[٤٩] حديث أبي هريرة ﵁: (إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ) ، وفي رواية: (فَتِّحَت أَبْوَابُ الجَنَّةِ بالرَّحمَةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ)، التشديد في: (فُتِّحَتْ)؛ و(وَغُلِّقَتْ) لتكثير الفعل، وكذلك في (صُفِّدَتِ)، ومعنى صُفِّدَت قُيِّدت وغُلَّت، والصِّفَادُ: القيد؛ جمع صَفَد، والصَّفْدُ: التقييد، قال:
فآبوا بالنهاب وبالسبايا … وأبنا بالملوك مصفدينا
وفي القرآن: ﴿مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ [إبراهيم: الآية ٤٩]، قيل: هي الأغلال، وصفَّدته وصفَدته - مخفف ومثقل - أي: أوثقته، ومعنى (سُلْسِلَتِ) شُدَّت بِالسَّلسِلة.
قال بعض العلماء: الصوم من معاظم أمور الدين، وقد ذكر الله ﷿ في الكتاب ما نبه به على عظم قدره وجلالة موقعه، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: الآية ١٨٣] الآيات، فعرفنا أن الصوم كان شريعةً لمن قبلنا، وجائز أن يكون ذلك مع
الاختلاف في تفصيله، كالصلاة المفروضة على من قبلنا، مع مخالفة ما شُرع لنا فيها في الأعداد والأوقات، وجائزٌ أن يكون على معنى استواء الصومين في عدد الأيام، وفي ذلك حثٌّ لنا على التزامها، لأن الشيء إذا استوى في التزام فعله العددُ الكثير، خف الأمر في احتمال ثِقلِه.
ثم قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، عرَّفَنَا أن الصومَ يورث التقوى، لأن في فعله كسرًا للنفس، وقمعًا لشهواتها، وفي ذلك تهوين لملاذِّ الدنيا، ومن هانت عليه الملاذُّ، وعصى الشهواتِ، سهُلت عليه الطاعات، فاستحق به الوصفَ بالتقوى، لأن حقيقة التقوى أن يخشى الله في أوامره أن تُترك، وفي نواهيه أن تُرتكب، وإلى هذا وقعت الإشارة بقول النبي ﷺ: (مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ) .
ثم قال ﷿: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: الآية ١٨٤]، فعرَّفَنا أنه لم يفرضه علينا أيام الدهر، ولا أكثر أيامه، وإنما فرضه علينا أياما يسيرة، يخِفُّ احتمال المشقة فيها، ثم بين هذه الأيام بقوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: الآية ١٨٥]، والشهر إما ثلاثون، وإما تسعٌ وعشرون.
ثم قال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: الآية ١٨٤]، عرَّفَهم أنه خفف عنهم في هاتين الحالتين: في السفر والمرض.
ثم قال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ أي: ومن ثقُل عليه الصوم من المطيقين، فله تركُه إلى إطعام مسكين، وهذا إنما كان في الفرْض
الأول، ثم نسخ التخيير بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: الآية ١٨٥]، وأعاد ذكر الرخصة للمريض والمسافر في الإفطار فقال: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ لئلا يَتَوَهَّم في الإفطار مُتَوهِّم أن الرخصة في هذا، إنما كانت حين كان للناس الخيار في فعل الصوم وتركه، في حال الإقامة والصحة.
ثم قال: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ الآية، وهي أيام شهر رمضان تتمونها صائمين ثم تكبرون الله على ما هداكم له هذه الشريعة، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: فإنكم إذا فعلتم ذلك، كنتم شاكرين الله على إنعامه عليكم بهذه الشريعة، فجعلهم في آخر الآية شاكرين الله بالصوم، كما جعلهم في أولها من المتقين، فثبت بهذا أن من قام بفرض الصوم، استحق أن يسمى متقيا شاكرا، ولا أَجَلَّ في صفاتِ العباد من هاتين الصفتين.
