HadithLab
RU

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٠ ص٣٥٢
(٥١) - (بَابُ قَبُول النَّبِيِّ -ﷺ- الْهَدِيَّةَ، وَرَدِّهِ الصَّدَقَةَ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٩١] (١٠٧٧) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَّامٍ الْجُمَحِيُّ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ، يَعْنى ابْنَ مُسْلِمٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ ابْنُ زِيادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّﷺ - كَانَ إِذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ، سَأَل عَنْهُ، فَإِنْ قِيلَ: هَدِيَّة أَكَلَ مِنْهَا، وَإِنْ قِيلَ: صَدَقَة لَمْ يَأَكُلْ مِنْهَا). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَام الْجُمَحِيُّ) مولاهم، أبو حرب البصريّ، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٣١) (م) تقدم في «الإيمان» ١٠٠/ ٥٢٦. ٢ - (الرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِم) الْجُمَحيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت ١٦٧) (بخ م دت س) تقدم في «الإيمان» ١٠٠/ ٥٢٦. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ زِيادٍ) الْجُمحيّ، تقدّم قبل باب. ٤ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- تقدّم قبل باب أيضًا. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٥٤) من رباعتات الكتاب. ٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، غير الصحابيّ -﵁-، فمدنيّ. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ إِذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ) زاد في رواية أحمد، وابن حبّان من طريق حمّاد بن سلمة، عن محمد بن زياد: «من غير أهله» (سَأَل عَنْهُ) أي هل هو هديّة، أو صدقة؟، ولفظ البخاريّ من طريق إبراهيم بن طَهْمان، عن محمد بن زياد: «كان رسول الله -ﷺ- إذا أُتي بطعام سأل عنه، أهديّةٌ، أم صدقةٌ؟ …». (فَإِنْ قِيلَ: هَدِيَّةٌ) خبر لمحذوف؛ أي هي هديّة (أَكَلَ مِنْهَا) أي من تلك الهديّة؛ لكونها تحلّ له (وَإِنْ قِيلَ: صَدَقَةٌ) أي هي صدقةٌ (لَمْ يَأَكُلْ مِنْهَا) لكونها محرّمة عليه -ﷺ-، وفي رواية البخاريّ: «فإن قيل: صدقةٌ، قال لأصحابه: كلوا، ولم يأكل، وإن قيل: هديّةٌ ضرب بيده -ﷺ-، فأكل معهم». ومعنى: «ضرب» أي شرع في الأكل مُسرعًا، ومنه ضرب في الأرض: إذا أسرع السير فيها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥١/ ٢٤٩١، (١٥٧٧)] و(البخاريّ) في «الهبة» (٢٥٩٧)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٣٠٢ و٣٠٥ و٣٣٨ و٤٠٦ و٤٩٢)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ١٤١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٦/ ١٨٥) و«المعرفة» (٥/ ٢٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز قبول الهديّة للنبيّ -ﷺ-. ٢ - (ومنها): بيان تحريم الصدقة عليه -ﷺ- مطلقًا فرضها وتطوّعها، قال القرطبيّ ﵀: هذا الحديث يدلّ على أنه -ﷺ- ما كان يأكل صدقة التطوّع، كما كان لا يأكل صدقة الواجب، وأنها لا تحلّ له. انتهى . ٣ - (ومنها): أن فيه استعمالَ الوَرَع، والفَحْص عن أصل المآكل والمشارب. ٤ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ ﵀: كونه -ﷺ- يسأل عن الطعام، هل هو صدقة أم هديّة؟ يدلّ على أن للمتّقي أن يسأل عمّا خَفي عليه من أحوال الهديّة، والمهدِي حتى يكون على بصيرة من أمره، لكن هذا ما لم يؤذ المهدي، والمطعِم، فإن أدّى إلى ذلك، فالأولى ترك السؤال إلا عند الريبة. