HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٠٨٠

حدثنا يحيى بن يحيى. قال: قرأت على مالك عن نافع، عن ابن عمر ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ أَنَّهُ ذَكَرَ رَمَضَانَ فَقَالَ «لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ. وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ. فإن أغمي عليكم فاقدروا له».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج3 ص122
ج ٢ ص ٧٥٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٠ ص٣٧٣
٥ - (صَالِحُ) بن كيسان الغفاريّ مولاهم، أبو محمد، أوأبو الحارث المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٤] مات بعد (١٣٠) أو بعد (١٤٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية صالح بن كيسان، عن ابن شهاب هذه ساقها النسائيّ ﵀ في «المجتبى» (٤/ ١٢٧) فقال: (٢٠٩٩) - أخبرنا عُبيد اللهِ بن سَعْدِ بن إبراهيم، قال: حدّثنا عَمِّي، قال: حدثنا أبي، عن صَالِحٍ، عن ابن شِهَابٍ، قال: أخبرني نَافِعُ بن أبي أَنَسٍ، أَنَّ أَبَاهُ حدّثه، أَنَّهُ سمع أَبَا هُرَيْرَةَ يقول: قال رسول اللهِ - ﷺ -: «إذا دخل رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَت الشَّيَاطِينُ». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢) - (بَابُ وُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ لِرُؤيةِ الْهِلَالِ، وَالْفِطْرِ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَأنَّهُ إِذَا غُمَّ فِي أَوَّلِهِ أَوْ آخِرِهِ، أُكْمِلَتْ عِدَّةُ الشَّهْرِ ثَلَاِثينَ يَوْمًا) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٩٨] (١٠٨٠) - (حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ - ﵄ -، عَن النَّبِيِّ - ﷺ - أنَّهُ ذَكَرَ رَمَضَانَ، فَقَالَ: «لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوهُ، فَإنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بكر التميميّ، أبو زكرياء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس إمام دار الهجرة، أبو عبد الله المدنيّ الفقيه الحجة الثبت المشهور [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٧٨. ٣ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهورٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٨/ ٢٢٢. ٤ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد الله بن عمر بن الخطّاب الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، مات سنة (٣ أو ٧٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٥٥) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة. ٤ - (ومنها): أن هذا الإسناد أصح الأسانيد مطلقًا -مالك، عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ - على ما رُوي عن الإمام البخاريّ ﵀، وقد تقدّم غير مرّة. ٥ - (ومنها): أن فيه ابن عمر - ﵄ - صحابيّ ابن صحابيّ، من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتيا. شرح الحديث: (عَن ابْنِ عُمَرَ - ﵄ -، عَن النَّبِيِّ - ﷺ - أنَّهُ ذَكَرَ رَمَضَانَ) أي كيفيّة دخوله لأداء الصوم الواجب فيه (فَقَالَ: «لَا) ناهية، ولذا جُزم بها قوله: (تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ) أي هلال شهر رمضان. و«الهلال»بالكسر قال الفيّومي: وأما الهلال فالأكثر أنه القمر في حالة خاصّة، قال الأزهريّ: ويُسمّى القمر لليلتين من أول الشهر هلالًا، وفي ليلة ستّ وعشرين، وسبع وعشرين أيضًا هلالًا، وما بين ذلك يُسمَّى قمرًا، وقال الفارابيّ، وتَبِعه في«الصحاح»: الهلال لثلاث ليالٍ من أول الشهر، ثمّ هو قمرٌ بعد ذلك، وقيل: الهلال هو الشهر بعينه. انتهى . والحديث فيه النهي عن صوم رمضان إلا بثبت، وهو أن يرى الشخص هلاله بنفسه، أو من يثق به. (وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ) أي هلال شوّال، قال النوويّ ﵀: المراد رؤية بعض المسلمين، ولا يشترط رؤية كل إنسان، بل يكفي جميعَ الناس رؤية عدلين، وكذا عدل على الأصحّ، هذا في الصوم، وأما الفطر فلا يجوز بشهادة عدل واحد على هلال شوال عند جميع العلماء، إلا أبا ثور، فجوّزه بعدل. انتهى . (فَإنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ) أي غُطّي عليكم، وسُتر أولُهُ، أو آخره، وفي الرواية التالية:«فإن غُمَّ عليكم»، قال الطيبيّ: أي غُطِّي الهلالُ بغيم، من غَمَمتُ الشيءَ: إذا غطيته، وفيه ضمير الهلال، ويجوز أن يكون مسندًا إلى الجار والمجرور، بمعنى إن كنتم مغمومًا عليكم، وترك ذكر الهلال للاستغناء عنه. انتهى . وقال القرطبىّ ﵀: قوله:«فإن أُغمي عليكم»في«أُغْمي» ضمير يعود إلى الهلال، فهو الْمُغْمَى عليه، لا الناظرون، وتقديره: فإن أُغمي الهلال عليكم، وأصلُ الإغماء: التغطيةُ، والغمّ، ومنه الْمُغْمَى عليه؛ لأنه غُطّي عقله عن مصالحه، ويقال: أُغمي الهلال، وغُمِّي -مشدّد الميم- وكلاهما مبنيّ لما لم يُسمَّ فاعله، ويقال أيضًا: غُمّ مبنيًّا لما لم يُسمّ فاعله مُشدّدًا، وكذلك جاءت رواية أبي هريرة - ﵁ -، فعلى هذا يقال: أُغمي، وغُمي -مخفّفًا، ومشدّدًا- رباعيًّا وثلاثيًّا، وغُمّ، فهي أربع لغات، ويقال: غامت السماءُ تَغيم غيمومةً، فهي غائمة، وغَيْمَةٌ، وأغامت، وتغيَّمَت، وغَيَّمَتْ، وأَغْمَتْ، وغَمَتْ. وفي حديث أبي هريرة - ﵁ -: «فإن غُمِي» أي خَفِيَ، يقال: غُمِي عليّ الخبرُ: أي خَفِيَ، وقيل: مأخوذ من الغَمَاء، وهو السحاب الرقيق، وقد وقع للبخاريّ: «غَبِيَ» بالباء، وفتح الغين: أي خفي، ومنه الغَبَاوة. انتهى . وقال النوويّ ﵀: معناه: حال بينكم وبينه غيم، يقال: غُمَّ، وأُغْمِيَ، وغُمِيَ، وغُمِّيَ بتشديد الميم وتخفيفها، والغين مضمومة فيهما، ويقال: غَبِيَ بفتح الغين، وكسر الباء، وكلها صحيحة، وقد غامت السماء، وغَيَّمَتْ، وأغامت، وتَغَيَّمَتْ، وأَغْمَت، وفي هذه الأحاديث دلالة لمذهب مالك، والشافعيّ، والجمهور أنه لا يجوز صوم يوم الشك، ولا يوم الثلاثين من شعبان عن رمضان؛ إذا كانت ليلة الثلاثين ليلة غيم. انتهى . (فَاقْدُرُوا لَهُ») بضم الدال وكسرها، يقال: قَدَرْتُ لأمر كذا: إذا نظرت فيه، ودَبَّرته . وقال القرطبىّ ﵀: أي قدّروا تمام الشهر بالعدد ثلاثين يومًا، يقال: قَدَرتُ الشيءَ أقدُره، وأقدِره -بالتخفيف- بمعنى قدّرته -بالتشديد- قال: وهذا مذهب الجمهور في معنى هذا الحديث، وقد دلّ على صحّته ما رواه أبو هريرة - ﵁ - مكان«فاقدروا له»:«فأكملوا العدّة ثلاثين»، وهذا الحديث حجّةٌ على من حَمَلَ«فاقدروا له»على معنى تقدير المنازل القمريّة، واعتبار حسابها، وإليه صار ابن قُتيبة من اللغويين، ومطرّف بن عبد الله بن الشِّخِّير من كبراء التابعين، ومن الحجة أيضًا على هؤلاء قوله - ﷺ -:«إنّا أُمّةٌ أُمّيّةٌ لا نكتب، ولا نَحْسُبُ»، فألغى الحساب، ولم يجعله طريقًا لذلك. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ ، وهو بحثٌ نفيسٌ. وقال النوويّ ﵀ قوله:«فاقدروا له»: قال أهل اللغة: يقال: قَدَرتُ الشيءَ أَقْدِرُهُ -بكسر الدال- وأَقْدُرُه -بضمّها- وقَدَّرتُهُ، وأقدرته، بمعنى واحد، وهو من التقدير، قال الخطابىّ: ومنه قول الله تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣)﴾ [المرسلات: ٢٣]. وفي رواية:«فاقدروا له ثلاثين»، وفي رواية:«إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فافطروا، فإن غُمّ عليكم فاقدروا له»، وفي رواية:«فإن غُمّ عليكم فصوموا ثلاثين يومًا»، وفي رواية:«فإن غُمّيَ عليكم فأكملوا العدد»، وفي رواية:«فإن غُمّيَ عليكم الشهر، فَعُدُّوا ثلاثين»، وفي رواية:«فإن أُغْمِي عليكم، فعدوا ثلاثين». وهذه الروايات كلها عند المصنّف على هذا الترتيب. وفي رواية للبخاريّ:«فإن غُبِّيَ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين». واختلف العلماء في معنى«فاقدروا له»، فقالت طائفة من العلماء: معناه ضَيِّقُوا له، وقدِّروه تحت السحاب، وممن قال بهذا أحمد بن حنبل، وغيره، ممن يُجَوِّز صوم يوم ليلة الغيم من رمضان، كما سنذكره -إن شاء الله تعالى- وقال ابن سُرَيج وجماعة، منهم مطرف بن عبد الله، وابن قتيبة، وآخرون: معناه: قَدِّروه بحساب المنازل، وذهب مالك، والشافعىّ، وأبو حنيفة، وجمهور السلف والخلف إلى أن معناه: قدروا له تمام العدد ثلاثين يومًا. واحتَجَّ الجمهور بالروايات المذكورة: «فأكملوا العدة ثلاثين»، وهو تفسير لـ«اقدروا له»، ولهذا لم يجتمعا في رواية، بل تارة يُذْكَر هذا، وتارة يُذْكَر هذا، وتؤكده الرواية السابقة بلفظ: «فاقدروا له ثلاثين». قال المازريّ ﵀: حَمَلَ جمهور الفقهاء قوله - ﷺ -: «فاقدروا له» على أن المراد إكمال العدة ثلاثين، كما فَسَّره في حديث آخر، قالوا: ولا يجوز أن يكون المراد حسابَ المنجمين؛ لأن الناس لو كُلِّفُوا به ضاق عليهم؛ لأنه لا يعرفه إلا أفراد، والشرع إنما يُعَرِّف الناس بما يَعْرِفه جماهيرهم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه الجمهور هو الحق، وأما القولان الآخران فضعيفان، كما سنحقّقه قريبًا -إن شاء الله تعالى-. [تنبيه]: قال في «الفتح»: وأما حديث ابن عمر - ﵄ -، فاتفق الرواة عن مالك، عن نافع، فيه على قوله: «فاقدروا له»، وجاء من وجه آخر عن نافع، بلفظ: «فاقدروا ثلاثين»، كذلك أخرجه مسلم من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، وهكذا أخرجه عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن نافع، قال عبد الرزاق: وأخبرنا عبد العزيز بن أبي رَوّاد، عن نافع به، وقال: «فَعُدُّوا ثلاثين». واتفَقَ الرواة عن مالك، عن عبد الله بن دينار أيضًا فيه على قوله: «فاقدروا له»، وكذلك رواه الزعفرانيّ وغيره عن الشافعيّ، وكذا رواه إسحاق الحربيّ وغيره في «الموطأ» عن القعنبيّ، وأخرجه الربيع بن سليمان، والْمُزَنِيّ، عن الشافعيّ، فقال فيه كما قاله البخاريّ عن القعنبيّ: «فإن غُمَّ عليكم، فأكملوا العدة ثلاثين». قال البيهقيّ في «المعرفة»: إن كانت رواية الشافعيّ والقعنبيّ من هذين الوجهين محفوظةً، فيكون مالك قد رواه على الوجهين. قال الحافظ: ومع غرابة هذا اللفظ من هذا الوجه، فله متابعاتٌ: منها: ما رواه الشافعيّ أيضًا من طريق سالم، عن ابن عمر بتعيين الثلاثين. ومنها: ما رواه ابن خزيمة من طريق عاصم بن محمد بن زيد، عن أبيه، عن ابن عمر بلفظ: «فإن غُمّ عليكم، فكَمِّلوا ثلاثين». وله شواهد من حديث حُذيفة - ﵁ - عند ابن خزيمة، وأبي هريرة، وابن عباس - ﵃ - عند أبي داود، والنسائيّ، وغيرهما، وعن أبي بكرة، وطلق بن عليّ - ﵄ - عند البيهقيّ، وأخرجه من طرق أخرى عنهم، وعن غيرهم. