HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٠٨٧

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ (قَالَ يحيى بن يحيى: أخبرنا وقال الآخرون: حدثنا إِسْمَاعِيلُ وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ) عَنْ مُحَمَّدٍ (وَهُوَ ابْنُ أَبِي حَرْمَلَةَ) عَنْ كُرَيْبٍ؛ أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ بِنْتَ الْحَارِثِ بَعَثَتْهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ. قَالَ: فَقَدِمْتُ الشَّامَ. فَقَضَيْتُ حَاجَتَهَا. وَاسْتُهِلَّ عَلَيَّ رَمَضَانُ وَأَنَا بِالشَّامِ. فَرَأَيْتُ الْهِلَالَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ. ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ. فَسَأَلَنِي عبد الله بن عباس ﵄. ثُمَّ ذَكَرَ الْهِلَالَ فَقَالَ: مَتَى رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ فَقُلْتُ: رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ. فَقَالَ: أَنْتَ رَأَيْتَهُ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. وَرَآهُ النَّاسُ. وَصَامُوا وَصَامَ مُعَاوِيَةُ. فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت. فلا تزال نَصُومُ حَتَّى نُكْمِلَ ثَلَاثِينَ. أَوْ نَرَاهُ. فَقُلْتُ: أَوَ لَا تَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ؟ فَقَالَ: لَا. هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. وَشَكَّ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى فِي: نكتفي أو تكتفي.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج3 ص126
ج ٢ ص ٧٦٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن النسائي, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٠ ص٤٦٧
(٥) - (بَابُ بَيَانِ أَنَّ لِكُلِّ بَلَدٍ رُؤْيَتَهُمْ وَأنَّهُمْ إِذَا رَأَوُا الْهِلَالَ بِبَلَدٍ لَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ لِمَا بَعُدَ عَنْهُمْ) وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٥٢٨] (١٠٨٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَيحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثنَا إِسْمَاعِيلُ، وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ ابْنُ أَبِي حَرْمَلَةَ، عَنْ كرَيْبٍ، أَن أُمَّ الْفَضْلِ بِنْتَ الْحَارِثِ، بَعَثَتهُ اِلَى مُعَاوِبَةَ بِالشَّامِ، قَالَ: فَقَدِمْتُ الشَّامَ، فَقَضَيْتُ حَاجَتَهَا، وَاستُهِلَّ عَلَىَّ رَمَضَانُ، وَأنا بِالشَّامِ، فَرَأَيْتُ الْهِلَالَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ في آخِرِ الشَّهْرِ، فَسَألنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ - ﵄ -، ثُمَّ ذَكَرَ الْهِلَالَ، فَقَالَ: مَتَى رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ؟ فَقُلْتُ: رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: أنتَ رَأيتَهُ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، وَرَآهُ النَّاسُ، وَصَامُوا، وَصَامَ مُعَاوِيةُ، فَقَالَ: لَكِنَا رَأَيْنَاهُ لَيلَةَ السَّبتِ، فَلَا نَزَالُ نَصُومُ، حَتَّى نُكْمِلَ ثَلَاِثينَ، أَوْ نَرَاهُ، فَقُلْتُ: أَوَ لَا تَكْتَفِي بِرُؤْبَةِ مُعَاوِيةَ وَصِيَامِهِ؟ فَقَالَ: لَا، هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -. وَشَك يَحْيَى بْنُ يَحْيَى فِي «نَكْتَفِي»، أَوْ «تكتَفِي»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم قبل بابين. ٢ - (يَحْيَى بْنُ أيُّوبَ) المقابريّ البغداديّ، تقدّم أيضًا قبل بابين. ٣ - (قتيْبَةُ) بن سعيد، تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (ابْنُ حُجْرٍ) هو: عليّ بن حُجر السعديّ، تقدّم قبل بابين. ٥ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير، تقدّم قبل بابين أيضًا. ٦ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَرْمَلَةَ) القرشيّ المدنيّ، مولى ابن حُويطب، ثقةٌ [٦] مات سنة بضع (١٣٠) (خ م د ت س) تقدم في «صلاة المسافرين» ٥٤/ ١٩٣٤. ٧ - (كُرَيْبُ) بن أبي مسلم الهاشميّ مولاهم، أبو رِشْدين المدني، مولى ابن عبّاس، ثقةٌ [٣] (ت ٩٨) (ع) تقدم في «الحيض» ٢/ ٦٨٨. ٨ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ) - ﵁ -، حبر الأمة وبحرها، مات سنة (٦٨) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه أربعة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتحاد كيفية أخذه عنهم، ثم فرّق؛ لاختلافهم في كيفية أخذهم عن شيخهم. ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيوخه، فالأول نيسابوريّ، والثاني بغداديّ، والثالث بغلانيّ، والرابع مروزيّ. ٣ - (ومنها): أن فيه ابن عباس - ﵄ - حبر الأمة وبحرها، وترجمان القرآن، وأحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ كُرَيْبٌ) مولى ابن عباس - ﵄ -، وفي رواية النسائيّ مسلسل بالإخبار والتحديث، ولفظه: «أخبرنا عليّ بن حُجْرٍ، قال: حدّثنا إسماعيل، قال: حدّثنا محمد -وهو ابن أبي حرملة- قال: أخبرني كُريبٌ، أن أم الفضل بعثته …» (أَنَّ أمَّ الْفَضْلِ بِنتَ الْحَارثَ) هي: لبابة بنت الحارث بن حَزْن -بفتح، فسكون- الهلالية، زوج العباس بن عبد المطّلب، وأخت ميمونة زوج النبيّ - ﷺ -، ماتت بعد العباس في خلافة عثمان - ﵃ -، تقدّمت ترجمتها في «الصلاة» ٣٦/ ١٠٣٨. (بَعَتثهُ) أي أرسلته لقضاء حاجة لها (إِلَى مُعَاوِيةَ) بن أبي سفيان، أبي عبد الرحمن الخليفة الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، أسلم قبل الفتح، وكتب الوحي لرسول الله - ﷺ -، ومات في رجب سنة (٦٠) وقد قارب (٨٠)، تقدّمت ترجمته في «الصلاة: ٨/ ٨٥٨. (بِالشَّامِ) بالهمزة، وبدونها: البلدة المعروفة (قَالَ) كريب (فَقَدِمْتُ الشَّامَ، فَقَضَيْتُ حَاجَتَهَا) أي بَلّغت رسالتها إلى معاوية - ﵁ - (وَاسْتُهِلّ عَلَيَّ رَمَضَانَ) وفي رواية النسائيّ:»واستُهِلّ عليّ هلالُ رمضان«، وهو بالبناء للمفعول، وقيل: يجوز بناؤه للفاعل؛ أي رُؤي هلال رمضان، أو تبيّن، قال الفيّوميّ -﵀-: وأُهِلّ الهلالُ بالبناء للمفعول، وللفاعل أيضًا، ومنهم من يمنعه، واستُهِلّ بالبناء للمفعول، ومنهم من يُجيز بناءه للفاعل، وهَلَّ، من باب ضرب لغةٌ أيضًا: إذا ظهر، وأَهْلَلنا الهلالَ، واستهللناه: رفعنا الصوت برؤيته، وأهلّ الرجل: رفع صوته بذكر الله تعالى عند نعمة، أو رؤية شيء يعجبه. و«الهلال»هو القمر في حالة خاصّة، قال الأزهريّ: ويسمّى لليلتين من أول الشهر هلالًا، وفي ليلة ستّ وعشرين، وسبع وعشرين أيضًا هلالًا، وما بين