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٥٢) - (بَابُ الدُّعَاءِ لِمَنْ أتى بِصَدَقَةٍ) وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٩٢] (١٥٧٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْزو النَّاقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى (ح) وَحَدَّثنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرٍو، وَهُوَ ابْنُ مُرَّةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ: «اللَّهُمَّ صَل عَلَيْهِمْ»، فَأَتاهُ أَبِي أَبُو أَوْفَى بِصَدَقَتِهِ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى»). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (يَحْيى بْنُ يَحْيى) التميميّ، تقدّم قبل بابين. ٢ - (عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بن عبد الله بن طارق الْجَمَليّ المراديّ، أبو عبد الله الكوفيّ الأعمى، ثقةٌ عابدٌ، رُمي بالإرجاء [٥] (ت ١١٨) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨٥/ ٤٥٢. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى) واسم أبيه علقمة بن خالد بن الحارث الأسلميّ الصحابيّ مات -﵁- سنة (٨٧) (ع) تقدم في «الصلاة» ٤١/ ١٠٧٢. والباقون كلّهم تقدّموا قبل باب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه خمسة من الشيوخ، قرن بين الأربعة؛ لاتحاد كيفتة أخذه عنهم، وفصل الخامس عنهم؛ لاختلاف سنده. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه كلّهم، فالأول ما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، والثاني ما أخرج له الترمذيّ، والثالث ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه، وكذا الخامس، والرابع ما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن صحابيّه من أفاضل الصحابة -﵃-، فقد شَهِد هو وأبوه أبو أوفى -﵄- بيعة الرضوان تحت الشجرة، وعُمّر عبد الله بعد النبيّ -ﷺ- دهرًا إلى أن كان آخر من مات من الصحابة -﵃- بالكوفة، وذلك سنة سبع وثمانين. شرح الحديث: (عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ) المراديّ الكوفيّ، تابعيّ صغير، لم يسمع من الصحابة إلا من ابن أبي أوفى، قال شعبة: كان لا يدلس، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الله بْنَ أَبِي أَوْفَى) -﵄-، وفي الرواية التالية: «حدّثنا عبد الله بن أبي أوفى»، زاد في رواية للبخاريّ: «وكان من أصحاب الشجرة» (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ) أي بزكاتهم؛ ليفرّقها عنهم (قَالَ: «اللهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِمْ») أي ارحمهم، واغفر ذنوبهم. قال القرطبيّ ﵀: لما أمر الله تعالى نبيّه -ﷺ- بأخذ الصدقة من الأموال، والدعاء للمتصدّق بقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ الآية [التوبة: ١٠٣] امتثل ذلك، فكان يدعو لمن أتاه بصدقته، ولذلك كان يقول لهم: «اللهم صلّ عليهم» أي ارحمهم. انتهى . (فَأَتاهُ أَبِي أَبُو أَوْفَى) تقدّم أن اسمه علقمة بن خالد الأسلميّ -﵁- (بصَدَقَتِهِ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ صَلَّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى») يريد به أبا أوفى، وأما لفظ «آل دا فمقحم، أو المراد به ذات أبي أوفى؛ لأن الآل يُذْكَر ويراد به ذات الشيء، كما قال -ﷺ- في قصة أبي موسى الأشعريّ -﵁ -:«لقد أوتي مزمارًا من مزامير آل داود»، يريد به داود ﵇، وقيل: لا يقال ذلك إلَّا في حق