصباح المنير» ٢/ ٤٢٥.

٦١. «الْقُذَذ»-بضمّ القاف، ومعجمتين، الأولى مفتوحة- جمع قُذّة: وهي رِيش السهم، يقال لكلّ واحدة: قُذّة، ويقال: هو أشبه من القذّة بالقذّة؛ لأنها تُجعل على مثال واحد.

٦٢. «الفتح»١٦/ ١٨٢ - ١٨٣«كتاب استتابة المرتدّين»رقم (٦٩٣١).

٦٣. «اللباب في تهذيب الأنساب» ٢/ ١٨٨.

٦٤. سيأتي قريبًا أن هذا غلط، فتنبّه.

٦٥. وذكر في «كتاب استتابة المرتدّين» (١٦/ ١٧٨) ما حاصله: إن البزّار حكى أنه الضحاك بن مزاحم، وأن ذلك غلط، قال: ثم وقفت على الرواية التي نسب فيها كذلك، أخرجها الطبريّ من طريق الوليد بن مرثد، عن الأوزاعيّ في هذا الحديث، فقال: حدّثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، والضحاك بن مُزاحم، عن أبي سعيد، قال الطبريّ: وهذا خطأ، وانما هو الضحاك المِشْرَقيّ.

٦٦. «الفتح» ١١/ ٢٤٤ «كتاب فضائل القرآن» رقم (٥٠١٥).

٦٧. يقال: طَمّ شعره: جزّه، أو عقصه. اهـ. «القاموس» ٤/ ١٤٥.

٦٨. «الفتح» ١٦/ ١٧٩ «كتاب الاستتابة» رقم (٦٩٣٣).

٦٩. «الفتح» ١٦/ ١٧٩ - ١٨٠.

٧٠. «الفتح» ١٦/ ١٨٠ - ١٨١.

٧١. «المفهم» ٣/ ١٠٩.

٧٢. «الفتح» ٨/ ٢٨٤ «كتاب المناقب» رقم (٣٦١١).

٧٣. «المصباح» ٢/ ٤٩١.

٧٤. «الْعَقَب» محرّكة: الْعَصَبُ تُعمل منه الأوتار، وعَقَبَ القَوْسَ: لَوَى شيئًا منها عليها. انتهى. «القاموس» ١/ ١٠٦.

٧٥. «الأطْرة» بالضمّ: الْعَقَبة تُلفّ على مجمع الْفُوق. اهـ. «ق».

٧٦. «رُعْظُ السهم» بالضمّ: مَدْخلُ السِّنْخ النَّصل -أي أصله- وفَوْقَه لَفائف الْعَقَب، جمعه أَرعاظَ. انتهى. «ق».

٧٧. «المفهم» ٣/ ١٠٩ - ١١٠.

٧٨. «عمدة القاري» ٤٣/ ١١٦.

٧٩. «المفهم» ٣/ ١١٠ - ١١١.

٨٠. «المصباح المنير» ٢/ ٤١٥.

٨١. «الفتح» ١٦/ ١٨٣.

٨٢. «المصباح» ١/ ٨٠.

٨٣. «الفتح» ١٦/ ١٨٣ - ١٨٤.

٨٤. «شرح النوويّ» ٧/ ١٦٦ - ١٦٧.

٨٥. «الفتح» ١٦/ ١٨٤.

٨٦. «المفهم» ٣/ ١١٦ - ١١٧.

٨٧. قال الإمام النسائيّ ﵀ في «السنن الكبرى» (/ ١٦٥ - ١٦٦):

٨٨. «الفتح» ١٦/ ١٨٥ - ١٨٧ كتاب «استتابة المرتدّين» رقم (٦٩٣٣).