ذلك يسمّى قمرًا، وقال الفارابيّ، وتبعه في«الصِّحَاح»: الهلال لثلاث ليال من أول الشهر، ثم هو قمر بعد ذلك، وقيل: الهلال هو الشهر بعينه . (وَأنَا بِالشَّامِ) جملة حالية؛ يعني أنه رؤي هلال رمضان، والحال أن كريبًا بالشام، قبل أن يرجع إلى المدينة (فَرَأَيْتُ الْهِلَال) وفي رواية أبي داود، والترمذيّ:«فرأينا الهلال» بنون الجمع (لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، فِي آخِرِ الشَّهْرِ، فَسَألنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ - ﵄ -) يعني أنه سأله عن أمور تتعلّق به، وبسفره، وعن حال أهل الشام، وغير ذلك، كما هو الشأن والعادة عند قدوم المسافر من سفره (ثُمَّ) انساق الكلام إلى أن (ذَكَرَ الْهِلَالَ، فَقَالَ: مَتَى رَأَيتُمُ الهِلَالَ؟ فَقُلْتُ: رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، قَالَ: أنتَ رَأَيْتَهُ) بتقدير همزة الاستفهام؛ أي أأنت رأيته؟، وفي رواية النسائيّ: «أنت رأيته لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ؟» (فَقُلْتُ: نَعَمْ، وَرَآهُ النَّاسُ، فَصَامُوا، وَصَامَ مُعَاوِيَةُ، قَالَ: لَكِنَّا) بنون مشددة، لإدغام نون «لكن» في نون ضمير جمع المتكلّم، وفي رواية النسائيّ: «لَكِنْ» بسكون النون (رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ) أي بعد رؤية أهل الشام (فَلَا نَزَالُ نَصُومُ، حَتى نُكمِلَ ثَلَاِثِينَ) وفي رواية النسائيّ: «حتى نُكمِل ثلاثين يَوْمًا» (أَوْ نَرَاهُ) أي قبل ذلك لتسعة وعشرين (فَقُلتُ: أَوَ لَا تَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ، وَصِيَامِهِ؟) وفي رواية النسائيّ: «أْوَ لا تكتفي برؤية معاوية وَأَصْحَابِهِ؟» (فَقَالَ: لَا، هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) الظاهر أنه أراد: أمرنا أن لا نعتمد على رؤية غيرنا، ولا نكتفي بها، بل لا نعتمد إلا على رؤية أهل بلدنا، وقد ترجم الترمذيّ -﵀-، فقال: «ما جاء لكلّ أهل بلد رؤيتهم»، ثم أورد حديث الباب، وقال أيضًا: والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم أن لكلّ أهل بلد رؤيتهم. انتهى. وقوله: (وَشَكَّ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى فِي «نَكْتَفِي»، أَوْ «تَكْتَفِي») أشار إلى بيان اختلاف شيوخه، فقد اتفق الثلاثة على لفظ: «أو لا تكتفي» بالتاء، وشكّ شيخه يحيى بن يحيى هل هو «نكتفي» بالنون، أو «تكتفي» بالتاء. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: حديث ابن عباس بهذا من أفراد المصنّف -﵀-. المسألة الثانية: في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٢٥٢٨] (١٠٨٧)، و(الترمذيّ) في «الصوم» (٦٢٩)، و(النسائيّ) في «الصيام» (٢١١١) و«الكبرى» (٢٤٢١)، و(أحمد) في «مسنده»، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (١٩١٦) (١/ ٣٠٦)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ١٦٤)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (٢/ ١٧١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٢/ ٦٧ و٤/ ٢٥١) و«المعرفة» (٣/ ٣٩٩)، والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في اختلاف أهل العلم في حكم اختلاف المطالع: قال الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ -﵀- في «التمهيد» (١٤/ ٣٥٦): واختَلَف العلماء في الحكم إذا رَأَى الهلال أهل بلد دون غيره من البلدان، فرُوي عن ابن عباس، وعكرمة، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، أنهم قالوا: لكل أهل بلد رؤيتهم، وبه قال إسحاق ابن راهويه، وحجة من قال هذا القول حديث ابن عبّاس - ﵄ -، ثم أخرج حديث الباب. ثم قال: وفيه قول آخر، رُوي عن الليث بن سعد، والشافعيّ، وأحمد بن حنبل، قالوا: إذا ثبت عند الناس أن أهل بلد رأوه فعليهم قضاء ما أفطروا، وهو قول مالك، فيما روي لابن القاسم، وقد رُوي عن مالك، وهو مذهب المدنيين من أصحابه، أن الرؤية لا تلزم غير البلد الذي حصلت فيه، إلا أن يَحْمِل الإمام على ذلك، وأما مع اختلاف الكلمة فلا، إلا في البلد بعينه. قال أبو عمر -﵀-: إلى القول الأول أذهب؛ لأن فيه أثرًا مرفوعًا، وهو حديث حسن تلزم به الحجة، وهو قول صاحب كبير لا مخالف له من الصحابة، وقول طائفة من فقهاء التابعين، ومع هذا إن النظر يدل عليه عندي؛ لأن الناس لا يُكَلَّفون علم ما غاب عنهم في غير بلدهم، ولو كلفوا ذلك لضاق عليهم، أرأيت لو رُئي بمكة، أو بخراسان هلال رمضان أعوامًا بغير ما كان بالأندلس، ثم ثبت ذلك بزمان عند أهل الأندلس، أو عند بعضهم، أو عند رجل واحد منهم، أكان يجب عليه قضاء ذلك، وهو قد صام برؤيةٍ، وأفطر برؤيةٍ، أو بكمال ثلاثين يومًا، كما أُمِرَ؟ ومَن عَمِل بما يجب عليه مما أمر به فقد قضى الله عنه، وقول ابن عباس عندي صحيح في هذا الباب، والله الموفق للصواب. نتهى كلام ابن عبد البرّ -﵀- ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. وقال أبو العبّاس القرطبيّ -﵀-: قول ابن عبّاس - ﵁ -: «هكذا أمرنا رسول الله - ﷺ -» كلمة تصريح برفع ذلك للنبيّ - ﷺ -، وبأمره به، فهو حجة على أن البلاد إذا تباعدت كتباعد الشام من الحجاز، أو ما قارب ذلك، فالواجب على أهل كلّ بلد أن يعملوا على رؤيتهم دون رؤية غيرهم، وإن ثبت ذلك عند الإمام الأعظم، ما لم يَحْمِل الناس على ذلك فلا تجوز مخالفته؛ إذ المسألة اجتهاديّة مُختلف فيها، ولا يبقى مع حكم الإمام اجتهادٌ، ولا تحلّ مخالفته، ألا ترى أن معاوية - ﵁ - أمير المؤمنين قد صام بالرؤية، وصام الناس بها بالشام، ثم لم يلتفت ابن عبّاس - ﵄ - إلى ذلك، بل بقي على حكم رؤيته هو، ووجه هذا يُعرف من علم الهيئة والتعديل، وذلك يتبيّن فيها أن ارتفاعات الأقاليم مختلفة، فتختلف مطالع الأهلّة ومغاربها، فيطلُع الهلال ويغرُب على قوم قبل طلوعه وغروبه على آخرين، وعلى هذا فلا يظهر تأثير هذا إلا فيما بَعُدَ جدًّا، لا فيما قرُبَ، قال: وإلى ذلك صار ابن عبّاس، وسالم، والقاسم، وعكرمة، وبه قال إسحاق، وإليه أشار الترمذيّ، حيث بوّب: «لأهل كلّ بلد رؤيتهم»، وحكَى أبو عمر بن عبد البرّ الإجماع على أنه لا تُراعى الرؤية فيما بَعُد من البلدان، كالأندلس من خُرَاسان، قال: ولكلّ بلد رؤيتهم إلا ما كان كالمصر الكبير، وما تقاربت أقطاره من بلدان المسلمين، قال: وهذا الإجماع الذي حكاه أبو عمر يدلّ على أن الخلاف الواقع في هذه المسألة إنما هو فيما تقارب من البلاد، ثم ذكر ما ذكره ابن المنذر من الخلاف في المسألة، وقد تقدّم، ثم قال: وقال شيوخنا: إذا كانت رؤية الهلال ظاهرة قاطعة بموضع، ثم نُقل إلى غيرهم بشهادة شاهدين لزمهم الصوم، وقال عبد الملك: أما ثبوته بالشهادة فلا