والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى ألامام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٤٩٠] (١٠٧٦) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ حَفْصَةَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: بَعَثَ إِلَيَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِشَاةٍ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَبَعَثْتُ إِلَى عَائِشَةَ مِنْهَا بِشَيءٍ، فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ الله -ﷺ- إِلَى عَائِشَةَ، قَالَ: «هَلْ عِنْدَكُمْ شَيءٍ؟» قَالَتْ: لَا، إِلَّا أَنَّ نُسَيْبَةَ بَعَثَتْ إِلَيْنَا مِنَ الشَّاةِ الَّتى بَعَثْتُمْ بِهَا إِلَيْهَا، قَالَ: «إِنَّهَا قَدْ بَلَغَت مَحِلَّهَا»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إِسْمَاعِيلُ بْغُ إِبْرَاهِيمَ) ابن عُليّة البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٣.
٢ - (خَالِدُ) بن مهران الحذّاء البصريّ، ثهقةٌ ثبتٌ يُرسل [٥] (ت ١ أو ١٤٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٤٤.
٣ - (حَفْصَةُ) بنت سيرين، أم الْهُذيل الأنصاريّة البصريّة، ثقةٌ [٣] ماتت بعد (١٠٠) (ع) تقدم في «صلاة العيدين» ٢/ ٢٠٥٥.
٤ - (أمّ عَطِيَّةَ) نُسيبة بالتصغير، ويقال: بفتح النون، بنت كعب، أو بنت الحارث الأنصاريّة، صحابيّة مشهورة، سكنت البصرة (ع) تقدمت في «صلاة العيدين» ٢/ ٢٠٥٤.
و«زُهير» ذُكر في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أنهم من رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخه، فنسائيّ، ثم بغداديّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّة.
شرح الحديث:
(عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) نُسيبة، بضمّ النون مصغّرًا، ويقال: بفتحها بنت كعب، أو بنت الحارث -﵂- أنها (قَالَتْ: بَعَثَ إِلَيَّ) ببناء الفعل للفاعل، والفاعل قوله: (رَسُولُ اللهِ -ﷺ- بِشَاةٍ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَبَعَثْتُ إِلَى عَائِشَةَ مِنْهَا بِشيْءٍ) أي بعض لحمها (فَلَمَا جَاءَ رَسُولُ الله -ﷺ- إِلَى عَائِشَةَ، قَالَ: «هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟») أي من الطعام (قَالَتْ) عائشة -﵁- (لَا) أي ليس عندنا شيء من الطعام (إِلَّا أَن نُسَيْبَةَ بَعَثَتْ إِلَيْنَا مِنَ الشَّاةِ الَّتِي بَعَثْتُمْ) هكذا معظم النسخ، وفي بعضها: «بَعَثتَ» بإفراد المخاطب؛ أي بعثت بها أنت (بِهَا) أي بتلك الشاة (إِلَيْهَا) أي إلى نُسيبة (قَالَ) -ﷺ- («إِنَّهَا قَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا») - بكسر المهملة- يقع على المكان، والزمان؛ أي زال عنها حكم الصدقة المحزَمة عليّ وصارت لي حلالًا.
وقال في «الفتح»: أي إنها لَمّا تصرفت فيها بالهدية لصحة ملكها لها انتقلت عن حكم الصدقة، فَحَلَّت مَحَلّ الهديّة، وكانت تَحِل لرسول الله -ﷺ- بخلاف الصدقة، وهذا تقرير ابن بطال بعد أن ضَبَط مَحَلّها بفتح الحاء، وضبطه بعضهم بكسرها، من الحلول: أي بلغت مُسْتَقَرَّها، والأول أولى، وعليه عَوَّل البخاريّ في الترجمة؛ أي حيث قال: «بابٌ إذا تحوَّلت الصدقة». انتهى .
وقال ابن بطال ﵀: إنما كان النبيّ -ﷺ- لا يأكل الصدقة؛ لأنها أوساخ الناس، ولأن أخذ الصدقة منزلة ضَعَة، والأنبياء منزهون عن ذلك؛ لأنه -ﷺ- كان كما وصفه الله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾ [الضحى: ٨]، والصدقة لا تحل للأغنياء، وهذا بخلاف الهدية، فإن العادة جارية بالإثابة عليها، وكذلك كان شأنه - ﷺ-. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أمّ عطيّ -﵁- هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٠/ ٢٤٩٠، (١٠٧٦)، و(البخاريّ) في «الزكاة» (١٤٤٦ و١٤٩٤) و«الهبة» (٢٥٧٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥١١٩)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ١٤١)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٢٥/ ١٤٨ و١٤٩ و١٥٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن الصدقة يجوز فيها تصرف الفقير الذي أُعطيها، بالبيع والهدية، وغير ذلك.
٢ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى أن أزواج النبيّ -ﷺ- لا تحرم عليهن الصدقة، كما حُرِّمت عليه؛ لأن عائشة -﵂- قَبِلت هدية بريرة، وأم عطية مع علمها بأنها كانت صدقة عليهما، وظَنَّت استمرار الحكم بذلك عليها، ولهذا لم تقدمها للنبيّ -ﷺ - لعلمها أنه لا تحل له الصدقة، وأقرها -ﷺ- على ذلك الفهم، ولكنه بَيَّن لها أن حكم الصدقة فيها قد تحوّل، فحَلَّت له -ﷺ- أيضًا.
٣ - (ومنها): أنه يُستنبط من هذه القصة جواز استرجاع صاحب الدين من الفقير ما أعطاه له من الزكاة بعينه، وأن للمرأة أن تعطي زكاتها لزوجها، ولو كان ينفق عليها منها، وهذا كله فيما لا شرط فيه، قاله في «الفتح».
[تنبيه]: استُشكلت قصة عائشة في حديث أم عطية، مع حديثها في قصة بريرة؛ لأن شأنهما واحد، وقد أعلمها النبيّ -ﷺ- في كل منهما بما حاصله أن الصدقة إذا قبضها من يحل له أخذها، ثم تصرف فيها زال عنها حكم الصدقة، وجاز لمن حُرِّمت عليه أن يتناول منها؛ إذا أهديت له، أو بيعت، فلو تقدمت إحدى القصتين على الأخرى لأغنى ذلك عن إعادة ذكر الحكم، ويبعد أن تقع القصتان دفعة واحدة، قاله في «الفتح» .
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا أورد الاستشكال في «الفتح»، ولم يجب عنه، والظاهر أن ما استبعده من وقوع القصّتين متقاربتين لا بُعد فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.