HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٠٧٩

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ (وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ) عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁؛ إن رسول الله ﷺ قَالَ: «إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ».
ج ٢ ص ٧٥٨

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٠ ص٣٦٤
المحتاج، ومواساته بما يمكن من ذلك. انتهى . [تنبيه]: نُقِل عن بعض الصوفيّة أن آدم لما تاب من أكل الشجرة تأخر قبول توبته لما بقي في جسده من تلك الأكلة ثلاثين يومًا، فلما صفا جسده منها تيب عليه، ففرض على ذرّيّته صيام ثلاثين يومًا. انتهى. وهذا مما لا دليل عليه، فقد قال الحافظ ﵀ بعد ذكره: هذا يحتاج إلى ثبوت السند فيه إلى من يُقبل قوله في ذلك، وهيهات وجدان ذلك. انتهى . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) - (بَابُ فَضْلِ شَهْرِ رَمَضَانَ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٩٥] (١٠٧٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ، فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتْ الشَّيَاطينُ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ أيُّوبَ) المقابريّ البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في «الإيمان» ٢/ ١١٠. ٢ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد الثقفيّ، أبو رجاء البَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢١٤٠) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٣ - (ابْنُ حُجْرٍ) هو: عليّ بن حُجْر المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٦. ٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢/ ١١٠. ٥ - (أَبُو سُهَيْلٍ) نافع بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ التيميّ المدنيّ، ثقةٌ [٤] مات بعد (١٤٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢/ ١٠٩. ٦ - (أَبُوهُ) مالك بن أبي عامر الأصبحيّ المدنيّ، ثقةٌ [٢] (ت ٧٤) على الصحيح (ع) تقدم في «الإيمان» ٢/ ١٠٩. ٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتّحاد كيفيّة التحمّل والأداء. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: يحيى، وابن حُجر، كما أسلفته آنفًا. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيوخه، كما أسلفته آنفًا أيضًا. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة - ﵁ - رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ، ﷺ، قَالَ: «إِذَا دَخَلَ رَمَضَانَ) وفي رواية النسائيّ:«شهر رمضان»، وهو مأخوذ من الرمضاء، يقال: رَمِضَ النهارُ، كفرح: اشتدّ حره، وقدمه احترقت من الرمضاء؛ أي الأرض الشديدة الحرارة، وسُمِّيَ شهر رمضان به؛ إما لارتماض الصائمين فيه من حرّ الجوع والعطش، أو لارتماض الذنوب فيه، أو لرمض الحرّ وشدّة وقوعه فيه حال التسمية؛ لأنهم لما نقلوا أسماء الشهور من اللغة القديمة سمّوها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام رمَض الحرّ؛ أي شدّته. وقال الفيّوميّ: الرمضاء: الحجارة الحامية من حر الشمس، ورَمِضَ يومنا رَمَضًا، من باب تَعِب: اشتدّ حرّه، ورَمِضت قَدَمُهُ: احترقت من الرمضاء، ورمِضت الفِصَال: إذا وَجَدت حرّ الرمضاء، فاحترقت أخفافها، ورمضان اسم للشهر، قيل: سمّي بذلك لأن وضعه وافق الرمَضَ، وهو شدّة الحرّ، وجمعه رمضانات، وأَرْمِضَاء، وعن يونس أنه سمع رَمَاضِين، مثلُ شَعَابين. انتهى . (فُتِّحَتْ) بالبناء للمجهول، وبتخفيف التاء، وروي بتشديدها، وقال الزرقانيّ: بتشديد الفوقية، ويجوز تخفيفها، وقال القاري: بالتخفيف، وهو أكثر كما في التنزيل، وبالتشديد لتكثير المفعول. انتهى. (أَبْوَابُ الْجَنَّةِ) أي تقريبًا للرحمة للعباد، ولهذا جاء في الرواية التالية: «أبواب الرحمة»، وفي رواية أخرى: «أبواب السماء»، وهذا يدلّ على أن أبواب الجنة كانت