* * *
[٥٠ - ٥١] حديث عائشة ﵂: (لَمَّا مَضَتْ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً أَعُدُّهُنَّ، دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَتْ بَدَأَ بِي - فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ أَقْسَمْتَ أَنْ لَا تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْرًا، وَإِنَّكَ دَخَلْتَ مِنْ تِسْع وَعِشْرِينَ أَعُدُّهُنَّ، فَقَالَ: الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ) وفي رواية جابر ﵁ فقال: (إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ، ثُمَّ طَبَّقَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدَيْهِ ثَلَاثًا: مَرَّتَيْنِ بِأَصَابِع يَدَيْهِ كُلِّهَا، وَالثَّالِثَةَ بِتِسْعٍ مِنْهَا) وفي رواية: (وَصَفَّقَ بِيَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَحَبَسَ إِصْبَعًا وَاحِدَةً فِي الْآخِرَةِ)، وفي نسخة:
(وخَنَسَ) بالخاء المعجمة والنون، وفي رواية سعد ﵁: (ثُمَّ نَقَصَ فِي الثَّالِثَةِ إِصْبَعًا).
قال بعض العلماء : الأصل في وجوب الصوم قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: الآية ١٨٣]، ولم يُعيِّنْه في هذه الآية، وعَيَّنَه في الآية الأخرى، وهي قوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: الآية ١٨٥]، وما روى ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ، شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهِ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِنَاءِ الزَّكَاةِ وَصَوْمِ رَمَضَان وَحَجَّ البَيْتِ مَن اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) .
فإذا ثبت هذا، فالصوم في اللغة هو الإمساك والكفُّ، فكل من أمسك عن شيء وكفَّ عنه يقال: هو صائم، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: الآية ٢٦]، أي: صمتا، وكذلك يُقال: صام النهارُ، إذا وقفت الشمس ولم تسر وقتَ الزوال، يقال: صامتِ الخيلُ: إذا وقفت ولم تسر، ومنه قول العجاج:
خَيلٌ صيامٌ وخيلٌ غيرُ صائمةٍ … تَحْتَ العَجاجِ وأُخرَى تَعلُكُ اللُّجُمَا
فأما في الشرع: فالصوم هو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع دون غيره، فهو من الأسماء المنقولة من اللغة إلى الشرع، إلا أنه منقول إلى النقصان،
والنقل قد يكون تارة إلى النقصان وتارة إلى الزيادة.
ولا يجب صوم رمضان حتى يستيقن أن الهلال قد رُئِي، أو يستكمل شعبان ثلاثين يوما، فما لم يوجد أحد هذين الشرطين لا يجب الصوم، دليلنا ما رُوي عن النبي ﷺ إذ قال: (لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوا الهِلَالَ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ) .
واختلف الناس في يوم الشك: فمذهب الشافعي ﵀ أنه مكروه بكل حال، إلا أن يكون الرجل ممن يصوم الدهر، أو يعتاد أياما فوافق تلكَ الأيام يومُ الشك، فلا يكره الصوم، روي عن عَلِيٍّ وعمار ﵄، وقال ابن عمر ﵁: إن كان صحوا كره صومه، وإن كان غيما لم يكره ، وهو قول أحمد ،
وقال الحسن وابن سيرين : الناس تبع للإمام، فإن صام الإمام صامت الرعية، وإن أفطر الإمام أفطروا، وقال أبو حنيفة : إن صامه ونوى به التطوع لم يكره، وإن نواه عن رمضان كُرِه.
دليل أصحاب الشافعي قوله ﵇: (لَا تَسْتَقْبِلُوا الشَّهْرَ بِيَومٍ وَلَا يَومَينِ إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ يَوْمًا كَانَ يَصُومُهُ أَحَدُكُم، وَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الهِلَالَ وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ) ، فاقتضى الظاهرُ أنه لا يجوز صومه بحال، إلا ما استثناه الخبر.
* * *