الرجل الجليل القدير، كآل أبي بكر، وآل عمر -﵄-، وقيل: آل الرجل أهله، والفرق بين الآل والأهل أن الآل قد خُصّ بالأشراف، فلا يقال آل الحائك، ولا آل الحجام، وأما قولهم: آل فرعون، فلتصوّره بصورة الأشراف، وفي«الصحاح»: أصل آل أَوَلٌ، وقيل: أهلٌ، ولهذا يقال في تصغيره أهيلٌ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن أبي أوفى -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢/ ٢٤٩٢] (١٠٧٨)، و(البخاريّ) في«الزكاة»(١٤٩٧) و«المغازي»(٤١٦٦ و٦٣٣٢ و٦٣٥٩)، و(أبو داود) في«الزكاة»(١٥٩٠)، و(النسائيّ) في«الزكاة»(٥/ ٣١) و«الكبرى»(٢/ ١٥)، و(ابن ماجه) في«الزكاة»(١٧٩٦)، و(عبد الرزّاق) في«مصنفه»(٢/ ٢١٢)، و(ابن أبي شيبة) في«مصنّفه»(٢/ ٢٥٥)، و(أحمد) في«مسنده»(٤/ ٣٥٣ و٣٥٤ و٣٥٥ و٣٨١ و٣٨٣)، و(ابن خزيمة) في«صحيحه»(٢٣٤٥)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٣/ ١٩٧ و٨/ ٧٠)، و(البزّار) في«مسنده»(٨/ ١٨٤)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(٢/ ١٤٤)، و(أبو نعيم) في«مستخرجه»(٣/ ١٤٢)، و(البيهقيّ) في«الكبرى»(٤/ ١٥٧ و٧/ ٥) و«المعرفة»(٣/ ٣١٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب دعاء الإمام لأهل الصدقة إذا أتوه بها، ثم إنه لا يتعيّن لفظ الصلاة، بل أَبُو دعا له بالبركة أصاب السنّة، كما دلّ عليه حديث وائل بن حجر -﵁- في قصّة قال: قال النبيّ -ﷺ-«اللهم بارك فيه، وفي إبله»، رواه النسائيّ بإسناد صحيح. قال النوويّ: وقد استحبّ الشافعيّ في صفة الدعاء أن يقول: آجرك الله فيما أعطيت، وجعله طهورًا لك، وبارك لك فيما أبقيت. انتهى . ٢ - (ومنها): جواز أن يقال: آل فلان يريد به فلانًا. ٣ - (ومنها): جواز الصلاة على غير الأنبياء، وكرهه مالك والجمهور، قال ابن التين: وهذا الحديث يعكر عليه، وقد قال جماعة من العلماء: يدعو آخذ الصدقة للمتصدّق بهذا الدعاء؛ لهذا الحديث. وأجاب الخطّابيّ عنه بأن أصل الصلاة الدعاء إلا أنه يختلف بحسب المدعوّ له، فصلاة النبيّ -ﷺ- على أمته دعاء لهم بالمغفرة، وصلاة أمته عليه دعاء له بزيادة القربى والزلفى؛ ولذلك كان لا يليق بغيره. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بكراهة الصلاة على غير الأنبياء مما لا يقوم عليه دليل، فالحقّ أن الصلاة على غيرهم جائزة؛ لحديث الباب وغيره، وقد قدمت تحقيق البحث في ذلك في «كتاب الصلاة» في أبواب الصلاة على النبيّ -ﷺ- في التشهّد، من «شرح النسائيّ» فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): اختُلف في حكم الدعاء للمتصدّق: ذهب الجمهور إلى أن الدعاء لدافع الزكاة سنة مستحبّة، وليس بواجب. وذهب أهل الظاهر إلى أنه واجب، قال النوويّ ﵀: وبه قال بعض أصحابنا، حكاه أبو عبد الله الحناطيّ -بالحاء المهملة- واعتمدوا الأمر في الآية، قال الجمهور: الأمر في حقّنا للندب؛ لأن النبيّ -ﷺ- بعث معاذًا وغيره لأخذ الزكاة، ولم يأمرهم بالدعاء، وقد يُجيب الآخرون بأن وجوب الدعاء كان معلومًا لهم من الآية الكريمة. وأجاب الجمهور أيضًا بان دعاء النبيّ -ﷺ- صلاته سكن لهم، بخلاف غيره . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الجمهور هو الأرجح؛ لأن ما احتجّوا به كافٍ في صرف الأمر عن الوجوب إلى الاستحباب، فتأمّل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٩٣] (…) - (وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الإسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «صَلِّ عَلَيْهِمْ»). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضل [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٥. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ) الأوديّ الكوفيّ، ثقةٌ فقيه عابدٌ [٨] (ت ١٩٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٤. و«شعبة» ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية عبد الله بن إدريس، عن شعبة هذه لم أر من ساقها، فليُنظر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٥٣) - (بَابُ إِرْضَاءِ السَّاِي مَا لَمْ يَطْلُبْ حَرَامًا) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٩٤] (٩٨٩) - (حَدَّثنَا يَحْيى بْنُ يَحْيى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ (ح) وَحَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، وَأَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثنَا عَبْدُ الْوَهَابِ، وَابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، وَعَبْدُ الْأَعْلَى، كُلُّهُمْ عَنْ دَاوُدَ (ح) وَحَدَّثَني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: حَدَّثنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا دَاوُدُ، عَن الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «إِذَا أَتَاكُمُ الْمُصَدَّقُ، فَلْيَصْدُرْ عَنْكُمْ، وَهُوَ عَنْكُمْ رَاضٍ»). رجال هذا الإسناد: أربعة عشر: ١ - (هُشَيْمُ) بن بشير السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (١٨٣) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. ٢ - (حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ) النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ القاضي، ثقةٌ فقية، تغير قليلًا في الآخر [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٦. ٣ - (أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ) سليمان بن حيّان الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ [٨] (ت ١٩٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٥/ ١٢٠. ٤ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ) بن عبد المجيد بن الصَّلْت الثقفيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٧/ ١٧٣. ٥ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٨. ٦ - (عَبْدُ الْأَعْلَى) بن عبد الأعلى الساميّ البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في «الطهارة» ٥/ ٥٥٧. ٧ - (دَاوُدُ) بن أبي هند القشيريّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ متقن [٥] (ت ١٤٠) (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ٢٧/ ٢٢١. ٨ - (الشَّعْبِيُّ) عامر بن شَرَاحيل الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهور [٣] مات بعد المائة (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٩ - (جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن جابر البجليّ الصحابيّ المشهور، مات -﵁- سنة (٥١) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٥/ ٢٠٧. والباقون تقدّموا في الأبواب الثلاثة قبله. وقوله: («إِذَا أتاكُمُ الْمُصَدِّقُ) بضمّ الميم، وتخفيف الصاد، وكسر الدال المشدّدة: هو الذي يأخذ الصدقات ممن وجبت عليه بنصب الإمام له. وقوله: (فَلْيَصْدُرْ عَنْكُمْ) أي فليرجع (وَهُوَ عَنْكُمْ رَاضٍ») مقصود الحديث الوصاية بالسَّعاة، وطاعة ولاة الأمور، وملاطفتهم، وجمع كلمة المسلمين، وإصلاح ذات البين، وهذا إذا لم يطلب جورًا، وإلا فلا طاعة له؛ لما أخرجه البخاريّ عن أنس -﵁- مرفوعًا: «فمن سُئلها على وجهها، فليُعطها، ومن سُئل فوقها فلا يُعط»، فقيل: المراد لا يُعط الزيادة، بل يُعطي الواجب، وقيل: لا يُعطيه شيئًا أصلًا؛ لأنه يفسُق بطلب الزيادة، وينعزل، فلا شيئًا، وهذا القول أقرب إلى ظاهر الحديث، فتأمّل، والله تعالى أعلم. والحديث من أفراد المصنف، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في أوئل «كتاب الزكاة» برقم [٨/ ٢٢٩٨] (٩٨٩) فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. ١٣ - (كِتَاب الصِّيَامِ) مسائل تتعلّق بهذه الترجمة: (المسألة الأولى): في بيان سبب تقديم الصيام على الحج: (اعلم): أنه إنما قدّم الصيام على الحجّ؛ نظرًا لكثرة أفراد من يجب عليه، بخلاف الحجّ، فيكون الصوم أفضل من الحجّ، وقيل: الحجّ أفضل؛ لأنه وظيفة العمر، ويُكفّر الصغائر والكبائر. وعبّر الصيام بالياء، وبعضهم عبّر الصوم بالواو إشارة إلى أن الفعل وهو صام له مصدران، الصيام بالياء، والصوم بالواو، ومعناهما واحد لغةً وشرعًا، والصوم مصدر قياسيّ، والصيام مصدر سماعيّ. وأصل الصيام من الشرائع القديمة، وأما بهذه الكيفيّة فهو من خصوصيّات هذه الأمة ، والله تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الثانية): في معنى الصيام لغةً، وشرعًا: (اعلم): أن «الصيام» مصدر «صام»، كالصوم»، يقال: صام يصُوم صَوْمًا، وصِيامًا، قيل: هو مطلق الإمساك في اللغة، ثم استُعمل في الشرع في إمساك مخصوص، وقال أبو عبيدة: كل مُمسِك عن طعام، أو كلام، أو سَيْر، فهو صائم، قال النابغة الذُّبْيانيّ [من البسيط]: خَيْلٌ صِيَامٌ وَخَيْل غَيْرُ صَائِمَةٍ … تَحْتَ العَجَاجِ وَأُخْرَى تَعْلُكُ اللُّجُمَا يعني بالصائمة: الممسكة عن السير، قاله ابن فارس. وقيل: الممسكة عن الاعتلاف؛ أي القائمة على غير عَلَف، وقيل: الممسكة عن الصَّهِيل، ورجل صائم، وصَوَّامٌ -بالفتح- مبالغة، وقوم صُوَّامٌ، وصُيَّمٌ، وَصَوْمٌ على لفظ الواحد، وصِيَام. انتهى من «المصباح» بزيادة من غيره. وقال في «التهذيب»: الصوم في اللغة: الإمساك عن الشيء، والترك له، وقيل للصائم: صائم؛ لإمساكه عن الْمَطعَم، والْمَشْرَب، والْمَنكَح. وقيل للصامت: صائم؛ لإمساكه عن الكلام، وقيل للفرس: صائم؛ لإمساكه عن العَلَف مع قيامه. وقال في «الفتح»؛ والصوم، والصيام في اللغة: الإمساك، وفي الشرع: إمساك مخصوص، في زمن مخصوص، عن شيء مخصوص، بشرائط مخصوصة. انتهى. وقال النووي: إمساك مخصوص، في زمن مخصوص، من شخص مخصوص بشرطه. انتهى. وقال الراغب الأصفهاني: الصوم في الأصل: الإمساك عن الفعل، مَطعمًا كان، أو كلامًا، أو مشيًا؛ ولذلك قيل للفرس الممسك عن السير، أو العلف: صائم. وقيل للريح الراكدة: صوم، ولاستواء النهار: صوم؛ تصوّرًا لوقوف الشمس في كبد السماء، ولذلك قيل: قام قائم الظهيرة، ومَصَامُ الفرس، ومَصَامَتُهُ: موقفه. والصوم في الشرع: إمساك المكلّف بالنيّة من الخيط الأبيض، إلى الخيط الأسود عن تناول الأطيبين، والاستمناء، والاستقاء. انتهى . قال الطيبيّ: فهو وصف سلبيّ، وإطلاق العمل عليه تجوّز. وقيل: هو إمساك عن المفطرات حقيقةَ، أو حكمًا، في وقت مخصوص، من شخص مخصوص مع النيّة. وقال الأمير الصنعانيّ: الصوم في الشرع إمساك مخصوص، وهو الإمساك عن الأكل والشرب، والجماع، وغيرهما، مما ورد به الشرع، في النهار، على الوجه المشروع، ويتبع ذلك الإمساك عن اللغو، والرفَث، وغيرهما، من الكلام المحرّم، والمكروه؛ لورود الأحاديث بالنهي عنها في الصوم، زيادة على غيره، في وقت مخصوص، بشروط مخصوصة، تفصّلها الأحاديث. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه التعاريف كلها متقاربة المعنى، وأخصرها، أنه إمساك مخصوص، من شخص مخصوص، في زمن مخصوص، عن شيء مخصوص بشرائطه، والله تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الثالثة): في بيان أدلّة وجوب الصيام: (اعلم): أن صوم رمضان واجبٌ، والأصل في وجوبه الكتاب، والسنة، والإجماع، فمن جحد فرضيته، فقد كفر. أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣]، إلى قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وأما السنة فقول النبيّ -ﷺ-: «بُني الإسلام على خمس …» فذكر منها صوم رمضان، متّفق عليه. وعن طلحة بن عبيد الله -﵁- أن رجلًا جاء إلى النبيّ -ﷺ- ثائر الرأس، فقال: يا رسول الله أخبرني ماذا فرض الله عليّ من الصيام؟، قال: «شهر رمضان»، قال: هل عليّ غيره؛ قال: «لا إلا أن تطوع شيئا …» الحديث، متّفقٌ عليه. وأجمع المسلمون على وجوب صيام شهر رمضان . (المسألة الرابعة): متى فُرض الصيام؟: (اعلم): أنه فُرِضَ صوم رمضان في السنة الثانية من الهجرة، يوم الاثنين، لليلتين خلتا من شعبان ، فصام النبيّ -ﷺ- تسع رمضانات، ثماني نواقص، وواحد كامل على المعتمد، وقيل غير ذلك. وقد نظم الأجهوريّ ﵀ الاختلاف في أشهر الصيام التامّة والناقصة في حياته -ﷺ-، فقال [من الرجز]: وَفُرِضَ الصِّيَامُ ثَانِي الْهِجْرَةِ … فَصَامَ تِسْعَةً نَبِيُّ الرَّحْمَةِ فَأَرْبَعًا تِسْعًا وِعِشْرِينَ وَمَا … زَادَ عَلَى ذَا بِالْكَمَالِ اتَّسَمَا كَذَا لِبَعْضِهِمْ وَقَالَ الْهَيْتَمِي … مَا صَامَ كَاملًا سِوَى شَهْر اعْلَم وِللدَّمِيرِي أَنَّهُ شَهْرَانِ … وَنَاقِصٌ سِوَاهُ خَذْ بَيَانِي [تنبيه]: لا فرق بين الشهر الكامل والناقص بالنسبة للثواب المترتّب على صوم رمضان، وأما ما يترتّب على يوم الثلاثين من ثواب واجبه ومندوبه عند سحوره، وفطوره، فهو زيادة يفوق بها الكامل الناقص ، والله تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الخامسة): في بيان حكمة مشروعية الصيام: (اعلم): أن من حكمة مشروعيّة الصيام كونه موجبًا لسكون النفس، وكسر سَوْرتها في الفضول المتعلّقة بجميع الجوارح، من العين، واللسان، والأذن، والفرج، فبالصوم تضعف حركتها في محسوساتها، وكونه موجبًا للرحمة والعطف على المساكين، فإن الإنسان إذا ذاق ألم الجوع في وقت، تذكّر حال المساكين في سائر الأوقات، فيسارع إلى الإحسان إليهم لدفع ألم الجوع عنهم، فينال بذلك حسن الجزاء من الله تعالى. قال الزرقانيّ ﵀: شُرع الصيام لفوائد، أعظمها كسر النفس، وقهر الشيطان، فالشِّبَعُ نَهْرٌ في النفس يَرِدُهُ الشيطان، والجوع نهر في الروح تَرِده الملائكة. ومنها: أن الغنيّ يعرف قدر نعمة الله عليه بإقداره على ما منع منه كثيرًا من الفقراء، من فضول الطعام، والشراب، والنكاح، فإنه بامتناعه من ذلك في وقت مخصوص، وحصول المشقّة له بذلك يتذكّر به من مُنِع ذلك على الإطلاق، فيوجب ذلك شكر نعمة الله عليه بالغنى، ويدعوه إلى رحمة أخيه
مصادر المؤلف (١٢)

١. «المفهم» ٣/ ١٣١.

٢. «المفهم» ٣/ ١٣١.

٣. «المفهم»٣/ ١٣١ - ١٣٢.

٤. شرح مسلم ٧/ ١٨٤.

٥. شرح مسلم ٧/ ١٨٤.

٦. وفي نسخة: «حدّثنا».

٧. راجع: «تحفة الحبيب على شرح الخطيب» ٢/ ٣٧١.

٨. «مفردات ألفاظ القرآن» ص ٥٠٠.

٩. راجع: «المغني» لابن قُدامة ﵀ ٣/ ٣.

١٠. ذكره الطحطاويّ في حاشية «مراقي الفلاح» من كتب الحنفية ص ٤٣٠.

١١. راجع: «حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح» من كتب الحنفيّة (ص ٦٤٧).

١٢. راجع: «تحفة الحبيب على شرح الخطيب» ٢/ ٣٧١.