يلزم فيها الصوم إلا لأهل البلد الذي ثبتت فيه الشهادة، إلا أن يثبت عند الإمام الأعظم فيُلزِمَ الناس كلّهم الصيام، وعَلّل هذا بأن البلاد كلها لا كبلد واحد؛ إذ حكمه نافذ في الجميع. قال القرطبيّ: هكذا وقع نقل المشايخ لهذه المسألة، ولم يفرّقوا بين البعيد والقريب من الأقاليم، والصواب الفرق بدليل الإجماع الذي حكاه أبو عمر، فيُحمل إطلاق المشايخ على البلاد المتقاربة، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- . وقال الحافظ في «الفتح»: وقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب: (أحدهما): أن لأهل كلّ بلد رؤيتهم، وفي «صحيح مسلم»، من حديث حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ما يشهد له، وحكاه ابن المنذر عن عكرمة، والقاسم، وسالم، وإسحاق، وحكاه الترمذيّ عن أهل العلم، ولم يحك سواه. وحكاه الماورديّ وجهًا للشافعيّة. (الثاني): مقابله: وهو أنه إذا رؤي ببلدة لزم أهل البلاد كلها، وهو المشهور عند المالكية، لكن حكى ابن عبد البرّ الإجماع على خلافه، وقال: أجمعوا على أنه لا تراعى الرؤية فيما بعد من البلاد، كخراسان والأندلس. قال القرطبيّ: قد قال شيوخنا: إذا كانت رؤية الهلال ظاهرة قاطعة بموضع، ثم نقل إلى غيرهم بشهادة اثنين لزمهم الصوم. وقال ابن الماجشون: لا يلزمهم بالشهادة إلا لأهل البلد الذي يثبت فيه الشهادة إلا أن يثبت عند الإمام الأعظم، فيلزم الناس كلهم؛ لأن البلاد في حقّه كالبلد الواحد؛ إذ حكمه في الجميع. وقال بعض الشافعية: إن تقاربت البلاد كان الحكم واحدًا، وإن تباعدت فوجهان، لا يجب عند الأكثر، واختار أبو الطيّب، وطائفة الوجوب، وحكاه البغويّ عن الشافعيّ. وفي ضبط البعد أوجه: (أحدها): اختلاف المطالع: قطع به العراقيون، والصيدلانيّ، وصححه النوويّ في «الروضة»، و«شرح المهذّب». (ثانيها): مسافة القصر: قطع به الإمام، والبغويّ، وصححه الرافعيّ في «الصغير»، والنوويّ في «شرح مسلم». (ثالثها): اختلاف الأقاليم. (رابعها): حكاه السرخسيّ، فقال: يلزم كل بلد لا يتصوّر خفاؤه عنهم بلا عارض، دون غيرهم. (خامسها): قول ابن الماجشون المتقدّم. ذكره في «الفتح» . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الأرجح هو القول باعتبار اختلاف المطالع. وحاصله أن لكلّ أهل بلد تختلف مطالعهم رؤيتهم الخاصّة بهم؛ لأن حديث ابن عباس - ﵄ - ظاهر في الدلالة عليه، وأيضا أن اختلاف المطالع معتبر في دخول أوقات الصلاة، وخروجها بلا خلاف، فلا تجب صلاة الظهر مثلًا على جميع أهل الأرض بالزوال في بلد من البلدان، وإنما تلزم من زالت عنده، فقط، فكذلك هنا من دون فرق، والله تعالى أعلم. وقد أطال الشوكاني في «نيل الأوطار» في ردّ قول ابن عباس - ﵄ -، وأنه اجتهاد منه، فأتى في ذلك بما يُتعجّب منه، حيث يردّ على ابن عباس - ﵄ -، بدون دليل مقنع، فتأويل قوله: «هكذا أمرنا رسول الله - ﷺ -) بأنه أراد قوله - ﷺ -:»صوموا لرؤيته … «تأويل بارد، ظاهر التعسّف، فابن عباس - ﵄ - من أهل اللسان، والفقه، وقد أخبر أنه - ﷺ - أمرهم هكذا، فالظاهر أنه أمرهم بأن لا يصوموا برؤية البلدان النائية، حتى يروا بأنفسهم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
مصادر المؤلف (٤)

١. «المصباح» ٢/ ٦٣٩.

٢. «التمهيد» ١٤/ ٣٥٦ - ٣٥٨.

٣. «المفهم» ٣/ ١٤٢ - ١٤٤.

٤. «الفتح» ٤/ ٦١٨.