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ٢٤٩٨ و٢٤٩٩ و٢٥٠٠ و٢٥٠١ و٢٥٠٢ و٢٥٠٣ و٢٥٠٤ و٢٥٠٥ و٢٥٠٦ و٢٥٠٧ و٢٥٠٨ و٢٥٠٩ و٢٥١٠ و٢٥١١ و٢٥١٢ و٢٥١٣] (١٠٨٠)، و(البخاريّ) في «الصوم» (١٩٠٠ و١٩٠٦ و١٩٠٧)، و(أبو داود) في «الصوم» (٢/ ٢٩٧)، و(النسائيّ) في «الصيام» (٤/ ١٣٤) و«الكبرى» (٢/ ٧٠)، و(ابن ماجه) في «الصوم» (١/ ٥٢٩)، و(مالك) في «الموطّأ» (١/ ٢٨٦)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٤/ ١٥٦)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٢/ ٢٨٤)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (١/ ١٨٧)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٥ و١٣ و٦٣ و١٤٥)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ٨)، و(الحاكم) في «المستدرك» (١/ ٥٨٤)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ١٤٦ و١٤٧ و١٤٨)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٩/ ٣٣٧)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٣/ ٣٠١ و٣٠٢ و٣٠٤)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٨/ ٢٢٦ و٢٢٩ و٣٥٩ و٣٦٢)، و(الطبرانيّ) في «مسند الشاميين» (٤/ ٢٣٢)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ٢٠٤ و٢٠٥)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (٢/ ١٦١)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (١٧١٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن وجوب الصوم متعلّق برؤية الهلال. ٢ - (ومنها): أنه يفيد أنه لا يلزم الصوم، ولا يثبت كون اليوم من رمضان بغير رؤية؛ لا بتقديرٍ تحت السحاب في الغيم، ولا برجوع إلى حساب. واختُلف في جواز صومه عن رمضان، ومقتضى الحديث منع ذلك؛ لأنه صوم قبل الرؤية، وهو مذهب الشافعيّ وغيره، وقالوا: لا ينعقد صومه، ولا يجزيه إن ظهر أنه من رمضان، واقتصر الحنفيّة على الكراهة، وقالوا: إن ظهر أنه من رمضان أجزأه عنه، وإن ظهر أنه من شعبان كان تطوعًا. أفاده وليّ الدين ﵀. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول الأول هو الأرجح عندي؛ لظاهر قوله - ﷺ -: «لا تصوموا حتى تروه»؛ إذ النهي يقتضي الفساد، والفاسد لا يكون مُسقطًا لفرض رمضان، وكذلك لا ينعقد تطوعًا؛ إلا لمن كان عادته أن يصوم ذلك اليوم، فيجوز؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ -، مرفوعًا: «ألا لا تقدّموا الشهر بيوم، أو اثنين؛ إلا رجل كان يصوم صيامًا، فليصمه»، وهو حديث صحيح، أخرجه النسائيّ، والله تعالى أعلم. ٣ - (ومنها): أن مقتضى الحديث أيضًا منع صومه عن غير رمضان، واختُلف في ذلك أيضًا، فجوّزت المالكية، والشافعية صومه عن قضاء، أو نذر، أو كفارة، أو تطوّعًا إذا وافق وِرْده، واختلفوا في جواز التطوع بصومه بلا سبب، فمنعه الشافعية، وقالوا بتحريمه، فإن صامه فالأصحّ عندهم بطلانه، والمشهور عند المالكية جوازه، وقال محمد بن مسلمة بكراهته. وكره الحنفيّة صومه عن واجب آخر، ولم يكرهوا التطوّع بصومه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الصواب عدم مشروعية صومه مطلقًا، قضاءً، أو غير ذلك، إلا من وافق وِرْده، فإنه يصحّ أن يصومه؛ لحديث أبي هريرة - ﵁ - المتقدم، والله تعالى أعلم. قال وليّ الدين ﵀: ثم إن ذلك كله مفروض في يوم الشكّ، لا في مطلق الثلاثين من شعبان. قال أصحابنا -يعني الشافعية-: ويوم الشكّ يوم الثلاثين من شعبان إذا تُحُدِّث برؤيته، أو شهد بها من لا تثبت بقوله، فإن لم يَتَحدّث برؤيته أحد فليس يوم شكّ، ولو كانت السماء مغيمة، وقال المالكيّة: هو يوم الثلاثين من شعبان إذا كانت السماء مغيمة. انتهى . ٤ - (ومنها): بيان أن النهي عن صوم يوم الشكّ؛ لعدم رؤية الهلال، وقد أخرج أبو داود والترمذيّ، والنسائىّ، وصحّحه ابن خزيمة عن عمّار بن ياسر - ﵄ - قال: «من صام يوم الشكّ، فقد عَصَى أبا القاسم - ﷺ -». ٥ - (ومنها): أن قوله: «حتى تروا الهلال» فيه إيجاب الصوم حين الرؤية متى وُجِدت ليلًا أو نهارًا، لكنه محمول على صوم اليوم المستقبل، وبعض العلماء فَرَّق بين ما قبل الزوال وبعده، وخالف الشيعة الإجماع، فأوجبوه مطلقًا، قاله في «الفتح» . ٦ - (ومنها): أن الحديث ظاهر في النهي عن ابتداء صوم رمضان قبل رؤية الهلال، فيدخل فيه صورة الغيم، وغيرها، قال في «الفتح»: ولو وقع الاقتصار على هذه الجملة -يعني قوله: «لا تصوموا حتى تروا الهلال»- لكفى ذلك لمن تمسك به، لكن اللفظ الذي رواه أكثر الرواة أوقع للمخالف شبهة، وهو قوله: «فإن غُمّ عليكم، فاقدروا له»، فاحتَمَلَ أن يكون المراد التفرقةَ بين حكم الصحو والغيم، فيكون التعليق على الرؤية متعلقًا بالصحو، وأما الغيم فله حكم آخر، ويَحْتَمِل أن لا تفرقةَ، ويكون الثاني مؤكِّدًا للأول، وإلى الأول ذهب أكثر الحنابلة، وإلى الثاني ذهب الجمهور، فقالوا: المراد بقوله: «فاقدروا له»: أي انظروا في أول الشهر، واحسُبُوا تمام الثلاثين، ويرجح هذا التأويل الرواياتُ الأُخَرُ المصرحة بالمراد، وهي ما تقدم من قوله: «فأكملوا العدة ثلاثين»، ونحوها، وأولى ما فُسِّر الحديث بالحديث. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه الجمهور هو الصواب، كما رجحه الحافظ ﵀، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية -إن شاء الله تعالى-. ٧ - (ومنها): أنه يدلّ على وجوب الصوم على المنفرد برؤية هلال رمضان، وعلى وجوب الإفطار عليه أيضًا برؤية هلال شوّال، وإن لم يثبت ذلك بقوله، وهو قول الأئمة الأربعة في هلال رمضان، واختلفوا في الإفطار برؤية شوّال وحده، فقال الثلاثة: لا يفطر، بل يستمرّ صائمًا؛ احتياطًا للصوم، وقال الشافعيّ: يلزمه الفطر، ولكن يخفيه؛ لئلا يُتّهم، وهو مقتضى قوله: «ولا تفطروا حتى تروه»، وذهب عطاء بن أبي رباح، وإسحاق ابن راهويه إلى أنه لا يصوم برؤيته وحده، وعن أحمد أنه لا يصوم إلا في جماعة الناس، وروي نحوه عن الحسن، وابن سيرين، قاله وليّ الدين ﵀ . وقال القرطبيّ ﵀ عند قوله: «صوموا لرؤيته إلخ» ما نصّه: يقتضي لزوم حكم الصوم والفطر لمن صحّت له الرؤية، سواء شُورك في رؤيته، أو انفرد بها، وهو مذهب الجمهور. وذهب عطاء، وإسحاق إلى أنه لا يلزمه حكم شيء من ذلك إذا انفرد بالرؤية، وهذا الحديث ردّ عليهما. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الذي ذهب إليه الجمهور، من وجوب الصوم والإفطار على من رأى الهلال وحده هو الحقّ؛ لصريح قوله - ﷺ -: «إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا»، وقد تحقّقت رؤيته، فتبصّر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ٨ - (ومنها): أن الحديث يتناول رؤية الهلال ليلًا ونهارًا، لكنه إذا رئي نهارًا فهو للّيلة المستقبلة، فإن كان ذلك يوم الثلاثين من شعبان لم يصوموا، وإن كان يوم الثلاثين من رمضان لم يفطروا، وسواء كان ذلك قبل الزوال، أو بعده، هذا هو المشهور في المذاهب الأربعة، وحُكي عن عمر، وابن مسعود، وابن عمر، وأنس، والأوزاعيّ، والليث بن سعد، وإسحاق ابن راهويه، وذهب سفيان الثوريّ، وأبو يوسف، وبعض المالكيّة إلى أنه إن رئي قبل الزوال فهو للّيلة الماضية، وهو رواية عن أحمد، وبه قال ابن حزم الظاهريّ، قاله وليّ الدين ﵀ . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول الأول الذي عليه الجمهور هو الأقرب عندي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في معنى قوله - ﷺ -: «فاقدروا له»: اختلفوا في المراد به على مذاهب: (الأول): مذهب الجمهور، قالوا: معناه: قدّروا له تمام العدد ثلاثين يومًا؛ أي انظروا في أول الشهر، واحسبوا تمام ثلاثين يومًا. قال الحافظ وليّ الدين ﵀بعد أن بيّن اختلاف الروايات في حديث ابن عمر هذا، ففي رواية: «فاقدروا له»، وفي رواية: «فاقدروا ثلاثين»، وفي رواية: «فأكملوا العدّة ثلاثين»، وفي رواية: «فعدّوا ثلاثين» -ما حاصله: والروايات يفسّر بعضها بعضًا، والحديث إذا جُمعت طرقه تبيّن المراد منه، وقد دلّ على ذلك أيضًا ما رواه البخاريّ من حديث شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة - ﵁ -، مرفوعًا: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غمّ عليكم، فأكملوا عدّة شعبان ثلاثين»، رواه مسلم من حديث سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة - ﵁ - بلفظ: «فصوموا ثلاثين يومًا»، وليس ذلك اضطرابًا في الخبر؛ لأنا مأمورون بذلك في الصوم والفطر، وقد ذكر النبيّ - ﷺ - صورة الغمّ علينا بعد قوله: «لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه»، فعاد إلى الصورتين معًا؛ أي فإن غمّ عليكم في صومكم، أو فطركم، فذكر في إحدى الروايتين إحدى الصورتين، وفي الأخرى الصورة الأخرى، وأتى في بعض روايات حديث أبي هريرة بعبارة متناولة لهما، ففي رواية لمسلم: «فعدّوا ثلاثين»، وفي رواية له: «فأكملوا العدد». ومن العجيب اعتراض بعض الحنابلة على رواية البخاريّ بأن الإسماعيليّ قد أخرجها في «مستخرجه» من رواية غندر، عن شعبة بلفظ: «فإن غمّ عليكم فعدّوا ثلاثين»، ثم عدّ جماعة رووه عن شعبة كذلك، ثم قال هذا الحنبليّ: وهذا يجوز أن يكون من آدم بن أبي إياس رواه على التفسير من عنده للخبر. انتهى. وغايته أن رواية البخاريّ خاصّة، والرواية التي حكاها عن غيره عامّة، تتناول شعبان ورمضان، فلا معنى لحملها على رمضان، لا سيما، وهم يؤولون قوله: «فاقدروا له» كما سيأتي بيانه، ويَحْمِلونه على تقدير الهلال تحت السحاب، وذلك يدلّ على أن المراد شعبان، وهذا يدلّ على مخالفة كلام هذا الحنبليّ لكلام أئمته، ولا جائز أن يُحمَل الشرط في قوله: «فإن غمّ عليكم» على صورة، والجزاء، وهو قوله: «فعدوا ثلاثين» على صورة غيرها. ولقد أنصف الإمام شمس الدين محمد بن عبد الهادي، وهو من أعيان متأخري الحنابلة، فقال في «تنقيح التحقيق»: الذي دلت عليه أحاديث هذه المسألة، وهو مقتضى القواعد أن أيّ شهر غُمّ أُكمِلَ ثلاثين، سواء في ذلك شعبان ورمضان وغيرهما، وعلى هذا فقوله: «فإن غمّ عليكم، فأكملوا العدّة» يرجع إلى الجملتين، وهما قوله: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غمّ عليكم، فأكملوا العدّة»؛ أي غُمّ عليكم في صومكم وفطركم، هذا هو الظاهر من اللفظ، وباقي الأحاديث يدلّ عليه. قال: وما ذكره الإسماعيليّ غير قادح في صحّة الحديث؛ لأن النبيّ - ﷺ - إما أن يكون قال اللفظين، وهذا مقتضى ظاهر الرواية، وإما أن يكون قال أحدهما، وذكر الراوي اللفظ الآخر بالمعنى، فإن الأمرين في قوله: «فأكملوا العدة» للشهرين. انتهى . وفي «سنن أبي داود» عن عمر بن عبد العزيز: «وإن أحسن ما يقدّر له إذا رأينا هلال شعبان لكذا وكذا، فالصوم إن شاء الله لكذا وكذا، إلا أن يروا الهلال قبل ذلك». وفي رواية للبيهقيّ في «سننه» في الحديث المرفوع من حديث أبي هريرة - ﵁ -: «فإن غُمّ عليكم، فإنها ليست تُغمَى عليكم العدّة». وقد روى مالك في «الموطأ» عقب حديث ابن عمر حديث عكرمة، عن ابن عباس: أن رسول الله - ﷺ - ذكر رمضان، فقال: «لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غمّ عليكم، فأكملوا العدّة ثلاثين»، قال ابن عبد البرّ: جعله بعده؛ لأنه عنده مفسّر له، ومبيّن لمعنى قوله: «فاقدروا له». قال وليّ الدين: وكذا رواه الترمذيّ بلفظ: «فأكملوا ثلاثين يومًا»، وهو عند أبي داود بلفظ: «فإن حال دونه غمامة، فأتموا العدّة ثلاثين، ثم أفطروا»، وعند النسائيّ بلفظ: «فإن حال بينكم وبينه سحابة، أو ظلمة، فأكملوا العدّة، عدّة شعبان»، وهذا على ما قدّمته في حديث ابن عمر ذَكَرَ في رواية أبي داود صورةً، وفي رواية النسائيّ أخرى، وأتى في رواية مالك، والترمذيّ بما يَشمَل الصورتين، وليس ذلك اضطرابًا، وفي «صحيح مسلم» عن أبي الْبَخْتَريّ، قال: أهللنا رمضان، ونحن بذات العرق، فأرسلنا رجلًا إلى ابن عباس، فسأله؟ فقال ابن عباس: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله قد أمده لرؤيته، فإن غمي عليكم، فأكملوا العدّة»، وفي رواية له: فلقينا ابن عباس، فقلنا، وذكره، وهذا = ولم يَخُصّ - ﷺ - شهرًا دون شهر بالإكمال إذا غُمَّ، فلا فرق بين شعبان وغيره في ذلك؛ إذ لو كان شعبان غير مراد بهذا الإكمال لبيّنه، فلا تكون رواية مَن رَوَى: «فأكملوا عِدّة شعبان»، مخالفة لمن قال: «فأكملوا العدة»، بل مبينهَ لها، ويُؤَيِّد ذلك قوله في الرواية الأخرى: «فإن حال بينكم وبينه سحابٌ، فأكملوا العِدّة ثلاثين، ولا تستقبلوا الشهر استقبالًا»، أخرجه أحمد، وأصحاب السنن، وابن خزيمة، وأبو يعلى، من حديث ابن عباس - ﵄ - هكذا، ورواه الطيالسيّ من هذا الوجه، بلفظ: «ولا تستقبلوا رمضان بصوم يوم من شعبان»، وروى النسائيّ من طريق محمد بن حُنَيْن، عن ابن عباس - ﵄ - بلفظ: «فإن غم عليكم، فأكملوا العدّة ثلاثين». انتهى ما في «الفتح» ٥/ ٢٤٢ - ٢٤٣. شاهد لرواية مالك وغيره. وروى أبو داود، والنسائيّ عن حذيفة - ﵁ -، مرفوعًا: «لا تقدّموا الشهر حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدّة، ثم صوموا حتى تروا الهلال، أو تكملوا العدة»، وروى أبو داود عن عائشة - ﵄ -: «كان رسول الله - ﷺ - يتحفّظ من شعبان ما لا يتحفّظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غمّ عليه عَدَّ ثلاثين يومًا، ثم صام». وقد رُويَ هذا المعنى، وهو إكمال العدّة ثلاثين يومًا عند الغمّ علينا من حديث جابر، وأبي بكرة، وعمر بن الخطاب، ورافع بن خَدِيج، وعليّ بن أبي طالب، وطلق بن عليّ، والبراء بن عازب - ﵃ -، وقد جمع ذلك الحافظ العراقيّ ﵀ في «شرح الترمذيّ»، قال ابن عبد البرّ: ولم يرو أحد فيما علمت «فاقدروا له» إلا ابن عمر وحده، والله تعالى أعلم. (المذهب الثاني): مذهب من قال: إن معنى قوله - ﷺ -: «فاقدروا له»: ضيّقوا له، وقَدِّرُوه تحت السحاب، ومن قال بهذا أوجب الصيام من الغد ليلة الثلاثين من شعبان إن كان في محلّ الهلال ما يمنع رؤيته، من غيم وغيره. وهذا مذهب ابن عمر - ﵄ - راوي هذا الحديث، ففي «سنن أبي داود»: فكان ابن عمر إذا كان شعبان تسعًا وعشرين نُظِرَ له، فإن رأى فذاك، وإن لم ير، ولم يَحُلْ دونه منظره سحاب، أو قَتَرَة، أصبح مفطرًا، وإن حال دون منظره سحاب، أو قترة أصبح صائمًا، قال: وكان ابن عمر - ﵄ - يفطر مع الناس، ولا يأخذ بهذا الحساب. قال الخطّابيّ: يريد أنه كان يفعل هذا الصنيع في شهر شعبان احتياطًا للصوم، ولا يأخذ بهذا الحساب في شهر رمضان، ولا يفطر إلا مع الناس. قال وليّ الدين: وكأن الراوي أشار بذلك إلى النقض على ابن عمر في كونه قال بما يقتضي حمل التقديرين على التضييق، وتقديره تحت السحاب في إحدى الصورتين، دون الأخرى، ولو اختلف حكمهما لبَيَّنَه النبيّ - ﷺ -، وفصل بينهما، وقد نبّه النبيّ - ﷺ - على التسوية بينهما بنهيه عن صوم يوم الشكّ، وقد تبع ابنَ عمر على هذا المذهب أحمدُ بن حنبل في المشهور عنه. قال ابن الجوزيّ ﵀ في تصنيف له سمّاه «دَرْء اللَّوْم والضَّيْم في صوم يوم الغيم»: وهذا مرويّ عن الصحابة، عن عمر بن الخطّاب، وعليّ بن أبي طالب، وأنس بن مالك، وأبي هريرة، ومعاوية، وعمرو بن العاص، والحكم بن أيوب الغفاريّ، وعائشة، وأسماء ابنتي أبي بكر الصدّيق - ﵃ -، قال: وقال به من كبراء التابعين سالم بن عبد الله، ومجاهد، وطاوس، وأبو عثمان النّهْديّ، ومطرّف بن عبد الله بن الشِّخِّير، وميمون بن مهران، وبكر بن عبد الله المزنيّ، في آخرين. حكاه عنه الحافظ العراقيّ ﵀ في «شرح الترمذيّ»، وردّ عليه في حكايته عن هؤلاء الصحابة، فذكر أن الرواية في ذلك عن عمر منقطعة، فإنها من رواية مكحول عنه، ولم يدركه، وأن ابن الجوزيّ إنما نقل ذلك عن عليّ؛ لأنه قال: «أصوم يومًا من شعبان أحبّ إليّ من أفطر يومًا من رمضان»، قال العراقيّ: وهو منقطع، ثم إنه إنما قاله عند شهادة واحد على رؤية الهلال، لا في الغيم، كما رواه الدارقطنيّ في «سننه» مبيّنًا، ولا يحلّ الاختصار على هذا الوجه؛ لأنه يُخلّ بالمعنى، قال: والمعروف عن عمر، وعليّ خلاف ذلك ففي «مصنّف ابن أبي شيبة» عن كلّ منهما أنه كان يخطب إذا حضر رمضان، فيقول: «ألا لا تقدّموا الشهر؛ إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتم الهلال فأفطروا، فإن غمّ عليكم، فأتمّوا العدّة». ومستند ابن الجوزيّ في نقل ذلك عن أنس ما رواه عن يحيى بن إسحاق أنه قال: رأيت الهلال إما عند الظهر، وإما قريبًا منه، فأفطر ناس من الناس، فأتينا أنس بن مالك، فأخبرناه برؤية الهلال، وبإفطار من أفطر، فقال: هذا اليوم يكمل لي أحدًا وثلاثين يومًا، وذلك أن الحكم بن أيوب أرسل إليّ قبل صيام الناس أني صائم غدًا، فكرهت الخلاف عليه، فصمت، وأنا متمّ صوم يومي هذا إلى الليل. قال العراقيّ: هذا لم يفعله للغيم، وإنما فعله كراهية للاختلاف على الأمير، وهو ابن عمّ الحجاج بن يوسف الثقفيّ، فهو موافق لرواية عن أحمد: إن الخيرة إلى الأمير في صيام ليلة الغيم، فلم يصمه أنس عن رمضان، وقد أفطر الناس ذلك اليوم، وأراد أنس ترك الخلاف على أمره. قال العراقي: والمعروف عن أبي هريرة - ﵁ - خلاف ما نقله عنه، كما في «مصنّف ابن أبي شيبة» عنه أنه قال: نُهي أن يتعجّل قبل رمضان بيوم أو يومين. لكن روى البيهقيّ عنه من رواية أبي مريم عنه: «لأن أصوم اليوم الذي يشكّ فيه من شعبان أحبّ إليّ من أفطر يومًا من رمضان»، ثم قال البيهقيّ: كذا روي عن أبي هريرة بهذا الإسناد، ورواية أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبيّ - ﷺ - في النهي عن التقدّم إلا أن يوافق صومًا كان يصومه أصحّ من ذلك. انتهى. قال: وأما أثر معاوية، فإنه ضعيف لا يصحّ، وقد رواه ابن الجوزيّ في «العلل المتناهية» من رواية مكحول عنه، وضعّفه، قال: وأما أثر عمرو بن العاص، فلم أر له إسنادًا، قال: وأما الحكم بن أيوب، فهو الثقفيّ، وهو من التابعين، كما ذكره ابن حبّان في ثقات التابعين. قال: فلم يقل به أحد من العشرة الذين ذكرهم ابن الجوزيّ إلا ابن عمر، وعائشة، وأسماء - ﵃ -، واختُلِف عن أبي هريرة كما تقدّم. قال البيهقيّ ﵀: ومتابعة السنّة الثابتة، وما عليه أكثر الصحابة، وعوامّ أهل العلم أولى بنا. انتهى. وقال ابن عبد البرّ ﵀: لم يُتابع ابن عمر على تأويله ذلك فيما علمت إلا طاوس، وأحمد ابن حنبل، وروي عن أسماء بنت أبي بكر مثله، وعن عائشة نحوه. انتهى. (المذهب الثالث): مذهب فرقة ثالثة، قالوا: إن معنى الحديث: قَدّرُوه بحساب المنازل، حكاه النوويّ في «شرح مسلم» عن ابن سُريج، وجماعة، منهم مطرّف بن عبد الله، وابن قتيبة، وآخرون، وقال ابن عبد البرّ: رُوي عن مطرّف بن الشّخّير، وليس بصحيح عنه، ولو صحّ ما وجب اتباعه عليه؛ لشذوذه فيه، ولمخالفة الحجّة له، ثم حكى عن ابن قتيبة مثله، وقال: ليس هذا من شأن ابن قتيبة، ولا هو من يُعرّج عليه في مثل هذا الباب، ثم حَكَى عن ابن خويز منداد أنه حكاه عن الشافعيّ، ثم قال ابن عبد البرّ: والصحيح عنه في كتبه، وعند أصحابه، وجمهور العلماء خلافه، قال وليّ الدين: لا يعرف ذلك عن الشافعيّ أصلًا، والله أعلم. وبالغ ابن العربيّ في «العارضة» في إنكاره مقالة ابن سُريج هذه، قال المازريّ عن الجمهور: لا يجوز أن يكون حساب المنجّمين؛ لأن الناس لو كُلّفوا به ضاق عليهم؛ لأنه لا يعرفه إلا الأفراد، والشرع إنما يعرّف الناس بما يعرفه جماهيرهم، وحكى ابن العربيّ عن ابن سريج أن قوله: «فاقدروا» خطاب لمن خصّه الله بهذا العلم، وقوله: «فأكملوا العدّة» خطاب للعامة، قال ابن العربيّ: فكأن وجوب رمضان جعله مختلف الحال، يجب على قوم بحساب الشمس والقمر، وعلى آخرين بحساب الْجُمَّل، إن هذا لبعيد عن النبلاء، فكيف عن العلماء؟. وقال ابن الصلاح ﵀ في «مشكل الوسيط»: معرفة منازل القمر هو معرفة سير الأهلّة، وهو غير المعرفة بالحساب على ما أشعر به كلام الغزاليّ في الدرس، فالحساب أمر دقيق يختصّ بمعرفته الآحاد، والمعرفة بالمنازل كالمحسوس يشترك في ذكره الجمهور، ممن يراقب النجوم. انتهى. قال وليّ الدين: فمعرفة منازل القمر هي التي قال بها ابن سريج، ثم إنه لم يقل بها في حقّ كلّ أحد، وإنما قال بها في حقّ العارف بها، وإنما قال بجوازه له، كذا ذكر الرويانيّ عنه. ونقل الجواز أيضًا عن اختيار القفّال، والقاضي أبي الطيّب الطبريّ، وحكى الشيخ في المهذّب عن ابن سُريج لزوم الصوم في هذه الصورة، ثم ذكر وليّ الدين تفاصيل الأوجه في مذهب الشافعيّ في مسألة الحاسب والمنجّم، وبسط الكلام فيه. وقال ابن دقيق العيد في «شرح العمدة»: وأما ما دلّ الحساب على أن الهلال قد طلع من الأفق على وجه يُرى لولا وجود المانع، كالغيم، فهذا يقتضي الوجوب؛ لوجود السبب الشرعيّ، قال: وليس حقيقة الرؤية تشترط في اللزوم؛ لأن الاتفاق على أن المحبوس في الممطورة إذا علم بإكمال العدّة، أو الاجتهاد بالأمارات أن اليوم من رمضان وجب عليه الصوم، وإن لم ير الهلال، ولا أخبره من رآه. وردّ عليه الحافظ العراقيّ في «شرح الترمذيّ»، فقال: المحبوس في الممطورة معذور، فيجب عليه الاجتهاد في دخول الوقت، ويجب عليه العمل بما أدّى إليه اجتهاده، فإن تبيّن خطؤه بيقين أعاد، وحصول الغيم في المطالع أمر معتاد، والسبب الشرعيّ للوجوب إنما هو الرؤية، لا علم ذلك بالحساب؛ لقوله - ﷺ - في الحديث الصحيح: «إنا أمة أميّة، لا نحسب، ولا نكتب …» الحديث. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لقد أجاد الحافظ العراقيّ ﵀ في الاعتراض على ما قاله ابن دقيق العيد من الاعتماد على أن الهلال قد طلع، وقد ردّ الصنعاني عليه أيضًا في حاشيته «العدّة» ردًّا جميلًا، فراجع حاشيته ٣/ ٣٢٨ - ٣٢٩ . قال القاضي عياضٌ ﵀ ما حاصله: وصفه - ﷺ - لهم بالأميّة، وأنهم لا يحسُبُون لم ينف عنهم معرفة مثل هذا الحساب، وإنما وصفهم بذلك طرحًا للاعتداد بالمنازل، وطرُق الحساب الذي تُعَوِّل عليه الأعاجم في صومها وفطرها، وفُصُلِها. انتهى. قال: وأغرب ابن السبكيّ، فقال: لو شَهِد شاهد واحدٌ برؤية الهلال، واقتضى الحساب عدم إمكان رؤيته لا تُقبل الشهادة؛ لأن الحساب قطعيّ، والشهادة ظنيّةٌ، وشرط قبولها إمكان ما شُهد له حسًّا أو عقلًا، أو شرعًا، وهذا لا يُخالف قول الفقهاء: إنه لا اعتماد على الحساب؛ لأنهم قالوا في عكس هذه الصورة، وهو إذا دلّ الحساب على إمكان الرؤية. انتهى. قال الصنعانيّ: قلت: هذه القطعيّة المدّعاة إن أراد أنها قطعيّة عند الحاسب، وسلّمنا له ذلك فهو رجوع إلى قول بعض أكابر الشافعيّة: إنه يختصّ الحاسب بالعمل بذلك بالنسبة إليه، وإن أراد أنه قطعيّ عند الحاسب وغيره فهذا باطلٌ؛ لأن غير الحاسب إنما يستفيد هذا الحكم، وهو أن الحساب يُحيل الرؤية التي قامت عليها الشهادة من كلام الحاسب، وغاية ما يفيده خبره عند سامعه المحسِن به الظنّ ظنّه صدقَهُ، فأين القطع الذي زعمه؟، وما هذا وأشباهه إلا من شؤم معرفة علم= قال الحافظ وليّ الدين رحمه الله تعالى: وقد ظهر بما بسطناه صحّة مذهب الجمهور في تعليق الحكم بالرؤية، دون غيرها، وبه قال مالك، والشافعىّ، وأبو حنيفة، وجمهور العلماء من السلف والخلف. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله وليّ الدين ﵀، من ترجيح مذهب الجمهور في المسألة هو الحق الذي لا مَحِيد عنه؛ للأحاديث الصحيحة التي تدل على وجوب الاعتماد على الرؤية، دون غيره من الحساب، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم فيما يثبت به هلال رمضان: قال النووىّ ﵀: مذهبنا ثبوته بعدلين بلا خلاف، وفي ثبوته بعدل خلاف، الصحيح ثبوته، وسواء أَصْحَتِ السماءُ ، أو غَيَّمَت. وممن قال: يثبت بشاهد واحد: عبد الله بن المبارك، وأحمد بن حنبل، وآخرون، وممن قال: يشترط عدلان: عطاء، وعمر بن عبد العزيز، ومالك، والأوزاعيّ، والليث، وابن الماجشون، وإسحاق ابن راهويه، وداود. وقال الثوريّ: يشترط رجلان، أو رجل وامرأتان، كذا حكاه ابن المنذر، وقال أبو حنيفة: إن كانت السماء مغيمة ثبت بشهادة واحد، ولا يثبت غير رمضان إلا = الهيئة والنجوم الذي لم يأت عن الشارع حرف بصحّته، بل هو من العلم الذي قال الله تعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٢]، والشارع قد أوضح أوقات العبادات، وأناطها بأظهر الواضحات، أفتُرَدُّ الشهادة التي أمر الشارع بقبولها بقول الحاسب؟ قال - ﷺ -: «فإن غُمّ عليكم، فأتمّوا ثلاثين يومًا، فإن شَهِد شاهدان مسلمان، فصوموا، وأفطروا»، أخرجه أحمد من حديث عبد الرحمن زيد بن الخطّاب، رواه النسائيّ أيضًا، ولم يقل: «مسلمًا». انتهى كلام الصنعانيّ بتصرّف يسير. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره الصنعانيّ ﵀ بحثٌ ممتعٌ جدًّا، وحديث عبد الرحمن زيد بن الخطّاب حديث صحيح، وقد أوضحت ذلك مع فوائد مهمّة في «شرح النسائيّ» (٢٠/ ٢٨٨ - ٢٩٣)، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم. باثنين، قال: وإن كانت مُصْحِية لم يثبت رمضان بواحد، ولا باثنين، ولا يثبت إلا بعدد الاستفاضة. واحتُجّ لأبي حنيفة بأنه يبعد أن ينظر الجماعة الكبيرة إلى مطلع الهلال، وأبصارهم صحيحة، ولا مانع من الرؤية، ويراه واحد، أو اثنان دونهم. واحتجّ من شرط اثنين بحديث الحارث بن حاطب، وهو صحيح. واحتجّ أصحابنا بحديث ابن عمر - ﵄ -، قال: «تراءى الناس الهلال، فأخبرت النبيّ - ﷺ - أني رأيته، فصام، وأمر الناس بصيامه»، وهو أيضًا صحيح. قال: وأما حديث طاوس، عن ابن عمر، وابن عباس، - ﵃ - قالا: «إن رسول الله - ﷺ - أجاز شهادة رجل واحد على هلال رمضان، وكان لا يُجيز على شهادة الإفطار إلا شهادة رجلين»، فرواه البيهقيّ، وضعّفه، قال: وهذا مما لا ينبغي أن يُحتجّ به، قال: وفي الحديثين السابقين كفاية. ثم روى البيهقيّ بإسناده ما رواه الشافعيّ في «المسند» وغيره بإسناده الصحيح إلى فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب - ﵃ -: «أن رجلًا شهد عند عليّ - ﵃ - على رؤية هلال رمضان، فصام، وأحسبه قال: وأمر الناس بالصيام، وقال: لأن أصوم يومًا من شعبان أحبّ إليّ من أن أفطر يومًا من رمضان». و(الجواب) عما احتجّ به أبو حنيفة من وجهين: (أحدهما): أنه مخالف للأحاديث الصحيحة، فلا يعرّج عليه. (والثاني): أنه يجوز أن يراه بعضهم دون جمهورهم؛ لحسن نظره، أو غير ذلك، وليس هذا ممتنعًا، ولهذا لو شهد برؤيته اثنان، أو واحد، وحكم به حاكم لم يُنقَض بالإجماع، ووجب الصوم بالإجماع، ولو كان مستحيلًا لم ينفذ حكمه، ووجب نقضه. (والجواب) عما احتجّ به الآخرون: أن المراد بقوله: «نَنْسُك» هلال شوال، جمعًا بين الأحاديث، أو محمول على الاستحباب والاحتياط، ولا بدّ من أحد هذين التأويلين للجمع بين الأحاديث. انتهى كلام النوويّ ﵀ . وقال الشوكانيّ ﵀بعد ذكر اختلاف الأقوال- ما حاصله: واستدلّوا -يعني القائلين باعتبار شهادة الاثنين- بحديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وبحديث أمير مكة، فإن ظاهرهما اعتبار شاهدين، وتأولوا الحديثين المتقدمين -يعني حديث ابن عباس، وابن عمر - ﵃ - السابقين- باحتمال أن يكون قد شهد عند النبيّ - ﷺ - غيرهما. وأجاب الأولون -يعني القائلين بالاكتفاء بشهادة رجل واحد- بأن التصريح بالاثنين غاية ما فيه المنع من قبول الواحد بالمفهوم، وحديثا عبد الرحمن بن زيد، وأمير مكة يدلّان على قبوله بالمنطوق، ودلالة المنطوق أرجح، وأما التأويل بالاحتمال المذكور، فتعسّف وتجويز، لو صحّ اعتبار مثله لكان مفضيًا إلى طرح أكثر الشريعة. قال: واختلفوا أيضًا في شهادة خروج رمضان، فقال النوويّ في «شرح مسلم»: لا تجوز شهادة عدل واحد على هلال شوّال عند جميع العلماء، إلا أبا ثور، فجوّز بعدل. انتهى. واستدلّوا بحديث ابن عمر، وابن عباس المتقدم، وهو مما لا تقوم به حجة؛ لما تقدّم من ضعف من تفرّد به، وهو حفص بن عمر الأيليّ. وأما حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وحديث أمير مكة، فهما واردان في شهادة دخول رمضان، أما حديث أمير مكة فظاهر؛ لقوله فيه: «نسكنا بشهادتهما»، وأما حديث عبد الرحمن بن زيد ففي بعض ألفاظه: «إلا أن يشهد شاهدا عدل»، وهو مستثنى من قوله: «فأكملوا عدة شعبان»، فالكلام في شهادة دخول رمضان، وأما لفظ أحمد: «فإن شهد مسلمان، فصوموا، وأفطروا»، وكذا لفظ النسائيّ: «فإن شهد شاهدان، فصوموا، وأفطروا»، فمع كون مفهوم الشرط، قد وقع الخلاف في العمل به هوأيضًا معارض بما تقدّم من قبوله - ﷺ - لخبر الواحد في أول الشهر، وبالقياس عليه في آخره؛ لعدم الفارق، فلا ينتهض مثل هذا المفهوم لإثبات هذا الحكم به، وإذا لم يرد ما يدلّ على اعتبار الاثنين في شهادة الإفطار من الأدلّة الصحيحة، فالظاهر أنه يكفي فيه واحد قياسًا على الاكتفاء به في الصوم. وأيضًا التعبّد بقبول خبر الواحد يدلّ على قبوله في كلّ موضع إلا ما ورد الدليل بتخصيصه بعدم التعبّد فيه بخبر الواحد؛ كالشهادة على الأموال ونحوها، فالظاهر ما قاله أبو ثور. ويمكن أن يقال: إن مفهوم حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطّاب قد عورض في أول الشهر بما تقدّم، وأما في آخر الشهر فلا ينتهض ذلك القياس لمعارضته، لا سيّما مع تأيده بحديث ابن عمر وابن عباس المتقدّم، وهو وإن كان ضعيفًا، فذلك غير مانع من صلاحيته للتأييد، فيصلح ذلك المفهوم المعتضِد بذلك الحديث لتخصيص ما ورد من التعبّد بأخبار الآحاد، والمقام محلّ نظر. ومما يؤيّد القول بقبول الواحد مطلقًا أن قبوله في أول رمضان يستلزم الإفطار عند كمال العدّة استنادًا إلى قبوله. وأجيب عن ذلك بأنه يجوز الإفطار بقول الواحد ضمنًا، لا صريحًا، وفيه نظر. انتهى كلام الشوكانيّ ﵀. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يترجح عندي قول من قال: يثبت هلال رمضان بشهادة رجل واحد؛ لصحة حديث عكرمة عن ابن عباس - ﵄ -، قال: جاء أعرابيّ إلى النبيّ - ﷺ -، فقال: أبصرت الهلال الليلة، قال: «أتشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله؟» قال: نعم، قال: «يا بلال أذّن في الناس، فليصوموا»، رواه النسائيّ، وهو إن رُجّح فيه الإرسال، إلا أنه صحيح، يشهد له حديث ابن عمر عند أبي داود وغيره، بإسناد صحيح، قال: «تراءى الناس الهلال، فأخبرت رسول الله - ﷺ - أني رأيته، فصامه، وأمر الناس بصيامه»، وقد أشبعت البحث في هذا في «شرح النسائيّ»، فراجعه (٢٠/ ٢٨٥ - ٢٨٦) تستفد. والحاصل أن القول بثبوت شهادة رجل واحد هو الحقّ، وبهذا تجتمع الأدلّة، وأما الإفطار فلا بدّ من شاهدين؛ لصحة حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وهو ما أخرجه النسائيّ (٧/ ٢٦٧) بسند صحيح عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، أنه خطب الناس في اليوم الذي يُشَكّ فيه، فقال: ألا إني جالست أصحاب رسول الله - ﷺ -، وساءلتهم، وإنهم حدّثوني أن رسول الله - ﷺ - قال: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، وانسُكُوا لها، فإن غُمّ عليكم فأكملوا ثلاثين، فإن شهد شاهدان، فصوموا، وأفطروا»، وهو حديث صحيح. ولصحّة حديث أمير مكة، وهو ما أخرجه الدارقطنيّ في «سننه» (٢/ ١٦٧) بسند صحيح، عن حسين بن الحارث الْجَدَلي، أن أمير مكة خطبنا، فنَشَدَ الناسَ، فقال: من رأى الهلال ليوم كذا وكذا؟ ثم قال: عهد إلينا رسول الله - ﷺ - أن نَنْسُك للرؤية، فإن لم نره، وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما. قال: فسألت الحسين بن الحارث: مَن أمير مكة؟ قال: لا أدري، ثم لقيني بعدُ، فقال: هو الحارث بن حاطب، أخو محمد بن حاطب، قال الدارقطني: هذا إسناد متصلٌ صحيحٌ. ثم أخرجه بسند آخر، وزاد فيه: «وقال: إن فيكم من هو أعلم بالله ورسوله، وأشار إلى رجل خلفه، قلت: من هو؟ قال: ابن عمر، فقال ابن عمر: بذلك أمرنا رسول الله - ﷺ -». انتهى. والحاصل أن الإفطار لا بدّ فيه من شهادة شاهدين؛ لهذين الحديثين، وهما صحيحان، ولا معارض لهما، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤٩٩] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ - ﵁ -: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - ذَكَرَ رَمَضَانَ، فَضَرَبَ بِيَدَيْهِ، فَقَالَ: «الشَّهْرُ هَكَذَا، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا»، ثُمَّ عَقَدَ إِبْهَامَهُ فِي الثَّالِثَةِ: «فَصُومُوا لِرُؤيَتِهِ، وَأفْطِرُوا لِرُؤيَتِهِ، فَإنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ ثَلَاِثينَ »). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقة حافظ، صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أُسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) وهو ابن (٨٠) سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥١. ٣ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب العمري العدويّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ (٥) مات سنة بضع و(١٤٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٨/ ٢٢٢. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (فَضَرَبَ بِيَدَيْهِ) أي طَبّق بين أصابع يديه العشر. وقوله: («الشَّهْرُ هَكَذَا، وَهَكَذَا، وَهَكَذا») ثلاث مرّات، فالإشارة الأولى إلى العشرة، والثانية إلى العشرين، والثالثة إلى الثلاثين. وقوله: (ثُمَّ عَقَدَ إِبْهَامَهُ في الثَّالِثَةِ) يعني أنه - ﷺ - قبض إصبعًا واحدةً، وهي الإبهام من العشرة الثالثة؛ إشارةً إلى كونه تسعةً، فجملة ما أشار إليه تسعة وعشرون يومًا. وفي رواية: «الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا، وقبض إبهامه في الثالثة»، وفي رواية: «الشهر هكذا، وهكذا، وهكذا، عشرًا، وعشرًا، وتسعًا»، وفي رواية: «الشهر كذا، وكذا، وصَفَّق بيديه مرّتين بكلّ أصابعهما، ونقص في الصفقة الثالثة إبهام اليمنى، أو اليسرى»، وفي رواية: «الشهر تسع وعشرون، وطَبّق شعبة يديه ثلاث مرار، وكسر الإبهام في الثالثة، قال عقبة: وأحسبه قال: الشهر ثلاثون، وطَبّق كفّيه ثلاث مرار»، وكلّها في الكتاب، وفي حديث جابر - ﵁ - الآتي فيه أيضًا: «إن الشهر يكون تسعًا وعشرين، ثم طبّق النبيّ - ﷺ - بيديه ثلاثًا، مرّتين بأصابع يديه كلها، والثالثة بتسع منها». وحاصل معنى الحديث أنه - ﷺ - بيّن أن الشهر قد يكون تسعًا وعشرين يومًا أحيانًا، كما يكون ثلاثين يومًا أحيانًا، يوضّح هذا المعنى ما يأتي من حديث أبي هريرة - ﵁ -: «الشهر يكون تسعة وعشرين، وثلاثين …». ومن حديث ابن عمر - ﵄ -: «والشهر هكذا، وهكذا، وهكذا، وهكذا، وعقد الإبهام في الثالثة، والشهر هكذا، وهكذا، وهكذا، تمام ثلاثين». وقال النوويّ ﵀: حاصله أن الاعتبار بالهلال، فقد يكون تامًّا ثلاثين، وقد يكون ناقصًا تسعًا وعشرين، وقد لا يُرى الهلال، فيجب إكمال العدد ثلاثين، قالوا: وقد يقع النقص متواليًا في شهرين، وثلاثة، وأربعة، ولا يقع في أكثر من أربعة. وفي هذا الحديث جواز الاعتماد على الإشارة المفهمة في مثل هذا. انتهى . وقوله: (فَاقْدِرُوا لَهُ ثَلَاِثِينَ) بوصل الهمزة، وضمّ الدال، وكسرها: يعني حقّقوا مقادير أيام شعبان، حتى تكملوه ثلاثين يومًا، كما جاء في الرواية الأخرى. أفاده الحافظ السيوطيّ ﵀ في «شرح النسائيّ» . وقال الحافظ وليّ الدين ﵀: قال أهل اللغة: يقال: قدَرتُ الشيء - بالتخفيف- أقدُره -بضم الدال، وكسرها- وقدّرته -بالتشديد- وأقدرته بهمزة أوله بمعنى واحد، وهو من التقدير، قال الخطابيّ: ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣)﴾ [المرسلات: ٢٣]. فالمعنى: قدّروا له تمام العدد ثلاثين يومًا؛ أي انظروا في أول الشهر، واحسبوا تمام ثلاثين يومًا. انتهى. وبهذا فسّره الجمهور. انتهى بتصرف . والحديث متّفق عليه، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٠٠] (…) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، بِهَذَا الإسْنَادِ، وَقَالَ: «فَإنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا ثَلَاثِينَ»، نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٥. ٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير الهمدانىّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٥. و(عُبيد الله) هو العمريّ، ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية عبد الله بن نمير، عن عبيد الله هذه لم أر من ساقها، فليُنظر، والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٠١] (…) - (وَحَدَّثنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، بِهَذَا الإسْنَادِ، وَقَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - رَمَضَانَ، فَقَالَ: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ، الشَّهْرُ هَكَذَا ، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا» وَقَالَ: «فَاقْدِرُوا لَهُ»، وَلَمْ يَقُلْ: «ثَلَاثِينَ»). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ) أبو قُدامة السَّرَخسىّ، نزيل نيسابور، ثقةٌ مأمون سنّيّ [١٠] (ت ٢٤١) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٣٩. ٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بن فَرُّوخ القطّان، أبو سعيد البصريّ الحجة الثبت المشهور، من كبار [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨٥. و(عبيد الله) هو العمريّ المذكور قبله. [تنبيه]: رواية يحيى بن سعيد، عن عُبيد الله هذه، ساقها النسائيّ ﵀ في «المجتبى» (٧/ ٢٧٦) فقال: أخبرنا عمرو بن عليّ، قال: حدّثنا يحيى، قال: حدّثنا عبيد الله، قال: حدّثني نافع، عن ابن عمر، عن النبيّ - ﷺ - قال: «لا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غُمّ عليكم فاقدروا له». انتهى. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٠٢] (…) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ - ﵄ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّمَا الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ، فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب. ٢ - (إِسْمَاعِيلُ) ابن عُليّة، تقدّم أيضًا قبل باب. ٣ - (أيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٥] (ت ١٣١) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٠٥. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (حتى تروه) لا يمكن أن يكون معناه رؤية جميع الناس، بحيث يحتاج كلّ فرد في وجوب الصوم عليه إلى رؤية الهلال، بل المعتبر رؤية بعضهم، وهو العدد الذي تثبت به الحقوق، وهو عدلان؛ لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢]، وقولِهِ - ﷺ - للمدّعي: «شاهداك …» الحديث. إلا أن هلال رمضان يُكتفَى في ثبوته بعدل واحد عند أكثر أهل العلم، وهو الصواب؛ لحديث ابن عمر - ﵄ -، وحديث الأعرابيّ، وقد تقدم تمام البحث فيهما. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٠٣] (…) - (وَحَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، وَهُوَ ابْنُ عَلْقَمَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ - ﵄ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ، فَإِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَاهِلِيُّ) الساميّ البصريّ، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٤٤) (م ٤) تقدم في «الجمعة» ٦/ ١٩٧٢. ٢ - (بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ) بن لاحق أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٤٥. ٣ - (سَلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ) التميميّ، أبو بشر البصريّ، ثقةٌ [٦] (ت ١٣٩) (خ م د س ق) تقدم في «الجمعة» ٦/ ١٩٧٢. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ) معناه أن الشهر قد يكون تسعًا وعشرين. والحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٠٤] (…) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ - ﵄ -، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأفطِرُوا، فَإنْ غُمّ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطّاب العدويّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ فاضلٌ، من كبار [٣] (ت ١٠٦) على الصحيح (ع) تقدم في «الإيمان» ١٤/ ١٦٢. والباقون تقدّموا في الباب الماضي، وابن عمر ذُكر قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٠٥] (…) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَيَحْيَى بْنُ أيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالَ يَحْيَى بْن يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، أنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ - ﵄ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً، لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، إِلَّا أَنْ يُغَمَّ عَلَيْكُمْ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) العدويّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٢٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٤/ ١٦٠. والباقون تقدّموا في الباب، والباب الذي قبله، و«يحيى بن يحيى» هو التميميّ، و«يحيى بن أيوب» هو: المقابريّ، و«ابن حُجر» هو: عليّ. وقوله: (الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً) قال في «الفتح»: ظاهره حصر الشهر في تسع وعشرين، مع أنه لا ينحصر فيه، بل قد يكون ثلاثين. والجواب أن المعنى أن الشهر يكون تسعة وعشرين، أو اللام للعهد، والمراد شهر بعينه، أو هو محمول على الأكثر الأغلب؛ لقول ابن مسعود - ﵁ -: «ما صمنا مع النبيّ - ﷺ - تسعًا وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين»، أخرجه أبو داود، والترمذيّ، ومثله عن عائشة - ﵂ - عند أحمد، بإسناد جيّد، ويؤيد الأول قوله في حديث أم سلمة - ﵄ -: «إن الشهر يكون تسعة وعشرين يومًا»، متّفقٌ عليه. وقال ابن العربيّ: قوله: «الشهر تسع وعشرون، فلا تصوموا .. إلخ» معناه: حصره من جهة أحد طرفيه؛ أي أنه يكون تسعًا وعشرين، وهو أقله، ويكون ثلاثين، وهوأكثره، فلا تأخذوا أنفسكم بصوم الأكثر احتياطًا، ولا تقتصروا على الأقل تخفيفًا، ولكن اجعلوا عبادتكم مرتبطة ابتداءً وانتهاءً باستهلاله. انتهى . وقوله: (لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ … إلخ) قال في «الفتح»: ليس المراد تعليق الصوم بالرؤية في حقّ كل أحد، بل المراد بذلك رؤية بعضهم، وهو مَن يثبت به ذلك، إما واحد على رأي الجمهور، أو اثنان على رأي آخرين، ووافق الحنفية على الأول، إلا إنهم خَصُّوا ذلك بما إذا كان في السماء علة، من غيم وغيره، وإلا متى كان صَحْوٌ لم يقبل إلا من جمع كثير، يقع العلم بخبرهم. وقد تمسك بتعليق الصوم بالرؤية من ذهب إلى إلزام أهل البلد وغيرها، ومن لم يذهب إلى ذلك قال: لأن قوله: «حتى تروه» خطاب لأناس مخصوصين، فلا يلزم غيرهم، ولكنه مصروف عن ظاهره، فلا يتوقف الحال على رؤية كل واحد، فلا يتقيد بالبلد. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي تحقيق الخلاف فيما إذا رؤي الهلال في بلدة، هل يلزم البلدان الأخرى أم لا؟ قريبًا -إن شاء الله تعالى-. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٠٦] (…) - (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثنا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ - ﵄ - يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «الشَّهْرُ هَكَذَا، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا»، وَقَبَضَ إبْهَامَهُ فِي الثَّالِثَةِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) أبو موسى الحمّال البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) وقد ناهز الثمانين (م ٤) تقدم في «الإيمان» ٦٤/ ٣٦١. ٢ - (رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) القيسيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، له تصانيف [٩] (ت ٥ أو ٢٠٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩٠/ ٤٧٦. ٣ - (زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ) المكيّ، ثقةٌ، رُمي بالقدر [٦] (ع) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣٠. ٤ - (عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) الأثرم الْجُمَحيّ، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢١/ ١٨٤. و«ابن عمر» - ﵄ - ذُكر قبله. وقوله: (وَقَبَضَ إِبْهَامَهُ فِي الثَّالِثَةِ) لم تبيّن هذه الرواية أنها إبهام اليمنى، أو اليسرى، وسيأتي بعد حديثين أنه شاكّ في ذلك. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٠٧] (…) - (وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا حَسَنٌ الْأَشْيَبُ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، قَالَ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، أنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ - ﵄ - يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ»). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجّاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجّاج الثقفيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٥٩) (م د) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٤٠. ٢ - (حَسَنٌ الْأَشْيَبُ) هو: الحسن بن موسى، أبو عليّ البغداديّ، قاضي الْمَوْصل وغيرها، ثقةٌ [٩] (ت ٩ أو ٢١٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٥/ ٣٢١. ٣ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن التميميّ مولاهم النحويّ، أبو معاوية البصريّ، نزيل الكوفة، ثقة صاحب كتاب [٧] (ت ١٦٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٨. ٤ - (يَحْيَى) بن أبي كثير صالح بن المتوكّل الطائيّ مولاهم، أبو نصر البصريّ، ثمّ اليماميّ، ثقةٌ ثبتٌ يدلّس ويرسل [٥] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٢٤. ٥ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ مكثر [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٢٣. و(ابن عمر) - ﵄ - ذُكر قبله. وقوله: (الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ) أي إن الشهر يكون أحيانًا تسعًا وعشرين، كما يكون أحيانًا ثلاثين. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٠٨] (…) - (وَحَدَّثنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبَكَّائِىُّ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ - ﵄ -، عَن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «الشَّهْرُ هَكَذَا، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا، عَشْرًا، وَعَشْرًا، وَتِسْعًا»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ) بن فارس الكِنْديّ، أبو مسعود الْعَسْكريّ، نزيل الريّ، أحد الحفّاظ، صدوقٌ له غرائب [١٠] (ت ٢٣٥) (م) تقدم في «الإيمان» ٥/ ١٢١. ٢ - (زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبَكَّائِيُّ) - بفتح الموحّدة، وتشديد الكاف - هو: زياد بن عبد الله بن الطُّفَيل العامريّ، أبو محمد الكوفيّ، صدوقٌ، ثبتٌ في المغازي، وفي حديثه عن غير ابن إسحاق لينٌ [٨] (ت ١٨٣) (خ م ت ق) تقدم في «الصلاة» ٥٢/ ١١٤٣. ٣ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ) اللَّخْميّ الْفَرَسيّ الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ تغيّر حفظه، وربما دلّس [٣] (ت ١٣٦) وهو (١٠٣) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٦/ ٢٩٦. ٤ - (مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ) بن عُبيد الله التيميّ، أبو عيسى، أوأبو محمد المدنيّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ جليلٌ [٢] (ت ١٠٣) على الصحيح (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٣. و(ابن عمر) - ﵄ - ذُكر قبله. وقوله: (عَشْرًا، وَعَشْرًا، وَتِسْعًا) تفسير وتوضيح لمعنى «هكذا»، وانتصابه بـ «يكون» مقدّرًا؛ أي يكون عشرًا … إلخ. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث عنه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٠٩] (…) - (وَحَدَّثنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثنَا أَبِي، حَدَّثنَا شُعْبَةُ، عَنْ جَبَلَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ - ﵄ - يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «الشَّهْرُ كَذَا، وَكَذَا، وَكَذَا»، وَصَفَّقَ بِيَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ، بِكُلِّ أَصَابِعِهِمَا، وَنَقَصَ فِي الصَّفْقَةِ الثَّالِثَةِ إِبْهَامَ الْيُمْنَى، أَوْ الْيُسْرَى). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) تقدّم قبل باب. ٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ، تقدّم أيضًا قبل باب. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الشهير، تقدّم أيضًا قبل باب. ٤ - (جَبَلَةُ) بن سُحَيم -بمهملتين، مصغّرًا- التيميّ ، ويقال: الشيبانىّ، أبو سُوَيرة، ويقال: أبو سُرَيرة الكوفيّ، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن ابن عمر، ومعاوية، وابن الزبير، وحنظلة الأنصاريّ، إمام مسجد قباء، وله صحبة، وأبي المثنى العبديّ، وغيرهم. ورَوَى عنه أبو إسحاق السبيعيّ، وأبو إسحاق الشيبانيّ، وشعبة، والثوريّ، والعَوّام بن حَوْشَب، ومِسْعَر، وحجاج بن أرطاة، ورَقَبة بن مَصْقَلة، وجماعة. قال عليّ: قلت ليحيى: كان شعبة، والثوريّ يوثقانه؟ فقال برأسه: أي نعم، وقال يحيى: جبلة أثبت من آدم بن عليّ، وسمعت يحيى يقول: جبلة ثقةٌ، وقال نحو ذلك عبد الله بن أحمد، عن أبيه، وقال ابن معين: ثقة، زاد ابن أبي مريم عنه: كَيِّسٌ، حَسَنُ الحديث، وقال العجليّ، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: ثقةٌ صالح الحديث، وقال يعقوب بن سفيان: كوفيّ، تابعيّ، ثقة. وقال ابن سعد: توفي في فتنة الوليد بن يزيد، وقال خليفة بن خياط: مات في ولاية يوسف بن عمر، وقال القرّاب في «تاريخه»: مات سنة (١٢٦). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم (١٠٨٠) و(١١٦٥) وأعاده بعده، و(١٩٩٧) و(٢٠٤٥) وأعاده بعده، و(٢٠٨٥). و(ابن عمر) - ﵄ - ذُكر قبله. وقوله: (وَصَفَّقَ بِيَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ، بِكُلِّ أَصَابِعِهِمَا) أراد بالتصفيق هنا وضع كفّه على كفّه، فهو بمعنى قوله في الرواية السابقة: «ضرب بيده على الأخرى»، ومثله قوله الآتي: «وطبّق كفّيه». [تنبيه]: لم تُبيّن رواية المصنّف هذه فاعل «صفّق»، وقد بيّنته الرواية التالية من طريق غندر، عن شعبة بأنه الفاعل، حيث قال: «وطبّق شعبة يديه ثلاث مرار، وكسر الإبهام في الثالثة»، وفي رواية النسائيّ من طريق خالد الْهُجيميّ، عن شعبة: «الشهر هكذا، ووصف شعبة، عن صفة جَبَلَةَ، عن صفة ابن عمر أنه تسع وعشرون فيما حَكَى من صَنِيعه مرّتين بأصابع يديه، ونقص في الثالثة إِصْبَعًا من أصابع يديه»، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥١٠] (…) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثنَا شُعْبَةُ، عَنْ عُقْبَةَ، وَهُوَ ابْنُ حُرَيْثٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ - ﵄ - يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ»، وَطَبَّقَ شُعْبَةُ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ، وَكَسَرَ الإبْهَامَ فِي الثَّالِثَةِ، قَالَ عُقْبَةُ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ: «الشَّهْرُ ثَلَاثُونَ»، وَطبَّقَ كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ) . رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ الزَّمِنُ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُندر البصريّ، ثقةٌ صحيح الكتاب [٩] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. ٣ - (عُقْبَةُ بْنُ حُرَيْثٍ) التَّغْلِبيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٤] (م س) تقدم في «صلاة المسافرين» ٢٢/ ١٧٦٣. والباقيان ذُكرَا قبله. وقوله: (وَطَبَّقَ شُعْبَةُ يَدَيْهِ … إلخ) المراد حصول المطابقة والمقابلة بين الكفّين، وضمّ إحداهما إلى الأخرى، لا التطبيق الذي مرّ في «كتاب الصلاة» في صفة الركوع، كما تقدّم بيانه هناك. والحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥١١] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَن الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، أنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ - ﵄ - يُحَدِّثُ عَن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لَا نَكْتُبُ، وَلَا نَحْسُبُ، الشَّهْرُ هَكَدَا، وَهَكَدَا، وَهَكَذَا -وَعَقَدَ الإبْهَامَ فِي الثَّالِثَةِ- وَالشَّهْرُ هَكَذَا، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا»، يَعْني تَمَامَ ثَلَاثِينَ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد بن بشّار بُندار، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٥٢) تقدم في «المقدمة» (ع) ٢/ ٢. ٢ - (الْأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ) الْعَبديّ، ويقال: البَجَليّ، أبو قيس الكوفيّ، ثقةٌ [٤] (ع) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٣٦/ ١٤٣٠. ٣ - (سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ) بن أبي العاص الأمويّ المدنيّ، ثمّ الدمشقيّ، ثم الكوفيّ، ثقةٌ، من صغار [٣] مات بعد (١٢٠) (خ م د س ق) تقدم في «الطهارة» ٤/ ٥٤٩. والباقون كلّهم ذُكروا في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيات المصنف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، وسعيد بن عمرو فما أخرج لهما الترمذيّ. (ومنها): أن شيخيه: ابن المثنّى، وابن بشار من التسعة الذين يروي عنهم الجماعة بلا واسطة، وهم الذين جمعتهم في قولي: اشْتَرَكَ الأَئِمَّةُ الْهُدَاةُ … ذَوُو الأُصُولِ السِّتَّةِ الْوُعَاةُ فِي تِسْعَةٍ مِنَ الشُّيُوخِ الْمَهَرَهْ … النَّاقِدِينَ الْحَافِظِينَ الْبَرَرَهْ أُولَئِكَ الأَشَجُّ وَابْنُ مَعْمَرِ … نَصْرٌ وَيَعْقُوبُ وَعَمْرٌ السَّرِي وَابْنُ الْعَلَاءِ وَابْنُ بَشَّارٍ كَذَا … ابْنُ الْمُثَنَّى وَزِيَادٌ يُحْتَذَى وقد تقدّم هذا غير مرّة، وإنما أعدته تذكيرًا؛ لطول العهد به. ٣ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه ابن عمر أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتوى، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَن الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ) العبديّ، أو البجليّ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ) الأمويّ (أنّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ - ﵄ - يُحَدِّثُ عَن النَّبِيِّ - ﷺ -) وقوله (قَالَ) تفسير وتوضيح لمعنى «يُحَدِّث» («إِنَّا) أي العرب. وقيل: أراد نفسه، والأول أوضح (أُمَّةٌ) أي جماعة، هو مثل قوله تعالى: ﴿أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣]، وقال الجوهريّ: الأمة الجماعة، وقال الأخفش: هو في اللفظ واحد، وفي المعنى جمع، وكلُّ جنس من الحيوان أمة، والأمة الطريقة والدين، يقال: فلان لا أمة له؛ أي لا دِين له، ولا نِحْلة له، وكَسْرُ الهمزة فيه لغة، وقال ابن الأثير: الأمة الرجل المفرد بدين؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾ [النحل: ١٢٠] . (أُمَيَّةٌ) أي باقون على ما ولدتنا عليه أمهاتنا، وقيل: هو نسبة إلى الأمّ، فقيل: أراد أمة العرب؛ لأنها لا تكتب، أو نسبة إلى الأمهات؛ أي أنهم على أصل ولادة أمهم، أو نسبة إلى الأمّ؛ لأن المرأة هذه صفتها غالبًا، وقيل: نسبة إلى أمّ القرى، ولا يخفى بعدُه (لَا نَكْتُبُ، وَلَا نَحْسُبُ) بضم السين المهملة، يقال: حَسَبتُ المال حَسْبًا، من باب قتل: أحصيته عددًا، وفي المصدر أيضًا حِسْبة بالكسر، وحُسبانًا بالضمّ. قاله في «المصباح». فقوله: «لا نكتُبُ، ولا نحسُبُ» تفسير لكونهم أميين، وقيل للعرب: أميون؛ لأن الكتابة كانت فيهم عزيزة، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ الآية [الجمعة: ٢]، ولا يَرِد على ذلك أنه كان فيهم من يكتب، ويحسُبُ؛ لأن الكتابة كانت فيهم قليلة نادرة، والمراد بالحساب هنا حساب النجوم وتسييرها، ولم يكونوا يعرفون من ذلك أيضًا إلا النزر اليسير، فعلّق الحكم بالصوم وغيره بالرؤية لرفع الحرج عنهم في معاناة حساب التسيير، واستمرّ الحكم في الصوم، ولو حدث بعدهم من يعرف ذلك، بل ظاهر السياق يُشعر بنفي تعليق الحكم بالحساب أصلًا، ويوضّحه: «فإن غمّ عليكم فأكملوا العدّة ثلاثين»، ولم يقل: فسلوا أهل الحساب، والحكمة فيه كون العدد عند الإغماء يستوي فيه المكلّفون، فيرتفع الاختلاف والنزاع عنهم. وقد ذهب قوم إلى الرجوع إلى أهل التسيير في ذلك، وهم الرافضة، ونُقل عن بعض الفقهاء موافقتهم، قال الباجيّ: وإجماع السلف الصالح حجة عليهم، وقال ابن بزيزة: هو مذهب باطل، فقد نهت الشريعة عن الخوض في علم النجوم لأنها حَدْسٌ وتخمين، ليس فيها قطع، ولا ظنّ غالب، مع أنه لو ارتبط الأمر بها لضاق؛ إذ لا يعرفها إلا القليل. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: قوله - ﷺ -: «لا نكتب ولا نحسُب»: أي لم نُكَلَّف في تعرّف مواقيت صومنا، ولا عباداتنا ما نحتاج فيه إلى معرفة حساب، ولا كتابة، وإنما رُبطت عباداتنا بأعلام واضحة، وأمور ظاهرة، يستوي في معرفة ذلك الحُسّاب وغيرهم، ثم تمّم هذا المعنى، وكمّله حيث بيّنه بإشارته بيديه، ولم يتلفّظ بعبارة عنه نُزُولًا إلى ما يفهمه الْخُرْس والعُجْم، وحصل من إشارته بيديه ثلاث مرّات أن الشهر يكون ثلاثين، ومن خَنْسِه إبهامه في الثالثة أن الشهر يكون تسعًا وعشرين، كما نصّ عليه في الحديث الآخر. وعلى هذا الحديث من نذر أن يصوم شهرًا غير معيّن، فله أن يصوم تسعًا وعشرين؛ لأن ذلك يقال عليه: شهر، كما أن من نذر صلاة أجزأه من ذلك ركعتان؛ لأنه أقلّ ما يصدُق عليه الاسم، وكذلك من نذر صومًا، فصام يومًا أجزأه، وهو خلاف ما ذهب إليه مالك ﵀، فإنه قال: لا يجزئه إذا صامه بالأيام إلا ثلاثون يومًا، فإن صامه بالهلال فعلى ما يكون ذلك الشهر من رؤية الهلال. وفيه من الفقه أن يوم الشكّ محكوم له بأنه من شعبان، وأنه لا يجوز صومه عن رمضان؛ لأنه علّق صوم رمضان بالرؤية، وَلَمْ، فَلَا . انتهى كلام القرطبيّ ﵀ ، وهو بحثٌ نفيسٌ. (الشَّهْرُ هَكَذَا، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا -وَعَقَدَ الإبْهَامَ فِي الثَّالِثَةِ- وَالشَّهْرُ هَكَذَا، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا»، يَعْنِي تَمَامَ ثَلَاثينَ) يعني أنه أشار أوّلًا بأصابع يديه العشر جميعًا مرتين، وقبض الإبهام في المرة الثالثة، وهذا هو المعبّر عنه بقوله:«تسع وعشرون»، وأشار مرّة أخرى بهما ثلاث مرّات، وهو المعبّر عنه بقوله:«ثلاثون». وروى أحمد، وابن أبي شيبة، واللفظ له، من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن ابن عمر، رفعه:«الشهر تسع وعشرون، ثمّ طبّق بين كفيه مرتين، وطبّق الثالثة، فقبض الإبهام»، قالت عائشة: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، وإنما هجر النبيّ - ﷺ - نساءه شهرًا، فنزل لتسع وعشرين، فقيل له، فقال:«إن الشهر يكون تسعًا وعشرين، وشهر ثلاثون». وفي الحديث رفع لمراعاة النجوم بقوانين التعديل، وإنما المعوّل رؤية الأهلّة، وقد نُهِينا عن التكلّف، ولا شكّ أن في مراعاة ما غَمَضَ حتى لا يدرك إلا بالظنون غاية التكلّف. وفيه جواز اعتماد الإشارة الْمُفْهِمَة في مثل هذا. قال ابن بطال ﵀ : هذا الحديث ناسخ لمراعاة النجوم بقوانين التعديل، وإنما المعوَّل على رؤية الأهلة، وإنما لنا أن ننظر في علم الحساب ما يكون عيانًا، أو كالعيان، وأما ما غَمَضَ حتى لا يُدْرَك إلَّا بالظنون، ويكشف الهيئات الغائبة عن الأبصار، فقد نُهينا عنه، وعن تكلفه؛ لأن رسول الله - ﷺ - إنما بعث إلى الأميين. وفي الحديث مُسْتَنَدٌ لمن رأى الحكم بالإشارة والإيماء، كمن قال لامرأته: أنت طالقٌ، وأشار بأصابعه الثلاث، فإنه يلزمه ثلاث تطليقات. وفيه أيضًا أن يوم الشك من شعبان، فلا يجوز صومه. والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تخريجه، وبيان مسائله، قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥١٢] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْبَانَ، عَن الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، بِهَذَا الإسنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ لِلشَّهْرِ الثاني ثَلَاثينَ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (ابْنُ مَهْدِيٍّ) هو عبد الرحمن الإمام الحجة الثبت الناقد البصريّ [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨٨. ٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ الإمام الحجة الفقيه الثبت، من رؤوس [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. و«الأسود بن قيس» ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ، عن الأسود بن قيس هذه ساقها النسائيّ ﵀ في «المجتبى» (٤/ ١٣٩) فقال: أخبرنا محمد بن الْمُثَنَّى، قال: حدّثنا عبد الرحمن، عن سُفْيَانَ، عن الْأَسْوَدِ بن قَيْسٍ، عن سَعِيدِ بن عَمْرٍو، عن ابن عُمَرَ، عن النبيّ - ﷺ -: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لَا نَكْتُبُ، ولا نَحْسُبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا»، ثَلَاثًا، حتى ذَكَرَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥١٣] (…) - (حَدَّثنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثنا الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، قَالَ: سَمِعَ ابْنُ عُمَرَ - ﵄ - رَجُلًا يَقُولُ: اللَّيْلَةَ لَيْلَةُ النِّصْفِ، فَقَالَ لَهُ: مَا يُدْرِيكَ أَنَّ اللَّيْلَةَ النّصْفُ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «الشَّهْرُ هَكَذَا، وَهَكَذَا -وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ الْعَشْرِ مَرَّتَيْنِ- وَهَكَذَا» في الثَّالِثَةِ، وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ كُلِّهَا، وَحَبَسَ أَوْ خَنَسَ إِبْهَامَهُ). رجال الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ) فُضيل بن حسين البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خت م د ت س) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٧. ٢ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ) العبديّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٦) (ع) تقدم في «الطهارة» ١١/ ٥٨٤. ٣ - (الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) بن عروة النخعيّ، أبو عروة الكوفيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٦] (ت ١٣٩) (م ٤) تقدم في «الإيمان» ٣٨/ ٢٦٣. ٤ - (سَعْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ) السلميّ، أبو حمزة الكوفيّ، ثقة [٣] (ع) تقدم في «الإيمان» ٥/ ١٢٠. و(ابن عمر) - ﵄ - ذُكر قبله. وقوله: (سَمِعَ ابْنُ عُمَرَ - ﵄ - رَجُلًا) لا يُعرف . وقوله: (يَقولُ: اللَّيْلَةَ لَيْلَةُ النِّصْفِ) أي نصف رمضان، والظاهر أن «الليلةُ» بالرفع على الابتداء، و«ليلةُ النصف» خبره، ولكن الموجود في النسخ المطبوعة مضبوط ضبط قلم بنصب «الليلةَ»، ولا يخفى بُعْده، والله تعالى أعلم. وقوله: (مَا يُدْرِيكَ أَنَّ اللَّيْلَةَ النِّصْفُ؟) قال النوويّ ﵀: معناه أنك لا تدري أن الليلة النصف أم لا؛ لأن الشهر قد يكون تسعًا وعشرين، وأنت أردت أن الليلة ليلة اليوم الذي بتمامه يتم النصف، وهذا إنما يصح على تقدير تمامه، ولا تدري أنه تامّ أم لا. انتهى. وقوله: (وَحَبَسَ أَوْ خَنَسَ إِبْهَامَهُ) «أو»للشكّ من الراوي، والحبس: المنع؛ أي منع إبهامه من البسط والنشر، فأخّرها بالقبض، والخَنْسُ: التأخّر، والتأخير، يُستعمل لازمًا ومتعدّيًا، قال في «المصباح»: خَنَستُ الرجلَ خَنْسًا، من باب ضرب: أخّرته، أو قبضته، وزَوَيته، فانخنس، مثلُ كسرته فانكسر، ويُستعمل لازمًا أيضًا، فيقال: خَنَسَ الرجل هو، ومن المتعدّي في لفظ الحديث: «وخَنَسَ إبهامه»؛ أي قبضها، ومن الثاني الْخَنّاس في صفة الشيطان؛ لأنه اسم فاعل للمبالغة؛ لأنه يَخْنِسُ إذا سَمِعَ ذكر الله تعالى؛ أي ينقبض، ويُعدَّى بالألف أيضًا. انتهى . فتبيّن بما ذُكر أن «خَنَسَ» هنا متعَدّ؛ لنصبه «إبهامَهُ»؛ أي أخّرها، وقبضها، ولم يتركها مبسوطة. والحديث متّفقٌ عليه دون القصّة، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
مصادر المؤلف (٤٠)