مُغْلَقة، ولا ينافيه قوله تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (٥٠)﴾ الآية [ص: ٥٠]؛ لأن ذلك لا يقتضي دوام كونها مفتّحة (وَغُلِّقَتْ) بالبناء للمجهول، وبتشديد اللام (أَبْوَابُ النَّارِ) أي تبعيدًا للعقاب عن العباد، وهذا يقتضي أيضًا أن أبواب النار كانت مفتوحة، ولا ينافيه قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ الآية [الزمر: ٧١]؛ لجواز أن يكون هناك غلق قبيل ذلك، وغلق أبواب النار لا ينافي موت الكفرة في رمضان، وتعذيبهم بالنار فيه؛ إذ يكفي في تعذيبهم فتح باب صغير من القبر إلى النار غير الأبواب المعهودة الكبار، أفاده السنديّ. (وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ») بالبناء للمفعول أيضًا، وبتشديد الفاء: أي شددت، وأوثقت بالأغلال، و«الصَّفَدُ»بفتح الفاء: الْغُلّ بضمّ الغين، وفي الرواية التالية:«وسُلسلت»، وهو بمعناه، ولا ينافيه وقوع المعاصي؛ إذ يكفي في وجود المعاصي شرارة النفس، وخباثتها، ولا يلزم أن تكون كل معصية بواسطة شيطان، وإلا لكان لكلّ شيطان شيطان، ويتسلسل، وأيضًا معلوم أنه ما سبق إبليس شيطان آخر، فمعصيته ما كانت إلا من قبل نفسه، والله تعالى أعلم . وقال في«الفتح»: قال الْحَلِيميّ: يَحْتَمِل أن يكون المراد من الشياطين مسترقو السمع منهم، وأن تسلسلهم يقع في ليالي رمضان دون أيامه؛ لأنهم كانوا منعوا في زمن نزول القرآن من استراق السمع، فزيدوا التسلسل مبالغة في الحفظ، ويَحْتَمِل أن يكون المراد أن الشياطين لا يخلصون من افتتان المسلمين إلى ما يخلصون إليه في غيره؛ لاشتغالهم بالصيام الذي فيه قمع الشهوات، وبقراءة القرآن والذكر، وقال غيره: المراد بالشياطين بعضهم، وهم المردة منهم، وترجم لذلك ابن خزيمة في «صحيحه»، وأورد ما أخرجه هو والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، والحاكم من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - ﵁ - بلفظ: «إذا كان أول ليلة من شهر رمضان، صُفّدت الشياطين، ومردة الجنّ»، وأخرجه النسائيّ من طريق أبي قلابة، عن أبي هريرة، بلفظ: «وتُغلّ فيه مردة الشياطين»، زاد أبو صالح في روايته: «وغُلِّقَت أبواب النار، فلم يُفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنّة، فلم يُغلق منها باب، ونادى مُنادٍ: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشرّ أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك كلّ ليلة»، لفظ ابن خُزيمة. وقوله: «صُفّدت» بالمهملة المضمومة، بعدها فاء ثقيلة مكسورة: أي شدّت بالأصفاد، وهي الأغلال، وهي بمعنى «سُلسلت»، ونحوه للبيهقيّ من حديث ابن مسعود، وقال فيه: «فتحت أبواب الجنة، فلم يغلق منها بابٌ الشهرَ كلّه». قال عياض: يَحْتَمِل أنه على ظاهره، وحقيقته، وأن ذلك كله علامة للملائكة لدخول الشهر، وتعظيم حرمته، ولمنع الشياطين من أذى المؤمنين، ويَحْتَمِل أن يكون إشارة إلى كثرة الثواب والعفو، وأن الشياطين يقلّ إغواؤهم، فيصيرون كالمصفّدين، قال: ويؤيّد هذا الاحتمال الثاني قوله في رواية يونس، عن ابن شهاب، عند مسلم: «فتحت أبواب الرحمة»، قال: ويَحْتَمِل أن يكون فتح أبواب الرحمة عبارة عما يفتحه الله لعباده من الطاعات، وذلك أسباب لدخول الجنّة، وغلقُ أبواب النار عبارة عن صرف الهمم عن المعاصي الآيلة بأصحابها إلى النار، وتصفيد الشياطين عبارة عن تعجيزهم عن الإغواء، وتزيين الشهوات. قال الزين ابن المنيّر: والأول أوجه، ولا ضرورة تدعو إلى صرف اللفظ عن ظاهره. وأما الرواية التي فيها: «أبواب الرحمة»، و«أبواب السماء» فمن تصرّف الرواة، والأصل أبواب الجنّة بدليل ما يقابله، وهو غلق أبواب النار، واستُدِلّ به على أن الجنّة في السماء؛ لإقامة هذا مقام هذه الرواية، وفيه نظر. وجزم التوربشتىّ شارح «المصابيح» بالاحتمال الأخير، وعبارته: فتح أبواب السماء كناية عن تنزّل الرحمة، وإزالة الغلق عن مصاعد أعمال العباد تارة ببذل التوفيق، وأخرى بحسن القبول، وغلق أبواب جهنم كناية عن تنزّه أنفس الصوّام عن رجس الفواحش، والتخلّص من البواعث عن المعاصي بقمع الشهوات. وقال الطيبىّ: فائدة فتح أبواب السماء توقيف الملائكة على استحماد فعل الصائمين، وأنه من الله بمنزلة عظيمة، وفيه إذا علم المكلّف ذلك بإخبار الصادق ما يزيد في نشاطه، ويتلقّاه بأريحيّة. وقال القرطبىّ ﵀ بعد أن مال إلى ترجيح حمله على ظاهره: [فإن قيل]: كيف نرى الشرور والمعاصي واقعة في رمضان كثيرًا؟ فلو صُفّدت الشياطين لم يقع ذلك. [فالجواب]: أنها إنما تُغَلّ عن الصائمين الصوم الذي حوفظ على شروطه، وروعيت آدابه، أما من لم يُحافظ عليه فلا يُغلّ عن فاعله الشيطان. أو المصفّد بعض الشياطين، وهم المردة، لا كلّهم، كما تقدّم في بعض الروايات، أو المقصود تقليل الشرور فيه، وهذا أمر محسوس، فإن وقوع ذلك فيه أقلّ من غيره؛ إذ لا يلزم من تصفيد جميعهم أن لا يقع شرّ، ولا معصية؛ لأن لذلك أسبابًا غير الشياطين؛ كالنفوس الخبيثة، والعادات القبيحة، والشياطين الإنسيّة. وقال غيره: في تصفيد الشياطين في رمضان إشارة إلى رفع عذر المكلّف، كأنه يقال له: قد كفّت الشياطين عنك، فلا تعتلّ بهم في ترك الطاعة، ولا فعل المعصية. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا مُتَّفَقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٢٤٩٥ و٢٤٩٦ و٢٤٩٧، (١٠٧٩)، و(البخاريّ) في «الصوم» (١٧٦٥ و١٧٦٦ و٣٠٣٥)، و(الترمذيّ) في «الصوم» (٦١٨)، و(النسائيّ) في «الصيام» (٢٠٩٧ و٢٠٩٨ و٢٠٩٩ و٢١٠٠ و٢١٠١ و٢١٠٢) وفي «الكبرى» (٢٤٠٧ و٢٤٠٨)، و(ابن ماجه) في «الصوم» (١٦٣٢)، و(مالك) في «الموطّأ» (٦٠٤)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٨١ و٣٧٨ و٤١٠)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٣/ ١٨٨)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ١٦٦)، و(الطبرانىّ) في «الأوسط» (٢/ ١٥٦) و«الكبير» (١٧/ ١٣٢)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ١٤٥)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ٢٠٢ و٣٠٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل شهر رمضان. ٢ - (ومنها): إثبات الجنة، والنار، وأنهما الآن موجودتان، وأن لهما أبوابًا تُفْتَح، وتُغْلَق. قال الإمام ابن عبد البرّ ﵀: الذي عليه جماعةُ أهلُ السنة أن الجنة والنار مخلوقتان الآن، إحداهما رحمة الله لمن شاء من خلقه، والأخرى عذابه ونقمته لمن شاء أن يعذبه، قال: والدلائل على أنهما مخلوقتان الآن كثيرة، فمن ذلك قوله - ﷺ -: «إذا مات أحدكم عُرِض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال له: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة»، متّفقٌ عليه. وقول الله ﷿ في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ الآية [غافر: ٤٦]. وقوله - ﷺ -: «اطَّلعت في الجنّة، فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار، فرأيت أكثر أهلها النساء»، متّفقٌ عليه. وقوله - ﷺ -: «إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة …» الحديث، متّفقٌ عليه. وقوله - ﷺ -: «اشتكت النار إلى ربها، فقالت: رب أكل بعضي بعضًا، فأَذِن لها بِنَفَسين: نفسٍ في الشتاء، ونفسٍ في الصيف، فهوأشدُّ ما تجدون من الحرّ، وأشدّ ما تجدون من الزمهرير»، متّفقٌ عليه. قال: فقوله: «اشتكت النار إلى ربها» أبين شيء في أنها قد خُلِقت، وأنها باقية شتاءً وصيفًا. انتهى كلام ابن عبد البرّ ﵀ بتصرّف ، وهو كلام نفيسٌ، والله تعالى أعلم. ٣ - (ومنها): إثبات وجود الشياطين، وأنهم أجسام يمكن شدّها بالأغلال، وأن منهم مَرَدَةً يُغَلُّون بالأغلال في شهر رمضان؛ لئلا يبطلوا أعمال الصائمين. ٤ - (ومنها): بيان عظمة لطف الله ﷾، وكثرة كرمه وإحسانه على عباده، حيث يَحْفَظ لهم صيامهم، ويدفع عنهم أذى المردة من الشياطين؛ لئلا يفسدوا عليهم عبادتهم في هذا الشهر المبارك الذي تضاعف فيه الحسنات، وتقال فيه العثرات. ٥ - (ومنها): ما قاله النوويّ ﵀: فيه دليلٌ للمذهب الصحيح المختار الذي ذهب إليه البخاريّ، والمحققون أنه يجوز أن يقال: «رمضان» من غير ذكر الشهر بلا كراهة، وفي هذه المسألة ثلاثة مذاهب: قالت طائفة: لا يقال: رمضان على انفراده بحال، وإنما يقال: شهر رمضان، هذا قول أصحاب مالك، وزعم هؤلاء أن رمضان اسم من أسماء الله تعالى، فلا يُطْلَق على غيره إلا بقيد. وقال أكثر أصحابنا، وابن الباقلانيّ: إن كان هناك قرينة تصرفه إلى الشهر فلا كراهة، وإلا فيكره، قالوا: فيقال: صمنا رمضان، قمنا رمضان، ورمضان أفضل الأشهر، ويندب طلب ليلة القدر في أواخر رمضان، وأشباه ذلك، ولا كراهة في هذا كله، وإنما يكره أن يقال: جاء رمضان، ودخل رمضان، وحضر رمضان، وأُحِبُّ رمضان، ونحو ذلك. والمذهب الثالث: مذهب البخاريّ، والمحققين أنه لا كراهة في إطلاق رمضان بقرينة، وبغير قرينة، وهذا المذهب هو الصواب، والمذهبان الأولان فاسدان؛ لأن الكراهة إنما تثبت بنهي الشرع، ولم يَثْبُت فيه نهيٌ، وقولهم: إنه اسم من أسماء الله تعالى ليس بصحيح، ولم يَصِحَّ فيه شيءٌ، وإن كان قد جاء فيه أثر ضعيف، وأسماء الله تعالى توقيفية لا تطلق إلا بدليل صحيح، ولو ثبت أنه اسم لم يلزم منه كراهة، وهذا الحديث المذكور في الباب صريح في الردّ على المذهبين، ولهذا الحديث نظائر كثيرة في «الصحيح» في إطلاق «رمضان» على الشهر من غير ذكر الشهر، وقد سبق التنبيه على كثير منها في «كتاب الإيمان» وغيره، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ ، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٩٦] (…) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَن ابْنِ أَبِي أنسٍ، أَنَّ أبَاهُ حَدَّثَهُ، أنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ - ﵁ - يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا كَانَ رَمَضَانُ، فتِّحَتْ أبْوَابُ الرَّحْمَةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَت الشَّيَاطينُ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التُّجيبيّ المصريّ، صدوقٌ [١١] (ت ٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٤. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله، تقدّم قريبًا. ٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) الزهريّ، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقون ذُكروا قبله، و(ابْنُ أَبِي أنسٍ) هو: أبو سُهيل المذكور، و«أبوه» هو: مالك بن أبي عامر. وقوله: (وَسُلْسِلَت الشَّيَاطِينُ) بالبناء للمفعول، كسابقيه؛ أي شُدّت بالسلاسل، وهو بمعنى «صُفّدت» في الرواية السابقة. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٩٧] (…) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَالْحُلْوَانِىُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي نَافِعُ بْنُ أَبِي أنَسٍ، أَنَّ أبَاهُ حَدَّثَهُ، أنَّهُ سَمِعَ أَبا هُرَيْرَةَ - ﵁ - يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ …» بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون السمين البغداديّ، صدوقٌ فاضلٌ، ربما وَهِمَ [١٠] (٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٤. ٢ - (الْحُلْوَانِيُّ) هو: الحسن بن عليّ الخلّال، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ له تصانيف [١١] (ت ٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٤. ٣ - (يَعْقُوبُ) بن إبراهيم بن سعد الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٨) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١. ٤ - (أبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجةٌ [٨] (ت ١٨٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١.
مصادر المؤلف (٧)

١. «شرح الزرقاني على الموطأ» ٢/ ١٥٢ - ١٥٣.

٢. انظر: المصدر السابق ٢/ ١٥٣.

٣. المصباح في مادة رمض.

٤. انظر: «شرح السنديّ» ٤/ ١٢٦ - ١٢٧.

٥. «الفتح»٤/ ٦٠٧ - ٦٠٨ كتاب الصوم.

٦. راجع: «التمهيد» لابن عبد البر ١٩/ ١١٢.

٧. «شرح النوويّ» ٧/ ١٨٧.