١. «المصباح المنير»٢/ ٦٣٩.

٢. «شرح النوويّ» ٧/ ١٩٠.

٣. «الكاشف عن حقائق السنن» ٥/ ١٥٧٩.

٤. «المفهم» ٣/ ١٣٨ - ١٤٧.

٥. «شرح النوويّ»٧/ ١٨٩ - ١٩٠.

٦. «عمدة القاري»١٠/ ٢٧١.

٧. «المفهم»٣/ ١٣٨.

٨. راجع: «شرح النوويّ» ٧/ ١٨٩.

٩. «الفتح» ٥/ ٢٤٠ - ٢٤١.

١٠. «طرح التثريب» ٤/ ١١٤.

١١. «الفتح» ٥/ ٢٤١.

١٢. «الفتح» ٥/ ٢٤١.

١٣. انظر: «طرح التثريب» ٤/ ١١٧.

١٤. «المفهم» ٣/ ١٣٨ - ١٣٩.

١٥. المصدر السابق.

١٦. ونقل في «الفتح» كلام ابن عبد الهادي المذكور، وقال في آخره ما نصّه: وبقية الأحاديث تدل عليه، فاللام في قوله «فأكملوا العدة» للشهر؛ أي عِدَّة الشهر، =

١٧. وقع في نسخة «الطرح»: «أحدٌ وثلاثون» بالرفع، والظاهر أنه غلط، فليحرّر.

١٨. نصّه ﵀: أقول: إن النصّ اشترط في لزوم الصوم أحد أمرين: إما الرؤية، أو إكمال العدّة ثلاثين، ودلّ الدليل على أن رؤية البعض كافيةٌ فإثبات اللزوم بمجرّد الحساب ينافي النصّ، وقياسه على من حُبس في ممطورة قياسٌ مع الفارق؛ إذ مَن في الممطورة قد تعذّر عليه معرفة الْمُدْرَك المنصوص عليه حتى لو رآه الناس لَمَا رآه، فرجوعه إلى الحساب والقرائن بالضرورة؛ لأنه ليس في حقّه شيء يَعرِف به الصوم إلا ذلك، وكيف يرجع إلى قول الحاسب والشارعُ يقول: «فإن غُمّ عليكم فأكملوا العدّة ثلاثين»، ولو كان كلام الحاسب مُدْرَكًا شرعيًّا للصوم والإفطار لَمَا أهمله الشارع، بل أشار إلى خلافه بقوله: «إنّا أُمّة أميّةٌ لا نَكْتُبُ ولا نَحْسُبُ»، ثم قال: «الشهر هكذا …» الحديث، فأشار بيديه إلى الثلاثين، والتسع والعشرين.

١٩. يقال: أصحت السماء بالألف، فهي مُصحية: انكشف غَيْمها. قاله في «المصباح».

٢٠. المجموع ٦/ ٢٩٢ - ٢٩٤.

٢١. وفي نسخة: «صوموا».

٢٢. وفي نسخة: «فاقدروا ثلاثين».

٢٣. «شرح النوويّ» ٧/ ١٩٠ - ١٩١.

٢٤. «زهر الربى» ٤/ ١٣٤ - ١٣٥.

٢٥. هكذا ضبطه ولي الدين في «طرح التثريب» بهمزة أوله أيضًا، ولم أجد هذا فيما لديّ من كتب اللغة، فليحرّر. والله تعالى أعلم.

٢٦. «طرح التثريب» ٣/ ١٠٧.

٢٧. وفي نسخة: «الشهر تسع وعشرون هكذا» دون تكرار الشهر.

٢٨. «الفتح» ٥/ ٢٤٣ - ٢٤٤.

٢٩. «الفتح» ٥/ ٣٤٤.

٣٠. نسبة إلى البكاء، وهو ربيعة بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وقيل: هو ربيعة بن عامر بن صعصعة، وهم من بني عامر بن صعصعة، قاله في «اللباب» ١/ ١١٧.

٣١. قال في «تهذيب التهذيب» ٢/ ٥٣: تَيْمُ الذي نُسِب إليه جبلة هذا هو تيم بن شيبان ابن ذُهْل، فهو تيميّ، شيبانيّ، ذكره الرشاطيّ. انتهى.

٣٢. وفي نسخة: «ثلاث مرّات» في الموضعين.

٣٣. «عمدة القاري» ١٠/ ٢٨٦.

٣٤. انظر:«الفتح»٤/ ٦٢٣ طبعة دار الفكر.

٣٥. قوله: ولم فلا؛ أي ولم يُرَ، فلا صوم. والله تعالى أعلم.

٣٦. «المفهم»٣/ ١٣٩ - ١٤٠.

٣٧. راجع: «عمدة القاري» ١٠/ ٢٨٧.

٣٨. وفي نسخة: «ولم يذكر الشهر الثاني».

٣٩. «تنبيه المعلم» (ص ١٩٩).

٤٠. «المصباح المنير» ١/ ١٨٣.